Also available in English
مثّل النظام الذي أقامته الولايات المتحدة في العراق بعد عام 2003 قطيعة كاملة مع التجارب السياسية السابقة في تاريخ البلاد المعاصر، من حيث الشكل والبنية والتراتب والأساس الذي قام عليه.
وقد اعتمد النظام الجديد فكرة المحاصصة الطائفية والقومية كعرف متفق عليه بين “الآباء المؤسسين” للعملية السياسية بإشراف أميركي ودعم إيراني، بناء على تقديرات غير رسمية وغير دقيقة لأعداد السكان ونسب المكونات المذهبية والقومية، فأصبحت رئاسة الوزراء من حصة الشيعة العرب، فيما ذهبت رئاسة مجلس النواب إلى العرب السنة، وتولى الكرد رئاسة الجمهورية.
وفي غمرة الفوضى التي عصفت بالبلاد عقب الغزو الأميركي؛ جرى التصويت على الدستور العراقي الجديد عام 2005، وسط معارضة كبيرة من العرب السنة له، وتضمن إقرار نظام برلماني اتحادي، أقر الفيدرالية كحق للعراقيين الراغبين بتوسيع صلاحيات محافظاتهم وتقليل تدخلات المركز، وهو ما عده المعارضون وقتها تكريسا للطائفية، وتمهيدا لتقسيم البلاد.
ونص الدستور الجديد كذلك على إقامة “مجلس الاتحاد العراقي” كغرفة تشريعية ثانية توازن عمل مجلس النواب، إلا أن تشكيله ظل حبرا على ورق لأكثر من عقدين من الزمن، بسبب حسابات النفوذ والمخاوف، والصراع على السلطة بين المكونات السياسية والحزبية في البلاد.
وظل هذا المجلس حبيس دفتي الدستور خلال السنوات الماضية، إلا أنه كان يُستدعى مرات عدة في سياق وعود لاسترضاء العرب السنة، خصوصًا بعد خسارتهم معركة تشكيل الحكومة العراقية عقب انتخابات 2010، وذهاب رئاسة الوزراء إلى ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه نوري المالكي.
الدستور والاختصاصات الغائبة للمجلس
نصت المادة (48) من الدستور العراقي على أن السلطة التشريعية الاتحادية تتكون من مجلسي النواب والاتحاد، وجاءت المادة (65) لتلزم البرلمان بضرورة تشكيل هذا المجلس، وتحديد شروطه واختصاصاته بقانون يُسن بأغلبية الثلثين.
وتقوم فلسفة تشكيل المجلس –بحسب خبراء دستوريين- على أساس تمثيل الجغرافيا لا الطوائف أو الكتل السياسية، وهو يشبه كثيرا مجالس “الشيوخ” و”الأعيان” في دول أخرى، حيث يمثل مناطق الحكم الذاتي والمحافظات غير المنتظمة في إقليم بالتساوي، بغض النظر عن الكثافة السكانية لكل محافظة.
وبناء على مسودات القوانين التي نوقشت في أروقة البرلمان العراقي خلال الدورات السابقة؛ فإن صلاحيات المجلس تتركز في حماية النظام الفيدرالي، ومنع هيمنة جهة واحدة على التشريع.
أما أبرز اختصاصاته فتتلخص في مراجعة ونقض التشريعات، حيث يمتلك “فيتو تشريعيا” يُلزم مجلس النواب بإرسال مشروعات القوانين إليه لإبداء الملاحظات والمصادقة عليها، خصوصا القوانين الاستراتيجية المتعلقة بالثروات والحدود والأقاليم.
وفي حال حدوث خلاف تشريعي؛ يشكل المجلس “لجنة توفيقية ملزمة” لحل النزاع، كما يناقش ويبتّ في المعاهدات الدولية والأمنية والدفاعية وترسيم الحدود، بالإضافة إلى استيضاح سياسات مجلس الوزراء، والعمل على تسوية الخلافات المالية والسياسية المستمرة بين الحكومة الاتحادية في بغداد والأقاليم والمحافظات، وإبداء الرأي وتعديل الخطط المالية لضمان التوزيع العادل للثروات.

الأغلبية التعجيزية وجذور التعطيل
ووفقا لخبراء سياسيين وقانونيين؛ فإن تأخر إقرار المجلس وبقائه في أدراج مجلس النواب يعود لعدة أسباب، في مقدمتها اشتراط أغلبية الثلثين، حيث ينص الدستور على أن يمرر القانون بأغلبية ثلثي أعضاء البرلمان، الأمر الذي جعل نصابه صعب التحقق في ظل الانقسام السياسي الحاد في العراق.
كما أن غياب التوافق على آلية التشكيل كان سببا إضافيا في تعطيله، فلم يحدد الدستور كيفية اختيار أعضائه؛ إن كانت عن طريق الانتخاب المباشر أو التعيين، وهل يضم المحافظين ورؤساء مجالس المحافظات السابقين أم لا.
