نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
من الكاريكاتير إلى المعارض: كيف يواجه الفن السوري القمع والنسيان؟
نون بوست
من بوابة “حماية الأقليات”.. كيانات سورية تتلمّس طريقها في واشنطن
نون بوست
بيت هيجسيث: وزير حرب صليبي يُكرّس “المسيحية القتالية” داخل البنتاغون
نون بوست
ليس بسبب الحرب وحدها.. لماذا غادرت الإمارات منظمة “أوبك”؟
نون بوست
حروب إسرائيل اللامتناهية: كيف يغذي مأزق الصهيونية سياسة الصراع الدائم؟
نون بوست
تسريبات صيدنايا: فوضى تُربك مسار العدالة
نون بوست
كيف ألقت قوات الأمن السورية القبض “جزار التضامن”؟
نون بوست
انسحاب الإمارات من أوبك في توقيت ملتهب.. رسالة لمن ولماذا؟
نون بوست
غوغل وميتا تنشران آلاف الإعلانات لشركات مرتبطة بالاستيطان الإسرائيلي
نون بوست
بين الإطار والضغوط الأمريكية.. أين يقف الزيدي في معادلة الحكم؟
نون بوست
لماذا تتجه إيران نحو موسكو لكسر الجمود التفاوضي؟
نون بوست
قصة “المكتومين”: كيف تشكّلت أزمة عديمي الجنسية في سوريا؟
نون بوست نون بوست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
من الكاريكاتير إلى المعارض: كيف يواجه الفن السوري القمع والنسيان؟
نون بوست
من بوابة “حماية الأقليات”.. كيانات سورية تتلمّس طريقها في واشنطن
نون بوست
بيت هيجسيث: وزير حرب صليبي يُكرّس “المسيحية القتالية” داخل البنتاغون
نون بوست
ليس بسبب الحرب وحدها.. لماذا غادرت الإمارات منظمة “أوبك”؟
نون بوست
حروب إسرائيل اللامتناهية: كيف يغذي مأزق الصهيونية سياسة الصراع الدائم؟
نون بوست
تسريبات صيدنايا: فوضى تُربك مسار العدالة
نون بوست
كيف ألقت قوات الأمن السورية القبض “جزار التضامن”؟
نون بوست
انسحاب الإمارات من أوبك في توقيت ملتهب.. رسالة لمن ولماذا؟
نون بوست
غوغل وميتا تنشران آلاف الإعلانات لشركات مرتبطة بالاستيطان الإسرائيلي
نون بوست
بين الإطار والضغوط الأمريكية.. أين يقف الزيدي في معادلة الحكم؟
نون بوست
لماذا تتجه إيران نحو موسكو لكسر الجمود التفاوضي؟
نون بوست
قصة “المكتومين”: كيف تشكّلت أزمة عديمي الجنسية في سوريا؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

عقيدة قالن.. البنية الجديدة للاستخبارات التركية

عبد الرحمن شيمشك
عبد الرحمن شيمشك نشر في ٣٠ أبريل ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن يزور منتدى أنطاليا الدبلوماسي، أنطاليا، تركيا، 17 أبريل/ نيسان 2026. 

ترجمة وتحرير نون بوست

لا يعد هذا المقال مجرد تقييم لخطاب إبراهيم قالن في قمة ستراتكوم. منذ نحو ثلاث سنوات، عكفت على جمع خطابات رئيس جهاز الاستخبارات التركي وكتاباته ومقابلاته الإعلامية. وقد أجريت مقارنة بينها وبين المعلومات التي حصلت عليها من مصادر سرية. وتشمل هذه المصادر نصوصا صادرة عن الأكاديمية الوطنية للاستخبارات، وكتابات الذكرى التاسعة والتسعين لتأسيس الجهاز، وجلسات قمة ستراتكوم، واتصالات خارجية.

ويمكن تلخيص الصورة في جملة واحدة: لقد دخلت الاستخبارات التركية مرحلة جديدة تقوم على خمس ركائز أساسية، تشكل القوام الجوهري لهذا المقال:

أولاً: يتجه جهاز الاستخبارات التركي نحو الاستخبارات الوقائية، حيث يتم العمل على إرساء بنية لا تكتفي بالاستجابة للحدث بعد وقوعه، بل تتدخل استباقياً قبل حدوثه.

ثانياً: ستمثل مفاهيم الأمن السيبراني، والجيل الجديد من الاستخبارات المضادة، والذكاء الاصطناعي، الركائز الثلاث للسنوات الخمس المقبلة.

ثالثاً: لم تعد دبلوماسية الاستخبارات مجرد خيار مطروح، بل أصبحت الآن عقيدة مباشرة. وباتت الأدبيات الدولية تشير إلى هذا التوجه بوصفه “رؤية قالن”.

رابعاً: تعمل الاستخبارات التركية على صياغة إطارها المفاهيمي الخاص، فقد آن الأوان لتتبوأ مكانتها على الساحة العالمية بسمتها وهويتها المستقلة.

خامساً وأخيراً: تشير التعيينات رفيعة المستوى داخل الجهاز إلى أن الفترة المقبلة ستشهد تصاعداً متزامناً في الكفاءة العملياتية والثقل الدبلوماسي.

وفيما يلي، سأقوم بتفكيك هذه الركائز الخمس الواحدة تلو الأخرى من خلال تحليل كتابات قالن.

خلاصة 20 عاماً

لقد تابعت عالم الاستخبارات لمدة 20 عاماً، قضيتُ منها 12 عاماً مديراً لقسم الاستخبارات الخاصة في صحيفة “صباح”. وعلى مدار هذه السنوات، قمت بإعداد مئات التقارير الاستخباراتية من الميدان، سواء في الداخل أو الخارج، وكتبت عن كواليس العمليات الحكومية، لذلك لن تجدوا في هذا المقال تقييماً نظرياً، بل ستجدون لغة الميدان وتفاصيل الأحداث كما وقعت من المنبع.

دعوني أوضح لكم ما أعنيه بـ “الميدان”. كانت أبرز القضايا التي تتبعتها قضية تنظيم “المقر الثوري”. فبعد العنوان الرئيسي الذي نشرته صحيفة “صباح” في 26 ديسمبر/ كانون الأول 2011 تحت عنوان رئيسي “الاستخبارات التركية تفكك المقر الثوري”، نزلنا إلى الميدان لتعقب الفرع الأوروبي للتنظيم، وهي المهمة التي استغرقت منا نحو عامين.

