وضعت تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على إمدادات الطاقة العالمية سوريا في صدارة الخيارات البديلة كممر محتمل للطاقة، بفعل اعتبارات الموقع الجغرافي التي تمنحها دورًا كنقطة ارتكاز في شبكات النقل الإقليمية، وإمكانية توفير ممرات برية أكثر استقرارًا بعيدًا عن نقاط الاختناق البحرية التقليدية، وهو ما ترجمته الوثيقة الأمريكية التي تتضمن خطة لإعادة تأهيل قطاع النفط خلال أربعة أعوام.
يسبق الخطة ويتزامن معها نشاط سوري في قطاع النفط الذي يعيش مرحلة استعادة تدريجية بطيئة لدوره الاقتصادي، مدفوعًا بجملة عوامل داخلية وخارجية، بعد 14 عامًا من تراجع حاد وتدهور طال أحد أبرز حوامل وركائز اقتصاد البلاد، في ظل مرحلة انتقالية تشهدها سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، فضلًا عن بدء تصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس للأسواق العالمية لأول مرة منذ عقود.
يسلط هذا التقرير الضوء على واقع النفط السوري استنادًا إلى مضمون الوثيقة الأمريكية، ويرصد أبرز التحركات السورية في سبيل إعادة تنشيط القطاع وتهيئة الأرضية لتطوير دور سوريا كنقطة ربط إقليمية، ويناقش الانعكاسات المحتملة اقتصاديًا وجيوسياسيًا.
نظرة إلى النفط السوري
- تعرضت منشآت قطاع النفط والغاز في سوريا لأضرار جسيمة خلال سنوات الحرب، نتيجة عمليات تخريب وسرقة واسعة، مع تهالك البنية التحتية وتفاقم التدهور، وقدّرت الأمم المتحدة الخسائر بنحو 115.2 مليار دولار بين عام 2011 ونهاية النصف الأول من عام 2023.
- بلغ إنتاج النفط نحو 385 ألف برميل يوميًا عام 2010، ثم تراجع بشكل حاد إلى ما بين 24 و34 ألف برميل يوميًا بين 2014 و2019، قبل أن يرتفع تدريجيًا ليصل إلى قرابة 110 آلاف برميل يوميًا، منها 100 ألف برميل من حقول كانت تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) و10 آلاف برميل من حقول تديرها الإدارة السورية الجديدة.
- خلال سنوات الحرب، ومع فرض العقوبات وتغيّر خريطة السيطرة، واصلت إيران تزويد النظام السوري السابق بالنفط الخام عبر البحر والبر بكميات غير منتظمة وصلت إلى 100 ألف برميل يوميًا، مع انقطاعات استُخدمت كورقة ضغط سياسية، قبل توقف الإمدادات عقب فرار بشار الأسد إلى موسكو.
- سيطرت “قسد” على معظم منابع النفط الرئيسة، ما يقارب 80 إلى 90% من الإنتاج، واعتمدت عليه كمورد اقتصادي أساسي، وكانت تصرّفه عبر أربع وجهات رئيسية شملت الاستهلاك المحلي عبر “حرّاقات” بدائية، والتصدير إلى إقليم كردستان العراق، ونقل كميات إلى مناطق المعارضة شمال غربي البلاد، فيما ذهبت الحصة الأكبر إلى النظام السوري السابق عبر مسارات مباشرة ومعابر نهر الفرات.
- في 18 يناير/كانون الثاني 2026، استعادت الدولة السورية السيطرة على حقول النفط في الجزيرة السورية، والتي تضم 900 بئر نفطية وغازية في شرق الفرات، منها 450 بئرًا في حقل العمر وحده، وذلك عقب معارك سريعة ضد “قسد”، أعقبها إعلان وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق يقضي بدمج هذه القوات ضمن مؤسسات الدولة السورية.
- تراجع إنتاج حقول النفط شرقي سوريا، وتضررت بشكل متفاوت في البنية التحتية نتيجة سنوات من التشغيل غير المنهجي وغياب الصيانة واستخدام أساليب بدائية في الاستخراج، وتحتاج إلى عمل كبير لإعادتها إلى وضعها الطبيعي، قد يمتد لنحو ثلاث سنوات.
