• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الغاز في قلب الحرب: كيف أعادت أزمة الطاقة إحياء المسار المصري القبرصي؟

عماد عنان٧ أبريل ٢٠٢٦

وقّعت مصر وقبرص، في الثلاثين من مارس/آذار الماضي، اتفاقية للتعاون في مجال الغاز، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس كريستودوليدس، وذلك على هامش افتتاح مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة.

وتستهدف الاتفاقية تعظيم الاستفادة من موارد الغاز القبرصي عبر توجيهها إلى مصر، بما يتيح تلبية جانب من الطلب المحلي، والاستفادة من البنية التحتية المصرية في التسييل والمعالجة، فضلًا عن إعادة تصدير جزء من هذه الكميات إلى أسواق أخرى، وفي مقدمتها السوق الأوروبية.

ولا تبدو هذه الخطوة منفصلة عن السياق الإقليمي المتفجر، بل تأتي في قلب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما فرضته من ارتدادات عنيفة على أسواق الطاقة، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس احتياجات العالم من مصادر الطاقة، وهي الحرب التي اكتوت مصر بنيرانها سريعًا بما فرض عليها تبني سياسات تقشفية لمواجهة الضغوط المتزايدة على إمدادات الطاقة.

وفي هذا السياق، تكشف الاتفاقية عن اتجاه متسارع لدى دول شرق المتوسط لإعادة صياغة خرائط التعاون الطاقوي على نحو يقلل من الارتهان لاختناقات الخليج، ويبحث عن مسارات أكثر أمانًا واستقرارًا في مواجهة اضطرابات هرمز، الذي لم يعد مجرد ممر ملاحي حيوي، بل تحول إلى ساحة نفوذ دولية تهدد أمن الطاقة العالمي، وتمتد تداعياتها إلى سلاسل الإمداد الغذائي واللوجستي.

تفاصيل الاتفاق

تجدر الإشارة، ابتداءً، إلى أن الاتفاق المبرم بين مصر وقبرص لا يُعد اتفاقًا نهائيًا ملزمًا للطرفين بالمعنى التنفيذي الكامل، بقدر ما يمثل إطارًا سياسيًا وتفاوضيًا ينظم مسار تطوير واستغلال الغاز القبرصي، ولا سيما من حقلي كرونوس وأفروديت، تمهيدًا لبيعه أو نقله إلى مصر، سواء بصورة مباشرة أو عبر أدوار تضطلع بها الشركات المصرية الحكومية.

وفي هذا الإطار، ينص الاتفاق كذلك على تشكيل لجنة مشتركة تتولى بلورة القواعد والمبادئ الناظمة للتعاون بين الجانبين، إلى جانب تنسيق المفاوضات الجارية بين مختلف الأطراف المنخرطة في مشروعات الاستكشاف والإنتاج البحري قبالة السواحل القبرصية.

غير أن النقطة الأهم سياسيًا في هذا الاتفاق أنه لا يمثل تدشينًا لمسار جديد بقدر ما يعكس استكمالًا لمسار قائم بالفعل، فالترتيب المعلن في 30 مارس/آذار ليس سوى امتداد للاتفاقات السابقة التي أُبرمت في فبراير/شباط 2025، والتي فتحت الباب أمام تصدير الغاز من الحقول القبرصية إلى مصر بغرض تسييله وإعادة تصديره إلى أوروبا.

ومن ثم، فإن ما جرى في القاهرة لا يمكن قراءته باعتباره لحظة تأسيس، بل باعتباره حلقة إضافية لتسريع التفاهمات السابقة، ودفعها من مستوى التفاهم العام إلى مستوى أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالتحولات الإقليمية المتسارعة، بعد نحو أربعة عشر شهرًا تقريبًا من وضع اللبنة الأولى لهذا التعاون.

لماذا الآن؟ الحرب كلمة السر

رغم أن الاتفاق يعود، في أصله، إلى أكثر من عام تقريبًا، إلا أن تفعيله اليوم  يفتح الباب أمام التساؤل عن الدافع الحقيقي، وهنا تبدو الحرب الراهنة، بما خلّفته من ارتدادات قاسية على أسواق الطاقة العالمية، العامل الحاسم في إعادة إحياء هذا المسار وتسريع الانتقال به من حيز التفاهمات المؤجلة إلى مستوى التنفيذ الفعلي.

فقد أحدثت الحرب هزة عنيفة في سوق الطاقة المصري، وخلطت حسابات الحكومة على نحو لم يكن متوقعًا، بما دفعها، بعد أيام قليلة من اندلاعها، إلى تبني سياسات تقشفية لاحتواء الضغوط المتزايدة، ولم تتوقف الكلفة عند هذا الحد، إذ تزامن ذلك مع تراجع عائدات قناة السويس، إلى جانب الاضطراب الواسع الذي أصاب سلاسل الإمداد، وهي تطورات انعكست بوضوح على الداخل المصري وزادت من حساسية ملف الطاقة بوصفه ملفًا سياديًا لا يحتمل التأجيل.