انتشرتُ مع فريقي المكون من عشرة أفراد في قسم الاستخبارات الخاصة في أرجاء أوروبا، حيث رصدنا ميدانياً كل تاريخ حاسم في أجندة الحركات الاشتراكية، بدءاً من عيد العمال. قمنا بتحليل كافة السيناريوهات المحتملة. تتبعنا خيوط البيوت الآمنة واحداً تلو الآخر، وبكثير من الصبر، استطعنا تفكيك شبكة تمتد من زيورخ في سويسرا وصولاً إلى هولندا وألمانيا.

وفي يومي 16 و17 أكتوبر/ تشرين الأول 2013، تصدرت تقاريري الصفحة الأولى لصحيفة “صباح” بعناوين: “ها هو الشبح” و”ها هو العقل المدبر للمقر الثوري”. ولأول مرة، ظهرت صورة سردار كايا، زعيم التنظيم، الذي لم تكن وحدات الاستخبارات التركية تملك صورة حديثة له آنذاك. الدرس الذي استوعبته منذ ذلك اليوم وحتى الآن واضح تماماً: “الاستخبارات لا تُفهم من وراء المكاتب، بل من قلب الميدان”.

من هو سردار كايا؟

قد يتساءل البعض: “من هو هذا الشخص؟”. دعوني أذكركم بإيجاز.

وُلد كايا عام 1955، وكان زعيما لمنظمة نشأت من عباءة الحركات اليسارية القديمة، وهرب إلى ألمانيا عقب صدور مذكرة توقيف غيابية بحقه عام 1998، وهناك أسس تنظيم “المقر الثوري”، ونصّب نفسه زعيماً سياسياً ومنظراً فكرياً له.

كان سجل التنظيم دموياً، حيث قتل ضابطي شرطة، وأصاب 11 آخرين، فضلاً عن محاولات تفجير استهدفت ثكنات السليمية ومبنى المقر الرئيسي لحزب العدالة والتنمية في إسطنبول.

أما محاولة إقحام مدير الأمن حنفي أوجي في هذه القضية، فقد تبين لاحقاً أنها كانت مكيدة دبرتها جماعة فتح الله غولن الإرهابية، وهذا أمر يجب تناوله بشكل منفصل.

ورغم أنه كان مطلوباً بموجب نشرة حمراء من الإنتربول، فقد عاش كايا طليقا في ألمانيا لسنوات، حيث كان يتخذ من نورنبرغ مقراً له، مع امتلاكه عنواناً شديد السرية في برلين، ومن هناك أدار شبكة أوروبية امتدت من ألمانيا إلى سويسرا ثم هولندا.

تحييد التنظيم

أنا لا أسرد هذه السطور لمجرد استعراض إنجاز صحفي، بل لأن العملية أدت بشكل غير مباشر إلى نجاح أمني واستخباراتي ملموس. فور نشر عنوان “ها هو الشبح”، أصدر تنظيم “المقر الثوري” الإرهابي المسلح بياناً خاصاً على موقعه الرسمي في اليوم التالي. صرّح كايا بأنه فهم الرسالة التي نقلتها إليه الأجهزة الاستخباراتية التابعة للدولة التركية.

ومنذ ذلك اليوم، توقف التنظيم فعلياً عن أنشطته الإرهابية، ولم ينفذ هجوماً مسلحاً واحداً داخل تركيا منذ عام 2013. وهكذا، أثبتت سنتان من المراقبة الميدانية الصبورة أنها قادرة على إيقاف تنظيم إرهابي بأكمله، حتى وإن صيغت نتائج تلك المراقبة في شكل تقرير صحفي.

الدرس المستفاد واضح: قد تخلق المراقبة الميدانية الدقيقة في بعض الأحيان دفاعاً وقائياً أقوى من أكبر التقارير المكتوبة. التصريح الذي أدلى به إبراهيم قالن في قمة ستراتكوم: “نحن نحيّد المخاطر قبل أن تتحول إلى تهديدات”، هو في الواقع الركيزة الأساسية التي يقوم عليها العمل الاستخباراتي الناجح.

ظروف قاسية

في الأسابيع الأخيرة من عملية المراقبة، كنا قد ضيقنا الدائرة بشكل كبير. كنا في برلين، وكانت درجة الحرارة 5 درجات تحت الصفر. واصلنا المراقبة الميدانية لزعيم التنظيم لأيام متتالية في الشوارع المتجمدة، حتى أصبت بالتهاب رئوي حاد. كانت العودة إلى تركيا في ذلك الوقت تعني ضياع مجهودات عامين من المراقبة. كنا على بعد خطوة من الهدف، ولم يكن بوسعي الانسحاب من العملية.

في البداية، توجهت إلى مستشفى في برلين، فأخبرني الأطباء أن حالة الرئتين قد تدهورت بشدة، وأن علاجي سيستغرق وقتاً طويلاً، وشددوا على ضرورة عودتي إلى تركيا لاستكمال العلاج هناك.

لم يكن بإمكاني العودة، ولكن إذا لم أواصل العلاج فلن أتمكن من الوقوف على قدمي. كنت عالقاً بين خيارين أحلاهما مرّ، وكان عليّ إيجاد طريق ثالث.

عثرتُ على طبيب سوري يعيش في برلين بشكل غير قانوني، وأخبرني أنني بحاجة إلى علاج عاجل. لكن المفارقة كانت أن الطبيب غير مسجل، والمريض كذلك، فلم يكن بوسعه كتابة وصفة طبية رسمية. حصلتُ على حقن البنسلين التي أحتاجها من إحدى الصيدليات باستخدام اسم مستعار اتفقت عليه مع الطبيب.

كنت أتوجه يومياً إلى مكان ذلك الطبيب لتلقي الحقن سراً. وفي الميدان، كنت أعيش دور المريض غير القانوني والعميل السري في آن واحد، ولم أتخلَّ عن مهمتي للحظة واحدة. وفي نهاية المطاف، وبعد عامين من العمل المضني، تمكنّا من تعقب كايا في برلين وتوثيق كل الشبكات الخلوية التي تستخدمها المنظمة.

وجهاً لوجه مع الموت

مشهد آخر من العملية وقع في مدينة نورنبرغ. من أجل مراقبة أحد البيوت الآمنة لتنظيم المقر الثوري، قمنا بوضع أحد الزملاء سراً داخل صندوق السيارة التي كنا نستخدمها للمراقبة، بعد أن أحدثنا ثقباً صغيراً في الصندوق ليتمكن من رصد المنزل. قمتُ بفتح غطاء المحرك وفصلت أحد الكابلات، ثم شغلت أضواء التحذير وتظاهرت بالبحث عن ميكانيكي. أغلقت النوافذ والأبواب، ثم قمت بجولة في الشارع الرئيسي قبل أن أتخذ موقعي في نقطة الاستطلاع المحددة مسبقاً في الجهة المقابلة.

