في منتصف أبريل/نيسان 2026 تصدّرت “شورات هادين” العناوين بعدما تقدّمت بشكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية تطالب بملاحقة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.
المنظمة، التي تسوق نفسها باعتبارها “مركز قانوني” إسرائيلي، زعمت أن الحكومة الإسبانية صدّرت إلى إيران أجهزة ذات استخدام مزدوج تُستعمل في تصنيع المتفجرات وبالتالي “سهّلت ارتكاب جرائم حرب”.
هذه الشكوى ليست سوى حلقة في سلسلة دعاوى عابرة للحدود دشنتها المنظمة ضد دول وبنوك وحركات تضامن وشبكات اجتماعية، فمَن هي “شورات هادين”؟ من أسسها ومن يمولها؟ من تلاحق؟
الهوية والتأسيس والخطاب
الاسم والهوية
تحمل المنظمة عدة أسماء، فهي بالعبرية “שורת הדין”، وتُفهم عادةً بمعنى “حرف القانون”، إلى جانب اسمها الإنجليزي “Israel Law Center” واسمها الأكثر شهرة شورات هادين Shurat HaDin.
تقدّم نفسها بوصفها مركزًا قانونيًا إسرائيليًا غير ربحي مكرسًا لحماية “إسرائيل” و”محاربة الإرهاب” و”صون الحقوق اليهودية”.
موقعها الرسمي يصفها بأنها تعمل على “الدفاع عن الدولة ضد دعاوى قانونية وعدائية”، وتتصدى لحملات المقاطعة الأكاديمية والاقتصادية المناهضة للاحتلال وتقدم تدريبات لمتطوعين وتعمل بالتنسيق مع وكالات استخبارية وغربية.

التأسيس والمؤسسون
أسست نيتسانا درشان-لايتنر المنظمة مع زوجها آفي لايتنر بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، حين شرعت في رفع دعاوى نيابة عن إسرائيليين طالتهم العمليات الفلسطينية، لكنها قالت لاحقًا إنها أسستها بصيغتها المؤسسية عام 2003 لإدارة هذه الملفات.
وتقول روايات المؤسسة ومصادر خارجية إنها استلهمت نموذج مركز القانون الجنوبي للفقر في الولايات المتحدة، الذي استخدم الدعاوى المدنية لإفلاس جماعات عنصرية متطرفة.
وبحسب تحقيق لموقع ميدل إيست آي، كان زوجها ليتنر ناشطًا في حركة كاخ الصهيونية المتطرفة وحُكم عليه بالسجن بعد إدانته بالمشاركة في اعتداءات ضد فلسطينيين في الثمانينيات.
ومع أن اسمه لا يظهر في صفحة “فريقنا” الحالية، فإن موقع المنظمة يورده في صفحة فعالية رسمية عام 2024 بصفته “مؤسس شورات هادين”.
هذا الماضي المتطرف والعلاقة الزوجية بالمؤسسة الرئيسية يرسم صورة أكثر تعقيدًا عن بنية المنظمة وانتماءاتها الأيديولوجية.