وعلى الجانب القبرصي، لم تكن الصورة أقل قسوة، إذ تعرض الاقتصاد القبرصي بدوره لهزة ملموسة، تجلت في ارتفاع أسعار الوقود، وتراجع معدلات الإقبال السياحي بصورة لافتة، فضلًا عن الضغوط المتصلة بأمن الطاقة واستدامة الإمدادات، وفي ظل هذه المعطيات، بدا تسريع الاتفاق مع مصر خيارًا عمليًا واستراتيجيًا في آن واحد، يتيح لقبرص منفذًا أكثر جاهزية لتسويق غازها، ويمنحها قدرًا أكبر من المرونة في مواجهة الاضطرابات الإقليمية.

ومن ثم، فإن تفعيل الاتفاق المبرم قبل أكثر من عام لا يصح النظر إليه بوصفه خطوة متأخرة، بقدر ما ينبغي فهمه باعتباره تفاهمًا لم تنضج شروطه الكاملة إلا تحت ضغط الحرب، التي رفعت فجأة من قيمته الجيوسياسية والاقتصادية، فما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره مشروعًا إقليميًا مفيدًا، بات اليوم يُقرأ باعتباره أداة لتخفيف مخاطر الحرب، والحد من تداعيات تعطل مضيق هرمز، وامتصاص جزء من صدمات أسعار الطاقة.

ومع ذلك، فإن الأثر المباشر لهذا الاتفاق لن يكون فوريًا، إذ تشير التقديرات إلى أن استخراج الغاز فعليًا من الحقول القبرصية لن يبدأ قبل نهاية 2027 أو مطلع 2028، بما يعني أن نتائجه لن تظهر سريعًا على الأرض، غير أن ذلك لا يقلل من أهميته، لأن قيمته الحقيقية تكمن في كونه خطوة استباقية ضمن مسار أوسع يهدف إلى تحصين أمن الطاقة مستقبلًا، وبناء قدرة أكبر على مواجهة الهزات المفاجئة والأزمات الإقليمية الطارئة.

فرصة مصرية

يمثل هذا الاتفاق -وغيره من الاتفاقيات المشابهة مع اليونان وبعض دول المنطقة- فرصة معتبرة لمصر لتعزيز موقعها كمركز إقليمي لتسييل الغاز وإعادة تصديره، إذ إن امتلاك البنية التحتية اللازمة لهذا الدور، على أهميته، لم يكن كافيًا وحده لحسمه، في ظل افتقار السوق المصرية إلى إمدادات غاز مستقرة وكافية تتيح تشغيل هذا المسار بالكفاءة المطلوبة.

فالقاهرة تمتلك محطات التسييل والقدرة اللوجستية، لكنها ظلت تواجه معضلة أكثر جوهرية تتعلق بعدم كفاية الإنتاج المحلي، واضطرارها إلى اللجوء للاستيراد بأسعار مرتفعة، بما يفرض ضغوطًا متزايدة على الاقتصاد الداخلي، بالتوازي مع تنامي الطلب المحلي على الغاز، سواء على مستوى الاستهلاك المنزلي أو الاحتياجات الصناعية، ثم جاءت الحرب لتضاعف من حدة هذا الاختلال، بعدما رفعت كلفة استيراد الغاز وبقية مصادر الطاقة، ووضعت حلم التحول إلى مركز إقليمي للتسييل تحت ضغط شديد.

ومن هنا تكتسب الاتفاقية مع قبرص أهميتها، إذ قد تمنح مصر ما افتقدته طوال الفترة الماضية: موردًا إضافيًا للغاز يمكن يسهم في تشغيل محطات التسييل المصرية بكفاءة أعلى، بما يتيح من جهة دعم الاحتياجات الداخلية وتخفيف الضغوط على السوق المحلية، ومن جهة أخرى إعادة تصدير جزء من هذه الكميات إلى الخارج، بما يوفر لمصر موردًا مهمًا من العملة الصعبة ويعيد إحياء دورها الإقليمي في معادلة الطاقة شرق المتوسط.

هل يسهم هذا المسار في حلحلة الأزمة؟

لا شك أن تفعيل هذا المسار ينطوي على أبعاد إيجابية واضحة، في مقدمتها أنه يفتح مسارًا بديلًا للإنتاج والمعالجة والتصدير خارج نطاق الخليج ومضيق هرمز، اللذين كشفت الحرب الراهنة عن فرط حساسيتهما في معادلة الطاقة العالمية، وعن خطورة الارتهان إليهما بصورة كاملة أو أحادية، فكلما تصاعدت التوترات في تلك المنطقة، بدا العالم أكثر انكشافًا أمام اضطرابات الإمداد وارتفاع الكلفة، وهو ما يمنح أي مسار بديل قيمة تتجاوز الحسابات التجارية المباشرة إلى اعتبارات الأمن الاستراتيجي للطاقة.