في ذلك اليوم، كانت حالة الطقس أشد حرارة مما توقعنا، واستمرت المراقبة. أرسلت رسالة إلى زميلي الصحفي فلم يردّ، ثم أرسلت ثانية ولا مجيب، ثم اتصلتُ به فلم يردّ. انتابني شعور سيء للغاية، فهرعتُ نحو السيارة، وعندما فتحت الباب، وجدت زميلي قد فقد وعيه بسبب نقص الأكسجين داخل الصندوق، وكان على شفا الموت. سحبته على الفور ليتنفس الهواء، وعندما استعدت شريط الأحداث لاحقاً، شعرت بالقشعريرة، فلو تأخرتُ دقائق معدودة، لاختنق وفارق الحياة. لقد أنقذنا حياته بأعجوبة.

لا أسرد هذه الواقعة كقصة بطولية، بل لأسلط الضوء على واقعٍ ملموسٍ اختبرته ميدانيا. لقد كانت الاستخبارات التركية في وقت ما بمثابة ساحة خلفية لأجهزة الاستخبارات الأجنبية. أما اليوم، فقد تم تفكيك تلك البنية بالكامل، وتم رسمياً اعتماد عقيدة جديدة: “عليك أن تبني جهاز استخباراتك، وإلا فلن تتمكن من البقاء في الميدان”. منذ تولي إبراهيم قالن منصبه قبل ثلاث سنوات، استمرت القدرات الميدانية لجهاز الاستخبارات التركي في الخارج بالنمو بشكل مطرد.

تصريحات قالن

عندما اعتلى قالن المنصة في 28 مارس/ آذار للمشاركة في قمة “ستراتكوم 2026″، ظهرت خلفه العبارة التالية: “شرخ في النظام الدولي: الأزمات، والسرديات، والبحث عن النظام”.

كانت القاعة مليئة بالدبلوماسيين، ومسؤولي الاستخبارات، والأكاديميين. حاولتُ من جانبي قراءة تصريحات قالن من منظور استخباراتي بحت، وتحليل الجهات التي تستهدفها ورسائلها المبطنة. دونتُ ملاحظاتي، ووضعتُ خطوطاً تحت النقاط الجوهرية، وأعدتُ قراءة كلمات قالن مراراً وتكراراً.

ما تعلمته خلال 20 عاماً هو الآتي: “ما يقوله رئيس جهاز الاستخبارات لا يقل أهمية عما لا يقوله”. كان خطاب قالن في ستراتكوم نصاً ينطبق عليه هذا المبدأ تماماً. لم يكن الخطاب مجرد تقييم للموقف، بل كان خارطة طريق واضحة المعالم.

وبالنظر إلى هذا الخطاب من زاوية محلل استخباراتي، وجدتُ أنه يتألف من سبع مستويات، وسأقوم بتفكيكها واحدة تلو الأخرى.

المستوى الأول: جودة المعلومات

صرّح قالن بأن جهاز الاستخبارات يمضي قدماً نحو اعتماد التحليل النوعي للمعلومات الاستخباراتية التي يتم جمعها، بدلاً من التحليل الكمي، موضحاً أنهم يعملون على تحويل البيانات الضخمة إلى معلومات استخباراتية استراتيجية.

بمجرد سماع هذه الجملة، دونتُ في مفكرتي ما يلي: “لقد انتهى عصر الاستخبارات التقليدية”.

في الماضي، كان معيار النجاح واحداً: “ما مقدار المعلومات التي تجمعها؟”. أما الآن، فقد تغيرت الرؤية بشكل كامل. البنية التي وصفها قالن هي عبارة عن آلة تحليلية قادرة على معالجة البيانات وتفسيرها وترجمتها إلى معلومات استخباراتية. نحن لا نتحدث عن جهاز يصدر تقارير طويلة، بل جهاز يصدر تقارير ذكية. هذا التصريح ليس مجرد كلام عابر، بل هو إعلان عن تحول ثقافي شامل داخل الجهاز ستتضح أبعاده على مدى السنوات القادمة.

حقبة أتاساغون

كي ندرك حجم هذا التحول، علينا أن ننظر إلى الماضي قليلاً. خلال فترة تولي شينكال أتاساغون رئاسة جهاز الاستخبارات التركي، كانت الثغرة الأكبر تكمن في بقاء الأرشيف الرسمي للاستخبارات متاحاً للمعلومات غير الموثقة، وكان خط الدفاع ضعيفاً. في تلك الفترة، كانت أقراص مدمجة تحمل “بلاغات قضية إرجينيكون” تُرسل عبر البريد من الخارج، وللأسف كانت توضع في الأرشيف الرسمي للجهاز وكأنها معلومات أصلية، دون التحقق من المصدر، أو التثبت من صحتها، أو إجراء أي مطابقة للمعلومات.

يُعد ذلك أحد أكبر الفضائح في تاريخ الاستخبارات التركية. أرشيف أي جهاز هو الذاكرة الأكثر تحصيناً للدولة، وكل وثيقة تدخل إليه تكتسب ثقل السجل الرسمي. وضع قرص مدمج غير موثق في الأرشيف يعادل جعل الكذبة جزءاً من السجل الرسمي للدولة.

لا يمكن للمرء أن يدرك حقاً مدى أهمية نقطة التحول التي يمثلها التأكيد على أهمية “الاستخبارات الوقائية” و”التحليل النوعي” في عهد قالن، إلا من خلال تذكر طبيعة تلك الفترة. الانتقال من مرحلة كان فيها جهاز الاستخبارات التركي يكتفي بأرشفة كل معلومة ترده كما هي، إلى بنية اليوم التي تتحقق من كل معلومة وتخضعها للتحليل النوعي قبل تدوينها، ليس مجرد “إصلاح” بسيط، بل هو تحول يُعيد بناء ذاكرة الدولة من جديد.

حقيبة بارانسو

كي ندرك حجم هذا التحول، لا بد من استحضار واقعة أخرى. تذكروا المسار التشريعي الذي كان يهدف إلى منح جهاز الاستخبارات حق الوصول إلى قواعد بيانات المؤسسات الرسمية للدولة، ولا سيما الخطوط الجوية التركية.

في تلك الأيام، نُشرت عشرات المقالات والتقارير التي تهاجم الجهاز في صحيفة “طرف” بقلم محمد بارانسو، الصحفي التابع لتنظيم “غولن” الإرهابي، والذي لا يزال قيد الاحتجاز حتى اليوم. توالت العناوين من قبيل: “الاستخبارات تراقبنا”، و”لماذا تريد الاستخبارات الوصول إلى بيانات الخطوط الجوية التركية؟”.

