• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بيت هيجسيث: وزير حرب صليبي يُكرّس “المسيحية القتالية” داخل البنتاغون

هبة بعيرات٣٠ أبريل ٢٠٢٦

بيت هيغسيث في قاعدة بيرل هاربر حيث شارك مع الجنود تدريبات اللياقة البدنية (شترستوك)

ما إن بدأت واشنطن حربها ضد طهران حتى ظهر أنّ بيت هيجسيث، وزير الحرب الأمريكي، يقود إنقلابًا لاهوتيًا دمويًا داخل المؤسسة العسكرية الامريكية: صلوات يقودها قساوسة إنجيليين داخل البنتاغون، واقتباس متكرر لآياتٍ توراتية، تأطير للصراع بوصفه حربًا دينيةً مقدّسة، ورفع شعاراتٍ ورموز صليبيةٍ عنيفة، الأمر الذي بات محطّ انتقاد أمريكي وعالمي، في خطوة يراها البعض استثناءً طارئًا على المؤسسة الأمريكية العلمانية، بينما يراها البعض الآخر عودة لحقيقة الصراع الديني وجذروه الأولى.

فما هي معالم المسيحية القتالية التي يقودها هيجسيث داخل وزارة الحرب الأمريكية؟ وكيف تنبئ بتحوّل المؤسسة العسكرية لجناح قتالي لحركة دينية يمينية متطرفة؟ أيّ جذور يملكها هذ التوجه؟ وما هي علاقته بالحروب الامريكية الممتدة في الشرق الأوسط؟ ما هي نظرة الكنيسة لهذه النزعة؟ وكيف تحرّك الكونجرس لمواجهتها؟ يحاول هذا التقرير الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها.

في البدء كانت المسيحية القومية

يُعرّف بيت هيجسيث نفسه بأن مسيحي قومي إنجيلي؛ وقد اكتسبت المسيحية القومية -وهي فلسفة أمريكية عابرة للطوائف تهدف لإدخال التفسير اللاهوتي المحافظ على الحياة السياسية والمجتمعية والثقافية الأمريكية- قوة وحضورًا سياسيًا في الولايات المتحدة في العقدين الأخيرين. ويعد المسيحيون الإنجيليون من البيض البروتوستانت أكثر الفئات تبنيًا لهذه الفلسفة؛ إذ يرون وبنسبة 66% أن أمريكا يجب أن تكون أمة مسيحية وعليها أن تحافظ على نقائها الديني بأي ثمن كان. 

يرى الإنجيليون المحافظون بأن المسيحية القومية تشكّل إطارهم ومطيتهم السياسية التي حملتهم إلى سدّة الحكم والتشريع؛ فمن 20% ممن أيدوا دونالد ترامب في دورته الإنتخابية الأولى صعدت النسبة بين صفوف الإنجيليين لتبلغ 50% في انتخابات عام 2024 وهي نسبة مهمة أثرت في نتائج الإنتخابات وحوّلت المسيحية القومية بحسب مراقبين لدين سياسي جديد في الولايات المتحدة، يحمل أجندة تمييزية وعنصرية إقصائية طالت نواحي الحياة السياسية والثقافية وضيّقت على مجتمعات الملونين والمهاجرين والأقليات الدينية. 

فالإنجيليون المتطرفون الذين ينتمي لهم هيجسيث لطالما عبروا عن أنفسهم بأكثر الطرق وحشية وعنفًا في التاريخ الأمريكي؛ ووفقًا للمؤرخة كريستين دو ميز فإن الإنجيليين البيض أيدوا قصف المدن الألمانية بالقنابل الحارقة، وفي حرب فيتنام أيدوا مذبحة ماي لاي الفظيعة وفي الحرب المفتوحة على الإرهاب التي دفع الشرق الأوسط ثمنها بعد أحداث 11/9 أيد الإنجيليون البيض تعذيب السجناء.

وهكذا أفرزت النزعة الذكورية المتطرفة المبنية على التفسيرات العنيفة للاهوت تيارًا أمريكيًا متأصلًا يؤيد شتى أنواع الإنتهاكات القانونية والأخلاقية ضد أي “أغيار” مختلفين بالديانة أو بالعرق أو بالأصل الوطني في تجسيد للعنصرية التفوقية الفجّة. 

