لم تكن كفالة قريب إحدى الشابات السوريات المقيم في العاصمة الأرجنتينية بيونيس آيريس، والتي لم تكن قد التقت فيه سابقًا؛ كافية لإتمام إجراءات دخولها إلى البلاد ضمن برنامج الكفالة “Programa Siria” الذي تقدمه الحكومة الأرجنيتية لدعم اللاجئين، لكن شبكة غير رسمية مرتبطة بعائلتها لعبت دورًا مهمًا في تسهيل هذه العملية.
تدخلت في هذه الحالة جمعية “Asociación Kalaat Jandal” أو “جمعية التراث العربي الأرجنتيني”، وهي مؤسسة تعود جذورها إلى ثلاثينيات القرن العشرين، حين أسسها مهاجرون سوريون قُدموا من قرية قلعة جندل، بهدف إنشاء مساحة تجمع أبناء الجالية السورية في الأرجنتين، حيث يمكنهم الالتقاء والتحدث بلغتهم، وتبادل الأطعمة التقليدية، والحفاظ على التواصل فيما بينهم وبين موجات الهجرة من الشرق الأوسط.
هذا المثال، كما تشير الباحثة ليلي بالوفيه في دراستها حول الشتات السوري-اللبناني في أمريكا اللاتينية، يعكس استمرار دور هذه الجمعيات التي أسسها المهاجرون الأوائل، بوصفها وسائط اجتماعية وتنظيمية تتجاوز وظيفتها الثقافية التقليدية لتصل إلى التأثير في شبكات الهجرة والسياسات العابرة للحدود في الحاضر.
فرغم الإمكانات المحدودة، نجح المهاجرون السوريون إلى القارة الأمريكية قبل نحو 150 عامًا في بناء منظومة شبكات تواصل اجتماعي عابرة للقارات من جمعيات وصحف ونواد، ربطت بين المهجر والمجتمع في سوريا، مشكلة منصات للنشاطات الثقافية والسياسية، فضلًا عن دورها البارز في نقل الأموال والأفكار بين الخارج والداخل.
الهجرة “الشامية” إلى الأمريكيتين
لفهم دور هذه الجمعيات، لا بد من العودة إلى بدايات الهجرة من بلاد الشام التي كانت آنذاك جزءًا من أراضي الإمبراطورية العثمانية إلى الأمريكيتين، والتي انطلقت في أواخر القرن التاسع عشر واستمرت حتى ثلاثينيات القرن العشرين.
ورغم صعوبة تحديد أعداد الواصلين بدقة، تقدر بعض الدراسات أنه بحلول عام 1940 هاجر ما بين 250 إلى 300 ألف شخص من بلاد الشام، معظمهم من المسيحيين القادمين من سوريا ولبنان إلى أمريكا الجنوبية، وكانت الأرجنتين والبرازيل أبرز الدول المستقبِلة في القارة.
جاءت هذه الهجرات نتيجة مجموعة من العوامل السياسية والدينية والاقتصادية، إلى جانب إغراء الفرص الاقتصادية في “العالم الجديد”، ولم تكن في معظمها هجرات لاجئين بالمعنى الحديث، بل موجات بحث عن تحسين الظروف المعيشية، وقد استمرت حتى الحرب العالمية الأولى قبل أن تتباطأ لاحقًا.
فضاء عام عابر للحدود
وترى الباحثة في دراستها “اللاجئون السوريون في أمريكا اللاتينية: مجتمعات الشتات كوسطاء”، أن ما نشأ عن هذه الهجرة لم يكن مجرد تجمعات مهاجرين، بل “فضاء عام عابر للحدود”، ربط بين الجاليات العربية في الأمريكيتين وبين أوطانها الأصلية في الشرق الأوسط، إضافة إلى ارتباطها ببعضها البعض عبر القارات.
وتشير دراستها إلى أن هذه الشبكات أسست لما يمكن وصفه بثقافة “المشاركة عن بُعد”، حيث كان تداول الأموال والأفكار والمواقف السياسية يتم عبر مسافات بعيدة، ولكن بشكل منظم ومستمر.
