تتزايد أعداد المحتاجين إلى العلاج النفسي في قطاع غزة يومًا بعد آخر، ويشير الواقع إلى أن المجتمع يتخلص تدريجيًا من قيود “الوصمة”، فيتجه الناس إلى العيادات النفسية دون حرج، بسبب حاجتهم الماسّة إلى التعافي. وبينما تتضاعف أعداد طالبي الخدمة، لا يحدث الأمر نفسه على مستوى الأطباء والمعالجين النفسيين؛ فعددهم محدود، وعليهم تحمّل الضغط والعمل في ظروف شديدة القسوة.
يواصل هؤلاء عملهم، يستقبلون المزيد من الحالات، وينصتون باهتمام إلى أوجاع أصحابها، ويأخذون بأيديهم نحو التعافي. وخارج العيادات، يجد معارفهم فيهم مصدرًا للقوة، فيبحثون عن الطمأنينة في حديثهم، ما يفرض عليهم البقاء ثابتين وأقوياء لمساندة غيرهم، لكنهم يعودون إلى بيوتهم مثقلين بما سمعوه ورأوه، بينما هم أنفسهم عاشوا حكايات مشابهة، وربما أشد قسوة، وتجرّعوا ويلات الحرب ذاتها، وكان لكل منهم ألمه الخاص.
يقدّمون خدماتهم في ظروف غير مناسبة وبإمكانات محدودة، فبعد شهر واحد فقط من بدء الإبادة، دمّر الاحتلال مستشفى الطب النفسي الوحيد في قطاع غزة، كما طال القصف الكثير من العيادات والمراكز ذات الصلة، إلى جانب النقص في أعداد المختصين بسبب السفر أو الاستشهاد أو عدم القدرة على العمل، نتيجة الظروف التي فرضتها الحرب.
كيف يتعامل الأطباء والمعالجون النفسيون مع عمل يفرض عليهم الغوص في آلام الآخرين؟ وهل يستطيعون الحفاظ على مسافات آمنة بينهم وبين حكايات مرضاهم؟ وما الآثار التي تنعكس عليهم؟ ومتى يحتاج المُعالِج إلى مُعالِج؟ وكيف يمكن لابتسامة مريض أن تتحول إلى دافع للاستمرار؟
إجابات هذه الأسئلة وغيرها في حوار خاص لـ”نون بوست” مع الطبيبة النفسية نوال عسقول، التي كانت من بين من فقدوا بيئة عملهم الخاصة، قبل أن تعود وتنطلق من جديد من غرفة صغيرة في منزلها، تستقبل فيها طالبي الخدمة وتعقد جلسات علاجية للأطفال.
نقطة الصفر
تختصر عسقول حديثها عن العلاج النفسي في القطاع بعبارة: “كل شيء تغيّر”. وتقول: “فقدنا كل الإمكانيات، نعمل باليد المجرّدة، الأجهزة غير متوفرة، وإن توفرت فلا كهرباء لتشغيلها، والتحاليل المخبرية ليست متاحة دائمًا، وحتى الأدوية، ورغم أنني لا أصف لمرضاي أدوية نفسية مطلقًا، إلا أن العلاج يتطلب أحيانًا بعض الأصناف، مثل المكمّلات”.
وتضيف، وقد فقدت مركزها الخاص بكل ما فيه من تجهيزات: “إذا كان المريض بحاجة إلى تخطيط للدماغ، أرسله إلى المستشفى، فينتظر حتى يحين دوره، ما يؤخر علاجه. وإن أردت معرفة منسوب بعض الهرمونات في الجسم، فالمختبرات غير قادرة على إجراء كثير من التحاليل، ناهيك عن الأسعار المرتفعة لكل شيء، حتى تكاليف المواصلات إلى مراكز العلاج. كل ذلك يشكل عوائق أمام العلاج النفسي، والأمثلة كثيرة، أبسطها أنني لا أملك سريرًا يستلقي عليه المريض”.
