ترجمة وتحرير: نون بوست
بين منازل قرية نبع الطيب في سهل الغاب بريف حماة الغربي، يمتد مجرى مائي جاف إلى سلسلة الجبال الساحلية المحيطة بمنطقة بيت ياشوط. ويتصل هذا المسار مباشرة بريف اللاذقية، المحافظة التي كانت معقلاً لنظام بشار الأسد.
كان هذا هو الممر الآمن الذي اعتمد عليه أمجد يوسف للاختفاء عن الأنظار في أعقاب سقوط الأسد، حيث تمكن من الإفلات من الاعتقال لأكثر من عام.
ألقى جهاز قوى الأمن الداخلي السوري القبض على أمجد يوسف، المعروف بين السوريين بـ”جزار التضامن”، في منزل عائلته بقرية نبع الطيب.
برز اسمه لأول مرة في أعقاب تقرير استقصائي نشرته مجلة “نيولاينز” وصحيفة “الغارديان” في أبريل/ نيسان 2022، والذي كشف النقاب عن مقاطع مصورة سُجلت قبل ذلك بتسع سنوات لمجزرة مروعة نُفذت في شارع نسرين بحي التضامن في ضواحي دمشق. في تلك الفترة، كان يوسف متطوعا برتبة مساعد أول في فرع المنطقة التابع لمديرية المخابرات العسكرية، والمعروف أيضاً بـ”الفرع 227″.
قُتل نحو 41 مدنياً، من بينهم نساء وأطفال، جميعهم من سكان حي التضامن، رمياً بالرصاص قبل إلقاء جثثهم في حفرة داخل الحي. ولم يكتفِ يوسف بذلك، بل أشعل النار في الجثث في محاولة لطمس أدلة جريمته.
كما تحدث سكان محليون عن العديد من الفظائع الأخرى التي ارتكبها يوسف ورجال يعملون تحت قيادته، بما في ذلك اغتصاب النساء والإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي.
أين اختبأ أمجد يوسف بعد سقوط الأسد، وكيف كان يتنقل؟
تُعد سلسلة جبال بيت ياشوط ملاذاً مثالياً للفارين من الملاحقة، نظراً لارتفاع قممها، ووعورة مسالكها، وغطائها الكثيف من الأشجار، وتضاريسها القاسية بشكل عام، وهي عوامل تجعل من الحركة والاختباء أمراً يسيراً نسبياً لمن يعرفون المنطقة.
وبناءً على تقارير استخباراتية أشارت إلى وجود يوسف في منطقة الغاب، وضعته قوات الأمن الداخلي تحت المراقبة لمدة 30 يوماً. وبعد تتبع تحركاته بين الجبال ومنزل عائلته، تمكنت قوات الأمن من إلقاء القبض عليه داخل غرفة نومه، وفق ما صرح به خالد مردغاني، مدير مديرية الأمن الداخلي بسهل الغاب.
وقد كشفت جولة ميدانية لتوثيق الطرق التي سلكها أمجد يوسف، أن المسافة من منزله الواقع على الطريق الرئيسي عند مدخل القرية وصولاً إلى بداية المسار الجبلي لا تتعدى حوالي 90 مترًا، مروراً خلف 16 منزلاً على طول الطريق.
من هناك، كان يتحرك متخفياً بين الأشجار على طول المجرى المائي الجاف، متخذاً منه وسيلة للوصول إلى الجهة المقابلة من الجبال، والعبور نحو ريف اللاذقية.
وأكدت مصادر أمنية أن هذا الطريق هو ذاته الذي كان أمجد يوسف يسلكه بانتظام للعودة إلى منزله من الجبال، متسللاً إليه من الخلف.
وقد شكّلت تضاريس القرية وموقعها المجاور لسلسلة الجبال ممرًا آمنًا لأمجد يوسف للتنقل بين ريف اللاذقية ومنزله في ريف حماة، لا سيما في جنح الليل.
وكشف مردغاني، قائد العملية، أن قوات الأمن كانت تمتلك معلومات تؤكد وجود يوسف في منطقة الغاب منذ عدة أشهر، وقال: “عملنا على جمع المعلومات الاستخباراتية ومقارنتها من خلال قسم المعلومات في المديرية لتكثيف جهود المراقبة. وخلال شهر واحد، تمكنا من تحديد تحركاته في المنطقة، ورصد كل تنقل قام به بين الجبل والمنزل، كما كنا نراقبه وهو يغادر المنزل باتجاه الجبل لفترة من الوقت قبل ذلك”.
