ترجمة وتحرير نون بوست
تُوجِد إسرائيل نفسها اليوم في قلب أزمة عميقة، فمنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وهي تعيش حالة حرب مستمرة مع العديد من الأعداء في الداخل والخارج، بدءاً من الفلسطينيين في قطاع غزة، وصولاً إلى الدولة والمجتمع في إيران.
وقد اعتبر العديد من السياسيين والمحللين والمعلقين في هذا الوضع دليلاً على القوة. واستناداً إلى تزايد استخدام اليمين المتطرف الإسرائيلي للمصطلح العبري “أرض إسرائيل الكاملة“، غالباً ما يتحدث هؤلاء عن “السلام الإسرائيلي” في الشرق الأوسط.
وهذا المصطلح في جوهره ليس إلا محاكاة للمصطلح الأكثر شيوعاً “السلام الأمريكي“، الذي تؤدي إسرائيل من خلاله دور قاعدة إقليمية. وإذا كانت هناك فترة بدا فيها مفهوم إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة منطقياً إلى حد ما، فقد كانت تلك السنوات القليلة التي أعقبت اتفاقيات أبراهام في سبتمبر/ أيلول 2020، واستمرت حتى 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ومنذ ذلك الحين، انخرط الجيش الإسرائيلي في صراعات متتالية، متنقلاً من جبهة إلى أخرى في محاولات باءت بالفشل لسحق أعدائه. فرغم تدمير قطاع غزة، لا تزال حركة حماس صامدة. وفي لبنان، ورغم ما شاع عن “قطع رأس” حزب الله، إلا أن الحزب عاد كقوة حرب عصابات تقاوم الاحتلال الإسرائيلي. أما مخزونات الطائرات المسيرة والصواريخ التي ادعى وزير الدفاع السابق، يوآف غالانت، المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، أنها دُمرت بالكامل تقريباً، فقد عادت للعمل من جديد.
لقد حاولت إسرائيل استهداف قيادات حركة أنصار الله في اليمن، المعروفة أيضاً باسم الحوثيين، وذلك بعد أن أخفقت القوات الأمريكية في الإطاحة بالجماعة خلال حملتها عام 2025 ضد شمال اليمن، إلا أن الفشل الإسرائيلي جاء تالياً للفشل الأمريكي. ومؤخراً، أخفقت إسرائيل في تقويض الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو إنهاء قدراتها العسكرية، أو تحويل البلاد إلى “الدولة الفاشلة”.
والآن، يتحدث القادة الإسرائيليون عن تركيا باعتبارها الهدف القادم، كما لو كان لديهم سجل حافل بالنجاحات المجيدة، ففي مارس/ آذار الماضي، قال رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت إن تركيا هي “إيران القادمة“. كما اتهم رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو الرئيس التركي أردوغان، في تدوينة على منصة “إكس” هذا الشهر، بـ “مهادنة نظام الإرهاب الإيراني ووكلائه” و”ارتكاب مجازر بحق مواطنيه الأكراد”.
من ناحية، من الواضح أن نتنياهو، المطلوب هو الآخر من قِبل المحكمة الجنائية الدولية بذات التهم الموجهة لغالانت، يسعى عبر حالة الحرب المستمرة هذه إلى تجنب أزمة سياسية شخصية تتعلق باتهامات بالفساد، والتي قد تؤدي به إلى السجن في حال ثبوتها.
ولكن، وعلى الرغم من الاعتراضات التي تسربت إلى وسائل الإعلام بين الحين والآخر، فإن المؤسسات العسكرية والاستخباراتية والسياسية في إسرائيل قد وافقت، بصفة عامة، على استمرار حالة الحرب الدائمة التي تشنها هذه الدولة الصغيرة على جيرانها. فما السبب وراء ذلك؟
الرهانات الديموغرافية
تكمن الإجابة جزئياً في صعود اليمين المتطرف القائم على الاستيطان، والذي نجح على مدار العقدين الماضيين في اختراق الرتب الدنيا في الجيش ومفاصل البيروقراطية الإسرائيلية.
ومع وصول قادة هذا التيار إلى الحكومة في عهد نتنياهو عام 2022، باتوا يدعون علانية إلى التطهير العرقي للفلسطينيين تحت الاحتلال في غزة والضفة الغربية، مستندين في ذلك إلى قدرتهم على تنفيذ سياسات أكثر عدوانية لتحقيق هذا الهدف.
وليس من قبيل المصادفة أن تتبلور هذه النسخة الأكثر وحشية والمسيانية للدولة الإسرائيلية في منعطف حرج من تاريخ الصراع في فلسطين، وهو: تحقق التكافؤ الديموغرافي بين الفلسطينيين والسكان اليهود الإسرائيليين.