ويضاف إلى ذلك تخوف القوى المهيمنة على مجلس النواب من أن يؤدي وجوده إلى شلل في العملية التشريعية، أو سحب البساط من تحت أقدام البرلمان الحالي.
ويرى نائب رئيس مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية الدكتور علي مهدي أن البرلمان استحوذ على أغلب الصلاحيات، ولذلك يصعب على النواب التنازل عن نفوذهم لصالح غرفة تشريعية ثانية.
ويضيف مهدي أن من المآخذ على السلطة التشريعية الحالية أنها جنحت عن مبدأ الثنائية البرلمانية الموجودة في العديد من دول العالم، عندما تعاملت بشكل غير متوازن بين جناحي السلطة التشريعية، مشيرا إلى أنها اعتمدت على المنهج التفصيلي لأحكام مجلس النواب، وتغافلت عن ذكر الأحكام التفصيلية لمجلس الاتحاد، وأناطت تشكيله بقانون يصدر عن مجلس النواب؛ الذي من المفترض أن يكون بموازاته، وهو ما يضع العديد من الإشكالات والصعوبات أمام المشرعين عند صياغة القانون.

معضلة النص الدستوري
ويلفت فقهاء في القانون الدستوري إلى أن الدستور العراقي كبّل تشريع هذا القانون باشتراط موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب لتمريره، في ظل مشهد سياسي منقسم ومبني على المحاصصة، حيث يُعد الحصول على نصاب الثلثين لتمرير قانون سيادي يحجّم صلاحيات البرلمان شبه مستحيل؛ دون صفقة شاملة ترضي جميع الأطراف.
وقد وصف الخبير القانوني الراحل طارق حرب قبل وفاته هذا الشرط بـ “العقبة التعجيزية” في ظل الانقسام السياسي، مشيرا إلى أن الدستور لم يمنح مجلس الاتحاد سلطة تشريعية، بعدما أناط بمجلس النواب مهمة التشريع حصرا.
وبيّن حرب أن الدستور حرَم مجلس الاتحاد من الاختصاص التشريعي رغم أن المادة (48) حددت أن السلطة التشريعية الاتحادية تتكون من مجلس النواب ومجلس الاتحاد، والمادة (65) أوجبت إنشاءه، لكن الدستور عاد وأناط سلطة تشريع القوانين الاتحادية بمجلس النواب فقط ولا تشاركه فيها أي جهة، وهو ما يجعله مجرد جهة استشارية في المسائل الخاصة بالأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، ولا صلاحية له في القضايا الاتحادية.
قلق الشراكة والرغبة بالهيمنة
ويؤكد مراقبون أن الكتل التي تسيطر على مجلس النواب منذ العام 2005 اعتادت على الانفراد بالسلطة التشريعية والرقابية، وتشريع قانون مجلس الاتحاد يعني تلقائيا تقليص صلاحيات مجلس النواب ومقاسمتها مع مجلس آخر، وهو أمر ترفضه تلك القوى، التي لا ترغب في وجود شريك دستوري ينافسها في النفوذ.
وفي هذا السياق؛ يقول الخبير القانوني محمد الشريف إن الدستور أوجد لكل سلطة في العراق مكونات، فالسلطة التنفيذية تتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، والسلطة القضائية تتكون من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية والادعاء العام وهيئة الإشراف القضائي، موضحا أن هذا التقسيم شمل أيضا السلطة التشريعية؛ التي أوجد لها مكونين هما مجلس النواب ومجلس الاتحاد.
ويضيف الشريف أن جميع مكونات السلطات تعمل حاليا باستثناء المكون الثاني من السلطة التشريعية وهو مجلس الاتحاد، “وهو ما يعد خرقا واضحا للدستور وتجاوزا على الهيكلية التي فرضها لسلطاته، وعيبا شكليا ينبغي تلافيه”، معللا
تأخر تشريع قانون المجلس بخوف مجلس النواب على صلاحياته، ورغبته في الاستيلاء على جميع مفاصل التشريع مستغلا الصمت السياسي إزاء ذلك.
استدعاء التجربة الملكية
وتقوم فلسفة مجلس الاتحاد على جعله شبيها بمجالس الشيوخ في العديد من الأنظمة الديمقراطية، وللعراق تجربة سابقة في هذا الشأن، حيث كان لديه “مجلسا للأعيان” في العهد الملكي، ضم وقتها وزراء سابقين ووجهاء وشيوخ عشائر ورجال دين وضباطا سابقين وتجارا كبارا.
وكان الملك يختار أعضاءه، وتساوي صلاحياته التشريعية تقريبا صلاحيات “مجلس الأمة” أو البرلمان وقتها، حيث لم يكن أي قانون يصدر دون موافقة كلا المجلسين وتصديق الملك، بالإضافة إلى مراجعة القوانين وتعديلها ورفضها أحيانا، ومنع تمرير التشريعات التي قد تضر بالاستقرار العام.
وفضلا عن ذلك؛ فقد كان له الحق في تشكيل “محكمة عليا” لمحاكمة الوزراء بتهمة الخيانة العظمى أو التقصير في أداء واجباتهم، وتفسير الدستور، والبت في مدى دستورية القوانين النافذة.
