ترجمة وتحرير: نون بوست
يجب كشف محاولات مراكز الأبحاث اليمينية لتصوير المسلمين البريطانيين كـ”طابور خامس” على حقيقتها: مجرد مساعٍ مكشوفة لتمزيق النسيج المجتمعي
“هل البابا كاثوليكي؟” يبدو أننا نعيش في زمنٍ نحتاج فيه إلى استطلاعات رأي لتؤكد لنا البديهيات.
هنا يبرز دور مركز “بوليسي إكستشينج“، الذي ادعى في تقريره الأخير المكون من 10 صفحات، من إعداد الدكتور راكيب إحسان، أن: “بينما لا تحظى الولايات المتحدة ولا إسرائيل بشعبية لدى الجمهور البريطاني، إلا أن المسلمين البريطانيين يظهرون عداءً أكبر بكثير تجاه الدولتين”.
وبالنظر إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل استمرتا لعقود في قصف عشرات الدول ذات الأغلبية المسلمة، التي تربط المسلمين البريطانيين بها صلات قرابة وثقافة ومصالح، فإن فتور مشاعر الود ليس أمراً مستغرباً.
ويواصل إحسان التباكي على “المعاداة للولايات المتحدة” بين المسلمين البريطانيين، وكأن هذا الشعور لا يتقاسمه معهم ملايين المواطنين القلقين في المملكة المتحدة. فوفقاً لاستطلاع حديث أجرته “سكاي نيوز“، يرى 11 بالمئة فقط من البريطانيين أن التحركات الأمريكية ضد إيران ستجعل العالم أكثر أماناً.
بل إن بيانات استطلاع “بوليسي إكستشينج” نفسه كشفت أن 18 بالمئة فقط من البريطانيين يؤيدون انضمام بلادهم إلى واشنطن وتل أبيب في حرب ضد إيران.
ويسود العالم اليوم قلق عارم من الانهيار المتسارع للنظام الدولي القائم على القواعد، لصالح نهج “القوة تصنع الحق” الذي يتزعمه ترامب. فهل من الصعب استيعاب أن المسلمين البريطانيين يشاركون الآخرين هذه المخاوف، ويريدون من حكومتهم اتخاذ موقف أكثر صرامة في مواجهة هذا الجنون؟
اعتراضات مشروعة
وعبر اختزال الإحباطات الجيوسياسية المعقدة في مصطلح “المعاداة للغرب”؛ نفقد الفرصة لمناقشة الاعتراضات الحقيقية على السياسة الخارجية البريطانية وتداعياتها المحلية، مثل أزمة تكلفة المعيشة.
وفي الواقع؛ ثمة جانب آخر يتغاضى عنه مركز “بوليسي إكستشينج”، وهو القلق المشترك بشأن التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية) على جيوب المواطنين؛ إذ تكشف بيانات الاستطلاع الخاصة بالمركز نفسه أن 84 بالمئة من المسلمين البريطانيين يشعرون بالقلق من أثر الحرب على تكلفة المعيشة، مقارنة بـ 83 بالمئة لدى عموم السكان. كما يبدي 83 بالمئة منهم تخوفاً من ارتفاع أسعار البنزين والديزل مقارنة بـ 77 بالمئة من إجمالي السكان، بينما يخشى 65 بالمئة منهم خطر وقوع هجمات واسعة النطاق تستهدف البريطانيين في الخارج، وهي نسبة تتقارب بشدة مع الـ 67 بالمئة المسجلة لدى الجمهور البريطاني بشكل عام.
ويبدو جلياً أن المسلمين البريطانيين تتقاطع اهتماماتهم مع ما يشغل بال معظم المواطنين، وهو أمر يعجز القابعون في “تافتون ستريت” ووسائل الإعلام اليمينية وشبكات مانحيها عن استيعابه، ببساطة لأن هذه الحقيقة تقوض تماماً سرديات الانقسام التي يسعون دؤوبين لزرعها في جسد المجتمع.
وفي الواقع، كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “ مور إن كومون” قبيل الانتخابات العامة لعام 2024 أن 68 بالمئة من المسلمين البريطانيين وضعوا إصلاح “هيئة الخدمات الصحية الوطنية” على رأس أولوياتهم العاجلة من أي حكومة قادمة، في حين جاء “الاقتصاد” كأكبر مصدر قلق فردي لديهم.
إن كل هذه الحقائق لا تشكل أدنى مفاجأة فمركز “بوليسي إكستشينج”، الذي يقدم نفسه كـ “جمعية خيرية تعليمية” وما يسمى بـ “مركز أبحاث”، تأسس عام 2002 على يد شخصيات مثل الوزير المحافظ السابق مايكل غوف. وفي عام 2008، أفادت تقارير بأنه تورط في فبركة أدلة ضمن “أبحاثه” لتقريره الشهير “اختطاف الإسلام البريطاني”.