وتُظهر إحصائيات الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني وجود 7.7 ملايين نسمة لكل منهما، مما يرفع إجمالي عدد الأشخاص الخاضعين لسيطرة الدولة الإسرائيلية إلى ما يقرب من 16 مليون شخص. ومع ذلك، فإن سياسات “فرّق تَسد” الاستعمارية الكلاسيكية تضعف بشكل كبير من الأثر السياسي لهذه الحقيقة، إذ إن نحو 2.2 مليون فلسطيني هم مواطنون في الدولة الإسرائيلية ويتمتعون بحق التصويت.
أما الملايين الخمسة والنصف المتبقون، فيخضعون للسيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية، لكنهم تقنياً تحت الاحتلال الإسرائيلي. ويوفر هذا الوضع غطاءً قانونياً ملائماً لحرمانهم من الحقوق الأساسية، بما في ذلك حق الحصول على جواز سفر، وحرية التنقل، والتمثيل في البرلمان الذي يتحكم في مصير حياتهم.
إن الأيديولوجيا الموجِّهة للدولة لم تتوقع قط هذه النتيجة، فقد كانت فلسطين في نظرهم أرضاً ميتة، وكان السكان الأصليون فيها بلا قيمة. حتى إن النص التأسيسي لثيودور هرتزل “دولة اليهود” تتجنب ذكرهم تماماً. وبحلول عشرينيات القرن الماضي، عندما اصطدمت الأحلام بالواقع، انخرط زعيم الصهيونية التصحيحية زئيف جابوتنسكي وآخرون في نقاشات حول إمكانية طردهم بالكامل، مستشهدين بما فعلته تركيا واليونان في عام 1924 حينما تم ترحيل وتبادل السكان قسرياً.
وبعد قيام الدولة في عام 1948، شعر أول رئيس وزراء لها، ديفيد بن غوريون، بالارتياح لأن “العرب” شكلوا حينها نسبة 20 بالمئة فقط من السكان، وهي نسبة كان يرى أنه يمكن السيطرة عليها. ثم جاءت نقطة ضعف النصر في عام 1967، إذ منحت تلك الحرب الدولة الإسرائيلية السيطرة على الأراضي التي كانت تطمع فيها، لكنها جلبت معها أيضاً عِبء وجود مجتمع فلسطيني متكامل وفاعل.
وتواجه إسرائيل الآن ما وصفه السفير الأسترالي السابق لدى إسرائيل، بيتر رودجرز، في كتابه “كابوس هرتزل” بوضع “أرض واحدة لشعبين”، تُدار حتى الآن عبر ما وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، ومنظمة بتسيلم بنظام الفصل العنصري.
الاستعمار في مراحله الأخيرة
لقد انخرطت إسرائيل، بناءً على ما سبق، في نمط من التصعيد القمعي الذي يتسق مع حالات مشابهة للاستعمار في مراحله الأخيرة.
تأمل ما فعله الفاشيون الإيطاليون حين ساقوا مئة ألف ليبي إلى معسكرات الاعتقال الصحراوية، أو المجازر والتعذيب والمعسكرات التي استخدمتها فرنسا لفصل الجزائريين عن جبهة التحرير الوطني في الخمسينيات، أو معسكرات التعذيب والاعتقال البريطانية في كينيا، أو المجازر والأسلحة الكيميائية التي استخدمتها البرتغال في أنغولا وموزمبيق.
لقد بلغت قائمة الانتهاكات الإسرائيلية ذروتها القصوى خلال السنوات الثلاث الماضية، متجاوزة كل الحدود: من التعذيب الممنهج والجرائم الجنسية بحق المعتقلين، بما في ذلك استخدام الكلاب، إلى سياسات التجويع الجماعي والفردي، وسحل الجثامين – لأحياء وأموات – بالمركبات، وصولاً إلى المقابر الجماعية التي ضمت أطباء وكوادر طبية، وأطفالاً دُفنوا وأيديهم مكبلة خلف ظهورهم.
وبدعم أمريكي؛ يطالب القادة السياسيون والعسكريون الفلسطينيين في غزة بمغادرة القطاع أو مواجهة الموت، بينما ينفذ المستوطنون هجمات غوغائية منظمة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وفي جنوب لبنان، قام الجيش بمحو عشرات القرى منذ مارس/آذار، بينما يقتل سلاح الجو المئات في غارات على مبانٍ سكنية بذريعة استهداف بضعة أفراد، وأصبحت اغتيالات القادة الأجانب سياسة حكومية علنية.