أما انعدام الخصوصية فهو، على حد وصفها، “ألم بحد ذاته”، إذ توضح: “غياب الخصوصية ناتج عن عدم وجود أماكن مخصصة للعلاج، فنحن نمارسه أحيانًا داخل الخيام، ما يمنع المريض من البوح بكل ما في داخله للمعالج، ولا يجد مساحة للبكاء، فيتحوّل الكبت إلى آلام مزمنة، خاصة عندما يكون العلاج ميدانيًا في مكان السكن. والأكثر تضررًا من ذلك فئة “الناجي الوحيد”، إذ يصعب عليهم الحديث أمام من يحتضنونهم، خوفًا من أن يُفسَّر كلامهم على أنه اتهام بالتقصير”.
وتوضح: “استمرار الحرب يفاقم المشكلة، فنحن نمارس العلاج تحت النار. فمثلًا، عندما يبدأ المريض بالتعافي من الفقد، يفقد شخصًا آخر عزيزًا عليه، فنعود إلى علاجه من الصفر”، مشيرة إلى عائق آخر يتمثل في نقص أعداد المعالجين مقارنة بالحاجة الهائلة إلى العلاج النفسي.
ناهيك عن كثرة الحالات وصعوبتها، ما يعني أن المعالج يستمع إلى كمّ هائل من المآسي، ويضطر إلى التعامل مع حالات أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل الحرب. وبعد تنهيدة، تتساءل عسقول: “ماذا أقول لطفل لديه ميول انتحارية لأنه مقتنع بأن الحياة لا تستحق أن تُعاش؟ وكيف أواسي صبية فقدت العشرات من أفراد أسرتها؟”.
وتؤكد عسقول: “نتيجة هذه التغيرات، أصبح العلاج النفسي أكثر صعوبة مقارنة بما قبل الحرب، كما أصبحت احتمالات تأثر المعالج نفسيًا أكبر، ما لم يمتلك آليات النجاة اللازمة”.
ومن أوجه الصعوبة التي تشير إليها “ظهور أعراض جديدة لم تكن معروفة من قبل، مثل وجود فجوة بين العمر الحقيقي والعمر العقلي لدى الأطفال، فعقولهم تبدو أصغر بفارق زمني يساوي مدة الحرب، وكأنها توقفت عن التطور منذ ذلك الوقت. هذه ملاحظة واضحة، وأجري عليها بحثًا حاليًا”.
وترى أن “العالم يتحمل مسؤولية الخلل الناتج عن هذه العوائق، فمثلًا نقص فيتامين (د) يسبب أعراضًا اكتئابية، لكنه في غزة تطور، في كثير من الحالات، إلى اكتئاب مزمن بسبب عدم توفر العلاج. هذا ليس ذنب المريض ولا المعالج، بل ذنب عالم يضحي بالإنسان”.
المعالج ناجٍ وضحية
وسط هذا الواقع القاسي، تبرز حقيقة أخرى؛ فالمعالج النفسي ناجٍ وضحية في الوقت ذاته، يعيش الإبادة بكل تفاصيلها، يخاف وينزح ويفقد، ثم يتحامل على نفسه ليضمد أرواح الآخرين، فيستمع إلى قصصهم المأساوية، لتضيف إلى ألمه ألمًا آخر.
عن ذلك تقول عسقول: “نجونا من الموت مرات كثيرة خلال الحرب، وهذا ما نفهمه على أنه رسالة يجب أن نحملها ونؤمن بها، علينا أن نكون منقذين لا ضحايا، وأن نستمر في تقديم الدعم للناس”.
وتضيف: “إذا لم يعالج المعالج نفسه منذ اللحظة الأولى، ولم يلتزم بالرعاية الذاتية، فقد ينهار. عليه أن يعرف كيف يتعامل مع الألم بوصفه جزءًا من النجاة”.