فضلًا عن الإطار العام السابق؛ يعد هيجسيث المحارب القديم ومقدم البرامج الشعبوي السابق في فوكس نيوز أحد المنتمين لتيار ضيق مغمور وشديد التمسك بالكالفينية ضمن المسيحية الإنجيلية القومية. فقد انشق جون كالفن مؤسس هذا التيار عن الكنيسة الكاثوليكية إبان فترة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر ورفض سلطة البابا ملتزمًا بما يُعرف بالقدرية أو الجبرية، أي أن كل ما يحدث يحدث بمشيئة الله وهو المتحكم بالأمور كلها حتى تلك المتعلقة بالأداء العسكري الأمريكي في حروبها الخارجية! 

ويتبع هيجسيث لكنيسة تعدّ جزءًا من “تجمع الكنائس الإنجيلية الإصلاحية”، أسسها قس يدعى دوغ ويلسون وتتبنى الفكر القومي المسيحي. ويرى قادة هذا التجمع أنه لا يوجد فصل حقيقي بين الكنيسة وبين الجو السياسي العام وأنه يجب عسكرة الكنيسة كجزء من دورها في إنقاذ العالم حيث ادعى ويلسون في إحدى قداساته في البنتاغون أنه ما من محارب أعظم من يسوع المسيح. 

يقود القس ويلسون، الأب الروحي لهيجسيث، حاليًا رابطة مسيحية متشددة من 3000 تابع موزعين على ثلاث كنائس في ولاية أيداهوا ويعرف أتباعه بالكركرز. وقد عمل على توسيع نفوذه العالمي بإنشاء 150 كنيسة حول العالم، يملك ويلسون أيضًا مملكة تجارية مبنية على الكتب الدينية ومواد التعليم المنزلي الخاصة بالتعليم المسيحي الكلاسيكي. 

ورغم نفوذ ويلسون على الأتباع الأكثر تقليدية في الأوساط الإنجيلية المحافظة إلا أن أفكاره المتطرفة خاصة تلك المبنية على الأبوية الكتابية والتي تحتقر المرأة والملونين وتنادي بالخضوع والعبودية والعقوبات الجسدية المؤلمة جعلت من مبادئه منتقدة حتى في أوساط اليمين المسيحي الأمريكي. لكن خطورة ويلسون تكمن في الشريعة العنيفة التي يؤمن بها في سبيل تنصير العالم؛ حيث يحلم الرجل بـ”الاستيلاء على العالم من أجل المسيح” وفرض كافة العقوبات الصارمة والقوية، بحسب وصفه، على كل من يخالف ويحيد عن هذا النهج، وهي دعوة رأى فيها البعض إرهابًا ممنهجًا لفرض صورة متطرفة من الدين بالإكراه. 

تجربة حية للعنف 

لهيجسيث ماضٍ شخصي مضطرب للغاية؛ فالرجل المطلق مرتين بسبب الخيانة الزوجية دفع قرابة خمسين ألف دولار أمريكي لإسكات امرأة اتهمته باغتصابها عام 2017 ويربي حاليًا سبعة أطفال من نساء مختلفات مع زوجته الثالثة التي تزوجها عام 2019، كما تلاحق الرجل اتهامات بالفساد والمحسوبية وتعيين ذوي سوابق إجرامية في وزارته، ورغم هذا يصرّ في كل ظهور له على الإدعاء بأنه رجل مؤمن ويستمد قوّته وقراره من الله! 

غير أن الله الذي يؤمن به هيجسيث يبدو أنه إله للبعض دون البعض الآخر؛ إذ تتبع كنيسة هيجسيث لتراتبية مسيحية صارمة ترفض قيادة النساء وتزدري المهاجرين الملونين وتملك رؤى تفوقية بيضاء؛ أثّر هذا بشكل مباشر على قرارات هيجسيث الداخلية ورؤيته للحياة العامة. فقد ازدادت الشكاوى حول التمييز العرقي والجنسي الذي يمارسه هيجسيث في نظام الترقيات العسكرية حيث يتجاوز النساء والسود في تفضيل مباشر لترقية الرجال البيض رغم استحقاقية المستبعدين وفقًا للأنظمة واللوائح المعمول بها في المؤسسة. 