- يؤكد وزير الطاقة السوري محمد البشير الإحصائيات المرتبطة بالنفط السوري، والتي تشير إلى أن الاحتياطي يبلغ 2.5 مليار برميل، باحتياج يومي يصل إلى 200 ألف برميل، مضيفًا أن شحنات من النفط وصلت بعد طرح مناقصات لاستيراده وفق مواصفات ومعايير فنية وتكريره في مصافي سوريا خلال الفترة الحالية.
ويوضح رئيس الاتحاد المهني للنفط في سوريا، ثامر درويش، لـ”نون بوست” أن وضع الحقول النفطية في الجزيرة السورية يتباين من حيث حالة الآبار والمحطات الرئيسية والفرعية، إذ تعرضت بعض الحقول لأعمال تخريب وسرقة خلال فترة التحرير (من قسد)، في حين بقيت أخرى أقل تضررًا، ما يتيح إمكانية إعادة تأهيلها وإعادتها إلى الخدمة بإمكانات محدودة ومتاحة.
ويقول إن تأثير الإنتاج بالطرق البدائية لم يقتصر على “زيادة الإماهة” في الآبار، إنما تجاوزها إلى مشكلة التلوث البيئي، والتلوث في المياه السطحية بسبب توقف آبار حقن المياه الطبقية، مضيفًا أن التلوث الأكبر الحاصل بالقرب من محطات “تل عدس” حيث تُصرَّف المياه الطبقية في الأودية بدل إعادة حقنها في الطبقات العميقة، ما أدى إلى أضرار بيئية جسيمة كان يمكن الحد منها عبر الالتزام بالإجراءات الفنية المعتمدة.
أما شبكات الربط بين محطات الحقول، فتُعد في معظمها بحالة جيدة نسبيًا، غير أن التحدي الأبرز يتمثل في خط النفط الرئيسي الذي يصل حقول الحسكة بمصافي الداخل، إذ تعرّض لأعمال تخريب في عدة مواقع، وفق درويش.
ما مضمون الوثيقة الأمريكية؟
كشفت وثيقة أمريكية أعدّها المبعوث إلى سوريا، توم برّاك، ونشرتها مجلة “المجلة“، عن خطة تهدف إلى تحويل سوريا إلى محور إقليمي ونقطة ربط لخطوط الطاقة، وتتضمن الخطة الأمريكية لتأهيل حقول النفط السورية ثلاث مراحل تمتد بين عامي 2026 و2030، وتؤدي إلى إمكانية استعادة القدرة الإنتاجية إلى نحو 380 ألف برميل يوميًا أو أكثر، شريطة توفر الأمن والحوكمة والاستثمار المستدام.
- المرحلة الأولى (2026): وتشمل تنفيذ أعمال صيانة منخفضة التكلفة للآبار، وإجراء إصلاحات أساسية للبنية التحتية، بهدف رفع إنتاج النفط إلى نحو 45 ألف برميل يوميًا، وزيادة إنتاج الغاز بنسبة تتراوح بين 25 و50%، عبر اتفاقيات فنية مدعومة سعوديًا
- المرحلة الثانية (2027–2028): وتركّز على تطوير البنية التحتية، عبر تركيب أنظمة حقن المياه وتقنيات الرفع الاصطناعي، وتأهيل خطوط الأنابيب، وتحديث مصافي حمص وبانياس، إلى جانب إنشاء مصفاة جديدة بطاقة 150 ألف برميل يوميًا.
- المرحلة الثالثة (2028–2030): وتهدف إلى إعادة تطوير الحقول بشكل كامل، وإنشاء بنية الاستكشاف البحري، وطرح خطوط لتصدير الغاز إلى تركيا وأوروبا.
وتقترح الخطة أولويات خلال 90 يومًا تبدأ بـ:
مرحلة فورية، وتشمل التنسيق المؤسسي، وتخفيف القيود القانونية، وإجراء تقييمات ميدانية، وتقديم نماذج تعاقدية واضحة لجذب الاستثمارات.