كانت هناك خطة واضحة تماماً تُدار من وراء الكواليس. كانت هناك عقلية عالمية لم تكن تطيق مجرد وصول الدولة إلى قواعد بيانات مؤسساتها الرسمية، وقد سعت جاهدة لحرمان الاستخبارات التركية من تلك البيانات.

كان الهدف بسيطاً: منع جهاز الاستخبارات التركي من اكتساب المزيد من القوة، لأن وجود جهاز استخبارات تركي قوي كان من شأنه أن يضيق مساحة المناورة العملياتية لهذه “العقلية العالمية” داخل تركيا.

تعدّ سلسلة مقالات بارانسو في تلك الفترة دليلاً دامغاً على مخطط تنظيم “غولن” الذي كان يسعى لتجريد الدولة من قدراتها الاستخباراتية الذاتية.

اليوم، انقلب الوضع تماماً، فقد تحول جهاز الاستخبارات التركي إلى مؤسسة تحلل بيانات دولة قوامها 80 مليون نسمة تحليلاً شاملاً، وتنتج “استخبارات وقائية”، وتكافح التجسس بفعالية. أولئك الذين لم يكونوا يطيقون مجرد وصول الجهاز إلى بيانات المؤسسات الرسمية، أصبحوا اليوم مجبرين على مراقبة بنية تحليل البيانات المدمجة بالذكاء الاصطناعي داخل الجهاز. تم تفكيك ذلك النفوذ الاستخباراتي الخارجي بالكامل، ويعدّ ذلك واحداً من أعظم الانتصارات الصامتة في تاريخ الاستخبارات التركية.

المستوى الثاني: الاستخبارات الوقائية

صرّح قالن بأن الجهاز يعمل بناءً على نهج الاستخبارات الوقائية.

أولئك الذين يتابعون هذا المجال منذ سنوات يمكنهم فهم هذا التصريح، فهو يمثل تحولاً جوهرياً في عقيدة الجهاز. لسنوات طويلة، كان جهاز الاستخبارات التركي يتدخل بعد وقوع الحادث. يقع هجوم ما، فتبدأ عملية التحليل، أو يُقبض على جاسوس، فتبدأ عملية تفكيك الشبكة. أما تصريح قالن فإنه يعبر عن رؤية مختلفة تماماً: جهاز يمنع الحوادث قبل وقوعها. لقد لاحظتُ بوادر هذا التحول خلال العامين الأخيرين من عهد فيدان، لكنه أصبح في عهد قالن عقيدة رسمية.

أنا على دراية تامة بهذا المنطق الوقائي، لأن المنهج ذاته يُطبق في العمل الصحفي. أقوم بجمع المعلومات الميدانية، والتحقق منها، وتحليلها، ثم كتابة عنوان اليوم التالي مسبقاً. في الماضي، كان جهاز الاستخبارات في كثير من الأحيان يكتفي بتدوين المعلومات التي تصله كبيانات أرشيفية. أما اليوم، فإنه يقيّم المعلومات الميدانية بناءً على سيناريوهات محتملة لم تحدث بعد، ويجهّز الحل قبل أن يتجسد التهديد على أرض الواقع. أرى الآن أن هذا المنطق قد أصبح العقيدة التي يعمل وفقها جهاز الاستخبارات التركي.

المستوى الثالث: شبكات العملاء

صرّح قالن بأن شبكات العملاء التي أُسست ضد بلادنا في السنوات الأخيرة بدأت تتفكك واحدة تلو الآخر، معددًا الأساليب الجديدة للتجسس: الشركات الوهمية، وعصابات الجريمة المنظمة، والمحققون الخاصون.

الإشارة التي التقطتها هنا هي: جهاز الاستخبارات التركي تجاوز المفهوم التقليدي لمكافحة التجسس. لقد كتبتُ عن هذا لسنوات. في السابق، كانت عمليات التجسس الإيرانية، وشبكات عملاء الموساد، والقنوات الخلفية الروسية، تعمل في تركيا باستخدام الأساليب الكلاسيكية.

أما خلال السنوات السبع الماضية، فقد تغيرت الأساليب جذرياً. الجاسوس الذي تواجهه لم يعد ذلك الرجل الذي يرتدي بدلة رسمية، بل قد يكون محاسباً، أو محققاً خاصاً، أو عضواً في عصابة جريمة منظمة. ومن خلال هذا التصريح، يؤكد قالن: “أصبحنا الآن منظمة مختلفة قادرة على اصطياد هؤلاء” الجواسيس.

المستوى الرابع: الوطن السيبراني

شدد قالن على أن الدفاع عن البلاد لا يقتصر على الحدود الجغرافية، مسلطا الضوء بشكل خاص على مفهوم “الوطن السيبراني”. تتبعتُ عن كثب دخول هذا المفهوم إلى أدبيات الاستخبارات التركية. في السنوات الأخيرة من عهد فيدان، تعاظم نفوذ مديرية الأمن السيبراني بشكل ملحوظ.

إلا أن قالن حوّل هذه البنية إلى مفهوم عقائدي. اليوم، لم يعد مفهوم الوطن يقتصر على البر والبحر والجو، بل أصبحت الخوادم، ومراكز البيانات، وبنية الاتصالات، وحتى الهاتف المحمول الخاص بالمواطن، جزءاً من الوطن. صياغة قالن لهذا المفهوم هي أوضح رسالة على أن تركيا قد انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة في المجال السيبراني.

المستوى الخامس: من فيدان إلى قالن

في هذه المرحلة، يجب أن نتوقف قليلا لإبداء ملاحظة مهمة. لفهم ما يقوله قالن، لابد من معرفة الإرث الذي تسلمه من فيدان. مفتاح هذا الإرث يكمن في وثيقة كُتبت عام 1999.

أي صحفي يسعى لفهم الكيفية التي أحدث بها فيدان تحولاً في جهاز الاستخبارات التركي، عليه أن يقرأ أطروحة الماجستير المكونة من 86 صفحة، والتي كتبها هاكان فيدان ــ الذي كان حينها ضابط صف يبلغ من العمر 31 عاماً ــ في مايو/ أيار 1999 بجامعة بيلكنت، تحت إشراف الدكتور مصطفى كيبار أوغلو. حملت الأطروحة عنوان: “الاستخبارات والسياسة الخارجية: مقارنة بين نظم الاستخبارات البريطانية والأمريكية والتركية”.