كما حدّ من المبادرات التي تهتم بالتنوع والتعددية في المؤسسة العسكرية، وحصد هيجسيث مزيدًا من السخط عندما قام بنشر تسجيل مصور لقس من كنيسته يهاجم فيها حق النساء في التصويت.

ورغم أن هيجسيث لم ينشئ قاعدة دينية جديدة في المؤسسة العسكرية الأمريكية، غير أنه أعاد تفسير وتضييق القاعدة الحالية لتناسب مقاسًا قوميًا يمينيًا متطرفًا. فعلاقة الجيش الأمريكي باللاهوت جدلية وقديمة؛ يمثلها بشكل أساسي فيلق القساوسة في المؤسسة العسكرية وهم رجال دين مكلفين برتب عسكرية، يقدمون المشورة والخدمات الروحية والدعم الديني لأفراد القوات المسلحة الأمريكية وعائلاتهم.

ويعدّ الفيلق من أقدم مكونات الجيش؛ حيث يعود في تاريخه لعام 1775، غير أنه ومع تحوّل الحكومة الأمريكية إلى فصل شؤون الحكم عن الكنيسة وتبني نوع من العلمانية “الإنسانية” تحجّم دورهم بتقديم المشورة الأخلاقية للقادة والجند وإشاعة نوع من الروح المعنوية بين صفوف العسكر ضمن إطار فضفاض من صون الحريات الدينية وجنبًا إلى جنب مع موظفي الشؤون الدينية للطوائف والأديان الأخرى، حتى للعسكر الذين لا ينتمون إلى مؤسسة أو سلك ديني معين.

وقد واكب الفيلق الليبرالية الدينية الأمريكية حيث نما وتوسع إلى أن شمل ما يقارب ال200 رمز عقائدي مختلف، غير أن مقدم هيغسيث المنتمي لصورة عنصرية بيضاء من رجل الحرب الذي لا يرى في القواعد الأخلاقية والقانونية للاشتباك إلا ضعفًا وتسليمًا؛ عمل على قصقصة جناح الفيلق وقصره في صورة قريبة من تلك التي يراها هيغسيث “جيشًا للرب”؛ إذ قلّص الوزير الرموز العقائدية للفيلق إلى 31 رمزًا فقط، لم يتم الكشف عن تفاصيلها، واستبدل الرتب العسكرية التي يحملها القساوسة على زيهم الرسمي بشاراتهم الدينية ليضطلعوا، بحسب وصفه، بمهمة “الراعي” لا “المستشار”، حاملًا شعار “أعيدوا القساوة عظامًا مرة أخرى”، وهو شعار مستمد من شعار ماجا الشهير “أعيدوا أمريكا عظيمة مرة أخرى”. 

وقد نقلت صحيفة الجارديان شكاوى محاربين أمريكيين حاليين وقدامى من أن الاجندة الدينية التي يحملها هيغسيث ستعمل على تقسيم المؤسسة العسكرية وإضعافها على المدى الطويل. ففي تصريح له للغارديان أشار كريستوفر جولدسميث الرئيس التنفيذي لمنظمة المراقبة غير الربحية ومحارب قديم في العراق بأن تسهيل هيغسيث لانضمام القوميين المسيحيين سيحمل أثرًا مدمرًا على المؤسسة العسكرية إذ سيكون أداء هؤلاء ضعيفًا وفي الوقت نفسه سيتمتعون بحصانة تجعل منهم أفرادًا سامّين في بيأتهم مما سيهدد الأمن القومي الأمريكي لأجيال قادمة. 

