مع تصاعد التحذيرات المتكررة من استهداف متبادل للبنى التحتية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبرز السيناريو الأكثر رعبًا، ماذا لو ترجمت القيادة العسكرية الإيرانية تهديداتها بضرب منشآت المياه والكهرباء الخليجية إلى واقع؟
في حال تنفيذ تلك التهديدات واستهداف محطات المياه والمصافي بالخليج، سيبدأ شلل زاحف بالتسلل إلى كافة مفاصل الحياة اليومية الخليجية، المدن الكبرى ستغرق في ظلام خلال أيام معدودة، ولن يقتصر الأمر على انقطاع الإنارة، بل سيمتد ليشل العصب الرقمي، حيث ستتعطل شبكات الإنترنت والاتصالات، وستتوقف المطارات والموانئ والمصانع عن العمل، كما ستواجه المستشفيات تحديات مصيرية لتشغيل أجهزتها.
لكن المياه هي الأزمة الأكثر خطورة، ففي منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم جفافًا، تعتمد دول الخليج على محطات التحلية بنسب تصل إلى 90%، وهذه المرافق مثل “رأس الخير” و”الشعيبة” و”جبل علي” و”الطويلة”، تعمل بتقنيات التناضح العكسي التي تتطلب طاقة هائلة، وأي ضرر سيلحق بمنشآت المياه أو محطات الطاقة المغذية لها يعني توقف شريان الحياة فورًا، فضلًا عن تلوث مياه البحر بالإشعاعات والآثار الصحية الناجمة عن ذلك.
قلب العاصفة
انطلقت شرارة المواجهة بانفجار جيوسياسي مدوٍ إثر ضربات أمريكية إسرائيلية استهدفت العمق العسكري والمؤسسي الإيراني، ولم يتأخر الرد الإيراني كثيرًا، لكنه تجاوز استهداف القواعد العسكرية ونقل ساحة المعركة إلى قلب البنى التحتية المدنية والاقتصادية الحيوية للدول الخليجية، وأصبحت منشآت الطاقة والمياه في الخليج – التي طالما عُدت من بين الأكثر أمانًا في العالم – ساحةً مركزية للضربات.
أطلقت طهران آلاف الصواريخ الباليستية والمسيرات تجاه دول الخليج، ليس لتدمير ثكنات عسكرية فحسب، بل لشل المنظومة المدنية والاقتصادية بالخليج، مستهدفةً المطارات الدولية، ومرافق الطاقة، والموانئ، والأصول المدنية، وبعض المجمعات السكنية، والفنادق والمباني الحكومية.
ودخلت المواجهة مرحلة “كسر العظم” في مطلع مارس الحالي باستهداف المنشآت الحيوية بالخليج، حيث أدى القصف الإيراني للمنشآت النفطية بمدينة “رأس لفان” و”مسيعيد” في قطر إلى وقف كامل لإنتاج الغاز المسال، وهو ما يمثل خُمس الإمداد العالمي.
وطالت الهجمات الإيرانية مصفاة رأس تنورة وحقلا بريًا تابعًا لشركة أرامكو في السعودية، وامتدت لتضرب حقول “باب” و”حبشان” ومنشآت التخزين الاستراتيجية في الفجيرة بالإمارات، وصولاً إلى ضرب مصفاتي ميناء الأحمدي وميناء عبد الله في الكويت. ورغم نجاح منظومات الدفاع في اعتراض بعض الهجمات، إلا أن حطام المسيرات المتساقط أشعل حرائق واسعة أدت إلى تعليق العمليات التشغيلية فورًا.
وعلى جانب آخر، انطلقت حرب سيبرانية وتقنية استهدفت مراكز البيانات الكبرى بالخليج، حيث هاجمت إيران مركزي بيانات تابعين لشركة أمازون ويب سيرفيسز (AWS) في الإمارات، ومركزًا آخر في البحرين. وتشير بعض التقارير إلى أن استعادة التشغيل الكامل لهذه المراكز سيستغرق وقتًا طويلًا، كما أعلنت شركة “ميتا” توقف العمل في مشروع كابلات بحرية ضخمة بالخليج جراء الحرب.
في الواقع، هددت إيران بقطع الكابلات البحرية وخطوط الاتصالات بالخليج ردًا على أي هجوم على سواحلها، وفي حال تخريب الكابلات البحرية، قد تكون العواقب وخيمة على قطاعات متعددة، إذ تنقل هذه الكابلات حركة البيانات العالمية، وأي انقطاع فيها سيؤدي إلى انقطاعات واسعة النطاق في الإنترنت.
ويعزز هذا التطور فرضية أن الحرب لم تعد تستهدف البراميل المخصصة للتصدير فقط، بل باتت تضرب “العقدة الداخلية” لمنظومة الطاقة وفق قول الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي.
