مرّ على تحرير سوريا أكثر من سنة ونصف، شهدنا خلالها أحداثًا كثيرة؛ بدأت من اندفاع اللحظات الأولى للتحرير، تلك اللحظات التي لا يمكن لسوري أن يتذكرها دون أن يعود، ولو قليلًا، إلى النشوة الشعورية نفسها التي عشناها في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
في تلك الأيام، بدا كأن البلاد خرجت دفعةً واحدةً من زمنٍ طويلٍ من الخوف، وكأن السوريين، على اختلاف أماكنهم وتجاربهم، وجدوا أخيرًا لحظةً مشتركةً يمكن الوقوف عندها بلا تردد، كان الفرح طاغيًا، أكبر من اللغة، وأشدّ من قدرة الناس على التحليل أو التفسير.
لكن الدول لا تُبنى على اللحظات الاستثنائية وحدها، ولا يستطيع الزمن أن يقف طويلًا عندها مهما كانت عظيمة، لذلك، ما إن بدأ لمعان تلك اللحظة الأولى يخفت، حتى صعدت إلى الساحة السورية أسئلة ملحّة عن شكل المرحلة القادمة: كيف ستُدار البلاد؟ من يملك حق الكلام باسم السوريين؟ ما معنى العدالة بعد كل هذا الخراب؟ وأي مستقبل يمكن أن يجمع مجتمعًا أنهكته الحرب والنجاة والمنفى؟
خلف كل تلك التساؤلات يكمن فراغٌ معرفيّ كبير، بأبجديات السياسة والحقوق، بعد عقود من التجهيل الممنهج من قبل آل الأسد، أذكر الأشهر الأولى من سقوط الأسد، كيف تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات قتال على أدق التفاصيل السياسية، وكيف تحولت كل القضايا إلى قضايا رأي عام يملك الجميع رأيًا فيها.
وقعتُ في هذا الفخ في الوهلة الأولى من التحرير، وكان لي رأي يُطرح بعنفوان الشباب في كل موضوع يُطرح، إلى أن وجدتُ نفسي ضمن دوامة لا تنتهي من المواضيع؛ منها ما يمسّني كسورية بشكل خاص وشخصي، ومنها الأعمق والأكبر، والذي بالفعل لا أملك المعرفة الكافية لأقدّم فيه رأيًا فوريًا يناسب الترند.
في هذا المقال، أتناول كيف تتحول الأحداث اليومية في سوريا إلى “ترندات” سريعة، وكيف ينعكس ذلك على تشكيل الرأي العام والانقسامات حولها، في ظل تسارع إعلامي يقلل من مساحة النقاش العميق.
تأسيس جمهورية الخوف
مع استلام حافظ الأسد الحكم بعد انقلاب عام 1970، عمل نظامه على تجفيف السياسة في البلاد، مقتديًا ببعض أكثر الأنظمة ديكتاتورية وقمعًا، إذ لم تُترك الساحة السياسية السورية مفتوحة لأي شكل من أشكال التعدد السياسي. ففي عام 1972، أُنشئت “الجبهة الوطنية التقدمية” كإطار سياسي خاضع لهيمنة حزب البعث، ثم جاء دستور عام 1973 ليكرّس في مادته الثامنة أن حزب البعث هو الحزب القائد في المجتمع والدولة.
ويبدو أن حافظ الأسد كان معجبًا بنموذج الحكم في كوريا الشمالية، القائم على الولاء المطلق، وعبادة القائد، وإخضاع المجتمع لمنظومة رقابة وخوف، إذ حوّل البلد خلال سنوات قليلة إلى جمهورية خوف كالتي بناها كيم إل سونغ في كوريا الشمالية التي زارها الأسد عام 1974، أي بعد أربع سنوات فقط من وصوله للسلطة.
وفي مطلع الثمانينيات، ألغى الأسد عمليًا استقلال النقابات المهنية، إذ حُلّت عدة نقابات في نيسان/أبريل 1980، من بينها نقابات المحامين والأطباء والمهندسين والصيادلة، ثم أُعيد تشكيلها بقيادات موالية للسلطة. وهكذا تحولت النقابات، التي يُفترض أن تكون مساحة للدفاع عن الحقوق والمصالح المهنية، إلى هياكل شكلية تعود قراراتها في النهاية إلى إرادة السلطة وأجهزتها.