ذهبتُ شخصياً إلى جامعة بيلكنت في ديسمبر/ كانون الأول 2012 لقراءة هذه الأطروحة. في ذلك الوقت، كان فيدان يشغل منصب مدير الجهاز منذ 27 مايو/ أيار 2010. عقب محاولة اعتقاله في سياق “مؤامرة جهاز الاستخبارات” في 7 فبراير/ شباط 2012، بدأ رئيس الوزراء آنذاك، رجب طيب أردوغان، يصفه بـ “كنز الأسرار”.

كنتُ من أوائل الصحفيين الذين قرأوا هذه الأطروحة، وعكفتُ مع زميلي الصحفي الموقر فرحات أونلو على تحليلها سطراً بسطر. نُشرت مقالات أونلو في صحيفة “صباح” بعنوان “كنز أسرار الدولة الجديد” و”كنز أسرار الدولة: هاكان فيدان”، في يناير/ كانون الثاني 2013، أي بعد نحو شهر من زيارتنا لجامعة بيلكنت.

عندما حصلنا على الأطروحة، أدركنا الحقيقة التالية: ما كان أمامنا لم يكن مجرد أطروحة أكاديمية عادية كتبها ملازم في الحادية والثلاثين من عمره، بل كانت خارطة طريق للاستخبارات التركية. كانت الأطروحة تتكون من ثلاث طبقات متداخلة. قارنت الأولى بين المدارس الثلاث الكبرى في تاريخ الاستخبارات العالمية: البريطانية والأمريكية والسوفيتية. وحللت الثانية المدرسة التي يتبعها جهاز الاستخبارات التركي. أما الطبقة الثالثة، فقد احتوت على شيء أكثر قيمة: مقترحات ملموسة بشأن الاتجاه الذي يجب أن تسلكه الاستخبارات التركية.

ما أثار حماستنا حقاً هو تلك الطبقة الثالثة. لم يكتفِ فيدان بتشخيص المشكلة فحسب، بل كان يصف العلاج أيضاً. كانت وصفتُه واضحة وجريئة في آن واحد: يجب على الاستخبارات التركية التخلص من إرث المدرسة السوفيتية، والانسجام مع النموذج الأنغلوساكسوني، وتعزيز الاستخبارات الخارجية، وصولاً إلى تقسيم الاستخبارات الداخلية والخارجية كجهازين منفصلين.

لكن في هذا المستوى، أطلق فيدان تحذيراً شديد اللهجة يتعلق بظروف تركيا: “في هذا البلد، للأمن الخارجي بُعد داخلي أيضاً، لذلك فإن الفصل التام والمفاجئ بينهما ينطوي على مخاطر”. وقد اقترح فيدان حلاً ذكياً للمرحلة الانتقالية: إنشاء وحدات للاستخبارات الداخلية وأخرى للخارجية داخل إطار جهاز الاستخبارات التركي.

هذه الجملة هي مفتاح الرؤية التي طبقها فيدان لاحقاً في تجديد بنية الجهاز. واليوم، يمثل الإطار القائم بين “مديرية العمليات الخارجية” و”الاستخبارات الأمنية” الداخلية التجسيد الحي للنموذج الذي تضمنته تلك الأطروحة.

بينما كنا نغادر جامعة بيلكنت في ذلك اليوم، قال كل منا للآخر إن الرجل الذي كتب هذه الأطروحة وضع على الورق وصفة تغيير جهاز الاستخبارات التركي. وعندما تولى رئاسة الجهاز بعد 11 عاماً، كان برنامجه محددا قبل ذلك بوقت طويل.

يقول فيدان: “الاستخبارات الجيدة لا تضمن دائماً سياسة خارجية جيدة، لكن الاستخبارات السيئة تقود حتماً إلى سياسة خاطئة”.

أطروحة فيدان عام 1999

تختزل هذه المقولة عقيدة استخباراتية ترسخت على مدار 13 عاماً في حقبة هاكان فيدان، وشكلت حجر الزاوية للمرحلة التي تلتها بقيادة إبراهيم قالن.

أحدثت مديرية العمليات الخارجية في جهاز الاستخبارات تحولاً نوعياً وقفزة تاريخية، شملت عددا كبيرا من الملفات، من العمليات النوعية العابرة للحدود، إلى تعزيز التواصل الاستخباراتي مع الدول الأخرى، إلى المواجهة الشاملة مع تنظيمي “غولن” و”العمال الكردستاني/ وحدات حماية الشعب”. وإذا كان فيدان قد آثر العمل بصمت بعيداً عن صخب الإعلام، فإن بصماته الميدانية كانت حاضرة بقوة في كل الملفات.

ومع تسلم قالن رئاسة الجهاز، أضاف بُعداً دبلوماسياً استراتيجياً إلى تلك القوة العملياتية المتنامية، مما نقل دور الجهاز من الحضور الميداني البحت إلى الفاعلية المباشرة على طاولة المفاوضات. فالجهاز الذي كان يتحرك خلف الستار في عهد فيدان، بات اليوم رقماً صعباً في المسارات التفاوضية الكبرى. لا يعكس هذا التحول تغيراً في العقيدة بقدر ما يمثل استراتيجية تكاملية، حيث أرسى فيدان القواعد الصلبة، وانطلق قالن ليربط الميدان بالمسار الدبلوماسي.

تؤشر التعيينات القيادية الأخيرة إلى توجه حاسم نحو تعزيز قدرات الجهاز وتطوير استجاباته العملياتية. وبناءً على خبرتي الميدانية التي تمتد لعقدين، يمكن القول إن الاستخبارات التركية باتت اليوم من بين عدد قليل من الأجهزة التي تجمع بين الكفاءة العملياتية والتأثير الدبلوماسي.

أريد في هذا الصدد القيام بمقارنة تستند إلى تجربتي الشخصية. أتذكر في ملفات خارجية مثل ملف سردار كايا كيف كان التردد يسيطر على بعض عناصر الاستخبارات في البعثات الخارجية، والذين كانوا يفضلون البقاء داخل أسوار القنصليات، وأقول ذلك بكل تحفظ. غاب آنذاك الحضور الفعلي في الميدان، وبناء شبكات المصادر، وتتبع البيوت الآمنة، مما عكس ضعفاً تاريخياً في عمل الجهاز على المستوى الخارجي.

أما اليوم، فقد انقلبت الصورة رأساً على عقب. بلغت الهياكل السرية متعددة المستويات في مديرية العمليات الخارجية ذروة كفاءتها في عهد إبراهيم قالن. أصبح جهاز الاستخبارات التركي كياناً ميدانياً مبادراً، يبني الشبكات، ويتحمل المخاطر، وينفذ العمليات بدقة. هذا الوصف ليس من باب المجاملة، بل هو شهادة واقعية من صحفي خاض غمار هذه الملفات الاستخباراتية بنفسه وراقب هذا التحول الجذري من الداخل.