ومن الأساليب المفضلة الأخرى لهذا المركز، استحضار شبح “الإخوان المسلمين” كـ “بعبع” غامض ومريح في آن واحد، ليجعله شماعة جاهزة لتفسير ديناميكيات المجتمع المسلم في بريطانيا.
بيد أنه عند الفحص الدقيق، نجد أن الهدف الحقيقي من هذه الاتهامات غالباً ما يكون المشاركة الديمقراطية القانونية لنشطاء ملتزمين بالقانون سواء كانت تلك المشاركة تتعلق بقضايا “لقمة العيش” المحلية كالسكن والوظائف، أو بقضايا دولية مثل انتقاد العمليات العسكرية التي لا تخلف وراءها سوى مزيد من القمع والبؤس.
ومرة أخرى، ومن خلال تعميم صورة المجتمع المدني المسلم في بريطانيا، على تنوعه، واختزاله في كتلة صماء تخضع لتأثير مؤامرة دولية مزعومة لـ “الإخوان المسلمين”، تضيع فرص التفاهم الحقيقي ومعالجة الهموم المشتركة.
إن وصم أنشطة المجتمع المدني بـ “التسلل” والذي يُقرن عادةً بصفة “التطرف” لزيادة التأثير، غالباً ما يصب في مصلحة أنظمة استبدادية مثل الإمارات أو السعودية (اللّتين استشهد بهما مركز “بوليسي إكستشينج” تحديداً كنماذج يُحتذى بها)، وهي أنظمة ترى في أي حراك سياسي شعبي، سواء كان بمرجعية دينية أو غير ذلك، تهديداً مباشراً لسلطتها الوراثية.
وقد تواصلتُ مع مركز “بوليسي إكستشينج” للحصول على تعقيب، إلا أنني لم أتلقَّ أي رد حتى ساعة النشر.
عقول يملؤها الارتياب
وهنا مكمن الخلل؛ حيث إن التشبث بنموذج “أمني” فاشل للتماسك الاجتماعي، لا يفلح إلا في تعميق الريبة بدلاً من بناء الثقة، ويصنف المواطنين الخاضعين للمراقبة إلى أصحاب آراء “مقبولة” وأخرى “منبوذة”.
إن هذا النهج يختزل مجتمعات بأكملها في ثنائية ضيقة: “معادٍ للغرب” أو “مؤيد للغرب”، متجاهلاً حقيقة أنها نسيج ثري ومتنوع من الرؤى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في عالم يزداد تعقيداً وتسارعاً تكنولوجياً.
وعلى الرغم من وجود قضايا ملحة داخل المجتمع المسلم تتطلب معالجة جادة، إلا أننا نشهد صعود جيل جديد من المسلمين البريطانيين الذين أخذوا على عاتقهم زمام المبادرة، وصاغوا شراكات عابرة للمجتمعات لمواجهة هذه التحديات. لقد شهدت السنوات الأخيرة طفرة في مبادرات التدريب على الحوكمة وحماية المجتمع الموجهة للقيادات المسلمة، بالتوازي مع حملات توعوية لا حصر لها شملت مجالات كفالة اليتيم وتوجيه الشباب، والتبليغ عن الجرائم، وتأسيس بنوك الطعام، وتخفيف وطأة الفقر المحلي.
إن التغيير الحقيقي يتجسد اليوم في نماذج ملهمة، من رواد أعمال التكنولوجيا والمحسنين، إلى الأئمة والعلماء المجددين، وصولاً إلى المهنيين وقادة العمل الخيري. وقد تدهشك النتائج التي كشف عنها استطلاع للرأي أجراه “منتدى كونكورديا” عام 2025، حيث جاءت الحقائق لتصدم المروجين للصورة النمطية إذ أعرب 85 بالمئة من المسلمين البريطانيين عن تأييدهم للديمقراطية بوصفها “أفضل نظام للحكم” (مقارنة بـ 71 بالمئة فقط بين عموم السكان)، كما أبدى 94 بالمئة منهم دعمهم للمساواة في المعاملة أمام القانون لجميع الأديان وغير المتدينين على حد سواء (وهي نسبة تتجاوز الـ 80 بالمئة المسجلة لدى عامة الجمهور).
إن المسلمين البريطانيين جزء حيوي وشاب وطموح من نسيج هذه الأمة؛ فهم الأطباء والمعلمون والجيران الذين تنطلق مواقفهم الرافضة لحرب أمريكية جديدة من ذات المخاوف والآمال والتطلعات لعالم أفضل يطمح إليه الجمهور البريطاني الأوسع.
لقد استمات مركز “بوليسي إكستشينج” لسنوات طوال في محاولة وسم المسلمين البريطانيين بـ “الطابور الخامس“، غير أن أرقامه هو نفسه، ومعها كافة استطلاعات الرأي الأخرى، تثبت يوماً بعد يوم زيف هذا الادعاء.
المصدر: ميدل إيست آي