مع اختناق مضيق هرمز مطلع ربيع 2026، ودخول أسواق الطاقة طور الاضطراب الحاد، لم تعد المسألة محصورة في ارتفاع الأسعار وتعطل الإمدادات، بل اتسعت إلى سباق على تقديم ممرات بديلة، خصوصًا على خطوط العبور بين الخليج وأوروبا.
وبرز الحديث عن 5 مسارات إقليمية ودولية يمكن أن تخفف صدمة هرمز بدرجات متفاوتة من الجاهزية والجدوى، لكنها ليست على مرتبة واحدة: فبينها ما يرتبط بتحركات تركية مباشرة، وبينها ما يظل بديلًا إقليميًا أو عالميًا.
ما هذه المسارات؟ وما حدود كل منها؟
1- المسارات الإسعافية العاجلة
الأول، المسار العراقي/خابور: في يوليو/تموز ،2025 فعَّل الاتحاد الدولي للنقل البري TIR طريقًا بريًا جديدًا يربط تركيا بالكويت عبر شمال العراق، وقطعت ثلاث شاحنات تركية المسافة إلى الكويت خلال أربعة أيام فقط بدلًا من 45 يومًا بحريًا.
يعتمد هذا المسار على توافر الأمن في شمال العراق وعلى نظام TIR، ويمكنه نقل الشاحنات والبضائع العامة لكنه لا يصلح لنقل النفط أو الغاز.
وتكمن أهميته في اختصاره للزمن، لكن عبوره مناطق مضطربة يجعله محفوفًا بمخاطر أمنية، فيما تظل الطاقة الاستيعابية محدودة مقارنة بما يمر عبر هرمز.
الثاني، مسار سوريا–الأردن–السعودية: في يونيو/حزيران 2025، وقعت تركيا وسوريا اتفاق نقل ترانزيت يُنهي نظام التفريغ المزدوج ويمنح السائقين الأتراك تأشيرات عند الحدود.
وأكد وزير التجارة التركي عمر بولات في أكتوبر/تشرين الأول ،2025 أن الممر سيسمح للشاحنات التركية بالوصول إلى الأردن والخليج، مع معالجة مشكلات التأشيرات وإعادة تأهيل الطرق داخل سوريا.
في 31 مارس/آذار 2026 حصلت أنقرة من السعودية على تأشيرات ترانزيت لمدة 15 يومًا للسائقين، وأوضح بولات أن الوصول إلى جميع دول الخليج سيستغرق 3–4 أيام.
هذا المسار بري بحت، ينقل بضائع عامة وشاحنات، ويُعد أهم البدائل الإسعافية لأن انطلاقه بدأ عمليًا، لكنه يظل هشًّا بسبب الأوضاع الأمنية في سوريا والعراق ولمحدودية الطاقة الاستيعابية، كما أنه لا يوفر بديلاً لحركة النفط أو الغاز.
2- مسارات إقليمية أوسع بقدرة محدودة
الأول، مسار السويس/البحر الأحمر ثم برًا: مع تصاعد الحرب، فعّلت السعودية والإمارات شبكة “الممرات اللوجستية” التي تنقل الحاويات القادمة إلى موانئ البحر الأحمر (مثل جدة، ينبع، نيوم) عبر ممرات شاحنات إلى الكويت وقطر والبحرين والإمارات وعمان والعراق والأردن واليمن.
وتعمل الإمارات على نقل الشحنات إلى موانئ الفجيرة وخورفكان خارج منطقة الخطر، ومنها برًا إلى جبل علي عبر طرق مرتبطة بخط سكة حديد الاتحاد.
هذا المسار هو مزيج بحري‑بري مناسب للحاويات والبضائع العامة، وتوفره شركات مثل CMA CGM التي عرضت نقل الحاويات من جدة إلى الدمام والدوحة والكويت عبر شاحنات.
تكمن أهميته في أنه يمنح منفذًا سريعًا للخليج عندما يتعذر المرور عبر هرمز، لكن حدوده تتمثل في الكلفة العالية، إذ يقدَّر نقل حاوية 40 قدمًا من صلالة إلى دبي بين 3000 و5000 دولار مقابل 200 – 400 دولار عبر جبل علي، كما أن المسار لا يناسب كميات ضخمة من الطاقة.
الثاني، مسار عُمان: تروّج السلطنة لموانئ صُحار والدقم وصلالة بوصفها بوابات بديلة، وقد أدخلت وزارة النقل والهيئة العامة للجمارك آلية “بايان” لتسريع التصاريح والسماح بدخول الشاحنات الفارغة من دول الخليج لجمع البضائع.
وتقع موانئ الفجيرة وخورفكان والموانئ العمانية جنوب هرمز وتتيح ربطًا بريًا مع الخليج. وتكمن أهمية هذا المسار البحري‑البري في أنه يقلل مخاطر المرور عبر هرمز ويتيح نقل الحاويات وبعض البضائع العامة، لكن عبور الربع الخالي يُطيل المسافة والتكلفة ولا يحمل النفط أو الغاز بكفاءة.