مرحلة قصيرة الأجل (60 يومًا)، وتركّز على إنشاء قنوات مصرفية موثوقة، واعتماد التحكيم الدولي، وإطلاق تراخيص بحرية شفافة، ووضع إطار مالي واضح بدعم دولي.
مرحلة متوسطة (حتى 90 يومًا)، وتركز على طرح مناقصات لإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوقيع شراكات لنقل التكنولوجيا، وتوفير تقييمات أمنية، وتفعيل أدوات تمويل وتأمين لدعم الاستثمارات.
وتتضمن الخطة الأمريكية أربع فرص لإعادة رسم مسارات الطاقة وتحويل سوريا إلى نقطة ربط لخطوط الطاقة وامتدادها نحو الأسواق الإقليمية والدولية، حيث تتيح موانئ بانياس وطرطوس التصدير المباشر إلى أوروبا، فيما تمثل سوريا المسار البري الوحيد القابل للحياة بين العراق والخليج من جهة، وتركيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
يمثل مشروع إحياء خط كركوك – بانياس، الممتد من العراق عبر سوريا إلى المتوسط الفرصة الأولى، ويتطلب استثمارًا بنحو 4.5 مليار دولار خلال 36 شهرًا، بعد توقفه منذ 2003. واتفقت بغداد ودمشق لإحيائه في أغسطس/آب 2025 عبر إنشاء خطين بسعة 1.5 مليون برميل يوميًا، بما قد يدرّ على سوريا نحو 200 مليون دولار سنويًا من رسوم العبور، مع إمكانية تمديده لاحقًا إلى ميناء طرابلس في لبنان.
ويمثل خط غاز قطر- تركيا الفرصة الثانية، وهو مشروع ذو طابع جيوسياسي يربط الخليج عبر الأردن وسوريا بتركيا ثم أوروبا. وكان قد عُطّل عام 2009 تحت ضغط روسي قبل أن يعود إلى الواجهة بعد سقوط الأسد. ويهدف الخط إلى نقل غاز حقل الشمال القطري إلى الأسواق الأوروبية عبر مسار “تاناب”، متجاوزًا الإمدادات الروسية.
ويمثل خط غاز أذربيجان – كيليس – حلب، الفرصة الثالثة، وهو أول ممر طاقة عامل منذ حرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران. وقد نُفّذ من كيليس في تركيا إلى حلب بطاقة تبلغ 1.2 مليار متر مكعب سنويًا، ودخل الخدمة في أغسطس/آب 2025 بموجب اتفاق مع شركة “سوكار”، ليغذي محطة حلب الحرارية بنحو 900 ميغاواط، مع إمكان تمديده جنوبًا نحو حمص.
ويشكّل تمديد خط الغاز العربي، الممتد من مصر عبر الأردن وسوريا إلى تركيا، الفرصة الرابعة. وهو مشروع إقليمي موجه نحو أوروبا، ويشكل الجزء السوري حلقة الربط البرية الأساسية على الرغم من بقائه مهملًا جزئيًا، فيما تبحث تركيا سبل إحيائه لتمكين تصدير الغاز المصري والإسرائيلي إلى الأسواق الأوروبية.
ويتوقع المبعوث الأمريكي انطلاق تعافٍ تدريجي لقطاع الطاقة في سوريا، يبدأ بإصلاحات محدودة في 2026، ثم يتسارع في 2027 مع استكمال دراسات جدوى خط كركوك – بانياس، وتمديد الغاز الأذربيجاني، وتحديث المصافي، وصولًا إلى إعادة بناء الخط بالكامل خلال نحو ثلاث سنوات، بالتوازي مع حسم مشاريع كبرى مثل خط قطر- تركيا واستمرار الاستكشاف البحري.
ويقول برّاك إن منطقة الشرق الأوسط تمر بـ”لحظة تاريخية استثنائية تملك فيها سوريا القدرة الروحية والجغرافية والجيوسياسية لتكون جزءًا من الحل للمعضلة في مضيق هرمز والبحر الأحمر”.
