في الثالث والعشرين من مارس 2026، وقف بتسلئيل سموتريتش أمام كتلته في الكنيست، وألقى خطابًا حمل صياغة مباشرة حول الحدود، حين طرح نهر الليطاني بوصفه خطًا يفصل المجال الشمالي، على نحو يوازي ما يجري في جبهات أخرى مثل قطاع غزة وسوريا، وبالتزامن مع ذلك كانت العمليات الجوية تستهدف الجسور الممتدة على مجرى النهر، فيما أخذت حركة النزوح تتسع داخل الجنوب اللبناني، مع تصاعد أوامر الإخلاء والضغط العسكري المتواصل على القرى الحدودية.
هذا التوازي بين الخطاب والفعل يعيد الجنوب اللبناني إلى قلب مشهد يتجاوز حدود اللحظة، ويطرح تساؤلات تتصل بطبيعة هذا الحضور وحدوده، وما إذا كان يعكس تطورًا ظرفيًا في سياق الحرب، أم امتدادًا لمسار أقدم تشكّل عبر عقود طويلة.
عند العودة إلى مطلع القرن العشرين، يظهر نهر الليطاني ضمن التصورات الصهيونية الساعية إلى رسم مجال جغرافي يرتبط بالموارد والوظائف الاقتصادية، في لحظة تأسيسية حاولت خلالها الحركة الصهيونية تقديم تصور متكامل للحدود.
في المراحل اللاحقة، تتابعت محطات متعددة عكست حضور الجنوب اللبناني داخل هذا التفكير، من مشاريع ومراسلات سياسية خلال الخمسينيات، إلى العمليات العسكرية التي حملت اسم الليطاني في أواخر السبعينيات، مرورًا بمرحلة الاحتلال، ثم المواجهات اللاحقة التي أعادت الجنوب إلى واجهة الصراع، ضمن محطات كشفت عن استمرارية التعامل مع هذا الحيز بوصفه جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالأمن والموارد والحدود.
ضمن هذا الامتداد، يظهر الجنوب اللبناني كمساحة تتكرر فيها تقاطعات الجغرافيا مع التحولات السياسية والعسكرية، ويتقدم الليطاني بوصفه عنصرًا حاضرًا في هذا السياق، بما يحمله من دلالات تتجاوز موقعه الطبيعي.
ما قبل الحدود: الخرائط التي سبقت الدولة
في فبراير 1919، عرض حاييم وايزمان أمام مؤتمر باريس للسلام 1919 خريطة لـ”الوطن القومي اليهودي” المقترح، وعلى عكس المتوقع أوروبيًا بأن تقتصر على حدود “فلسطين الانتدابية” امتدت شمالًا لتشمل جنوب لبنان، وجعلت نهر الليطاني حدًا لهذا التصور.
وقف ديفيد بن غوريون إلى جانبه، في لحظة حاولت فيها الحركة الصهيونية تثبيت رؤيتها الجغرافية ضمن النظام الدولي الناشئ، وبالرغم من أن هذا الطرح لم يتحول إلى واقع سياسي في حينه، غير أن الليطاني احتفظ بموقعه داخل التصورات المرتبطة بالحدود، واستمر حضوره في النقاشات اللاحقة بوصفه عنصرًا ثابتًا في التفكير الاستراتيجي.
تشكّلت فكرة “أرض إسرائيل” ضمن قراءات متعددة للنصوص التوراتية، قدّمت حدودًا متباينة للمجال الجغرافي، تراوحت بين تصورات واسعة وأخرى أكثر ارتباطًا بحدود الممالك القديمة. ومع انتقال الحركة الصهيونية إلى العمل السياسي مطلع القرن العشرين، تحوّلت هذه التصورات إلى خرائط ووثائق قُدمت بصيغة قانونية إلى المجتمع الدولي.
في هذا السياق، كتب بن غوريون عام 1918 تصورًا جغرافيًا مفصلًا لحدود الدولة المنشودة، وضع فيه نهر الليطاني كحد شمالي، مع امتدادات نحو وادي عوجا جنوب دمشق وسيناء وشرق الأردن، في صياغة تعكس انتقال الفكرة من المجال الرمزي إلى التخطيط الجغرافي الدقيق.
