في خضم الحرب على إيران، تجد الدول والشركات الخليجية نفسها أمام فاتورة إصلاح ضخمة لا تقل خطورة عن الخسائر الآنية في الصادرات، وذلك بفعل استهداف طهران لمنشآت النفط والغاز في تلك البلدان.
وتشير التقديرات الأولية لشركة Rystad Energy الأمريكية إلى أن كلفة إعادة تأهيل البنية التحتية الطاقوية بالخليج قد تتجاوز 25 مليار دولار، وهي أرقام مرشحة للارتفاع لأنها تشمل أعطالًا كبيرة في خطوط إسالة الغاز والمصافي ومستودعات التخزين والمرافئ وحتى بعض محطات الكهرباء.
لكن السؤال الأهم ليس حجم الرقم فحسب، بل أين ستذهب هذه الأموال؟ من سيدفعها؟ وهل ستغير خريطة الاستثمار الخليجي؟
أين تقع الفاتورة؟
1- الغاز المسال: رأس لفان في قطر مثالًا
أكبر عنصر في فاتورة الإصلاح هو قطاع الغاز الطبيعي المسال. فعلى سبيل المثال، أدى هجوم إيراني على مدينة رأس لفان الصناعية في قطر إلى تدمير اثنين من 14 وحدة إسالة غاز ومنشأة لإنتاج الغاز إلى سوائل (GTL).
تمثلت النتيجة في توقف 17٪ من القدرة التصديرية للغاز القطري، أي ما يعادل 12.8 مليون طن سنويًا، مع توقع أن تستغرق عمليات الإصلاح وإعادة بناء الوحدات ما بين ثلاث إلى خمس سنوات بسبب قلة توريد توربينات الغاز الضخمة عالميًا.
وقدّر الرئيس التنفيذي لـ”قطر للطاقة“ الخسائر السنوية في الإيرادات بنحو 20 مليار دولار، وأكد أن الشركة ستعلن حالة القوة القاهرة على عقود طويلة الأجل مع إيطاليا وبلجيكا وكوريا الجنوبية والصين.
لكن يجب التنبيه إلى أن الخسارة السوقية (أي تراجع الحصة في الأسواق) تختلف عن كلفة الإصلاح الفعلي، فالأولى تُحتسب على الإيرادات المفقودة بينما الثانية تتعلق بإعادة بناء الوحدات المدمَّرة.
2- المصافي: سترة البحرين ورأس تنورة السعودية
الطبقة الثانية من الفاتورة تخص المصافي، فعلى سبيل المثال، استهدفت طائرات مسيَّرة إيرانية مصفاة سترة في البحرين (BAPCO) مرتين خلال مارس/آذار، وذلك بعد عامين فقط من استكمال مشروع تحديث بقيمة 7 مليارات دولار.
أصابت الهجمات وحدات التقطير الجديدة وأحد خزانات الوقود، ما فرض على الشركة إعادة استقدام المقاولين الدوليين وسط ظروف تأمين حرب غير واضحة.
وفي السعودية، تعرضت مصفاة رأس تنورة (550 ألف برميل يوميًا) لهجوم، لكن وجود فرق صيانة محلية مكّن الشركة من إعادة تشغيلها بسرعة.
وتظهر هذه الحوادث أن كلفة الإصلاح لا ترتبط فقط بحجم الأضرار، بل أيضًا بقدرة كل دولة على تعبئة مقاولين ومعدات بسرعة.
3- التخزين والمرافئ والمحطات المساندة
تشمل الفاتورة أيضًا الأضرار التي لحقت بمرافق التخزين ومرافئ التصدير ومحطات الكهرباء المساندة في الإمارات والكويت والعراق.
فقد أدت الهجمات إلى توقّف نحو 1.9 مليون برميل يوميًا من طاقة التكرير في الخليج، وفق بيانات شركة IIR، بعد خروج مصافٍ في الكويت والبحرين والعراق عن الخدمة وإغلاق وحدات في رأس تنورة للصيانة.