ففي مختلف أنحاء أميركا الشمالية والجنوبية، بدأت خلال العقود الأولى من القرن العشرين بالظهور نوادٍ محلية، وجمعيات للتكافل الاجتماعي، ودوائر فكرية، ومكاتب تجارية، ومؤسسات دينية مرتبطة بهذه المجتمعات المهاجرة من الشرق الأوسط.
وقد لعبت هذه الجمعيات التطوعية دور قنوات أساسية في ربط أفراد الشتات العربي الأكبر (المَهجر)، الذين سعوا إلى إحداث تغييرات سياسية وفكرية واقتصادية في بلدان الشرق الأوسط.
وقد قوبلت أحداث مثل الثورة السورية عام 1925، والحربان العالميتان الأولى والثانية، بموجات من الحملات الخيرية، والنشاط السياسي، والنقاشات الحادة داخل الصحافة المهجرية النشطة.
كما أن الجمعيات التطوعية مثل نادي حمص في ساو باولو، ونادي “سيريو-ليبانيز” في بوينس آيرس، أو نادي “ليبانيز-سيريو-فلسطيني” في سانتياغو، أدّت مجموعة متنوعة من الخدمات لأعضائها من العرب في أمريكا اللاتينية، وكانت هذه الأماكن بمثابة مواقع لتقديم الرعاية الطبية، وأنظمة مصرفية غير رسمية، إضافة إلى الحفاظ المتعمد على اللغة العربية، من بين وظائف أخرى.
وقد ظهرت هذه الجمعيات، بشكل متوقع، في المراكز الحضرية المتنوعة عرقيًا التي تضم أعدادًا كبيرة من المهاجرين، لكنها وُجدت أيضًا في بلدات وقرى ريفية في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية.
المستشفى السوري- اللبناني في الأرجنتين
تُعدّ حالة المستشفى السوري اللبناني في الأرجنتين مثالًا واضحًا على كيفية قدرة شبكة الشتات العربي-الأرجنتيني على تنفيذ مشاريع مؤسسية كبرى بشكل جماعي ومنظم، بحسب ما تشير إليه بالوفيه.
ففي عام 1917، بادرت مجموعة من النساء العربيات الأرجنتينيات من الطبقة الميسورة إلى تأسيس جمعية مدنية باسم “جمعية أعمال الرحمة” (Sociedad de Obras de Misericordia)، وهي جمعية علمانية في الأصل، قبل أن تعيد توجيه نشاطها نحو مشروع تأسيس مستشفى للجالية.
وبحلول عام 1923، تغيّر اسم الجمعية إلى “جمعية البرّ للمستشفى السوري اللبناني” (Asociación de Beneficencia Pro Hospital Sirio Libanés)، مع التركيز على إنشاء مؤسسة طبية تقدم خدمات ثنائية اللغة بالعربية والإسبانية.
وبعد نحو عقد من العمل المنظم في جمع التبرعات، تمكنت المجموعة من شراء الأرض المخصصة للمستشفى وبدء أعمال البناء، في خطوة حظيت بأهمية كبيرة داخل الجالية، حتى إن رئيس الأرجنتين آنذاك، الجنرال أجوستين ب. خوستو، حضر حفل وضع حجر الأساس.
وقد اعتمد تمويل المشروع على شبكة واسعة امتدت عبر مختلف أنحاء البلاد، من العواصم الإقليمية إلى القرى الصغيرة والمناطق الحدودية وصولًا إلى باتاغونيا.
وقد وصفت القائمات على المشروع هذه المناطق بأنها “أعمدة من ذهب”، في إشارة إلى دورها المركزي في دعم التمويل، كما تم إنشاء شبكة تنظيمية من “مندوبين رسميين وفخريين” تولوا نشر المشروع وتنظيم حملات جمع التبرعات على مستوى وطني وإقليمي، وصولًا إلى مناطق نائية.
كما لعبت الجمعيات التراثية المحلية في المقاطعات دور وسيط أساسي في هذه العملية، حيث ساهمت في ربط العاصمة بالمناطق الريفية وتسهيل تدفق التبرعات، ما حول المشروع إلى شبكة تمويل اجتماعية واسعة النطاق.
