منذ اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية، شهدت أسعار النفط تذبذبًا ملحوظًا، ما أثّر بوضوح على الدول المستوردة، كما انعكس أيضًا على اقتصادات دول الخليج العربي، رغم مكانتها كمصدر رئيسي للطاقة عالميًا. إذ تنتج المملكة العربية السعودية نحو 10 ملايين برميل يوميًا، تليها الإمارات العربية المتحدة بإنتاج يقارب 4 ملايين برميل، ثم الكويت بحوالي 3 ملايين برميل يوميًا. أما سلطنة عُمان فتنتج قرابة مليون برميل يوميًا، وقطر نحو 600 ألف برميل، في حين يبلغ إنتاج البحرين نحو 185 ألف برميل يوميًا.
وعلى الرغم من هذا الحجم الكبير من الإنتاج، الذي يمنح دول الخليج تأثيرًا مهمًا في الاقتصاد العالمي، فإنها تبقى عرضة للتوترات السياسية والاقتصادية التي تنعكس على مستويات الإنتاج والتصدير، وبالتالي على استقرار الأسعار في الأسواق الدولية.
في هذا السياق، حاور “نون بوست” الدكتور ممدوح سلامة، الخبير الاقتصادي الدولي في شؤون النفط والطاقة. يحمل سلامة درجة الدكتوراه في الاقتصاد، متخصصًا في جيوبوليتيك النفط والطاقة، ويشغل منصب أستاذ زائر في اقتصاديات الطاقة بكلية “إي إس سي بي” لإدارة الأعمال في لندن، كما عمل مستشارًا للبنك الدولي في قضايا النفط والطاقة.
أصدر سلامة عددًا من الكتب والدراسات المتخصصة في هذا المجال، من أبرزها: “حرب برميل النفط” (باللغة الإنجليزية)، و”هل حدوث أزمة نفط ثالثة أمر حتمي؟”، و”الآفاق والاحتياجات للطاقة في الأردن حتى عام 2010: الجدوى الاقتصادية لاستخراج النفط من الصخر الزيتي”، إضافة إلى “أسباب الهبوط الحاد في أسعار النفط الخام: فائض الإنتاج أم السياسة الدولية؟”.
كيف تتأثر أسعار النفط بالارتفاع والانخفاض نتيجة الحرب؟
تتأثر أسعار النفط بالحروب والتطورات الاقتصادية، فترتفع وتنخفض تبعًا لهذه المتغيرات.
على سبيل المثال، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى توقف تصدير نحو 20 مليون برميل من النفط إلى العالم، وهو ما دفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل كبير كرد فعل مباشر، الأمر الذي قد يقود إلى أزمة نفطية مرشحة لأن تصبح من أكبر الأزمات منذ اكتشاف النفط.
كيف يؤثر ارتفاع وانخفاض أسعار النفط على اقتصاد السوق العالمي؟ وبشكل خاص، كيف يؤثر على اقتصادات دول الخليج من حيث أسعار السلع والخدمات؟
يؤثر ارتفاع أسعار النفط تأثيرًا بالغًا على الاقتصاد العالمي، إذ يحدّ من نموه، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى انكماشه. وعندما ينكمش الاقتصاد، ترتفع معدلات البطالة، ويزداد التضخم، ما يضر بشكل كبير بالنمو الاقتصادي العالمي.
أما الارتفاع الكبير في الأسعار، فيعني زيادة تكلفة الإنتاج الصناعي والغذائي، وكذلك ارتفاع كلفة الصادرات والواردات، ما يؤدي إلى ارتفاع كلفة المعيشة في معظم دول العالم، باستثناء الدول التي تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط.
هل تزداد تكلفة إنتاج النفط الخليجي خلال الحرب؟
قدرة دول الخليج على إنتاج النفط، والبنية التحتية للصناعة النفطية في دول الخليج العربي، تأثرت كثيرًا بالضربات الصاروخية الإيرانية، وهذا يعني أنه حتى عندما يعود السلام إلى منطقة الخليج العربي، ستحتاج دول الخليج إلى بعض الوقت، ربما ثلاثة أشهر أو أكثر، أو إلى إنفاق كبير لإعادة قدرتها الإنتاجية إلى ما كانت عليه قبل الحرب ضد إيران.
وهذا ما يعني أن أسعار النفط، حتى عندما يُفتح مضيق هرمز، ستبقى عالية، أقل من نسبتها أثناء الحرب، ولكنها ستتراوح لسعر خام برنت ما بين 85 إلى 90 دولارًا، وهو سعر عالٍ بالنسبة لاقتصاد العالم.
هل تواجه دول الخليج المنتجة للنفط صعوبة في تلبية الطلب العالمي على النفط بسبب الحرب الإيرانية الإسرائيلية؟
بالطبع، تواجه دول الخليج العربي مشكلة في تلبية الطلب العالمي على النفط مع توقف 20 مليون برميل كانت تمر يوميًا في مضيق هرمز، وقد تواجه صعوبة في تلبية هذا الطلب مع الأضرار التي لحقت بطاقتها الإنتاجية جراء الضربات الإيرانية، ولكنها ستستعيد عافيتها بعد إصلاح هذه الأضرار وفتح مضيق هرمز.