إلى جانب ذلك، اعتقل النظام عددًا كبيرًا من الكتّاب والنقاد والسياسيين والناشطين، حتى من داخل حزب البعث نفسه، ليصيب التجفيف السياسي الحزب ذاته، وتدخل سوريا تدريجيًا مرحلة حكم الشخص الواحد، لا حكم الحزب بأكمله. كما أن النظام عمل على تفريغ الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني من معناها، وإغلاق السبل التي يمكن أن يتعلم عبرها السوريون شيئًا عن المواطنة أو السياسة أو الحقوق.
ومع مرور السنوات، ونتيجة أساليب القمع التي شهدها الشارع السوري منذ انقلاب البعث ثم انقلاب الأسد، غدت الساحة السورية أشبه بشبح يخافه كل عاقل. تسللت جملة “الحيطان لها آذان” إلى داخل كل بيت سوري، فلم يعد السوري يجرؤ على الحديث في السياسة، أو ذكر اسم حافظ الأسد وعائلته بسوء، خوفًا من أن يصبح “في بيت خالته” أو “وراء الشمس”، وهي مصطلحات سورية استخدمت للتعبير عن اعتقال الشخص من دون تهمة واضحة أو محاكمة.
منصات التواصل أم التصارع؟
هروب شابة علوية لتتزوج من شاب سني، أهو هروب حقيقي أم حالة خطف جديدة؟ قرار جديد بإغلاق المحال التجارية بعد الساعة التاسعة.. المحافظة تفرض غرامات على المخالفات البلدية.. الخ
كم حدثًا من هذه الأحداث مرّ عليكم وأنتم تتصفحون فيسبوك أو أي وسيلة تواصل اجتماعي أخرى، لتجدوا أنفسكم داخل معترك قوي بين مؤيد ومعارض، لتجدوا أنفسكم بعدها تقرأون التعليق رقم 900 بعد أن قرأتم كل ما سبقه؟
منذ أول لحظة للتحرير وحتى يومنا هذا، تتصاعد عشرات، وربما آلاف، الأحداث شهريًا، لكن الغريب في هذه الأحداث هو طريقة التعاطي معها، والتوقعات من الأشخاص تجاهها.
تسيطر على الفضاء السوري اليوم حالة الترند؛ أي أن كل قضية تتصاعد بشكل سريع على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصبح قضية رأي عام ووعاءً شهيًا لكل متصفح، وما إن يمر يوم آخر حتى تُنسى القضية، بغضّ النظر عن مدى أهميتها، لتسيطر على الفضاء قضية أخرى.
وبهذا، تتحول الساحة السورية من ساحة تعطي القضايا حقها في الوقت والشهرة والتريث والتفكير، إلى فضاء يسيطر عليه مبدأ الترند.
ومن الجدير بالذكر، في هذه الحالة، أن “المؤثرين” أو “الإنفلونسرز” يلعب دورًا كبيرًا في هذه العملية، فبعض المشهورين، أو جدد المشهورين، الذين يطمعون بشهرة وأرقام أكبر، يأخذون من هذه الظاهرة فرصة عظيمة ليصعدوا بشهرتهم أكثر. وتدفع طبيعة المنصات الرقمية بعض صناع المحتوى إلى تقديم مواقف سريعة وحاسمة تجاه كل حدث جديد، لأن سرعة التفاعل غالبًا ما تُكافأ أكثر من التحقق والتريث. لا يمكن الجزم بدوافع الأفراد، لكن النتيجة العملية لهذا النمط من التفاعل تبقى واحدة: تسارع دورة الاهتمام بالقضايا، واختفاء بعضها قبل أن تنال ما تستحقه من نقاش ومتابعة.
استقطاب حد التخوين
ومع كل ترند يصعد، غالبًا ما ينقسم مستخدمو وسائل التواصل إلى قسمين: مؤيد ومعارض، داعم أو ناقد شرس.
ومن إحدى الظواهر الغريبة التي بدأت تظهر، أن اختلاف الرأي لم يعد اختلافًا حول الرأي بحد ذاته، بل بات تصنيفًا للقضايا إلى معسكرات، تُبنى المواقف فيها بناءً على الفريق الذي ينتمي إليه الشخص. فتصبح عملية تقييم القضايا قائمة على الانتماء، لا على النظر الموضوعي في القضية نفسها.