ونتيجة لذلك، أصبح المستشفى لاحقًا مؤسسة ذات نفوذ داخل الجالية العربية في الأرجنتين، كما وفر قاعدة مؤسسية سمحت له لاحقًا بالمشاركة في أعمال خيرية عابرة للحدود، شملت إرسال دعم مالي إلى الشرق الأوسط خلال أوقات الأزمات والكوارث.
النادي الرياضي السوري في البرازيل
الأرجنتين لم تكن الحالة الوحيدة، إذ كانت أمريكا اللاتينية تربة خصبة لهذه التجمعات السورية واللبنانية، ففي البرازيل لا يقدّم Esporte Clube Sírio” (النادي الرياضي السوري) في ساو باولو نموذجًا لمؤسسة اجتماعية أو رياضية فحسب، بل يعكس أيضًا كيف سعى المهاجرون السوريون واللبنانيون إلى التوفيق بين الحفاظ على هويتهم الثقافية والاندماج في المجتمع البرازيلي.
فمنذ تأسيسه في 14 يوليو/تموز 1917، شكّل النادي مساحة التقاء للأصدقاء والعائلات، وفي الوقت نفسه منصة للحفاظ على التقاليد السورية وتنميتها، إلى جانب تبنّي أنشطة حديثة في المجتمع المضيف مثل كرة القدم، التي كانت آنذاك من أبرز مظاهر الحياة الحضرية في البرازيل.
ومنذ سنواته الأولى، لم يكن نمو النادي مجرد توسّع عددي، بل كان تعبيرًا عن حاجة الجالية إلى فضاء يجمع بين الانتماءين، فبحلول عام 1918، كان عدد أعضائه قد بلغ 150 عضوًا، ومع تزايد الإقبال، انتقل مقره إلى شارع فلورنسيو دي أبريو في أوائل عام 1920، قبل أن يتمكن أعضاؤه عام 1923 من شراء أول مقر دائم له في حي بونتي بيكوينا. هذا السعي لبناء مقر خاص لم يكن مجرد خطوة تنظيمية، بل كان أيضًا محاولة لترسيخ وجود اجتماعي وثقافي مستقر داخل المدينة.
ومع انتقال النادي عام 1953 إلى مقره الحالي في حي بلانالتو باوليستا، في مرحلة كانت تشهد فيها ساو باولو توسعًا حضريًا متسارعًا، بدا واضحًا أن الجالية لم تعد هامشية، بل أصبحت جزءًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة.
وقد تحقق هذا المشروع بجهود جماعية من الأعضاء، الذين جمعوا الموارد اللازمة لشراء الأرض وبناء المرافق، في مثال يعكس تداخل التضامن الاجتماعي مع الطموح بالاستقرار والاندماج.
ورغم أن النادي حمل اسمًا وهويةً سورية، إلا أن أنشطته لم تكن منغلقة على ذاتها، بل عكست هذا التوازن بين الجذور والانفتاح. فإلى جانب دوره الرياضي، أصبح فضاءً للحياة الاجتماعية في ساو باولو، حيث استضاف حفلات الزفاف والتخرج وأعياد الميلاد، إلى جانب فعاليات ثقافية وترفيهية مثل مهرجانات الربيع والكرنفال، وهي مناسبات تجمع بين التقاليد المحلية البرازيلية وأشكال الاحتفال القادمة من ثقافة المهاجرين.
وفي الوقت نفسه، حافظ النادي على دوره كحاضنة للهوية الثقافية، من خلال تعليم اللغة العربية، وتنظيم دروس الدبكة والموسيقى الشرقية، وتأسيس مركز الثقافة العربية عام 2005، الذي يعنى بتاريخ سوريا وفنونها ومطبخها. هذا التداخل بين تعليم العربية والمشاركة في الحياة الثقافية البرازيلية يعكس نموذجًا لهوية مزدوجة، لا تقوم على الانعزال، بل على التكيّف دون فقدان الجذور.