عند طرح هذه التصورات في مؤتمر باريس، اتخذت شكل مطالب رسمية شملت فلسطين وأجزاء من محيطها، مع تركيز واضح على الموارد والمنافذ الطبيعية، بما يعكس ارتباط الحدود بوظيفتها الاقتصادية، وقد تضمنت الوثائق المقدمة حديثًا صريحًا عن أهمية السيطرة على منابع المياه، مع الإشارة إلى الأراضي الواقعة جنوب الليطاني بوصفها جزءًا من المجال الذي يُراد تنظيمه ضمن هذا التصور.
الاحتلال يواصل تدمير جسور الليطاني وقطع طرق الربط الحيوية في جنوب لبنان.. فما الهدف من سياسة عزل الجغرافيا؟ pic.twitter.com/kk7UgrjRjb
— نون بوست (@NoonPost) March 24, 2026
في المقابل، تشكّلت الحدود الفعلية للمنطقة ضمن اتفاقية اتفاقية سايكس بيكو، التي أعادت توزيع المجال الجغرافي وفق مصالح المملكة المتحدة وفرنسا، وقد وضعت هذه الترتيبات منابع المياه، بما فيها الليطاني، ضمن النفوذ الفرنسي، في حين جرى توزيع مناطق أخرى وفق اعتبارات تتصل بالنفط والسكك الحديدية والتوازنات الاستعمارية.
وعند انعقاد مؤتمر باريس، حاولت الحركة الصهيونية تعديل هذه المعادلة بدعم بريطاني جزئي، إلا أن الموقف الفرنسي حافظ على الحدود كما رُسمت، ما أدى إلى تثبيت فصل جغرافي بين فلسطين ولبنان ضمن إطار الانتدابين، في مسار يكشف عن طبيعة الحدود التي استقرّت لاحقًا، بوصفها نتاج توازنات استعمارية أكثر من ارتباطها بمنطق جغرافي أو مائي متكامل.
في الوقت ذاته، استمر حضور الليطاني داخل التصورات الصهيونية من خلال ثلاثة أبعاد متداخلة: بعد تاريخي–ديني يستند إلى قراءات تربط شمال فلسطين بجنوب لبنان، وبعد مائي–اقتصادي يربط استقرار الدولة بموارد المياه في الشمال، وبعد جغرافي–أمني يتعامل مع النهر كخط طبيعي يمكن توظيفه ضمن تصورات تتعلق بإدارة الحدود.
مع إقرار اتفاقيات 1920 و1923، جرى تثبيت الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين ضمن إطار قانوني استمر لاحقًا كأساس للحدود المعترف بها، غير أن هذا التثبيت لم يُنهِ النقاش داخل الحركة الصهيونية حول شكل المجال الجغرافي، حيث ظلّت هذه الحدود حاضرة ضمن تصور أوسع يرتبط بإمكانات التوسع وتطور الظروف، إذ انعكس هذا التصور في مواقف لاحقة عبّرت عن رؤية تتعامل مع الحدود بوصفها جزءًا من مسار مفتوح، يتأثر بتوازنات القوة والتحولات السياسية، وقد تجلى هذا بوضوح في حديث بن غوريون صراحةً عام 1937 بقوله إن “دولة يهودية جزئية ليست النهاية بل البداية”، وإن “حدود الطموحات الصهيونية هي شأن الشعب اليهودي، ولن يتمكن أي عامل خارجي من تقييدها”.
الليطاني: النهر الذي يتحرك داخل السياسة
في ديسمبر 1919، كتب حاييم وايزمان إلى رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج محددًا معادلة تختصر جوهر التفكير الصهيوني في تلك المرحلة: “مستقبل فلسطين الاقتصادي يرتبط بإمدادات المياه، وهذه الإمدادات تتجه شمالًا، نحو الحرمون ومنابع الأردن ونهر الليطاني”، وقد حملت الصياغة طابعًا عمليًا يتجاوز التمنيات، وقدّمت الماء بوصفه شرطًا بنيويًا في رسم المجال الحيوي.