حديث على متن الطائرة

ثمة واقعة لم تبرح ذاكرتي أبداً، أود مشاركتكم تفاصيلها. خلال زيارتي الخاطفة إلى برلين في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وبينما كانت الطائرة الرئاسية تعبر الأجواء الأوروبية، كنت أستعرض أمام الرئيس رجب طيب أردوغان حصاد تقاريري الميدانية.

أثارت تلك التقارير، التي رصدت الشبكات الأوروبية لتنظيمي “غولن” و”العمال الكردستاني” وغيرهما من المنظمات الإرهابية، ووصلت إلى حد تعقب عناوين خلاياهم، اهتمام الرئيس بشكل لافت. وفي تلك الأثناء، كان إبراهيم قالن قد تولى رئاسة جهاز الاستخبارات التركي منذ 5 أشهر فقط.

حينها، التفت إليّ الرئيس قائلاً: “عبد الرحمن، أنت صحفي استقصائي متمكن وتعي خبايا عالم الاستخبارات جيداً”.

أعربت عن شكري للرئيس بحضور قالن. بالنسبة لأي صحفي، مثل هذا التقييم من أعلى هرم السلطة له وقعٌ لا يوصف.

على الفور، وجّه الرئيس حديثه لرئيس جهاز الاستخبارات قائلاً: “إبراهيم، عبد الرحمن يتعقب أتباع غولن في شتى أنحاء العالم الأرض، يصورهم ويوثق مقارهم. المطلوب منكم أيضاً ضبطهم وجلبهم إلى البلاد”.

أجاب قالن بكل حزم: “عُلم سيدي، سنكثف جهودنا في هذا الشأن”.

هذا الحوار القصير الذي كنت شاهداً عليه على متن الطائرة، مثّل في الواقع أحد التوجيهات الأولى التي صدرت في عهد قالن كرئيس لجهاز الاستخبارات التركي فيما يخص مكافحة تنظيم “غولن”.

تحديد الرئيس لهذا الهدف أمام رئيس جهاز الاستخبارات المعيّن حديثاً، وقبوله قالن الفوري بالمهمة، تجسد بوضوح في تعهده بـ “تكثيف الجهود”. وتبرهن العمليات التي جرت خلال العامين التاليين، والتي أسفرت عن القبض على عناصر التنظيم واحداً تلو الآخر في مختلف أنحاء العالم وإعادتهم إلى تركيا، على حجم هذا الإصرار.

ورغم أن الدوائر الأوروبية لم تتعاون بالشكل المطلوب مع هذه الجهود، مضى جهاز الاستخبارات التركي في تنفيذ عشرات العمليات الخارجية الناجحة. أشعر بفخر شخصي كبير لأنني كنت شاهداً على اللحظة التي انطلقت فيها شرارة هذا التحول الجذري.

المستوى السادس: الدبلوماسية الاستخباراتية

أوضح قالن أن الاستخبارات لم تعد مجرد هيكل لجمع المعلومات، بل تحولت إلى أداة لإدارة الأزمات ولعب دور الوسيط.

ظللتُ أكتب عن هذه الفكرة لشهور، حتى أعلنها قالن رسمياً في قمة ستراتكوم. غدت إسطنبول اليوم ملاذاً آمناً للدبلوماسية الاستخباراتية السرية. حتى أجهزة الاستخبارات المتنافسة في الميدان باتت تجلس اليوم على طاولة تركيا. هذا النهج، الذي بات يُعرف في الدوائر الدولية بـ “رؤية قالن”، أصبح علامة مميزة لانفتاح الاستخبارات التركية على العالم.

عملية تبادل الجواسيس في أنقرة

إذا أردتُ تحديد اللحظة التي بلغت فيها دبلوماسية قالن الاستخباراتية ذروتها، سأشير دون تردد إلى عملية تبادل الجواسيس التاريخية التي جرت في أنقرة في 1 أغسطس/ آب 2024. في ذلك اليوم، أدار الجهاز أكبر عملية تبادل منذ حقبة الحرب الباردة، وقد شملت 26 شخصاً كانوا محتجزين في سجون سبع دول، وتم التبادل بشكل متزامن في أنقرة.

منذ انطلاق المفاوضات وحتى اللحظات الأخيرة، تولى جهاز الاستخبارات التركي مباشرةً إدارة كافة الإجراءات الأمنية، والتخطيط اللوجستي، وتنسيق الاتصالات. كانت عملية نُفذت بالكامل تحت المظلة التركية، واستندت إلى رصيد هائل من الثقة.

كانت ثلاثة من أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم في قلب هذه العملية: وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وجهاز الاستخبارات الخارجية وجهاز الأمن الفيدرالي الروسيين، إضافة إلى جهاز الاستخبارات الاتحادية الألماني. هذه الأجهزة هي في الأصل منظمات متنافسة درات بينها لسنوات عمليات شرسة في الميدان.

لكن في ذلك اليوم، وبفضل إطار التنسيق الذي أرسته تركيا، هبطت طائرات هذه الأجهزة على المدرج نفسه في أنقرة، وتسلّمت المحتجزين بإذن من الاستخبارات التركية لنقلهم إلى دولهم. كما شملت العملية أربع دول أخرى هي بولندا وسلوفينيا والنرويج وبيلاروسيا.

كان حجم العملية يفوق التصور. هبطت سبع طائرات بشكل متزامن في مطار “إيسنبوغا” بالعاصمة التركية (اثنتان من الولايات المتحدة، وواحدة من كلٍّ من ألمانيا وبولندا وسلوفينيا والنرويج وروسيا). تم تسليم 10 أشخاص (بينهم طفلان) لروسيا، و13 لألمانيا، و3 للولايات المتحدة.

كل خطوة، بدءاً من إنزال المحتجزين من الطائرات ونقلهم لمناطق آمنة وإجراء الفحوصات الطبية وبصمات الأصابع والتحقق من الهويات، وصولاً إلى صعودهم للطائرات المغادرة،  تمت تحت إشراف وتوجيهات عناصر الاستخبارات التركية، بل إن إقلاع الطائرات لم يتم إلا بموافقة الجهاز.

لفهم أهمية هذا الحدث على الصعيد الدولي، يكفي تأمل المشهد التالي: الرئيس الأمريكي جو بايدن ونائبته كامالا هاريس كانا يتابعان من البيت الأبيض بثاً مباشراً للحظة تسليم المحتجزين. وفي المقابل، توجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً إلى مطار “فنوفوكو” بموسكو لاستقبال الروس العائدين على السجاد الأحمر، بينما كان المستشار الألماني أولاف شولتس في استقبال الرحلة العائدة إلى ألمانيا في كولونيا.