حرب إيران: فرصة هيجسيث الذهبية

يملك هيجسيث سجلًا من التعبير عن الإعجاب بالحملات الصليبية، ففي كتابه الصادر عام 2020 بعنوان “الصليبي الأمريكي” قال هيغسيث إن الذين يتمتعون بالحضارة الغربية اليوم عليهم أن يشكروا الصليبيين على الخدمة التي أسدوها للعالم. وأن على أمريكا أن تحمل سيفًا لا اعتذارًا وتدفع خطر الإسلامويين. كما يحمل هيغسيث وشمًا على جسده يرمز للصليب المقدسي مع عبارة “الرب يريد” وهي وفقًا لهيجسيث العبارة التي كان يصيح بها الفرسان الصليبيين أثناء هجوهم على مدينة القدس.

وقد كان هيجسيث قد أبدى عداوة شرسة لسياسات الهجرة التي تسمح لمواطني بلاد ذات أكثرية مسلمة من دخول الولايات المتحدة، معتبرًا أن ارتفاع معدل المواليد واحتلال اسم “محمد” مراتب متقدمة في قائمة مواليد الولايات المتحدة أمر يدعو للرثاء ويدق نواقيس الخطر لأثره على الأكثرية المسيحية ومستقبل الولايات المتحدة الديني ومعلنًا عداء صريحًا للإسلام.

ورغم أن هيغسيث يسعى لإقتباس نصوص مشتركة بين المسيحية واليهودية ويحاذر أن يقع في محذور ديني يتعلق بمعتقدات الصهاينة إلا أنّ نسخته من المسيحية القتالية تختلف عن تلك التي يتبعها صهاينة مسيحيون ويهود على السواء. فمعركة نهاية العالم التي يؤمن بها هيجسيث تختلف عن رؤية الصهيونية المسيحية التي ترى في انتصار “إسرائيل” تمهيدًا لعودة المسيح وينادي بها القس الصهيوني جون هاجي.

بالنسبة للقس دوغ ويلسون، معلّم هيجسيث ومرشده، فإن أحداث الكتاب المقدس حصلت وانتهت في الزمن الغابر وفتحت بدورها الطريق لتنصير العالم تمهيدًا لعودة المسيح. وعليه فإن هيجسيث يتبنى نوعًا من المسيحية القتالية التي تقاتل لأجل ذاتها لا إعلاء لأرض “إسرائيل”، وإن كانت تتقاطع مع الأخيرة في الرؤى وتفضلها على عالم يحكمه الإسلام. وقد وضع هذا التوجّه الدول الإسلامية، وبخاصة إيران المؤمنة بالتوسع والنفوذ بالقوة، على خارطة العداء الأهم لهيجسيث وترأست قائمة أهدافه. 

ورغم الصبغة الدينية الواضحة لخطاب هيجسيث منذ دخوله البنتاغون، إلا أن حرب واشنطن مع طهران، ذات الخلفية الثيوقراطية الأبرز على الخارطة الإسلامية الثورية، قد رفعت خطاب هيجسيث لمصاف خطاب إسلاموفوبي عنصري يحمل أبعادًا استعماريةً واضحة. فقد صرّح هيجسيث خلال لقاء تلفزيوني له بأن الولايات المتحدة تقاتل حفنة من المتعصبين الدينيين الذين يسعون لإمتلاك سلاح نووي يمكنهم من إشعال حرب نهاية الزمان “هرمجدون” واستند إلى هذه النبوءة لتبرير تحركاته العسكرية على أرض المعركة.

وقد قاد هيجسيث في أروقة البنتاغون يوم الخامس والعشرين من مارس قداسًا وصف بأنه الأعنف؛ دعا فيه لعنف ساحق ضد أولئك الذين لا يستحقون الرحمة. اقتبس وزير الحرب نصوصًا من المزمور الثامن عشر حيث يبتهج الملك داوود بإفناء أعدائه وسحقهم كالغبار أمام الريح وطرحهم كطين الشوارع وحين استغاثوا لم يجدوا من يغيثهم. خاطب هيجسيث بهذه النصوص القوات المسلحة الأمريكية معطيًا تعليمات قتالية مخالفة لنصوص القانون الأمريكي الداخلي وقواعد القانون الدولي ذات الصلة بالقضاء حتى على المقاتلين الجرحى أو الذين يتوقفون عن القتال في نزعة بربرية تذكّر بحروب القرون الوسطى. 