هذه التجربة يجري استدعاؤها بين الحين والآخر من قبل السياسيين العراقيين الحاليين، كما فعل رئيس مجلس النواب السابق محمود المشهداني، الذي أكد في لقاء تلفزيوني على ضرورة تفعيل مجلس الاتحاد ليضم القيادات التقليدية، ورؤساء الوزراء والجمهورية والبرلمان السابقين، والخبراء الاقتصاديين، وشيوخ العشائر المؤثرين، مقترحا الاستفادة من عقولهم وخبراتهم الطويلة بدلا من بقائهم دون عمل في بيوتهم، خاصة وأنهم يتقاضون رواتبهم وحماياتهم بالفعل.
وقد وجّه المشهداني اتهامات لجهات لم يسمها بـ”التعويق المتعمد” لتشريع قانون مجلس الاتحاد، مشيرا إلى أنها “لا تريد وحدة العراق”، بل تسعى إلى تقسيمه؛ لأن وجود هذا المجلس يمثل صمام أمان لوحدة البلاد، وفق تعبيره.

بين الحسابات السنية والمخاوف الشيعية
ورغم أن المجلس لم يُخصص دستوريا لصالح مكون معين؛ إلا أن القوى الشيعية استخدمته كورقة ترغيب الكتل السنية؛ من أجل إقناعها بتمرير الحكومات التي تشكلها في أكثر من مناسبة، خصوصا بعد انتخابات 2010، مما جعله ضمنيا من حصة العرب السنة، من دون أن يُنص على ذلك في اتفاق مكتوب.
ويمكن القول إن مجلس الاتحاد يمثل في نظر بعض القوى السنية الفاعلة مظلة قانونية تحمي مناطقهم من تهميش بعض القوانين الاتحادية، وضمانة لعدم استئثار القوى النيابية الشيعية داخل البرلمان بالقرار، الأمر الذي جعل الكتل السنية عاجزة في كثير من الأحيان عن تمرير قوانين حاسمة، مثل العفو العام، والتوازن داخل المؤسسات الأمنية.
كما أن المجلس يمنح أعضاءه سلطة حقيقية لمراقبة بنود الموازنة، ومنع الإجحاف بحق المحافظات التي تضررت من الحروب، أو التي تفتقر للمشاريع التنموية، وبدلا من اعتماد القوى السنية على تحالفات هشة أو عرف سياسي خاضع للمزاج؛ فإن المجلس سيمنحها ثقلا دستوريا راسخا وثابتا لا يمكن تجاوزه بتبدل الحكومات.
في المقابل؛ ترى أطراف رئيسية داخل البيت السياسي الشيعي أن مجلس الاتحاد قد يتحول إلى “أداة لتعطيل الدولة”، أو منصة لإعاقة القوانين التي تخدم التوجهات الاتحادية، فضلا عن التخوف من استخدامه لترسيخ “الأقلمة الطائفية”، والمساعدة على تمرير إقليم سني أو أقاليم قائمة على الحدود الإدارية للمحافظات، الأمر الذي تعده تلك الأطراف تهديدا وجوديا للنظام السياسي الذي قام بعدلعام 2003 في البلاد.
تشتت سني وحسابات خاصة
وطوال السنوات الماضية؛ مارست المحكمة الاتحادية العليا في العراق عمليا دور جهة النقض للقوانين غير الدستورية، والفصل في النزاعات بين المركز والأقاليم، وهي مهام كانت بالأصل من حصة مجلس الاتحاد.
ويرى البعض أن قوى “الإطار التنسيقي” الحاكم تفضل إبقاء القرار التشريعي خاضعا لمجلس النواب والمحكمة الاتحادية، بدلا من خلق جبهة سياسية جديدة ممثلة للمحافظات.

وبالرغم من توجيه أصابع الاتهام للجهات الشيعية الحاكمة بامتلاكها مصلحة في الإبقاء على سلطة البرلمان المطلقة في الجانب التشريعي؛ إلا أن تشتت القوى السياسية السنية وتنازعها على المناصب السيادية في الدولة؛ أسهم كذلك في عجزها عن فرض قانون المجلس كشرط أساسي وجاد في مفاوضات تشكيل الحكومات المتعاقبة.
بل إن بعض هذه القوى باتت تفضل عدم استخدام المجلس كورقة للتفاوض، مكتفية بالتركيز على حصصها في وزارات الحكومة والهيئات المستقلة، خشية أن تؤول رئاسته إلى خصومها داخل الساحة السنية.
وهكذا؛ أصبح غياب مجلس الاتحاد ثغرة هيكلية في بنية السلطة التشريعية العراقية، حولت النظام الفيدرالي المصمم نظريا إلى مركزية واقعية تتحكم فيها الأغلبية النيابية، فيما تواصل القوى الشيعية التلويح به بين الحين والآخر للكتل السنية من أجل تمرير مرشحيها، أو التصويت على القوانين التي تريد تشريعها داخل قبة البرلمان.