هذا الإصلاح قد يستغرق ما يزيد على ثلاثة أشهر، وإنفاقًا كبيرًا من المال على ذلك، ولكنها ستستعيد عافيتها بالتأكيد، وسيبدأ الاقتصاد العالمي في النمو فيما بعد.
هل يمكن أن يتأثر مخزون المشتقات النفطية في الدول العربية التي تعتمد على استيراد النفط؟
المخزون النفطي في دول الخليج خلال الحرب مع إيران سيُستخدم داخليًا، لأن هذه الدول خفّضت إنتاجها، ولا يمكن تصدير ما تنتجه طالما بقي مضيق هرمز مغلقًا. هي تنتج ما يحتاجه اقتصادها، وبالتالي ستستهلك جزءًا كبيرًا من المخزون المتوافر، ولكن مع ذلك ستخزن كمية إضافية من الإنتاج الذي لا يمكن تصديره، وبالتالي ستستهلك جزءًا من مخزونها الحالي وتخزن جزءًا آخر، وتنتظر فتح مضيق هرمز لتبدأ بالتصدير من جديد.
ما هي الدول النفطية التي سينعكس عليها إيجابًا إغلاق مضيق هرمز؟ وهل كانت الحرب الإيرانية الإسرائيلية فرصة لزيادة أرباح النفط بالنسبة لهذه الدول؟
في كل حرب هناك خاسر ورابح، وحرب النفط لا تختلف عن الحروب الأخرى. ومن هذه الزاوية، الدول التي تمتلك احتياطيًا ضخمًا من النفط، ولا يمر نفطها عبر مضيق هرمز، ستستفيد كثيرًا من ارتفاع أسعار النفط، والرابح الأكبر هي روسيا، التي يمكن أن تصدر نفطها للعالم دون الحاجة إلى مرور ناقلاتها عبر مضيق هرمز.
والخاسر الأكبر ستكون الولايات المتحدة، رغم أنها تنتج كميات كبيرة من النفط، إلا أنها تستورد ثمانية ملايين برميل يوميًا، ومع ارتفاع الأسعار سيرتفع العجز في ميزانيتها، ويحفّز البنك الفيدرالي الأمريكي على طبع الدولارات لتغطية هذا العجز، مما سيرفع ديون الولايات المتحدة خلال عام 2026 إلى 41 تريليون دولار. وهذه ديون ضخمة، والفائدة السنوية عليها تصل إلى تريليون ونصف، وهو رقم أكبر من الناتج الإجمالي لكثير من دول العالم.
هل يمكن أن تؤدي الأزمات النفطية إلى تغييرات في التحالفات السياسية؟
بالطبع، عندما تحدث حروب أو تطورات اقتصادية كبيرة أو انكماش اقتصادي عالمي، تحدث تحالفات بين الدول لخدمة مصالحها. مثلًا، الكثير من دول العالم، مثل الهند وغيرها، ستضطر إلى إقامة تحالفات كبرى مع روسيا لضمان حصولها على الغاز والنفط الروسيين، والولايات المتحدة كذلك قد تضطر إلى تخفيف العقوبات للحصول على النفط الروسي لسد حاجتها، كما أن الهند تقيم علاقات مع روسيا لضمان استمرار إمدادات النفط لها.
هذه طبيعة الأمور، فعندما تحصل أزمات في العالم تتغير التحالفات بين الدول لخدمة مصالحها.
هل يمكن أن يكون تأثير هذه الحرب على الاقتصاد العالمي مشابهًا لأزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي؟
كما قلت في مطلع إجاباتي، فإن إغلاق مضيق هرمز سيكون أكبر أزمة في تاريخ النفط، والسبب في ذلك أن تأثيره على الاقتصاد العالمي سيكون أكبر من تأثيرات وقف صادرات النفط في السبعينيات إلى الولايات المتحدة وهولندا وغيرها من الدول المؤيدة لإسرائيل خلال حرب عام 1973، وأكبر بكثير من التأثيرات على الاقتصاد العالمي نتيجة غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003.
أنا أقدّر أن تأثير إغلاق مضيق هرمز وأزمة النفط الحالية الناجمة عن ذلك، وعن الحرب ضد إيران، ستؤدي إلى انكماش في الاقتصاد العالمي، أي أنه لن ينمو، أو سيكون نموه ضعيفًا جدًا.
إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع كلفة الإنتاج الصناعي والغذائي وكلفة المعيشة سيكلف الاقتصاد العالمي كلفة إضافية تزيد على ثمانية تريليونات دولار، وذلك يعتمد على مدة إغلاق مضيق هرمز، خصوصًا إذا استمر لشهرين أو ثلاثة أو أكثر. وفي هذه الحالة ستكون أكبر أزمة في تاريخ النفط في العالم، وإذا استمر الإغلاق لستة أشهر أو أكثر، فقد تحدث بعض المجاعات في العالم، وفقر متقع في الدول التي لا تستطيع تأمين أو تمويل المواد الغذائية لشعوبها.