إلى جانب ذلك، تسببت هجمات على محطات الغاز في الإمارات والكويت بحوادث حريق وخفض الإنتاج، لكن المصادر تشير إلى أن الأضرار المادية فيها أقل من تلك التي لحقت برأس لفان وسترة، وبالتالي يمكن إصلاحها في غضون أشهر.
لكن ماذا عن تصنيف الكلفة القطاعية:
وفقًا لتقدير شركة Rystad Energy، فإن 49 % من تكلفة الإصلاح ستذهب إلى الهندسة والإنشاءات، و39 % إلى المعدات والمواد، بينما لا تتجاوز حصة اللوجستيات والعمليات 6 % لكل منهما.
بعبارة أخرى، يتعلق الجزء الأكبر بإعادة بناء الهياكل الأساسية وتشغيل مصانع جديدة، بينما تتركز النفقات الأقل في نقل المعدات وإدارة المشاريع.
ويوضح هذا التصنيف أن قطاع الهندسة هو الأثقل كلفة، خاصة في مشاريع الغاز المسال التي تتطلب توربينات كبيرة وخبرات نادرة.
كما يبرر لماذا يمكن إصلاح بعض الأصول خلال أشهر (كالمصافي التي تملك فرق صيانة محلية) بينما تحتاج أصول أخرى لسنوات (مثل وحدات إسالة الغاز ذات التصنيع المعقد).
من سيدفع فعلًا؟
1- الحكومات والشركات الوطنية
معظم منشآت النفط والغاز في الخليج مملوكة لدول أو لشركات وطنية مثل ”قطر للطاقة“ و”بترول أبوظبي الوطنية“ و”أرامكو السعودية“.
وفي ظل استثناءات الحرب التي تتضمنها معظم وثائق التأمين، يصبح على هذه الحكومات والشركات تحمل جزء كبير من تكلفة الإصلاح من ميزانياتها أو الاحتياطيات السيادية.
ويوضح تقرير لوكالة التصنيف الائتماني فيتش أن معظم وثائق التأمين على أضرار الممتلكات وتعطل الأعمال تستثني أعمال الحرب، لذلك يُتوقع أن تكون المطالبات المرتبطة بأضرار البنية التحتية للطاقة محدودة.
وبمعنى أوضح، فإن العبء الأكبر الذي قد يطال شركات التأمين العالمية لا يتركز في تأمين الممتلكات، بل في فروع أخرى مثل التأمين البحري والطيران، ما يعني أن الخسائر في المنشآت الثابتة لن تعوَّض، وسيتعين على الحكومات تمويل الإصلاح مباشرة، مما قد يضغط على الميزانيات ويؤخر مشاريع أخرى.
2- شركات التأمين وحدود تغطيتها
وأعلنت نوادي الحماية والتعويض البحرية (P&I clubs) مثل Gard وSkuld وNorthStandard وLondon P&I وAmerican Club إلغاء تغطية مخاطر الحرب بالمياه الإيرانية والخليجية اعتبارًا من 5 مارس/آذار.
كما علّقت مجموعة MS&AD اليابانية إصدار وثائق مخاطر الحرب في تلك المنطقة. علاوة على ذلك، يتطلب المرور عبر مضيق هرمز تأمينًا إلزاميًا للحرب لدى سوق لويدز للتأمين في لندن.
وتشير فيتش إلى أن أقساط التأمين البحري ارتفعت إلى 20 ضعف المستوى الطبيعي، كما أن التعويض عن حادث واحد يمكن أن يصل إلى عدة مئات من ملايين الدولارات مع سقف لا يتجاوز 500 مليون دولار لكل حدث.
وتوضح هذه الأرقام أن التأمين البحري يغطي السفن والشحنات، وليس المنشآت البرية، وأن تغطية المنشآت الثابتة ضد الحرب تكاد تكون معدومة.
3- التمويل الخارجي وتحديات المقاولين
للتخفيف من مخاطر الشحن، أطلقت مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية (DFC) برنامجًا بحريًا لإعادة التأمين بقيمة 20 مليار دولار، تقوده شركة Chubb، لتأمين خسائر السفن والبضائع المارة عبر هرمز.