ظهور أقوى ثلاثة قادة في العالم على مسرح العملية في يوم واحد، وضمن المرحلة الختامية لعملية التسليم، يعني شيئا واحدا: دولة واحدة كانت تدير العملية برمتها، وهي تركيا.

لم يتشكل رصيد الثقة في يوم وليلة. أشرف قالن شخصياً على الاتصالات التمهيدية خلف الكواليس لعدة أشهر، وعلى الزيارات الهادئة لعواصم مختلفة، وعلى إدارة القنوات المباشرة وغير المباشرة. وفي يوليو/ تموز 2024، جُمعت الأطراف في تركيا، وتولى جهاز الاستخبارات التركي عملية الوساطة من الألف إلى الياء. كل تفصيل في عملية التبادل يحمل توقيع أنقرة، والاسم الذي يقف وراء كل ذلك هو قالن.

بصفتي صحفياً يتابع عالم الاستخبارات الدولية منذ 20 عاماً، يمكنني القول بكل ثقة: هناك قلة من أجهزة الاستخبارات في العالم قادرة على جمع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وجهاز الاستخبارات الخارجية الروسي في المطار نفسه، وفي الدقيقة نفسها، وبالمستوى ذاته من التنسيق.

لم يحقق جهاز الاستخبارات التركي هذا الإنجاز بسبب قدراته فحسب، بل لأن الطرفين وضعا ثقتهما الكاملة في الدور التركي كوسيط. هذا هو بالتحديد جوهر “الدبلوماسية الاستخباراتية”. ما تعجز عنه الجيوش، وما لا يحققه الدبلوماسيون، يتولى جهاز الاستخبارات تسويته. العقيدة التي نسميها “رؤية قالن” تجسدت بشكل ملموس على مدرج “إيسنبوغا” في الأول من أغسطس/ آب 2024.

المكانة التي منحتها هذه العملية لتركيا فتحت الباب لعمليات تبادل لاحقة بين أوكرانيا وروسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار في غزة، والوساطة بين باكستان وأفغانستان، والحراك الدبلوماسي الحالي بين إسطنبول وأنطاليا. بلغت الدبلوماسية الاستخباراتية ذروتها في أغسطس/ آب 2024، وما نعيشه اليوم من حصاد ليس إلا ثمرة مباشرة لتلك الذروة.

المستوى السابع: صياغة مفرداتنا الخاصة

“ما لا تمنحه اسماً، ليس ملكا لك”. كانت تلك أكثر عبارة فلسفية في خطاب قالن. لقد أكد أنه لا يمكننا أن نروي قصتنا باستخدام مفردات الآخرين، مشدداً على ضرورة صياغة مفاهيمنا ولغتنا المستقلة.

هذه الجملة تحمل دلالات عميقة. عندما يُذكر عالم الاستخبارات، تنصرف الأذهان دائماً إلى المدرسة البريطانية أو الأمريكية أو الروسية. لكن قالن يقول اليوم: “ثمة مدرسة تركية أيضاً”، وهي مدرسة لا تستورد المفاهيم من الغرب، بل تعتمد على مفرداتها الخاصة. ومن هنا جاء تأسيس “أكاديمية الاستخبارات الوطنية”، التي لا تهدف لتخريج جيل جديد من الضباط فحسب، بل جيل جديد من المفكرين الاستراتيجيين.

في فندق “بيبيك”

أود هنا مشاركتكم حادثة خاصة جداً. قبل سنوات، التقيت بسونميز كوكسال، أحد أوائل الرؤساء المدنيين لجهاز الاستخبارات، في فندق “بيبيك” بإسطنبول. قال لي كوكسال حينها بصراحة تامة: “عبد الرحمن، من الصعب جداً أن تصل الاستخبارات التركية لمستوى جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني، ولن يخرج من صفوفنا (جيمس بوند) أبداً”.

كان إيمري تانر حينها على رأس الجهاز، ولم يكن كوكسال يرى أي فرصة لوصول الاستخبارات التركية إلى المسرح العالمي. وبعد وقت قصير من تلك المقابلة، كتبتُ عن صعود هاكان فيدان من منصب نائب رئيس الجهاز إلى رئاسته. وطوال فترة فيدان التي استمرت 13 عاماً، كانت عبارة فندق “بيبيك” تتردد في ذهني لأن الجهاز لم يقف عند توقعات كوكسال التشاؤمية، بل كان يتقدم تدريجيا كل عام.

تجاوزت الاستخبارات التركية اليوم، تحت قيادة قالن، مرحلة السعي لمحاكاة النماذج الأخرى. لقد أعلنها صراحة في خطابه بقمة ستراتكوم: “سوف نصيغ مفرداتنا الخاصة”. لم يعد طموح الجهاز محصوراً في اقتفاء أثر المدارس التقليدية، بل بات يضع اللبنات الأولى لمدرسته الفكرية المستقلة.

أستطيع القول إن امتلاك أي جهاز استخباراتي لإطاره المفاهيمي الخاص هو الشرط الجوهري لدخول “نادي الكبار” عالمياً، وهو الشرط الذي أعلنه قالن بكل ثقة. وبالنظر إلى السنوات التي مرّت منذ ذلك الحوار في فندق “بيبيك”، تيقنتُ من حقيقة واحدة: “إذا آمنت، يمكنك أن تنجح”. لقد آمن جهاز الاستخبارات التركي بقدراته فحقّق غاياته، وهو اليوم تحت قيادة قالن، يرسي دعائم مدرسته الخاصة.

الإنسان، الآلة، والذكاء الاصطناعي

أوضح قالن أن الجهاز يمزج اليوم بين الاستخبارات البشرية والتقنية، والمعلومات مفتوحة المصدر، والذكاء الاصطناعي.

هنا يكمن السر. فالعالم يتقدم بسرعة فائقة، والصواريخ الفرط صوتية تحسم المعارك في ثوانٍ، والأقمار الصناعية ترصد كل شيء، ويستطيع الذكاء الاصطناعي اتخاذ القرارات بشكل مستقل.

 لكي تنجو في هذا العالم، لا بد من تطوير قدرات ضابط الاستخبارات التقليدي. الاستخبارات التركية التي وصفها قالن هي هيكل يدمج الخبرة البشرية بسرعة الآلات وقوة معالجة البيانات الضخمة. هذا التكامل سيجعل من تركيا لاعباً يغير قواعد اللعبة في العقد المقبل.