ويظهر هذا البعد الرمزي أيضًا في المعالم التي أنشأها النادي، مثل “الصخرة السورية” التي دُشّنت عام 2017 في الذكرى المئوية لتأسيسه، والتي تمثل حضورًا رمزيًا للوطن الأصلي داخل الفضاء البرازيلي.
وتحت هذه الصخرة، وُضعت كبسولة زمنية تضم شهادات لأعضاء وشخصيات عامة، في محاولة لحفظ ذاكرة جماعية تعكس مسار مجتمع نجح في إعادة تعريف هويته بين مكانين.
نادي حمص (Clube Homs)- هوية هجينة
وفي امتداد ظاهرة انتشار النوادي العربية في البرازيل، برز Clube Homs كأحد الأمثلة على تشكّل هوية محلية داخل المهجر، فقد تأسس النادي في 2 أيا 1920 في مدينة ساو باولو، بمبادرة من 22 مهاجرًا سوريًا قدموا من مدينة حمص، ضمن موجة الهجرة الكبرى من بلاد الشام إلى البرازيل في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
لم يكن تأسيس النادي مجرد استجابة لحاجة اجتماعية آنية، بل كان محاولة لبناء فضاء يضمن استمرار الروابط الثقافية واللغوية بين أبناء الجالية، وفي الوقت نفسه يتيح لهم التكيف مع واقعهم الجديد في المجتمع البرازيلي.
لذلك، جمع النادي بين وظيفتين متداخلتين: من جهة، الحفاظ على الهوية السورية-العربية عبر اللغة والعادات وروابط الانتماء المحلي لمدينة حمص، ومن جهة أخرى، خلق مساحة اندماج اجتماعي داخل السياق البرازيلي الأوسع، ومع الوقت، أصبح مركزًا للتواصل بين الأجيال المختلفة من المهاجرين، ومنصة للفعاليات الاجتماعية والثقافية.
تجمعات المهاجرين: فاعل سياسي نشط
تشير دراسات الهجرة في أمريكا اللاتينية إلى أن المجتمعات السورية واللبنانية والفلسطينية في الشتات لم تكن مجرد تجمعات مهاجرين، بل فاعلًا اجتماعيًا وسياسيًا نشطًا.
ففي بعض مدن أمريكا اللاتينية، مثل سانتياغو حيث تأسس النادي السوري (Club Sirio) في بدايات القرن العشرين، وما زال قائمًا كمعلم اجتماعي بارز، انخرطت الأندية والجمعيات السورية واللبنانية ضمن فضاء أوسع من النشاط السياسي في المهجر,
وشارك بعض أعضائها في حملات سياسية وإعلامية دعمت قضايا الاستقلال في بلاد الشام، عبر الصحافة والرسائل واللجان التمثيلية، بما يعكس مستوى من التنظيم العابر للحدود بين المهجر والشرق الأوسط.
ويؤكد الباحث خورخي أرانيدا تابيا من جامعة تشيلي في ورقة بحثية بعنوان “أجندات جديدة لهجرة قديمة: الهجرة السورية واللبنانية والفلسطينية من منظور أمريكي لاتيني”، أن الهجرات العربية من بلاد الشام أدت، خلال القرن العشرين، إلى نشوء هياكل عابرة للحدود واستمرار المشاركة عن بُعد في مختلف السياقات المحلية في أمريكا اللاتينية، ما نتج عنه تبادل مستمر للخبرات والسرديات المرتبطة بالهجرة داخل المجتمعات المستقبِلة.
وقد ظلت هذه الشبكات العالمية، التي تربط المجتمعات المختلفة، في حالة تفاعل دائم مع روابط جديدة تقوم على تقاطع الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية.
تُظهر هذه التجربة التاريخية أن المهاجرين السوريين في أمريكا اللاتينية لم يبنوا فقط مجتمعات محلية، بل أسسوا شبكات معقدة من التواصل، والتنظيم الثقافي والاقتصادي والسياسي.
كما أن هذه الشبكات، رغم بساطة أدواتها مقارنة باليوم، أدّت وظائف تشبه إلى حد كبير ما تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة: ربط الأفراد، تداول المعلومات، تنظيم العمل الجماعي، وإنتاج فضاء عام يتجاوز الحدود الجغرافية.