وأضاف مردغاني: “لقد أوقفنا والده وعدة أشخاص ممن كانوا يؤوونه، وفقاً لما ينص عليه القانون، وهم يخضعون للتحقيق حالياً”.
وأوضح مردغاني أن اعتقال أمجد يوسف تم دون أي مقاومة، بفضل عنصر المفاجأة وضبطه داخل غرفة نومه. وقد نُفذت العملية بتنسيق دقيق بين ثلاث مجموعات: طوق خارجي واسع حول المنطقة، وطوق داخلي أقرب، ووحدة مداهمة متخصصة، حيث كان عامل السرعة حاسماً في إتمام عملية الاعتقال.
من جانبهم، أكد سكان القرية عدم علمهم بوجوده في المنطقة أو داخل المنزل. ووفقاً لصقر اليوسف، وهو أحد سكان نبع الطيب، فإنهم لم يعلموا بوجوده في القرية إلا في وقت لاحق من ذلك اليوم بعد اعتقاله، وعن طريق عائلته، حيث قال: “لقد فوجئنا جميعاً حين علمنا أنه كان موجوداً في القرية”.
وأضاف: “99 بالمئة من سكان القرية لم يكن لديهم أدنى فكرة أن أمجد موجود داخل سوريا أصلاً، حيث أشاعت عائلته أنه فرّ خارج البلاد بعد سقوط الأسد، وأنه يعيش حالياً في هولندا”.
ومع بقاء السكان في منازلهم خلال الساعات المتأخرة من الليل، لم تكن هناك أي وسيلة لمعرفة توقيت دخوله وخروجه ليلاً.
وقد أيّد مختار القرية، يوسف شما، هذه الرواية، مؤكداً أنهم لم يعلموا بوجوده هناك، وأنهم لم يروه سوى مرات معدودة قبل سقوط الأسد.
من جانبه، أشار عبد المنعم علي، أحد سكان القرية، إلى بيان أصدره أهالي المنطقة يعلنون فيه عدم علمهم بوجود أمجد يوسف، معربين عن شكرهم لقوات الأمن الداخلي على دقة العملية وحماية المنطقة من تداعيات هذه القضية. كما طالب أهالي المنطقة السلطات بإنزال أقصى العقوبات الممكنة بحق أمجد يوسف وكل من تستر عليه أو آواه.
وأضاف علي أن أهالي القرية على أتم الاستعداد لتسليم أي شخص تعاون مع يوسف أو سهّل تحركاته خلال فترة اختبائه، مشيراً إلى أن غالبية السكان لن يتمكنوا من التعرف عليه، نظراً لإقامته الطويلة في دمشق وندرة زياراته لعائلته.
وعند سؤاله عما إذا كان أهالي القرية على علم بسجله الإجرامي قبل سقوط الأسد، أوضح علي أنهم سمعوا عن المجزرة، لكن لم يكن لديهم أدنى فكرة أن يوسف كان من بين المسؤولين عنها إلا بعد انهيار النظام، مضيفاً: “نحن في هذه القرية أدنّا تلك الجريمة جملة وتفصيلاً”.
كما نفى بشكل قاطع وجود امرأة تُدعى أم علي في قرية نبع الطيب، والتي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أنها أخفت أمجد يوسف في منزلها لعدة أشهر. وأكد أن زوجة أمجد وابنته كانتا تقيمان في منزل العائلة طوال الوقت، ولم تغادراه منذ سقوط الأسد وحتى لحظة الاعتقال.
وما تحدث عنه السوريون على وسائل التواصل بشكل خاص، الهيئة التي ظهر عليها أمجد يوسف لحظة اعتقاله، شعره المصفف بعناية في فيديو الاعتقال، ونومه في غرفته، وزجاجات العطور التي عُثر عليها بجانبه. كل ذلك يشير إلى أن الرجل كان يتردد على منزله بانتظام، ويؤكد الرواية الأمنية بأنها لم تكن زيارته الأولى.
وقد أكدت مصادر أمنية أنه نُقل مباشرة إلى دمشق للمثول أمام القضاء. وفي غضون ذلك، احتفل السوريون في عدة محافظات، وكان التجمع الأكبر عند حفرة التضامن، الموقع الذي شهد تلك المجزرة بحق المدنيين، حيث رفعت أمهات الضحايا صور أبنائهن وسط الهتافات والزغاريد، ابتهاجاً بالقبض على المسؤول عن تلك الجرائم. وطالب البعض بإجراء محاكمة علنية في حي التضامن، في ذات المكان الذي أزهق فيها أرواح العشرات من الأبرياء.
المصدر: نيولاينز