كان هذا القداس هو الأول خلال العمليات الحربية في طهران وجاء عشية تغييرات متعددة في الصفوف العسكرية للمؤسسة ممن أسماهم هيجسيث بالـ”مخدوعين بالنزعة الإنسانية العلمانية” والتي حوّلتهم وفقًا له إلى مائعين يمارسون العلاج النفسي والاهتمام بالذات بدلًا من ممارسة التقوى والشعائر الدينية. في غربلة عنصرية لذوي التوجهات الليبرالية والديمقراطية في مقابل المحافظين والمنتمين للمسيحية القومية.

ويلعب خطاب هيجسيث الديني على وتر التأييد اليميني وسط رفض شعبي عارم للحرب؛ فقد ساق ترامب لتبرير حربه على إيران أسبابًا متعددة تراوحت بين القضاء على البرنامج النووي والبالستي الإيراني وبين إسقاط النظام وإضعاف الوكلاء الذين يهددون أمن حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. غير أن أيًا من هذه الأسباب لا يبدو أنه أقنع الشعب الأمريكي حيث سجّل مركز بيو للأبحاث نسبة ساحقة من الأمريكيين قاربت الـ60% ممن يرفضون الحرب الأمريكية على إيران وهي نسبة تشكّل مؤشرًا خطيرًا على توجه الناخب الأمريكي في الانتخابات النصفية المقبلة، يلعب هيجسيث الآن على وتر الحرب الدينية والتي تتبناها إدارة ترامب بتفاوت وبحسب مقتضى الحال. 

وقد تلقفت الكنائس المسيحية الإنجيلية خطاب هيجسيث بأحضان مفتوحة؛ في توسّع شعبوي يخاطب الثلث الأمريكي الذي يعرّف نفسه كمنتمٍ للمسيحية القومية بما تحمله من رؤى عنصرية وتفوقية حملت ترامب وإدارتيه الأولى والثانية لسدة العرش الأمريكي وتحاول حشد الدعم الشعبي المتناقص لحرب واشنطن على طهران.  

انتقادات وتحركات للمحاسبة

تسبب خلط هيجسيث السافر للخطاب الديني في صلب عمله الرسمي في موجة عاتية من الإنتقادات وجرّت حروبًا قانونية على جبهات متعددة. 

فقد أثار رئيس منظمة “حرية العبادة في المؤسسة العسكرية” ميكي وينستاين زوبعة في أروقة السياسة الأمريكية إثر إدعائه أنه تلقى بلاغات وشكاوى من مئات العسكرين الأمريكيين يشيرون إلى تعليمات صدرت من هيجسيث تضفي الصبغة اللاهوتية على العمليات القتالية في طهران وتتدعي أنها جزء من نبوءة مقدسة وخطوة على طريق الهرمجدون أي معركة نهاية العالم التي يعود فيها المسيح. 

المؤسسة الديمقراطية قالت إنها تلقت ادعاء وينستاين ببالغ القلق، حيث توجه ثلاثون عضوًا ديمقراطيًا في الكونجرس بطلب فتح تحقيق في البنتاغون بشأن صحة هذه الإدعاءات. وقد أشار المشرعون لخطورة هذه الإدعاءات التي تعيد خلط الأوراق وتضع مليارات الدولارات وأرواحًا أمريكيةً كثيرة في عين العاصفة استجابة لنبوءات كنسية وتفسيرات دينية متطرفة، بحسب قولهم.

وقد أعطت الدوافع الدينية المحافظة لإدارة ترامب مزيدًا من الذرائع للديمقراطيين لمهاجمة الإدارة، وفرض المزيد من التدقيق على قراراتها ومحاولة توظيف هذه الرؤية الضيقة التي تستثني فئات وشرائح أمريكية واسعة وتثير مخاوف وامتعاض لدى ملايين الأمريكيين لتحقيق مكاسب سياسية خاصة، ونحن على أبواب الإنتخابات النصفية خريف العام الجاري.  