كذلك يوفر المسار القائم بين قبرص ومصر مساحة أوسع أمام أوروبا ودول الشرق الأوسط لتنويع الموردين وطرق النقل، بما ينسجم مع الاتجاه الذي تبناه الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، والقائم على تقليل الاعتماد على المسارات التقليدية وبناء شبكة أكثر تعددًا ومرونة لمصادر الغاز، وعليه لا تبدو هذه الترتيبات مجرد تعاون ثنائي محدود، بل جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لخريطة الطاقة في شرق المتوسط على نحو يمنح الأطراف المنخرطة فيه هامشًا أكبر للمناورة في مواجهة الأزمات.

وفي السياق نفسه، يرسخ هذا المسار منطق التعاون الإقليمي بين دول المتوسط على أساس المصالح المتقاربة، والبنية التحتية القائمة، والاستفادة المشتركة من الموارد والإمكانات المتاحة، بدلًا من الارتهان لتحالفات ومسارات أخرى أعلى كلفة، وأكثر هشاشة من الناحية الجيوسياسية.

في حوار خاص، كشف الخبير الاقتصادي الدولي د. ممدوح سلامة عن سيناريوهات مرعبة للاقتصاد العالمي إثر إغلاق مضيق هرمز وتضرر البنية التحتية النفطية في الخليج.

لقراءة الحوار بالكامل: https://t.co/tp36maGMDZ pic.twitter.com/wkCYjzp7GA

— نون بوست (@NoonPost) April 6, 2026

هل يقود ذلك إلى منظومة طاقة مستقلة عن الخليج وهرمز؟

مثل هذا المسار، بكل ما يحمله من أبعاد إيجابية، يطرح تساؤلًا محوريًا: هل يمكن أن يقود إلى بناء منظومة طاقوية مستقلة عن الخليج؟ أو بصيغة أكثر دقة: هل يستطيع أن يغني عنه؟ والراجح أن الإجابة لا، إذ يصعب على هذه المسارات، حتى لو انضمت إليها لاحقًا دول أخرى من شرق المتوسط، أن تعوض الثقل الخليجي في خريطة الطاقة العالمية، سواء من حيث حجم الإمدادات أو من حيث الفائض التصديري المتاح، فضلًا عن أن مضيق هرمز وحده ما يزال يمثل شريانًا تمر عبره نسبة ضخمة من احتياجات العالم من الطاقة، بما يجعل من الصعب الحديث عن بديل كامل له في المدى المنظور.

لكن في المقابل، فإن الاتفاقية المبرمة بين مصر وقبرص، وما قد يلحق بها من تفاهمات مشابهة بين دول أخرى في شرق المتوسط، يمكن أن تسهم في تقليص حدة الانكشاف الأحادي على الخليج، عبر خلق بدائل جزئية ومسارات وموارد أكثر أمانًا واستمرارية، وأقل تعرضًا للفخاخ الجيوسياسية التي باتت تحاصر هرمز بصورة متكررة.

ومن ثم يمكن القول إن مثل تلك الترتيبات لا تكتسب أهميتها من قدرتها على الإحلال الكامل، بل من قدرتها على التخفيف، وامتصاص جزء من الصدمات الطارئة، ومنح الأطراف المعنية خيارات إضافية في لحظات الاضطراب.

في الأخير لا تؤسس هذه المسارات لاستقلال كامل عن الخليج، لكنها تمنح المنطقة هامش مناورة أوسع كلما تعطلت ممراته، أو ارتفعت كلفة الاعتماد عليه، أو تصاعدت المخاطر المحيطة به، وعليه قد يتحول شرق المتوسط مستقبلًا إلى عنصر توازن مهم في أوقات الأزمات، لا بوصفه بديلًا شاملًا، بل بوصفه رافعة استراتيجية تقلل من حدة الارتهان، وهو ما أبرزته الحرب الراهنة بوضوح.

علاماتأزمات الطاقة ، أسواق الطاقة ، أمن الطاقة ، حكومة السيسي
مواضيعأزمة الطاقة ، إمدادات الغاز ، الاقتصاد المصري ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، قبرص

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

هدف حربي جديد.. ماذا نعرف عن ثالوث البتروكيماويات الإيراني؟

نون إنسايت٧ أبريل ٢٠٢٦
اقتصاد

اختناق هرمز يفتح السباق.. ما الممرات البديلة وما موقع تركيا منها؟

نون إنسايت٥ أبريل ٢٠٢٦
اقتصاد

“إغلاق هرمز أخطر من كل أزمات النفط السابقة”.. حوار مع الخبير الاقتصادي ممدوح سلامة

يارا جولاني٥ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