لكن هذا البرنامج يركز على حركة التجارة وليس على إعادة بناء المصافي أو محطات الغاز، وبالتالي يبقى العبء الأكبر على الدول الخليجية.
وهناك تحدٍ إضافي لا يتعلق بالمال فقط، بل بتوفر المقاولين والمعدات، فالهجمات تسببت في نزوح بعض شركات الهندسة الدولية لأسباب أمنية، كما أن تصنيع توربينات الغاز الكبيرة تحتكره شركات محدودة، ما قد يطيل فترات التسليم.
هل تتغير خريطة الاستثمار الخليجي؟
1- تأجيل التوسعات وإعادة ترتيب الأولويات
أعادت الحرب بالفعل ترتيب أولويات دول الخليج، فقبل الأزمة، كانت قطر والسعودية والإمارات تعلن خططًا لزيادة قدراتها من الغاز المسال والبتروكيماويات، لكن فاتورة الإصلاح قد تؤجل بعض مشاريع التوسعة وتدفع الحكومات لتحويل جزء من الإنفاق إلى إعادة بناء وتأهيل المنشآت.
وأشارت شركة Rystad Energy إلى أن الإنفاق على الإصلاح سيغلب على مشاريع النمو الجديدة، متوقعةً تحول اهتمام شركات الخدمات الهندسية من تطوير الحقول الجديدة إلى صيانة الأصول المتضررة.
في المقابل، قالت شركات خدمات بترولية عالمية إن ارتفاع الأرباح الناتج عن صعود الأسعار لن يترجم بالضرورة إلى زيادة في الاستثمارات الجديدة، لأن الشركات تحتاج إلى رؤية أسعار مستقرة لخمسة إلى سبعة أعوام قبل الموافقة على مشاريع جديدة.
2- التحصين والمرونة اللوجستية
إلى جانب الإصلاح، تفرض الحرب على الحكومات زيادة الإنفاق على التحصين والمرونة، فاستهداف منصات تصدير الغاز والمصافي أوضح هشاشة بعض نقاط العبور مثل مضيق هرمز وموانئ البحرين وقطر.
ومن المتوقع أن توجه الدول جزءًا من استثماراتها إلى تعزيز الدفاعات الجوية حول المنشآت، وبناء مرافق تخزين بديلة، وتطوير خطوط أنابيب تتجنب المناطق الساخنة.
كما قد تُعطى الأولوية لمشاريع زيادة كفاءة استهلاك الطاقة وإعادة تصميم سلاسل الإمداد لتحقيق مرونة أكبر عند حدوث اضطرابات. هذه الاستثمارات لا تقل أهمية عن إعادة البناء، لأنها تقلل احتمال وقوع خسائر مماثلة مستقبلًا.
3- مراجعة الرؤى الاقتصادية طويلة المدى
أخيرًا، هناك بعد أعمق يخص الرؤى الاقتصادية، إذ أن دول مثل السعودية وقطر والإمارات وضعت خلال السنوات الماضية خططًا لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.
لكن الكلفة الباهظة للحرب قد تضغط على الموارد المتاحة لتمويل مشاريع التنويع، خصوصًا في الدول ذات الاحتياطيات المالية المحدودة كالبحرين.
كما أن تصنيف وكالة فيتش لقطر على قائمة المراجعة السلبية بسبب الأضرار في رأس لفان يشير إلى أن الخسائر المادية يمكن أن تتحول إلى مخاطر ائتمانية سيادية. وبالتالي قد تتأثر قدرة الدول على الاقتراض بأسعار منخفضة لتمويل مشاريع تنموية طويلة الأجل.
ومع أن ارتفاع أسعار النفط يؤمن عائدات إضافية، فإن الحروب تجعل المستثمرين أكثر حذرًا وتفرض على الحكومات تخصيص جزء أكبر من الإيرادات لتعزيز الأمن والإصلاح، بدلاً من إطلاق مشاريع جديدة.