ولم تُجب الشركة السورية للبترول على سؤال طرحه “نون بوست” حول تعليقها على ما ورد في الوثيقة، ومدى انسجام المخطط المقترح مع أولوياتها وخططها واحتياجات قطاع الطاقة، أو وجود أي مستوى من التنسيق أو التشاور بشأن ما تضمنته.
خطوات متسارعة في قطاع الطاقة
منذ تسلم الإدارة السورية الجديدة حكم البلاد شهد ملف الطاقة حراكًا واضحًا وتوجهات لإعادة إحيائه، تمثّل في إعادة هيكلته عبر إحداث وزارة الطاقة بدمج وزارات النفط والثروة المعدنية والكهرباء والموارد المائية، وتعزيز الانفتاح على الشراكات الخارجية.
ووقّعت “الشركة السورية للبترول” اتفاقيات مع شركات سعودية وقطرية وأمريكية، بالتوازي مع الإعلان عن توجه تحالف يضم شركات أمريكية وسعودية، لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز في شمال شرق سوريا، كما بدأ في أغسطس/آب 2025 أول تدفق للغاز الطبيعي الأذربيجاني إلى سوريا عبر ولاية كيليس التركية، بكمية بلغت نحو 3.33 مليون متر مكعب يوميًا.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تحولت مذكرة التفاهم إلى اتفاقية بين وزارة الطاقة السورية ومجموعة “UCC Concession Investments” بقيمة تصل إلى 7 مليارات دولار، لإنشاء أربع محطات توليد كهرباء بطاقة إجمالية تبلغ 5000 ميغاواط، مع بدء التنفيذ فعليًا.
كما أعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي في 10 نيسان/أبريل الحالي عن تأكيد شركة “شيفرون” الأمريكية المضي في الاستثمار والتنقيب البحري، بما يمهّد لاستكمال العقود النهائية وبدء العمليات الفنية خلال صيف 2026.
وفي السياق ذاته، جرى توقيع اتفاقيات مع شركات سعودية مثل “أديس” و”طاقة” و”أركاز” و”الحفر العربي”، وسط توقعات بزيادة إنتاج الغاز الطبيعي بنسبة 25% خلال المرحلة الأولى (نحو ستة أشهر)، على أن تصل الزيادة إلى 50% بعد عام من بدء عمل شركة “أديس”.
وجرى توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “كونوكو فيليبس” العالمية لتطوير حقول الغاز في شرق سوريا واستكشاف حقول جديدة تمتد من منطقة صدد في ريف حمص حتى دير علي بريف دمشق، فضلًا عن رغبة أكثر من 90 شركة أجنبية وعربية في العودة أو الدخول إلى السوق السورية، وفق قبلاوي.
ومن بين العوامل التي أسهمت في عودة نشاط قطاع النفط (بشكل متثاقل)، رفع العقوبات الدولية عن سوريا، والتي كانت سببًا في خروج 11 شركة دولية مسؤولة عن نحو 49.6% من إجمالي إنتاج النفط الخام السوري عام 2010.
ولطالما كرّر الرئيس أحمد الشرع تقديم سوريا بوصفها نقطة وصل بين الدول، مع التأكيد على أهمية إعادة استثمار موقعها الاستراتيجي، معتبرًا أنها تمثل فرصة واعدة للاستثمار والتنمية المستدامة، وهو ما جدّده مؤخرًا على هامش مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في 16 نيسان/أبريل الحالي.
وأكد الشرع أن سوريا تمثل ممرًا آمنًا وطريقًا بديلًا لإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد، لاسيما في إطار الربط بين دول الخليج وتركيا عبر سوريا والأردن، مشيرًا إلى أن إطلالتها على البحر المتوسط يشكل صلة وصل جيدة وممتازة وآمنة ما بين سلاسل توريد ما بين الشرق والغرب، وأيضًا إمدادات الطاقة.