من هنا يبرز السؤال الذي رافق هذا التفكير عبر عقود: ما الذي منح الليطاني هذا الموقع المتقدم داخل الحسابات الصهيونية، رغم توفر مصادر أخرى وتطور أدوات إدارة المياه لاحقًا؟
ينبع الليطاني من البقاع اللبناني، غرب بعلبك، ويتدفق جنوبًا قبل أن ينعطف غربًا نحو البحر المتوسط بعد مسار يقارب 170 كيلومترًا، مشكّلًا حوضًا مائيًا يمتد على نحو خُمس مساحة لبنان، ويسهم بنسبة كبيرة من إجمالي تدفق المياه فيه. موقعه الجغرافي يمنحه خصوصية إضافية، حيث يقترب من الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة لمسافات قصيرة، ويقسم الجنوب اللبناني إلى نطاقين، أحدهما ملاصق للحدود ويحمل كثافة سكانية وبنية مقاومة متراكمة.
حول هذا النهر تشكّل نظام اقتصادي متكامل، يرتكز على بحيرة القرعون وسدود ومحطات توليد كهرومائية، ويغذي قطاعًا زراعيًا واسعًا يمثّل حوالي 35% من الإنتاج الزراعي اللبناني ما يشكل ركيزة أساسية في الإنتاج اللبناني، وقد منح هذا الامتداد الليطاني قيمة تتجاوز كونه موردًا طبيعيًا، ليصبح عنصرًا مركزيًا في معادلة الطاقة والغذاء داخل لبنان إذ يُسهم بنحو 30% من إجمالي تدفق المياه في البلاد ويشكّل نحو 20% من المساحة الكلية للبنان.
نهر واحد لكن بثلاثة أبعاد: الماء، الاقتصاد والحرب
🔴 كيف يجمع الليطاني كل أسباب الصراع في نقطة واحدة؟ ولماذا تستميت إسرائيل للسيطرة عليه، القصة في هذا المقال من #نون_إنسايتhttps://t.co/IzbPbm43bL
— نون بوست (@NoonPost) March 23, 2026
في المقابل، تشكل البيئة المائية داخل “إسرائيل” إطارًا مختلفًا، حيث تقع ضمن نطاق شبه جاف، مع تفاوت في توزيع الأمطار، واعتماد متزايد على منظومة مركبة تشمل المياه الجوفية، ونهر الأردن، والتحلية التي باتت تمثل جزءًا مهمًا من الإمدادات، وبالرغم من أن هذا التطور التقني خفف من الضغط المباشر على الموارد الطبيعية، إلا أنه أبقى الماء ضمن حسابات الأمن والاستقرار، في ظل نمو سكاني متواصل وتداخل مصادر المياه مع البيئة الإقليمية.
ضمن هذا السياق، يظهر الليطاني بوصفه المورد الخارجي الوحيد القريب جغرافيًا، والقابل للاندماج ضمن تصورات أوسع لإدارة المياه، التقديرات التي تناولت هذا البعد أشارت إلى أن احتلال جنوب لبنان واستمرار الوصول إلى الليطاني يمكن أن يُضيف إلى الإمدادات المائية الإسرائيلية السنوية ما يصل إلى 800 مليون متر مكعب، أي ما يعادل نحو 40% من استهلاك إسرائيل المائي السنوي الراهن، وهو ما يعزز حضوره داخل الحسابات الاستراتيجية.
هذا الحضور يمتد عبر قرن كامل من التصورات والمشاريع، إذ طرح تيودور هرتزل في مطلع القرن العشرين أفكارًا في روايته الطوباوية “الأرض القديمة الجديدة” حول توظيف مياه المنطقة ضمن مشروع “الدولة”. ومع تطور المشروع، ظهرت خطط تقنية تناولت تحويل مياه الليطاني وربطها بمنظومة نهر الأردن، ضمن مقاربات تهدف إلى دعم الزراعة وتوليد الطاقة.
في العقود التالية، استمر هذا التوجه ضمن صيغ متعددة، حيث عُرضت مشاريع لإعادة توزيع الموارد المائية على مستوى الإقليم، تقوم على فرضية دمج الليطاني ضمن شبكة أوسع. كما ظهرت تقديرات تربط بين استهلاك الموارد المتاحة داخل الأراضي التي سيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي بعد 1967، والحاجة إلى مصادر إضافية في المدى المتوسط، وهو ما أعاد طرح الليطاني ضمن هذا السياق.