وتؤكد أن مشاركة التجربة المؤلمة تمثل نقطة قوة في العلاج وفي العلاقة بين المريض ومعالجه، فالمريض يشعر أن المعالج يشاركه الألم ويفهم معاناته، فيما يصبح المعالج أكثر قدرة على تفهّم الحالة وإدراك حجم ألمها واختيار أنسب الطرق للتعامل معها. وتعبر عن اعتقادها بأن “أي معالج لم يعش الإبادة، يصعب عليه تصور حجم المأساة واختيار الحلول المناسبة”.
الذنب الذي لا يهدأ
فوق ألم الإبادة، يستمع المعالج يوميًا إلى قصص مرضاه القاسية. ولأن المعالج إنسان أيضًا، فإن إهمال الرعاية الذاتية وآليات النجاة، وعدم الفصل بين العمل وباقي تفاصيل الحياة، يترك أثره عليه وينعكس على أسرته وعلاقاته كافة، كما تؤكد عسقول.
ومن أشكال التأثر التي تذكرها: استمرار استحضار القصص وتفاصيلها، والتأثر بالمشاعر المرتبطة بها، إضافة إلى الأرق والكوابيس والشعور بالعجز والذنب. أما الشعور بالعجز تحديدًا، فهو الأثر الذي يمثل مشكلة حقيقية لضيفتنا، إذ ينتابها في حالات معينة، وتلجأ أحيانًا إلى طرق مكلفة للتعامل معه، فالأهم بالنسبة لها هو التخلص من هذا الإحساس.
وتقول: “أعالج المريض حتى يتعافى مهما كانت مشكلته، لكن حين ينقطع طفل عن العلاج أخشى أن ينتكس، وأشعر بالذنب لأنني غير قادرة على منحه حقه الكامل في العلاج، لذلك أتواصل مع عائلته لمتابعة حالته”.
وتضيف: “يتكرر الأمر بسبب النزوح المستمر، فأتابع الطفل عبر الهاتف، وإن اضطررت أدفع تكاليف المواصلات ذهابًا وإيابًا ليأتي إلى المركز ويتلقى الخدمة المناسبة. المواصلات اليوم مكلفة جدًا، والمركز لا يملك تمويلًا، كما أنني لا أملك دخلًا شخصيًا ثابتًا، ومع ذلك أتحمل هذه التكاليف في سبيل التحرر من الشعور بالذنب”.
وبينما كانت توجّه طفلًا إلى فصل حبات المعكرونة عن العدس خلال جلسة لعلاج ضعف التركيز، قالت لنا: “أن يكون هدفنا هو الأطفال ومساعدتهم، فهذا يمنحنا درعًا يحمينا من الانهيار. نحن لا نستسلم، لأن العطاء وقود البقاء، والابتسامات التي نرسمها على وجوه الناس تشفي جراحنا”.
وتتطرق عسقول إلى الحديث عن الفئة الأكثر تضررًا من العمل في مجال العلاج النفسي، من وجهة نظرها، وهم الخريجون الجدد من كليات علم النفس. وتستذكر موقفًا وجدَت فيه معالجة شابة تبكي مع مرضاها.
تقول عنهم إنهم انخرطوا في الميدان، بكل ما يحمله من حالات كثيرة ومؤلمة، قبل أن يحصلوا على التأهيل الكافي، مضيفة: “لا يملكون حصانة نفسية ولا خبرة، عاشوا الصدمة كضحايا، ثم بدأوا العمل بلا تدريب ولا ميدان منظم. هم بحاجة أولًا إلى تفريغ ما في داخلهم من ألم، وإلى رعاية ذاتية جيدة وكافية، حتى يتمكنوا من العطاء”.
وتوضح أن حكايات الناس ليست السبب الوحيد في تأثرهم، بل أيضًا الصدمات التي يتلقونها خلال العمل، مثل انتهاء عقودهم بعد اندماجهم فيها، إذ إن أغلب فرص العمل الحالية مرتبطة بمشاريع مؤقتة ومحددة المدة.