واعتبر أن الاتفاق المشترك بين سوريا والعراق والبدء في تصدير المواد النفطية العراقية من خلال الموانئ السورية، هو بداية الربط الإقليمي، مشيرًا إلى أن استقرار العلاقات وزيادة الأمن يساعدان بشكل كبير، مع وجود بعض التحديات التي تواجه الربط الإقليمي المرتبطة باستقرار المنطقة والحفاظ على حيادها وسط التوترات الإقليمية.
تكامل مع اقتصاد الإقليم.. انعكاسات جيوسياسية أعمق
يثير الحديث عن تحويل سوريا إلى نقطة وصل أو ممر بديل للطاقة نقاشًا حول مدى واقعيته وما قد يتضمنه من مبالغات أو تضخيم، فضلًا عن التحديات البنيوية والسياسية المرتبطة به، في وقت تدرك فيه الحكومة السورية حجم التحديات التي يواجهها مشروع بهذا الحجم في بلد خرج من سنوات حرب وتدمير واسع.
كما أن المخطط الأمريكي بدوره لا يغفل هذه التحديات، وفي مقدمتها هشاشة الحوكمة والمخاطر الإقليمية. ويشير المبعوث برّاك في هذا السياق إلى أن خطوط الأنابيب تاريخيًا لم تعمل بكفاءة، إذ لم تُستغل سوى بنحو 30% من طاقتها في المنطقة، نتيجة الحروب المستمرة والانقطاعات الأمنية وضعف البنية التحتية ونقص الاستثمارات الرأسمالية.
واعتبر الخبير ومستشار التحرير في منصة الطاقة المتخصصة، الدكتور أنس الحجي، في منشور له أن الأنبوب الوحيد القابل للتطوير من حيث الجدوى الاقتصادية هو خط كركوك – بانياس، إلا أن مخاطره السياسية تبقى عالية.
وذكر أنه لا يمكن اعتبار سوريا بديلًا لمضيق هرمز، لأن أغلب النفط والغاز القادم من الخليج يتجه إلى شرق آسيا وليس إلى أوروبا، إضافة إلى محدودية اعتماد الأخيرة على الإمدادات الخليجية.
وأضاف أن تجربة الأنابيب العابرة للدول العربية كانت سيئة تاريخيًا، وأن التوجه العالمي نحو خطوط الأنابيب لم يعد مفضلًا، خاصة مع تطور التقنيات خلال السنوات الـ15 الأخيرة، ما غيّر معادلات الأمان في ظل قدرة الطائرات المسيّرة على استهداف مختلف المواقع بتكاليف منخفضة.
الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي والإدارة المحلية، أيمن الدسوقي، يشير في حديثه لـ”نون بوست” إلى وجود تطورات إيجابية في اتجاه إعادة تكامل سوريا مع الاقتصاد الإقليمي من بوابة قطاع الطاقة، وهذا من شأنه منح سوريا خيارات داعمة لاستعادة تعافي قطاع الطاقة السوري، وتأمين إيرادات مالية لخزينة الدولة.
ولتعظيم الاستفادة من هذه الفرصة، لا بد من العمل على حوكمة قطاع الطاقة بما يضمن تجاوز إرث الماضي وتحقيق متطلبات التكامل، إلى جانب تطوير حوكمة القطاع المالي والمصرفي لتسهيل المعاملات المرتبطة بهذا التكامل، وإدارة الوفورات المالية بطريقة رشيدة تسهم توسعة الاقتصاد السوري، كذلك تطوير البنية التحتية من منافذ حدودية وبحرية وطرق برية لضمان استدامة التكامل، وفق الباحث.
ويعتقد الدسوقي أن الفرصة مواتية للحكومة السورية لتوظيف الاهتمام الإقليمي والدولي باستثمار جغرافيا سوريا لإنجاز مثل هكذا تكامل، وهو ما يتطلب معايير وشروط حوكمية وأمنية من جهة، وسياسة خارجية من جهة أخرى.