3- مسار عالمي بعيد ومكلف
طريق رأس الرجاء الصالح: يتمثل في إبحار السفن حول هذه المنطقة الواقعة في جنوب إفريقيا مما يزيد زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا من 10 إلى 15 يومًا، ويرفع استهلاك الوقود بين 25 و30 % ويزيد تكاليف استئجار السفن.
ويُعد هذا الطريق خيارًا اضطراريًا عند تفاقم المخاطر في الخليج والبحر الأحمر وقد يناسب تجارة معينة لكنه لا يُعد بديلًا عمليًا.
وفي المجمل لا يشتمل أي مسار على قدرة فورية لنقل النفط والغاز بكميات كبيرة، فطاقة خطوط الأنابيب البديلة عبر السعودية والإمارات لا تتجاوز 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يوميًا، مقارنة بـ15 مليون برميل تمر عادة عبر هرمز، ما يجعل هذه الممرات “مخففات للصدمة” أكثر من بدائل حقيقية.
كيف تحاول تركيا استثمار هذه البدائل؟
تعكس المبادرات التركية في زمن الحرب أكثر من مجرد حلول لوجستية، وهناك ثلاثة مكاسب كالتالي:
1- إسعاف التجارة وحفظ الحصة الخليجية
تراجعت صادرات تركيا إلى دول الخليج بنسبة 36.5 % في مارس/آذار 2026، لذا سعت أنقرة سريعًا للحصول على تأشيرات الترانزيت من السعودية وتفعيل خط سوريا‑الأردن كي تصل الشاحنات خلال 3 أو 4 أيام.
وتعطي هذه الخطوة الشركات التركية متنفسًا وتحافظ على تدفق البضائع العامة (من نسيج ومواد غذائية وغيرها) إلى أسواق الخليج، لكن هذه المسارات لا تعالج تجارة الطاقة، ولا تقلل من اعتماد الخليج على هرمز.
2- تسويق تركيا ممرًا للطاقة والعبور
أكد وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن خط أنابيب كركوك‑جيهان يمكنه نقل 1.5 مليون برميل يوميًا، وأن أنقرة تدرس مشروع خط لأنابيب الغاز القطري إلى تركيا وربما إلى أوروبا، كما أشار إلى إمكانية نقل النفط إلى ولاية هاتاي عبر خطوط أنابيب مستقبلية.
تُبرز هذه الأطروحات طموح تركيا لأن تكون ممرًا للطاقة نحو أوروبا، خاصة مع محدودية قدرات خطوط السعودية والإمارات.
لكن الخبراء يذكّرون بأن تحويل جزء معتبر من تدفقات النفط والغاز إلى مسارات برية أو أنبوبية بديلة يحتاج سنوات من البناء والاستثمار، فيما يبقى مضيق هرمز محورًا رئيسًا للغاز الطبيعي المسال، إذ يصعب تحويل الشحنات إلى خطوط برية بالسرعة المطلوبة.
3- دفع المشاريع الكبرى وتحويل الجغرافيا إلى نفوذ
تستخدم أنقرة اللحظة لدفع مشروعات جيو‑اقتصادية أوسع، فالممر الأوسط (الطريق العابر لبحر قزوين) يربط الصين بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا، ويختصر زمن الرحلة إلى 15 يومًا.
ونقلت صحيفة “ديلي صباح” التركية عن خبراء أن هذا الممر قادر على تحويل تركيا من “دولة عبور” إلى “قوة لوجستية متعددة الأبعاد”.
من جهة أخرى، وقّعت أنقرة وبغداد والدوحة وأبوظبي في أبريل/نيسان 2024 مذكرة لمشروع “طريق التنمية” الذي يربط ميناء الفاو في البصرة بتركيا ثم أوروبا.
يهدف المشروع إلى إنشاء ممر يضم طريقًا سريعًا وسكة حديد تمتدان من ميناء الفاو إلى تركيا ثم إلى أوروبا، ومن المخطط أن تكتمل مرحلته الأولى بحلول 2028 بتكلفة قد تتجاوز 24 مليار دولار، ويوفر 10 أيام مقارنة بقناة السويس.
ويعتمد هذا المشروع على استثمارات خليجية (الإمارات وقطر) ويتطلب معالجة تحديات أمنية في العراق وسوريا/ أي أنه خيار متوسط إلى طويل الأجل لا يُعطي حلاً فوريًا، لكنه قد يحول تركيا إلى عقدة رئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا.
وفي المحصلة، لا تبدو هذه الطرق بدائل حقيقية لهرمز بقدر ما تبدو مسارات متفاوتة القدرة لتخفيف اختناق الخليج، بينما تحاول تركيا أن تحول هذا الهامش اللوجستي المحدود إلى رصيد جيو-اقتصادي أكبر، يرفع قيمة موقعها في خرائط التجارة والطاقة المقبلة.