ومع حلول الثامن من مارس، بلغت الأزمة ذروتها بانتقال الاستهداف إلى أخطر حلقات البنية التحتية، المياه، فقد طالت هجمات بطائرات مسيرة محطة تحلية “المحرق” في البحرين، وبررت طهران ذلك باعتباره ردًا على ضربة أمريكية سابقة استهدفت منشأة مياه في جزيرة قشم، وتسببت في اضطراب إمدادات المياه لنحو ثلاثين قرية.
وصرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن “الولايات المتحدة هي من أرست هذه السابقة، وليس إيران”. ولم تتوقف التهديدات الإيرانية عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل محطات تحلية حيوية أخرى، مثل محطة “جبل علي” في دبي، ومحطة الدوحة الغربية في الكويت.
وطالت الهجمات الإيرانية منشآت حيوية في الكويت، منها المطار الدولي ومنشآت نفطية ومصفاة ميناء الأحمدي، وكذلك هجوم على محطة للكهرباء وتقطير المياه، وامتد التصعيد إلى البحرين، حيث تعرضت مصفاة بابكو في مدينة سترة إلى هجومين، بجانب استهداف فنادق ومنشآت بحرية ومبانٍ سكنية. وفي الإمارات، تركزت الضربات على المطارات والمنشآت السياحية والبحرية، كمطارات أبوظبي ودبي ومرافق صناعية ونفطية.
لقد تعرض قطاع الطيران في الخليج وهو أحد الأعمدة الأساسية للاستراتيجية الاقتصادية الإقليمية لاضطرابات شديدة، فقد أُجبر مطار دبي الدولي المصنف ضمن الأكثر ازدحامًا عالميًا بحركة المسافرين الدوليين، على تعليق عملياته إلى أجل غير مسمى عقب ضربات استهدفت محيط ميناء جبل علي، بينما تعرض مبنى الركاب في مطار الكويت الدولي لأضرار جراء هجوم بطائرة مسيرة، كما أوقفت قطر خدمات الملاحة الجوية بالكامل.
ولم يقتصر التصعيد على ذلك، بل امتد ليشمل ممرات وبوابات بحرية استراتيجية، من بينها ميناء “الدقم” في سلطنة عُمان الذي تعرض لهجوم بطائرتين مسيرتين. كما طالت الضربات الإيرانية مواقع نفطية ومطارات في البصرة بالعراق، ما دفع محافظها أسعد العيداني إلى إعلان إجراءات أمنية طارئة لتأمين خروج الموظفين الأجانب عبر الكويت والأردن.
وفي 12 مارس، أعلن الجيش الإيراني مسؤوليته عن استهداف ناقلتي وقود في المياه العراقية بواسطة زورق مفخخ. وقد شكل استهداف حقل نفط الرميلة بطائرتين مسيرتين ضربة قوية للاقتصاد العراقي الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على صادرات النفط لتمويل الموازنة العامة والإنفاق الحكومي.
ما حجم اعتماد دول الخليج على البنية التحتية في استمرار الحياة اليومية؟
تمثل محطات التحلية والطاقة في الخليج الخاصرة الرخوة للأمن القومي، وأي خلل في هذه المنظومة سيفضي إلى انهيار متسلسل يشل القطاعات الصحية والصناعية خلال أيام معدودة.
المياه: الخاصرة الرخوة في صراعات المنطقة
تقع دول مجلس التعاون الخليجي في أكثر مناطق العالم ندرةً للمياه، ويعاني سكانها من نقص حاد في موارد المياه العذبة، باستثناء سلطنة عُمان، ويُعد نصيب الفرد من المياه الطبيعية من أدنى المعدلات عالميًا، حيث يقل عن 100 متر مكعب سنويًا، وهو رقم أقل بكثير من خط الفقر المائي البالغ 500 متر مكعب سنويًا.
وفي ظل بيئة صحراوية قاحلة وندرة الأمطار والأنهار، يعتمد الخليج بشكل شبه كامل على تقنية تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاته من المياه، وتُستخدم مياه التحلية بشكل أساسي في توفير مياه الشرب، إلى جانب تلبية الاحتياجات البلدية والمنزلية، وتزويد المستشفيات والمدارس والمباني الحكومية والمرافق الخدمية بالمياه.
تداعيات الحرب على إيران تكلّف دول الخليج نحو 75–80 مليار دولار خلال شهر، مع خسائر كبيرة في النفط والطيران وتراجع حاد بحركة الملاحة في مضيق هرمز. pic.twitter.com/rxeiTM7m1i
— نون بوست (@NoonPost) March 30, 2026
وتشير تقارير حديثة إلى أن مظاهر الحياة الحديثة في الخليج، من الاستهلاك اليومي إلى الصناعة، وصولًا إلى جزء من النشاط الزراعي، تعتمد اعتمادًا شبه كامل على هذه المنظومة الواسعة من محطات تحلية المياه.
ووفقًا للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وصل هذا الاعتماد إلى مستويات حرجة، حيث تأتي 90% من مياه الكويت من التحلية، تليها سلطنة عُمان بنسبة 86%، والسعودية بنسبة 70%، والإمارات بنسبة 42%.