في الآونة الأخيرة، وعند تعليقي على أرض الواقع على بعض الأحداث مع أشخاص يُعرفون بماضيهم الثوري، فوجئت بردّات فعل قائمة على الانتماء في المقام الأول، وبعيدة عن التفكير والتمحيص.
وكأن جزءًا من السوريين ما زال عالقًا في ذهنية الخندق التي فرضتها سنوات القمع والحرب، فيفسّر أي نقد خارجي، أو تعاطف مع قضية تخالف انتماءه، على أنه تهديد جديد بتكرار سيناريو قديم.
يزداد الشرخ مع ظهور حالة التخوين العمياء بناءً على ظواهر الترند؛ فبعد انقسام السوريين إلى معسكرين، تجد أحدهما يتهم كل من لا يتبنى الموقف نفسه، المبني على الانتماء، بالخيانة أو بكونه من فلول النظام السابق، إنها عملية أقرب إلى تكميم الأفواه ضمن قوالب جماعية تُعطى لكل مخالف.
ومن الجدير بالذكر أن حملات التخوين من الممكن أن تتحول إلى حملات تشويه سمعة جماعية، بعد أن يتم إشعال فتنة صغيرة في مجموعة على فيسبوك مثلًا، حتى ترى الناس ينقلبون على شخصية عامة لها ماضٍ في الثورة ليصبح هدفًا جديد في لعبة الاستقطاب اليومية.
الوعي في بناء مجال عام لنا جميعًا
كأبناء استعدنا وطننا بعد سنوات طويلة من القمع والحرب والفقدان، أشعر اليوم بمسؤولية أكبر من أي وقت مضى تجاه هذا الإرث الثقيل. فبقدر ما كان التحرير لحظة فرح جماعية، فإنه أيضًا بداية امتحان طويل لكل فرد منا: كيف سنتعامل مع الحرية التي حُرمنا منها لعقود؟ وكيف سنشارك في بناء المجال العام الذي غاب عن حياتنا طوال هذه السنوات؟
ومن هنا، يمكننا النظر إلى ظاهرة الترند والاستقطاب بوصفها تحديًا حقيقيًا لمستقبل الحياة السياسية في سوريا. فالنظر إلى القضايا العامة باعتبارها مواضيع صالحة للنقاش ليوم أو يومين فقط، ثم الانتقال إلى قضية جديدة، يحرم المجتمع من تراكم المعرفة والفهم، ومن ثم من المحاسبة الحقيقية. كما أن بناء المواقف على أساس الانتماء والمعسكرات، لا على أساس الوقائع والأفكار، يهدد بإعادة إنتاج مجتمع ضعيف المشاركة السياسية، رغم كل ما دفعه للوصول إلى هذه المرحلة.
قد تبدو الصورة، بعد هذه النظرة إلى الموضوع، قاتمة قليلًا، لكن مجرد قدرتنا اليوم على خوض هذه النقاشات علنًا هو أمر لم يكن متاحًا للسوريين لعقود طويلة. فالمجتمعات التي عاشت سنوات من القمع لا تدخل عالم السياسة دفعة واحدة، ولا تتعلم ممارسة الاختلاف بطريقة مثالية بين ليلة وضحاها. إنها عملية طويلة وتراكمية، تتطلب الوقت والتجربة والمراجعة المستمرة.
ويقع على عاتقنا، كأفراد، ألا ننجرف وراء فضاء التريندات بما يحمله أحيانًا من وهم الإنجاز السريع، ومن نزعات الاستقطاب والتجييش والتخوين. فامتلاك الحق في التعبير لا يعني بالضرورة امتلاك المعرفة الكافية لإبداء الرأي في كل قضية، كما أن المشاركة في النقاش العام لا تُقاس بعدد المواقف التي نعلنها، بل بمدى وعينا بما نعرفه وما لا نعرفه.
ولعل هذه إحدى أهم الدروس التي تعلمتها بعد التحرير: أن الاعتراف بحدود معرفتنا فضيلة، وأن بناء مجال عام صحي يبدأ أحيانًا من القدرة على الاستماع والبحث والتعلم قبل الكلام. وهي دعوة أوجهها إلى نفسي أولًا، ثم إلى أقراني الذين يخوضون، كما أخوض أنا، تجربة تعلم السياسة والمواطنة بعد عقود طويلة من الغياب القسري عنهما.