وتبين أن بعض هؤلاء الخريجين يخبرونها بأنهم “يوشكون على الانفجار من القصص التي يسمعونها”، بينما يحرك آخرون أعينهم بعيدًا أثناء الحديث، وتلجأ شابات إلى الإكثار من مساحيق التجميل لإخفاء آثار قلة النوم، إلى جانب كثير من الأعراض الأخرى.
وتؤكد أنها عالجت العديد من المعالجين الذين لجؤوا إليها بعدما أنهكهم الضغط النفسي، ولاحقتهم صور الضحايا، وكانوا يسألونها بدهشة كيف لا ترى مرضاها في أحلامها، فتجيبهم: “الحل في المرونة النفسية، وهي لا تعني عدم الشعور بالألم، بل التعامل الصحيح معه والاستمرار بعده”.
وعن آليات النجاة، تقول: “يجب أن يهتم المعالج بنفسه، وأن يدرك أنه يستحق أن يكون بخير، فيمنح نفسه الرعاية الذاتية قبل مساعدة الآخرين”.
ماذا يفعل المعالج إذا شعر أنه في خطر؟ توضح عسقول: “إذا ساءت حالته، فليبحث عن الحل، لكن لا يمنح الألم فرصة للتحكم به، بل عليه أن يتخلص من ألمه ويواصل أداء واجبه، وحتى لو اضطر إلى التوقف عن العمل قليلًا، فلا بأس من استراحة محارب قصيرة”.
لا وقت للانهيار
تتحدث عسقول عن حالة من غياب الاهتمام بالعلاج النفسي في قطاع غزة، موضحة: “لا توجد أي جهة تقدم اهتمامًا حقيقيًا بهذا الأمر، فالتركيز ينصب على الإصابات الجسدية فقط، رغم أن الإصابات النفسية شديدة القسوة وتمتد لتؤذي كل أعضاء الجسد. فمثلًا، عالجت طفلًا في الثالثة عشرة من عمره امتلأت رئتاه بالمياه، وبالعودة إلى حكايته اكتشفت أنه يعاني من صدمات متعددة بسبب استشهاد إخوته ووالده في أوقات متفرقة”.
وتلفت إلى أن الاهتمام أقل فيما يتعلق بالمعالجين أنفسهم، مضيفة: “لا توجد دورات تدريب وتأهيل كافية، خاصة للخريجين الجدد، رغم حاجتهم إلى دعم حقيقي، ورعاية ذاتية، وأنشطة تفصلهم قليلًا عن هذا الواقع، حتى لو كانت مجرد رحلة إلى الشاطئ”.
وخارج العيادة، يبقى المعالج معالجًا، يرتبط بمسؤولية اجتماعية تجاه الناس، فيحسب كل كلمة وكل حركة ليكون مصدر قوة وتفاؤل، وهذا ما ينتظره الناس منه، وفق عسقول.
تقول: “لا وقت للانهيار، ولا وقت للضعف، علينا أن نهتم بالناس، ونصغي إلى آلامهم، ونساعدهم حتى في أوقات راحتنا الخاصة. أحيانًا يصل الأمر إلى حدّ الاستنزاف، لكن بالنسبة لي هذا أحد أشكال العمل”.
وفي ختام حديثها، وعند سؤالها عمّا غيّرته المآسي التي تراها وتسمعها يوميًا فيها، تجيب عسقول: “جعلتني أكثر إنسانية ورأفة ورحمة، أحاول أن أوفر لكل طفل ما يحتاجه، كيف أتحمل رؤية طفل أكل البرد جسده دون أن أتأكد من حصوله على ملابس كافية؟ أحيانًا أتحمل الإحراج وأنا أطلب من بعض المعارف مساعدة حالات تمرّ عليّ”.
وتوضح: “على مستوى الأفكار والطباع، أصبحت أكثر عمقًا في فهم الحياة، وأتعامل مع الصعاب على أنها مرحلة ستمر وتنتهي، كما اكتسبت مزيدًا من التوازن والثبات النفسي حتى لا أهتز في أسوأ الظروف، لكنني وصلت إلى هذه المرحلة بعد معاناة طويلة”.