في هذا المسار، تتداخل ثلاثة أبعاد رئيسية: بعد تاريخي يستند إلى قراءات تربط شمال فلسطين بجنوب لبنان، وبعد مائي يرتبط بالقدرة على دعم النمو الزراعي والديموغرافي، وبعد جغرافي–أمني يرى في النهر خطًا يمكن توظيفه ضمن تصورات تتعلق بإدارة المجال الحدودي.
وفي النقاش المعاصر، يبرز سؤال يتعلق بدور التحلية والتكنولوجيا في إعادة تعريف هذه المعادلة، خصوصًا مع إتاحة التطور التقني للاحتلال الإسرائيلي تحقيق مستويات متقدمة من الاكتفاء، إلا أن هذا التحول أعاد صياغة المطامع ضمن إطار أوسع يتصل بإدارة الموارد على المستوى الإقليمي.
ضمن هذا الإطار، يظهر الليطاني بوصفه عنصرًا يتجاوز الحاجة المباشرة إلى الشرب أو الري، ليدخل في نطاق أوسع يرتبط بالقدرة على التأثير في البيئة المحيطة، سواء عبر التحكم بالمورد ذاته، أو من خلال ما يوفره من أدوات ضغط داخل أي معادلة مستقبلية.
من الحلم إلى المخطط
في أكتوبر 1948، وخلال العمليات العسكرية التي رافقت النكبة وقيام “دولة إسرائيل”، تحركت قوات إسرائيلية شمالًا داخل الأراضي اللبنانية ووصلت إلى ضفاف نهر الليطاني بعد السيطرة على عدد من القرى الحدودية، وطُرح في تلك اللحظة خيار التقدم نحو بيروت، في تقدير عسكري رأى إمكانية تحقيق ذلك خلال وقت قصير، قبل أن يُحسم القرار عند حد تثبيت خط دفاعي على النهر والانسحاب لاحقًا وفق ترتيبات الهدنة.
وتكشف هذه الواقعة عن انتقال الفكرة من مستوى التصور إلى مستوى الملامسة الميدانية، حيث أصبح الليطاني جزءًا من تجربة مباشرة، دخلت لاحقًا في حسابات أكثر تفصيلًا داخل دوائر القرار.
في السنوات التالية، أخذ هذا التوجه طابعًا أكثر تنظيمًا داخل النقاشات الداخلية، وظهر ذلك بوضوح في يوميات موشيه شاريت، التي نُشرت لاحقًا وقدمت مادة داخلية نادرة حول طبيعة النقاشات بين القيادات الإسرائيلية في تلك المرحلة. شاريت، الذي شغل مواقع مركزية في صنع القرار منذ ثلاثينيات القرن الماضي، دوّن تفاصيل تتعلق بخلافات حادة حول إدارة الصراع، وطبيعة التوسع، وحدود استخدام القوة.
ضمن هذه الوثائق، تظهر رسالة بعث بها ديفيد بن غوريون عام 1954، قدّم فيها تصورًا يتعامل مع لبنان بوصفه “الحلقة الأضعف في جامعة الدول العربية” وساحة قابلة لإعادة التشكيل، عبر دعم قيام كيان سياسي منفصل، يترافق مع إعادة رسم الحدود بما يفتح المجال لضم الجنوب حتى الليطاني، وقد عكست الرسالة مقاربة استراتيجية ترى في البيئة اللبنانية مدخلًا لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية، ضمن تصور يتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة.
تظهر أيضًا في يوميات شاريت مداولات تتعلق بخطة طرحها موشيه دايان، تقوم على استثمار الانقسامات الداخلية في لبنان لإيجاد مدخل لتدخل عسكري، يتبعه تثبيت نظام حليف، وصولًا إلى السيطرة على الجنوب، وقد عُرضت الخطة بصيغة عملية، تربط بين التحرك السياسي والعسكري، وتدرج مسألة ضم الأراضي جنوب الليطاني ضمن نتائج متوقعة لهذا المسار.