يوتباهى نتنياهو بهذه السياسات بوصفها إرادة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. لكن قراءة هذه الأفعال كمظهر من مظاهر القوة هو خطأ في فهم جوهر القوة ذاته، فالقوة أعمق بكثير من مجرد القدرة على القتل، كما أنه سوء فهم للديناميكيات الكامنة في المجتمع الذي يلتف حول سياسة الحرب الأبدية هذه.
لقد تحولت إسرائيل إلى عنصر فوضى، لا تملك إلا القدرة على زرع الموت والدمار دون تحقيق أي هدف إستراتيجي يتمثل في الاستقرار أو الهيمنة المنشودة.
وتعتمد قوتها العسكرية بشكل حصري تقريباً على سلاح الجو، أما جيشها – الذي كان ملائماً لعالم 1967 و1973 – فقد أصبح يتسم بضعف ملحوظ منذ أن طرده حزب الله من لبنان عام 2000. لذا، تُستخدم انتهاكات حقوق الإنسان وخرق أعراف الحرب لسد الفجوة في القدرات العسكرية.
وعلاوة على ذلك، تفشل إسرائيل وحماتها الغربيون في فهم خصومهم أو احترام قدراتهم، لذا، فهم يتوهمون أن عدم إطلاق الصواريخ يعني نفاد المخزون – كما حدث مع حزب الله في 2024- أو أن الفشل في حصد عدد كبير من القتلى المدنيين – كما في حالة إيران في 2025 و2026 – هو انعكاس لضعف عسكري.
سردية القوة التي لا تُقهر
وبعيداً عن تغذية سردية “الجيش الذي لا يُقهر”، فإن ما تحققه هذه الفوضى فعلياً هو إشباع غريزي للرغبة في تأجيل مواجهة الأزمة الجوهرية لإسرائيل، ألا وهي أزمة الصهيونية.
وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أنه، وحتى وقت قريب، لم يكن الرد الإسرائيلي الأساسي على خطاب الاستعمار الاستيطاني يتمثل في الحجج الأكاديمية، بل في النجاح الديموغرافي، ففي المنطقة الممتدة من النهر إلى البحر، ظل تعداد السكان المستقدمين للمجتمع الجديد يتفوق عددياً ولعقود طويلة على المجتمعات الأصلية التي تعرضت للتدمير.
وكان هذا التفوق يعني قدرة الدولة على تجنب الانقسامات السياسية التي كان من الممكن أن يثيرها قيام دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة داخل المجتمع الإسرائيلي. وبطبيعة الحال، فإن دمج الفلسطينيين بالكامل سيكون أسوأ بكثير بالنسبة للكيان السياسي الإسرائيلي.
ومع انهيار الرهان الديموغرافي، تعمل الحروب اللانهائية كأداة لتصدير المشكلة إلى الدول المجاورة، وتأجيل الحساب النهائي مع حقيقة أعداد الفلسطينيين.
ولكن، وبينما تتبع سياسة الحرب الدائمة هذا المنطق الأيديولوجي، فإن المجتمع الإسرائيلي يتآكل بسببها، إذ تتزايد وتيرة هجرة الإسرائيليين للخارج هرباً من هشاشة الوضع الاقتصادي، وعدم الاستقرار الإقليمي، والتطرف الداخلي.
وقالت نائبة رئيس الوزراء السابقة، تسيبي ليفني، في مارس/آذار الماضي إن الفصل العنصري العنيف يؤدي إلى “تفكيك دولة إسرائيل“. كما أفادت تقارير بأن رئيس هيئة الأركان، إيال زامير، حذر من أن الجيش “سينهار من الداخل” ما لم يُطبق نظام تجنيد صارم لدعم عملياته التي استمرت لنحو 900 يوم متواصلة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
بالطبع، تمت صياغة الحرب الإيرانية الثانية من قِبل إسرائيل ووسائل الإعلام والمحللين حول معضلة إيران: هل سيبقى النظام؟ هل ستحتفظ إيران بإمبراطورية الوكلاء؟ هل ستتخلى عن طموحاتها النووية؟ وهل تستطيع إسرائيل إسقاط الدولة؟
ولكن وراء هذا الضجيج، تكمن الأزمة الحقيقية في الصهيونية ذاتها؛ فقد أثبت الفلسطينيون أنهم أكثر صموداً مما تخيلته هذه الأيديولوجيا يوماً، وباتت السياسة والمجتمع في إسرائيل يزدادان يأسًا في محاولاتهما للسيطرة عليهم.
إن مشروع “روديسيا على المتوسط” ليس مشروعاً للبقاء، وأصبح من الواضح تماماً أن الأمر يتطلب فكراً جديداً كلياً.
المصدر: ميدل إيست آي