التعريف الخارجي
تصف وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية المنظمة غالبًا بأنها “غير ربحية” تستخدم القضاء الأمريكي والدولي لملاحقة خصوم “إسرائيل”.
وأشار تقرير لوكالة رويترز عام 2017 إلى أن درشان-لايتنر “ترأس منظمة غير ربحية” شنت دعاوى ضد السلطة الفلسطينية، إيران، حزب الله وكوريا الشمالية.
ونقل التقرير عن درشان-لايتنر أنها بعد شروعها في تلك الدعاوى دعتها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إلى مقرّ الموساد وقدمت لها نصائح حول كيفية رفع مزيد من القضايا.
التمويل والبنية وعلاقات الدولة
قنوات التمويل
تكشف صفحات التبرعات والتقارير السنوية أن المنظمة تعتمد على شبكة من جهات راعية لجمع تبرعات معفاة من الضرائب.
تشمل هذه الشبكة الصندوق المركزي لـ”إسرائيل” (Central Fund of Israel) في الولايات المتحدة، ومنظمة Letter of the Law في كندا، ومؤسسة Chai Charitable Foundation في أستراليا، ومؤسسة UK Gives في بريطانيا، إضافةً إلى قناة في فرنسا والاتحاد الأوروبي.
يُطلَب من المتبرعين إرسال شيكات إلى هذه الهيئات مع تذييلها بـ”شورات هادين”، ما يجعل الأموال تصل عبر وسطاء ذوي صفة خيرية. وتتيح هذه الطريقة جمع أموال في أكثر من عملة مع الاستفادة من الإعفاءات الضريبية، لكنها تحجب هوية المتبرعين النهائيين.
وتشير تقارير استقصائية إلى أن مؤسسات محافظة في الولايات المتحدة – مثل Donors Capital Fund و”صندوق عادلِسون” – تمول منظمات تحارب حملة المقاطعة، وأن هذه الأموال تُحوَّل أحيانًا عبر الصندوق المركزي لـ”إسرائيل” إلى “شورات هادين”.
وذكرت دراسة لشبكة IJAN أن تبرعات موجهة عبر Donors Capital Fund كانت “مخصَّصة لشورات هادين”، لكنها اعترفت بصعوبة التحقق بسبب سرية هذه الشبكات. كما تنظّم المنظمة برامج سياحية مكلفة تُسوق تحت عناوين مثل “مهمة الموساد”.
ويصف تقرير لموقع Tablet قافلة من المتبرعين يزورون أنفاق “حزب الله” على الحدود ويتلقون إحاطات من ضباط أمن، ويشير إلى أن البرنامج برعاية “مركز القانون الإسرائيلي”. مثل هذه الرحلات تُجَيش الدعم المالي وتُظهر علاقة وثيقة مع الجيش والمؤسسات الأمنية.
العلاقة باستخبارات وحكومة الاحتلال
العلاقة مع الموساد والأجهزة الإسرائيلية ليست مجرد اتهام، ففي مقابلة مع وكالة رويترز، أوضحت درشان-لايتنر أنها بعد شروعها في الدعاوى القضائية دُعيت إلى مقر الموساد وقدمت عرضًا حول كيفية رفع القضايا.
وبينت أن ذلك تطوّر إلى اجتماعات دورية يحصل فيها محامو “شورات هادين” على معلومات استخبارية حول مصادر الأموال المستهدفة.
ويؤكد موقع المنظمة نفسه أنها تعمل مع وكالات استخبارية غربية ومع شبكات من المحامين المتطوعين، كما تدرب محامين وناشطين قانونيين في برامج وندوات متخصصة.

وأفادت وثيقة دبلوماسية مسرّبة من السفارة الأمريكية عام 2007، بأن درشان-لايتنر أبلغت مسؤولين أمريكيين أن المنظمة في سنواتها الأولى كانت “تأخذ توجيهات من الحكومة الإسرائيلية” وأن مكتب الأمن القومي رأى في التقاضي المدني وسيلة لتنفيذ أمور لا يمكن للحكومة تنفيذها رسميًا.
وفي كتابها Harpoon، الذي خضع للرقابة العسكرية الإسرائيلية قبل النشر، تروي درشان-لايتنر أن الموساد منحهم “تلميحات” لكنه لم يوجّههم مباشرة نحو القضايا التي لا بد من العمل عليها. وقالت أيضًا إن بعض المواد التحقيقية حُوِّلت إلى إفادات رسمية باسم الحكومة الإسرائيلية.
وتستفيد “شورات هادين” من دعم سياسي إسرائيلي، فموقعها ينشر رسائل مؤيدة من شخصيات مثل رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت والذين يصفونها بأنها “أصل استراتيجي لأمن الدولة”، ما يعزز انطباع أنها تعمل كذراع موازية لحكومة الاحتلال.
من تستهدف المنظمة؟
يمكن تصنيف خصوم “شورات هادين” وفق أنماط تكشف وظيفة المنظمة، إذ تستهدف أنظمة ودول ومؤسسات وحركات مدنية وطلابية كالتالي:

وتتجاوز الوظيفة الكامنة وراء أنماط الاستهداف تعويض من تصفهم المنظمة بأنهم “ضحايا”، فقد نقلت رويترز عن درشان-لايتنر أن حوالي 10٪ فقط من أحكام بملياري دولار تم تحصيلها. وتظهر هذه الاعترافات أن الغاية الرئيسية ليست التحصيل المالي بل استخدام القضاء كساحة صراع سياسي.
فالدعاوى تُجَمِّد أموال الخصوم، وتُخيف المؤسسات المالية، وتُرهق حركات التضامن بتكاليف التقاضي، وتخلق سردية إعلامية تربط النشاط الحقوقي بـ”الإرهاب” المزعوم.
كما أن الشكاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد خصوم “إسرائيل” تُسعى إلى تشويه صورة هؤلاء واستباق محاولات مساءلة المسؤولين الإسرائيليين.