عاد نهر الليطاني ليتصدر المشهدين العسكري والسياسي بصفته محور ارتكاز لا غنى عنه في الحسابات الاستراتيجية لـ”تل أبيب”.. فما هي الأسباب التي تجعل “إسرائيل” تستميت للسيطرة عليه؟ pic.twitter.com/ZzO6iZErXd
— نون بوست (@NoonPost) March 10, 2026
الخطة في أبعادها المعلنة تقوم على ثلاث مراحل متتالية: شراء ولاء ضابط لبناني، توظيفه واجهةً لاستدعاء التدخل العسكري الإسرائيلي، ثم الضم الفعلي للجنوب وتثبيت نظام موالٍ في بيروت. ويُلاحَظ أن الصياغة تُدرج الضم بصورة هادئة وعملية، كأنه نتيجة منطقية لا تحتاج إلى تبرير: “وعندها يصبح كل شيء على ما يرام”.
في مقابل هذه المقاربات، عبّر شاريت عن موقف مختلف، انطلق من قراءة ميدانية للواقع اللبناني، حيث رأى أن البيئة الداخلية لا توفّر شروطًا تسمح بتحقيق هذه السيناريوهات بسهولة، وأن أي تدخل من هذا النوع قد يفتح مسارًا معقدًا يصعب التحكم بنتائجه. إلا أن هذا الاختلاف في التقدير، لم يمس حضور الفكرة داخل النقاش العام.
في منتصف الخمسينيات، عاد هذا التصور إلى الواجهة ضمن نقاشات أوسع تناولت إعادة تشكيل المنطقة، حيث طُرحت أفكار تتعلق بتقسيم كيانات قائمة، وإعادة رسم الحدود، مع إدراج الجنوب اللبناني ضمن هذه المقاربات بوصفه مجالًا قابلًا للضم، وقد طفت هذه الأطروحات إلى السطح في سياق دولي وإقليمي معقد إبان العدوان الثلاثي على مصر، وتكشف عن استمرار الفكرة ضمن مستويات متعددة من التفكير السياسي.
وفي مطلع الستينيات، قدّم إسحاق رابين — نائب رئيس الأركان آنذاك — رؤيته لرئيس الوزراء ليفي إشكول لما يجب أن تكون عليه الحدود المثلى لإسرائيل، واضعًا الليطاني حداً شمالياً مثالياً، ونهر الأردن شرقاً، وقناة السويس جنوباً وغرباً، في امتداد مباشر للتصورات التي ظهرت في العقود السابقة، إذ أن الحدود المثلى عند رابين هي الحدود الكاملة، وهي ذاتها التي رسمها بن غوريون قبل خمسة وأربعين عاماً في كتاباته عام 1918.
هذا التكرار عبر أجيال مختلفة من القيادات يعكس حضورًا متواصلًا للفكرة، بصيغ تتكيف مع السياقات السياسية والعسكرية المتغيرة، كما تُظهر هذه المحطات أن الليطاني انتقل خلال هذه المرحلة من كونه جزءًا من خريطة مطروحة إلى عنصر حاضر في التخطيط السياسي والعسكري، حيث جرى التعامل معه ضمن سيناريوهات عملية، تتراوح بين التدخل غير المباشر وإعادة تشكيل البيئة الداخلية وصولًا إلى السيطرة المباشرة على الأرض.
المسار الميداني وتعثر التثبيت
في ربيع عام 2000، ومع انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان، تحركت موجات من السكان العائدين نحو قراهم بوتيرة فاقت التقديرات، واستعادت المنطقة حيويتها خلال ساعات قليلة، وقد عكس المشهد تحولًا سريعًا في اتجاه السيطرة، وأعاد تشكيل العلاقة بين الأرض وسكانها بعد ثمانية عشر عامًا من الوجود العسكري.
اختصر هذا المشهد مسارًا ميدانيًا امتد لعقود، شهد محاولات متكررة لإعادة ترتيب الجنوب اللبناني ضمن مقاربات عسكرية، ارتبطت في عمقها بتصور أوسع يتصل بالوصول إلى الليطاني وتثبيت نفوذ دائم في هذا الحيز.
في مارس 1978، أطلقت إسرائيل عملية عسكرية واسعة حملت اسم “الليطاني”، في تسمية عكست الحضور المباشر للنهر داخل التخطيط العسكري، إذ تقدمت القوات حتى ضفافه بعد حشد كبير واحتلال مساحات واسعة من الجنوب.