من جهة أخرى أثارت المقارنات اللاهوتية المبالغ فيها لهيجسيث سخرية لاذعة بين صفوف الديمقراطيين والمنتقدين لتوجهات الوزير المتطرفة. ففي حادثة سقوط الطيار الأمريكي إثر إسقاط طائرة F-15 في سماء طهران؛ ادعى هيجسيث أن الطيار مرّ بالثلاثية الفصحية وهي أقدس ثلاث أيام في التاريخ المسيحي حيث سقط يوم جمعة الآلام واختبئ في كهف يوم سبت النور وتمّ انقاذه صبيحة الأحد ما يمثل ميلاده الثاني!

اعتبر مراقبون أن هذا التتبع المبتذل لسيرة المسيح الإنجيلية تأتي إخفاءً لفشل استخباراتي واستراتيجي للولايات المتحدة خاصة وأن الحادثة تأتي بعد أسابيع من تأكيد هيجسيث بذاته أن طهران لا تمتلك دفاعات جوية وأن قدرتها العسكرية قد سُحِقَت. 

على المستوى القانوني، رفعت منظمة “أمريكيون متحدون من أجل فصل الكنيسة عن الدولة” دعوى قضائية  ضد كل من وزراة الحرب ووزارة العمل لفتح ملفاتها بشأن القداس الذي يتم إقامته في مكان العمل والخدمات الدينية المقدمة وشكاوى العاملين في هذه الوزارات بشأنها لفحص ما إذا كانت الوزارتين تنتهكان مبدأ العلمانية وتهددان حريات العاملين الدينية في مخالفة مباشرة لدورهما المنوط بهما.

وقد أشارت رايشل ليزر، رئيسة المنظمة، إلى أن هذه القداسات غالبًا ما تحمل إكراها خفيًا من قبل المسؤولين، إذ يخشى العاملون على وظائفهم في ظل إدارة قمعية تقصي كل من لا يتبنى المبادئ المسيحية القومية دون أن تخشى المساءلة. 

كما أثارت النزعة الدينية العنيفة لهيجسيث لغطًا في الكنيسة الكاثوليكية دفعت بالبابا الأمريكي ليو الرابع عشر للتصريح برفضه لمكنونها قائلًا إن الله لا يقبل صلاة الذين يملكون أيدٍ ملطخة بالدماء؛ حيث انتقد البابا الزجّ باسم المسيح في حرب دموية تخالف تعاليم المسيحية.

وقد انضم للبابا الكاثوليكي الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك اللاتين في القدس الذي اعتبر استخدام اسم المسيح في الحرب الجارية أشد الخطايا التي يمكن ارتكابها وأن الحرب شأن دنيوي تقوده مصالح مادية بحتة ولا علاقة للدين به. 

صحف أمريكية كانت اعتبرت إلى أنه وبينما يُصنَّف ترامب كرئيس من القرن التاسع عشر، ينتمي هيجسيث للقرون الوسطى بعقليته العسكرية العنيفة.

تدقّ استراتيجية هيجسيث ناقوس الخطر في تمكّن السلك الكنسي العنيف من المؤسسة السياسية والعسكرية الأمريكية؛ الأمر الذي ينبئ بانتهاء عصر المبادئ العلمانية وانطلاق عصر مظلم من النبوءات والتفسيرات العنيفة الضيقة للحروب والعلاقات الدولية على السواء، وهو مسمار جديد يُدَقُّ في نعش النظام العالمي المبني على القواعد الذي يبدو أن إدارة ترامب مصرّة على إنهائه وفتح صفحة عالم جديد من الصراعات الدموية التي لا تحتكم لإنسانية ولا لقانون.  

علاماتالبنتاجون ، الجيش الأمريكي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحروب الصليبية ، السياسة الأمريكية
مواضيعالجيش الأمريكي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، اليمين المتطرف ، بروفايل

قد يعجبك ايضا

سياسة

ليس بسبب الحرب وحدها.. لماذا غادرت الإمارات منظمة “أوبك”؟

فيفيان نيريم٣٠ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

حروب إسرائيل اللامتناهية: كيف يغذي مأزق الصهيونية سياسة الصراع الدائم؟

أندرو هاموند٢٩ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

كيف ألقت قوات الأمن السورية القبض “جزار التضامن”؟

يزن شهداوي٢٩ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