ولذا يرى المحللون أن المياه هي الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة في منظومة الأمن الخليجي، فالخليج لا يملك سوى نحو 2 في المئة من إمدادات المياه العذبة المتجددة في العالم، ويعتمد بدرجة كبيرة على تحلية مياه البحر، بجانب أن خزانات المدن الخليجية لا تكفي إلا ليومين فقط.
وأشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن المياه قد تصبح المورد الأكثر عرضة للخطر في الخليج، فعدد من محطات التحلية تقع على الساحل قبالة إيران مباشرةً، وضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة. ويعتبر الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور عايد المناع، أن استهداف إيران محطات تحلية المياه في دول الخليج “سيكون ضربة مؤلمة للغاية وقد يمثل ضربة قاضية”.
انقطاع الكهرباء: تهديد استراتيجي لحياة الخليج اليومية
تُصنف دول الخليج ضمن أعلى مناطق العالم استهلاكًا للطاقة، حيث يتجاوز المتوسط في بعضها ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى المناخ الحار، والاستخدام الواسع للطاقة في تحلية المياه والصناعات.
– تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز بدأت تلقي بظلالها على أسعار الوقود
– أعلنت الإمارات عن زيادة سعر الوقود ممتاز بنسبة 30.8%، سعر خصوصي بنسبة 32.2%، سعر إي بلس بنسبة زيادة 33.3%، أما سعر وقود ديزل بنسبة 72.4% pic.twitter.com/bGNEkLKroj
— نون بوست (@NoonPost) March 31, 2026
وفي هذا السياق، تشكل شبكات الكهرباء العمود الفقري الذي يغذي كافة القطاعات من المنازل إلى المستشفيات، لكنها ترتبط ارتباطًا عضويًا مع قطاع المياه، فمعظم محطات التحلية تعتمد على الطاقة الكهربائية ومنظومات الضخ لتشغيلها، وبالمقابل، تحتاج محطات توليد الكهرباء إلى المياه المحلاة لأغراض التبريد وتشغيل التوربينات، هذا الاعتماد المتبادل يعني أن أي خلل في أحد القطاعين سيؤدي حتمًا إلى انهيار الآخر.
ولذا يحذر خبراء من أن أي استهداف للبنية التحتية للطاقة لن يقتصر تأثيره على انقطاع الكهرباء، بل سيمتد مباشرة إلى تعطل إنتاج المياه، والعكس صحيح، ومع محدودية الاحتياطيات المائية التي لا تكفي في معظم الدول سوى لأيام معدودة، فإن تعطل هذه المنظومة قد يؤدي سريعًا إلى انقطاع المياه عن المدن الكبرى واضطراب إمدادات الكهرباء.
الخليج والعالم.. من يختنق أكثر بتبعات حرب البنية التحتية؟
لطالما كان الاستقرار والأمان الركيزتين الأساسيتين اللتين سمحتا لدول الخليج بالتحول إلى مراكز اقتصادية عالمية، إلا أن أحداث الأيام الأخيرة هزت هذه الصورة الجاذبة، لم يعد الاستهداف الإيراني يهدد إنتاج النفط فحسب، بل طال قدرة المنطقة على التخزين والتصدير والعبور.
تتحمل دول الخليج الضريبة الفورية والأقسى لهذه المواجهة، إذ تشير التقديرات الأولية إلى أن تكلفة إصلاح الأصول المتضررة في قطاع الطاقة وحده تتجاوز 25 مليار دولار، وهذه الفاتورة الباهظة لا تشمل الخسائر التشغيلية الناجمة عن توقف الخدمات الأساسية، والتي أدت إلى انكماش النشاط المحلي وتجمد المشاريع التنموية الكبرى للدول الخليجية.
وتتجاوز كلفة الحرب حدود الجغرافيا الخليجية لتصيب الاقتصاد العالمي في مقتل، فباعتبارها مركز ثقل في أسواق الطاقة العالمية، تستحوذ دول الخليج على 32.7% من الاحتياطي النفطي العالمي، وتؤمن وحدها قرابة 19% من الطلب الدولي بإنتاج يومي يبلغ 18 مليون برميل، ما يجعل أي اضطراب في تدفق النفط والغاز يتحول إلى صدمة عالمية في الأسواق، وزيادة في تكاليف الطاقة والشحن.
وبينما تتحمل دول الخليج الخسائر الفورية في بنيتها الاقتصادية نتيجة تعطل خدمات الطاقة الأساسية وانكماش النشاط الاقتصادي المحلي، يواجه الاقتصاد العالمي آثارًا أوسع على المدى المتوسط والطويل، إذ يتوقع الخبراء أن اضطراب سلاسل الإمداد قد ينعكسان على الاقتصاد العالمي عبر قنوات عدة، في مقدمتها ارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي، وقد يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام واحدة من أكبر صدمات الطاقة منذ عقود.