وفي التاسع عشر من مارس 1978، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 425 الداعي إلى الانسحاب الفوري الإسرائيلي وإنشاء قوة اليونيفيل، وقد انسحبت إسرائيل في يونيو 1978، لكنها سلّمت مواقعها لجيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، الذي مثّل في واقع الأمر تنفيذاً جزئياً لخطة دايان القديمة: وكيل لبناني تحت السيطرة الإسرائيلية، يُدير منطقة عازلة كانت في حقيقتها بؤرة احتلال ممتدة.
مثّل هذا النمط من السيطرة غير المباشرة امتدادًا عمليًا لتصورات ظهرت في مراحل سابقة، حيث جرى التعامل مع الجنوب بوصفه مجالًا يمكن إدارته عبر وكلاء محليين، بما يحقق حضورًا مستمرًا دون انخراط مباشر طويل الأمد.
في عام 1982، دخلت الحرب مرحلة مختلفة مع اجتياح واسع النطاق وصل إلى العاصمة اللبنانية، في عملية حملت أهدافًا تتجاوز البعد العسكري المباشر، وشملت إعادة تشكيل البيئة السياسية في لبنان. التقدم السريع للقوات ترافق مع محاولة إنتاج شريك محلي قادر على تثبيت هذا التحول، ضمن تصور يتقاطع مع مشاريع طُرحت في عقود سابقة.
غير أن مسار العمليات أظهر تعقيدات تتجاوز الحسابات الأولية، حيث أدت تطورات ميدانية وسياسية إلى إعادة تموضع القوات جنوبًا، مع انتقال التركيز نحو إدارة منطقة محدودة على طول الحدود.
خلال السنوات التالية، تشكل ما عُرف بالشريط الأمني، في نموذج جمع بين الحضور العسكري والدعم لقوى محلية، ضمن محاولة لإدارة الجنوب بوصفه نطاقًا عازلًا، وقد أسهك هذا النموذج في إنتاج بيئة جديدة داخل الجنوب، حيث برزت حركات مقاومة أخذت طابعًا أكثر تنظيمًا، وتحوّلت تدريجيًا إلى فاعل مركزي في المشهد.
مع تصاعد العمليات، دخل الوجود الإسرائيلي في حالة استنزاف مستمر، انعكس على المستوى العسكري والسياسي، وتحوّل إلى عامل ضغط داخلي، وصولًا إلى قرار الانسحاب عام 2000، الذي أنهى مرحلة من الحضور المباشر دون أن يفضي إلى ترتيبات سياسية مستقرة.
في عام 2006، عادت المواجهة في سياق مختلف، حيث شهدت المنطقة حربًا واسعة استُخدمت فيها أدوات عسكرية مكثفة، ترافقت مع عملية برية داخل الجنوب، وأظهرت نتائج هذه الجولة حدود القدرة على تحقيق الأهداف المعلنة، حيث بقيت البنية العسكرية للمقاومة قائمة، وتكرست معادلة ردع جديدة في المنطقة.
قراءة هذه المحطات مجتمعة تكشف عن نمط متكرر، حيث يتقدم الفعل العسكري نحو الجنوب ويصل إلى مستويات مختلفة من السيطرة، قبل أن يدخل في مسار تتزايد فيه الكلفة وتتقلص فيه القدرة على التثبيت طويل الأمد.
هذا النمط يتأثر بشكل مباشر بمجموعة من العوامل أهمها حضور لمقاومة محلية قادرة على إعادة إنتاج نفسها، وتعقيد البيئة الداخلية اللبنانية بما يحد من إمكان إنتاج شريك مستقر، وتفاعل دولي يفرض قيودًا على استمرار العمليات في صورتها المفتوحة.
ضمن هذا الإطار، يظهر الجنوب اللبناني بوصفه حيزًا قابلًا للاجتياح، مع صعوبة في تحويل هذا الاجتياح إلى واقع دائم، وقد رافقت هذه المعادلة مختلف المراحل، وظهرت بأشكال متعددة، من العمليات المحدودة إلى الاجتياحات الواسعة، وصولًا إلى الحروب المفتوحة.
ما تكشفه هذه التجربة أن المسألة لا تتعلق بغياب القدرة على الوصول إلى الليطاني، بل بطبيعة التطورات التي تتبلور ما بعد الوصول، حيث تتداخل الجغرافيا مع البنية الاجتماعية والسياسية، وتعيد إنتاج حدود الحركة في هذا الحيز.