ويعتبر أن التحدي الأساسي يكمن في المأسسة والحوكمة لضمان الاستقرار الداخلي، والقدرة على مواصلة سياسة خارجية متوازنة لتحييد سوريا عن المخاطر الأمنية وتجنب الحروب العبثية، مشيرًا إلى أن القدرة على نجاح هذه المعادلة مرهونة بعاملين هما تعزيز الشرعية المحلية، وضمان استمرار الاحتضان الإقليمي والدولي لسورية لتوفير الغطاء السياسي والتمويل اللازم.
وعن الآلية التي يمكن اعتمادها عادة داخل مثل هذه المشاريع لتحديد أدوار الشركاء وتمويلهم، يعتقد الدسوقي أن الأمر يتطلب تأسيس “Consortium” تحالف أو تجمع بين الجهات ذات الصلة، لتحديد الأهداف والأدوار المطلوبة من كل شريك كذلك الحقوق والالتزامات المتبادلة، بما يضمن تنسيقًا عاليًا وتكاملًا ميدانيًا لإنجاح هذا المشروع ومواجهة أي تحديات قد تنشأ خلال سير التنفيذ.
من جانبها، ترى الباحثة في الشأن الاقتصادي نجاح عبد الحليم أنه في حال تنفيذ مخطط إعادة تأهيل قطاع النفط وتحويل سوريا إلى نقطة ربط لخطوط الطاقة بين عامي 2026 و2030، فمن المرجح أن يفتح ذلك نافذة اقتصادية مهمة أمام البلاد عبر زيادة إيرادات الدولة، وتحسين إمدادات الطاقة المحلية، وخفض كلفة الكهرباء، وتنشيط الاستثمار وقطاعات النقل والخدمات اللوجستية.
وتضيف الباحثة لـ”نون بوست” أن الأثر الأعمق قد يكون جيوسياسيًا، إذ يمكن لهذا المسار أن يرسّخ انتقال سوريا من مرحلة حرب طويلة امتدت نحو أربعة عشر عامًا إلى مرحلة أكثر استقرارًا، من خلال ربط الاستقرار الداخلي بمصالح اقتصادية إقليمية أوسع. فكلما تعززت وظيفة سوريا كممر للطاقة والتجارة، ارتفعت كلفة العودة إلى الفوضى داخليًا وخارجيًا، بما قد يخلق بيئة أكثر ميلًا للاستقرار.
لكنها تؤكد أن هذه النتيجة ليست تلقائية، إذ تبقى مرهونة بتحقق الاستقرار الأمني والتسوية السياسية وبناء مؤسسات قادرة على إدارة القطاع بشفافية وعدالة، بحيث تتحول عوائد الطاقة إلى رافعة للتعافي الوطني لا إلى مصدر جديد للريع والتنافس على النفوذ.
أما رئيس الاتحاد المهني للنفط، ثامر درويش، فيرى أن سوريا وموقعها إقليميًا وعالميًا سيكون محوريًا في مجال الطاقة في الأيام القادمة، خاصة بالنسبة لربط الغاز الخليجي مع تركيا وأوروبا وتصريف النفط العراقي، ما يعني دورًا محوريًا في زيادة النمو الاقتصادي في كل المجالات، وانعكاسًا إيجابيًا على توفير النقد الأجنبي الذي تحتاجه سوريا، كما سيكون له أثر إيجابي في توفير فرص عمل وتعهدات ضخمة.
ويظل الطموح بتحويل سوريا إلى مركز ربط إقليمي لخطوط الطاقة مشروعًا واعدًا من حيث الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية، لكنه شديد الارتباط بتعقيدات الواقع السياسي والأمني محليًا وتضارب أو تلاقي المصالح دوليًا. ومع ذلك، لا يمكن اعتباره مجرد طرح إعلامي أو مشروع افتراضي، إذ بدأت ملامح بداياته تتشكل على الأرض عبر تصدير النفط العراقي، وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، إضافة إلى دخول شركات ذات خبرة طويلة في القطاع، ضمن تحركات سورية متصاعدة لإعادة إحيائه، متقاطعة مع رغبة ودعم من واشنطن.