لقد سلطتُ الضوء على هذه النقطة في مقال سابق لي بصحيفة “صباح”. خلف كل صاروخ فرط صوتي قادر على اختراق الأجواء بسرعة تصل إلى “ماخ 15” أو أكثر، توجد حتماً شبكة استخباراتية رائدة عملت بصمت لعقود. قدرة هذه المنظومات على إحداث تأثير مضاعف في مجالات الفيزياء والهندسة الرياضية لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن قدرات استخباراتية متطورة توفر الأرضية الخصبة لهذا التفوق.

لقد أدركت الصين وروسيا هذه الحقيقة منذ زمن بعيد. تعدّ الاستخبارات الصينية اليوم من بين الأكثر كفاءة عالمياً في استغلال التجسس التكنولوجي، حيث تنجح في تحويل المعلومات التقنية التي تحصل عليها إلى قوة تدعم تفوق الدولة بشكل مباشر. حروب العصر لم تعد تُحسم في ساحات القتال فحسب، بل من خلال البيانات التي يتم جمعها مسبقاً. هذا هو الواقع الذي تدركه وتستهدفه الرؤية التي أرساها قالن.

تركيا تصنع الأجندة

لم تعد تركيا مجرد دولة تسعى لتلبية احتياجاتها في الصناعات الدفاعية، بل تحولت إلى فاعلٍ يصنع الأجندة ويفرض التوازنات في ميادين المعارك وطاولات المفاوضات على حد سواء. سيستمر دعم هذا التحول بإرادة سياسية صلبة وعزيمة لا تلين.

مع اقتراب قمة “ستراتكوم 2026” من ختامها، لخّصت هذه العبارة التي نطق بها قالن المشهد بأكمله. إذا كانت “أسيلسان” هي من يبصر ميدان المعركة، و”روكيتسان” هي من يضرب، و”هافيلسان” هي من يدير العمليات، وشركة الصناعات الجوية والفضائية “توصاش” هي من يمنح العمق، فإن الكيان الذي يحدد الهدف لهذه القدرات الهائلة هو جهاز الاستخبارات التركي. لقد نجح قالن في إرساء هذا التنسيق. الاستخبارات هي من يرسم الهدف، والصناعة الدفاعية هي من ينفذ الضربة. هذه هي الهندسة الأمنية لتركيا الجديدة.

لقد استعرضتُ هذه المعادلة بتفصيل دقيق في مقالي “حروب الاستخبارات وعصر المعلومات” بتاريخ 29 مارس/ آذار 2026. تركيا التي غيّرت قواعد اللعبة في عالم الطائرات المسيرة التقليدية والهجومية، آن لها أن تُتوج هذا النجاح بتكامل ثلاثي بين الاستخبارات والبيانات والتكنولوجيا. لن تكتفي تركيا التي تمضي في هذا المسار بأن تكون دولة قوية فحسب، بل ستغدو القوة التي تُعيد صياغة قوانين الحرب في العصر الحديث.

موسم الحصاد

بينما كنت أصغي لخطاب قالن في قمة ستراتكوم، أدركتُ أن هذا الرجل لا يقدم تقييماً روتينياً، بل يرسم خارطة طريق. في مقالي المنشور في فبراير/ شباط 2025 بعنوان “الاستخبارات التركية في كل مكان”، كنتُ قد أشرتُ إلى ملامح هذا التحول. وبعد حضوري مؤتمرا دوليا استضافه جهاز الاستخبارات في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، قلتُ: “إسطنبول باتت الملاذ الآمن لدبلوماسية الاستخبارات”.

لم تعد هذه الكلمات اليوم مجرد أمنيات على ورق، بل واقعا يفرض نفسه في الميدان، وعلى طاولات التفاوض، وخلف الكواليس. لم يعد جهاز الاستخبارات مجرد مؤسسة تجمع المعلومات، بل كياناً يولّدها. لم تعد تتبع الأحداث، بل تستبقها. إنه اليوم مؤسسة يمتد نفوذها من الداخل ليشمل خارطة العالم بأسره. وفي ظل التعيينات الأخيرة، أتوقع أن تنمو هذه القوة بشكل ملحوظ في المرحلة المقبلة.

هذا النهج الذي يُعرف بـ”رؤية قالن” و”نموذج إسطنبول”، يمكن اختصاره اليوم في عبارة واحدة: “المدرسة التركية”.

بصفتي صحفياً يواكب هذا الملف منذ 20 عاماً، أختم بالقول: لقد بدأ عصر جديد داخل الجهاز، وسيكون هذا العقد هو الأكثر إنتاجية في تاريخ الاستخبارات التركية. قانون النظام العالمي الجديد للحروب واضح: “النصر ليس لمن يملك المال، بل لمن يسيطر على المعلومة”. وتركيا اليوم تمضي بخطى واثقة وحازمة نحو السيطرة على المعلومة.

المصدر: ديلي صباح

الوسوم: الأمن التركي ، الاستخبارات التركية ، الحكومة التركية ، الشأن التركي
الوسوم: السياسة التركية ، الشأن التركي
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
عبد الرحمن شيمشك
بواسطة عبد الرحمن شيمشك
المقال السابق نون بوست من الكاريكاتير إلى المعارض: كيف يواجه الفن السوري القمع والنسيان؟

اقرأ المزيد

  • الدبلوماسية متعددة المستويات.. استراتيجية تركيا لبناء حضور عالمي الدبلوماسية متعددة المستويات.. استراتيجية تركيا لبناء حضور عالمي
  • كيف أعادت الحرب الإيرانية تشكيل الضغوط على الاقتصاد التركي؟
  • أوزال يفتح معركة الدستور: المعارضة التركية تواصل الدفع باتجاه انتخابات مبكرة
  • هل تقود تركيا حلف الناتو بعد الولايات المتحدة؟
  • "تايفون بلوك-4".. كيف تعيد تركيا رسم ميزان الردع في الإقليم؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

الدبلوماسية متعددة المستويات.. استراتيجية تركيا لبناء حضور عالمي

الدبلوماسية متعددة المستويات.. استراتيجية تركيا لبناء حضور عالمي

رغد الشماط رغد الشماط ٢٥ أبريل ,٢٠٢٦
ماذا يعني فتح الحدود بين تركيا وأرمينيا عبر أليجان؟

ماذا يعني فتح الحدود بين تركيا وأرمينيا عبر أليجان؟

نون إنسايت نون إنسايت ١٩ أبريل ,٢٠٢٦
كيف أعادت الحرب الإيرانية تشكيل الضغوط على الاقتصاد التركي؟

كيف أعادت الحرب الإيرانية تشكيل الضغوط على الاقتصاد التركي؟

زيد اسليم زيد اسليم ١٨ أبريل ,٢٠٢٦
dark

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version