2024–2026 وإعادة اختبار المعادلة
في فبراير 2025، عبرت مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين السياج الحدودي باتجاه جنوب لبنان قرب بلدة يارون، في خطوة محدودة من حيث الحجم، لكنها كثيفة الدلالة، ارتبطت المجموعة بحركة استيطانية تحمل اسم “أوري تسافون“، تطرح فكرة التوسع شمالًا بوصفها امتدادًا طبيعيًا للمشروع الصهيوني، وقد أقر الجيش الإسرائيلي بواقعة العبور. حمل هذا المشهد طابع اختبار للحدود، يعكس انتقال الفكرة من مستوى الخطاب إلى محاولات فعلية، ولو في صورتها الرمزية الأولى.
هذا التطور يأتي ضمن سياق أوسع يطرح سؤالًا مركزيًا: ما الذي تغيّر في شروط الصراع بحيث تبدو اللحظة الراهنة مختلفة عن المحطات السابقة التي تعثرت فيها المحاولات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني؟
أحد أبرز التحولات التي تجلت باعتبارها فرصة في عقل اليمين الصهيوني يرتبط بوضع حزب الله بعد جولات القتال الأخيرة، حيث شهدت بنيته القيادية والعسكرية تراجعًا ملموسًا نتيجة الضربات التي تلقاها خلال عامي 2023 و2024، بما في ذلك استهداف قياداته وموارده العملياتية وما عُرف بـ”هجوم البيجر“.
وبالرغم من أن التقديرات الإسرائيلية أشارت إلى احتفاظه بجزء من قدراته الصاروخية، وهو مستوى كافٍ للإبقاء على التهديد، لكنه رجحت بشكل حاسم في الوقت ذاته تآكلًا في مستوى الردع الذي شكّل عنصرًا حاسمًا في جولات سابقة.
في موازاة ذلك، تشهد إسرائيل تحولًا في بنيتها السياسية، مع صعود تيارات دينية–قومية تمسك بمفاصل مؤثرة داخل الحكومة، وتمتلك القدرة على تحويل الطموحات التوسعية إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وقد انعكس هذا التحول في خطاب أكثر وضوحًا يتناول إعادة تعريف الحدود، حيث طرح بتسلئيل سموتريتش علنًا تصورًا يجعل الليطاني حدًا شماليًا، في تعبير مباشر عن انتقال الفكرة من المجال النظري إلى الطرح السياسي الصريح، وقد سبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بإعادة الاعتبار لحلم “إسرائيل الكبرى” في المخيال الصهيوني.
جيش الاحتلال الإسرائيلي ينذر جميع سكان جنوبي لبنان بالإخلاء فورًا والتوجه إلى شمال نهر الليطاني pic.twitter.com/4k3J69CSXT
— نون بوست (@NoonPost) March 4, 2026
على المستوى الدولي، تظهر بيئة مختلفة عن تلك التي رافقت الحروب السابقة، حيث يأخذ الموقف الأمريكي طابعًا مباشرًا في الدعم السياسي والعسكري، ضمن سياق أوسع يرتبط بالصراع الإقليمي وتبني المقاربات الإسرائيلي في شرق أوسط جديد، والانخراط العملي في حرب مشتركة على إيران، في تحول يحدّ من الضغوط التقليدية التي شكّلت عامل كبح في مراحل سابقة، ويفتح المجال أمام هامش أوسع للحركة العسكرية الإسرائيلي.
في الميدان، يبرز استخدام التهجير بوصفه أداة ضمن إدارة الصراع، حيث أدت العمليات العسكرية إلى نزوح واسع للسكان من جنوب لبنان، مع طرح تصورات تربط عودتهم بترتيبات أمنية جديدة، وهو ما يعكس مقاربة تتعامل مع الجغرافيا والسكان كوحدة واحدة، ويشير إلى توجه نحو إعادة تشكيل الحيز بما يتجاوز العمليات العسكرية والمتطلبات الأمنية.
كما يظهر عامل إضافي يتمثل في صعود الحركات الاستيطانية، التي انتقلت من هامش السياسة إلى موقع مؤثر داخلها، مع امتلاكها قدرة على الدفع باتجاه تبني أجندات توسعية، ضمن تحول في الوزن السياسي يعيد تعريف العلاقة بين الخطاب الأيديولوجي وصناعة القرار، ويمنح مطالب كانت محدودة التأثير سابقًا حضورًا أكبر في النقاش العام.
في المقابل، تستمر عناصر بنيوية في فرض حضورها داخل المعادلة، حيث تُظهر البيئة اللبنانية قدرة على إعادة إنتاج المقاومة، مع استمرار العمليات العسكرية التي تتصدى للوجود الإسرائيلي والتوغل العسكري جنوب لبنان، إلى جانب مواقف دولية تدعو إلى تجنب توسيع نطاق العمليات، في سياق يعكس حساسية هذا الملف داخل التوازنات الدولية.
هذا التداخل بين عوامل التغيير وعناصر الاستمرارية يضع اللحظة الراهنة ضمن معادلة مفتوحة، حيث تتقاطع القدرة المتزايدة على فرض وقائع ميدانية مع قيود تتصل بطبيعة هذا الحيز وتعقيداته.
الأطماع لم تموت… لكنها لم تنجح أيضًا
في خريف عام 1954، دوّن موشيه شاريت في يومياته تقييمًا لمخططات لبنان، واصفًا إياها بمقامرة مفتوحة على كلفة بشرية وسياسية عالية. وبعد سبعة عقود، تُطرح اللحظة الراهنة في الخطاب الإسرائيلي بوصفها فرصة لإعادة ترتيب هذا الملف ضمن شروط مختلفة، في ظل عمليات عسكرية واسعة وتحولات في البيئة الإقليمية.
يمتد بين اللحظتين مسار متصل، تكشف حلقاته عن حضور ثابت لفكرة لم تغادر التفكير الصهيوني، وتعيد إنتاج نفسها بصيغ متعددة، من التصورات التي طُرحت في مؤتمر باريس للسلام 1919، إلى المراسلات السياسية في الخمسينيات، مرورًا بالعمليات العسكرية المتعاقبة، وصولًا إلى الخطاب السياسي المعاصر، يظهر الليطاني بوصفه نقطة ارتكاز داخل هذا المسار، تتكرر حضوره مع كل تحول كبير.
هذا الامتداد يمنح الفكرة طابعًا يتجاوز الظرف السياسي، ويضعها ضمن بنية أعمق داخل المشروع، حيث تتغير الأدوات والذرائع، فيما تبقى الجغرافيا ثابتة في مركز التصور، ومع انتقال الخطاب من التداول الداخلي إلى الإعلان العلني، يزداد وضوح هذا التوجه داخل المجال السياسي.
في المقابل، تكشف التجربة الميدانية عن نمط متكرر، حيث يمكن للعمليات العسكرية وجحافل الآليات الإسرائيلية المدرعة التقدم نحو الجنوب، قبل أن تدخل في مسار تتصاعد فيه الكلفة وتتراجع فيه القدرة على تثبيت النتائج.
التجربة التاريخية أثبتت أن العدوان الإسرائيلي والمطامع كلها تمادت وتوسعت، فإنها تُقابل بتصلب وتماسك للمقاومة القادرة على إعادة إنتاج نفسها ضمن أنساق أو تشكيلات أو أحزاب عبر التاريخ، من جبهة المقاومة الوطنية، إلى حزب الله ضمن صيرورة تاريخية تؤكد أن وجود الاحتلال يقابله وجود مقاومة تضع على عاتقها مهمة رفع كلفة التواجد الاحتلالي والتأكيد على أحقية صاحب الأرض.
هذا التداخل بين التحول والاستمرارية يضع الجنوب اللبناني مرة أخرى ضمن معادلة مفتوحة، حيث تتقاطع القدرة على إعادة تشكيل الحيز مع تحديات تتصل بإمكان تثبيت هذا التشكيل. وضمن هذا السياق، يظهر الليطاني بوصفه أفقًا يتكرر حضوره في التخطيط، وحدًا يعكس طبيعة العلاقة بين الطموح والقدرة.
وما بين خريطة عُرضت في باريس قبل أكثر من قرن، وخطاب سياسي يُطرح في الحاضر، تتكرر الفكرة بصيغ مختلفة. وبينهما، يقف الجنوب اللبناني بوصفه مساحة تختبر حدود هذه الفكرة، في توازن مستمر بين ما يُراد فرضه، وما تفرضه الأرض وسكانها وإرادتهم في البقاء والحياة بحرية.