ترجمة وتحرير: نون بوست
شُحنت ستائر مطرزة بآيات قرآنية، من الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، أقدس البقاع في الإسلام، كما استُقدم بلاط من أحد مساجد أوزبكستان، وصُنعت قبة معدنية ذهبية لتحاكي الطراز المعماري لسوريا القديمة.
أمضى جيفري إبستين سنوات في بناء علاقات في أنحاء الشرق الأوسط، سعياً وراء صفقات تجارية وممارسة هوايتين متداخلتين: اقتناء قطع أثرية إسلامية نادرة لتزيين مبنى غير مألوف في جزيرته الخاصة، وتوسيع شبكة معارفه من الأثرياء وأصحاب النفوذ.
ومن خلال علاقات امتدت إلى البلاط الملكي السعودي، تمكن إبستين من تأمين لقاء مع محمد بن سلمان، الذي يشغل الآن منصب ولي العهد السعودي، كما حصل على ستائر مطرزة فاخرة كانت تزين ذات يوم الأماكن المقدسة داخل الكعبة وتغطي جدرانها hالخارجية.
لقد تجسد شغف إبستين المزدوج في صورة واحدة تعود لعام 2014، يظهر فيها وهو يقف بجانب سلطان أحمد بن سليم، المسؤول الإماراتي البارز، وهما يتأملان إحدى تلك المنسوجات وهي مفروشة على أرضية قصر إبستين في نيويورك. ومثل آخرين في دائرة إبستين، تسببت هذه العلاقة في نهاية المطاف في سقوط بن سليم. ففي مطلع هذا العام، أُجبر على الاستقالة من منصبه كرئيس لشركة موانئ دبي العالمية.
وتكشف الملايين من صفحات السجلات التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية في يناير/ كانون الثاني الماضي عن مزيد من التفاصيل حول الطرق التي اتبعها إبستين، الذي انتحر عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهم الاتجار بالجنس، لتوسيع شبكة علاقاته ومجموعته الفنية في الوقت نفسه.
كما تحل هذه الوثائق لغزاً طالما أحاط بمبنى غريب في جزيرة ليتل سانت جيمس، وهي جزيرة إبستين الخاصة في منطقة الكاريبي، والذي كان بناؤه وتزيينه هاجساً استمر لسنوات بالنسبة للممول الأمريكي.
وقد وُصف المبنى، المتميز بجدرانه المخططة باللونين الأزرق والأبيض وتعلُوه قبة ذهبية، بأوصاف متباينة، تارة كغرفة موسيقى، وتارة كجناح للاستجمام ، أو كنيسة صغيرة، وحتى كمعبد لممارسات غامضة. إلا أن المراسلات بين إبستين ومعاونيه على مدار سنوات طويلة، بالإضافة إلى مقابلة مع فنان تم التعاقد معه للعمل عليه، تسلط الضوء على الغرض الحقيقي المقصود منه.
فبالنسبة لإبستين، وهو يهودي علماني، كان هذا المبنى يمثل “مسجداً”.
تشييد “المسجد”
كان لدى إبستين هوس قديم بالتصاميم الإسلامية، ففي عام 2003، تفاخر لمجلة “فانيتي فير” بأنه يمتلك “أكبر سجادة فارسية قد تراها في منزل خاص على الإطلاق، وهي كبيرة جداً لدرجة أنها لا بد وأن تكون قد جُلبت من مسجد ما”.
وبدأت رؤيته لإنشاء معبد في جزيرته بينما كان يقضي عقوبة في سجن مقاطعة بالم بيتش بولاية فلوريدا، بعد إقراره بالذنب في تهمة التحريض على الدعارة. وقبل إطلاق سراحه في عام 2009، استأجر إبستين مهندسين معماريين لتصميم “حمام”، بنمط الحمام التركي تحيط به “حدائق إسلامية”، وفقاً لمراسلاته.
وسرعان ما تخلى عن تلك الخطة، وسعى بدلاً من ذلك للحصول على تصريح لبناء “غرفة موسيقى” في مبنى أطلق عليه اسم “بالمز 5″، وكان يرسل لنفسه عبر البريد الإلكتروني أفكاراً للتصميم، شملت صوراً لمساجد قديمة في الشرق الأوسط.
وفي عام 2011، كتب إبستين إلى جهة اتصال في أوزبكستان بحثاً عن بلاط أصلي، وقال: “سيكون للجدران الداخلية، مثل المسجد”.
وقد تم التعاقد مع الفنان الروماني أيون نيكولا لتنفيذ المشروع. وفي مقابلة أجريت معه في مارس/ آذار الماضي، أكد نيكولا أن إبستين كان يطلق بانتظام على المبنى اسم “مسجده”. (ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان إبستين ينوي استخدام المبنى كمسجد حقيقي للصلاة أم لا).
وتُظهر سجلات إبستين أنه أرسل في عام 2013 إلى الفنان نيكولا صورة لحمام يلبغا، وهو حمام يعود للقرن الخامس عشر في مدينة حلب السورية، يتميز بقبة ذهبية، وقوس غائر فوق الباب، وبناء حجري مخطط، طالباً منه رسومات تحاكي هذا الطراز.
ومن بين الطلبات الأخرى، طلب إبستين تصميماً يستبدل فيه لفظ الجلالة “الله” بالحروف الأولى من اسمه باللغة الإنجليزية. وكتب في رسالة بريد إلكتروني إلى نيكولا، كانت مليئة بالأخطاء المطبعية والإملائية المعتادة منه، قائلاً: “تذكر أننا رأينا الكتابة العربية باللونين الأبيض والأسود.. فكرتُ في وضع حرفي (جيه) و(إي) بدلاً من كلمة (الله)”.
الدبلوماسي والأمير
وفي غضون عام 2010، توطدت علاقة إبستين بشخص ساعده في تحويل طموحاته بشأن المسجد وأعماله التجارية إلى واقع، وهو الدبلوماسي النرويجي تيري رود-لارسن. وتكشف الملفات أن الرجلين تبادلا الرسائل بشكل متكرر حول صفقات تجارية، فضلاً عن شؤون شخصية ودولية.
وكانت السعودية موضوعاً متكرراً في مراسلاتهما التي استمرت لسنوات، لكن الحديث عن المملكة تكثف في عام 2016، حيث كان محمد بن سلمان، والذي كان حينها ولياً لولي العهد، يخطط لطرح شركة البترول الوطنية “أرامكو” للاكتتاب العام، وكان إبستين يأمل في أن يصبح مستشاره المالي.
وقام رود-لارسن بربط إبستين برأفت الصباغ، وهو مستشار في البلاط الملكي السعودي، ومساعدته عزيزة الأحمدي. ومن خلالهما، شنّ إبستين حملة مكثفة لاستمالة الأمير محمد، حيث التقى بهما في نيويورك وضغط لتقديم عرضه للأمير شخصياً، مشاركاً ما أسماه في إحدى رسائله “أفكاراً راديكالية”، مثل إنشاء عملة جديدة تُسمى “الشريعة” لاستخدامها بين المسلمين.
وسرعان ما بدأت الترتيبات لزيارة المملكة، حيث أرسلت عزيزة الأحمدي إبستين إلى القنصلية السعودية، ووجهته بأن يقول: “إنك أنت، جيفري إبستين، لديك دعوة من صاحب السمو الملكي: الأمير محمد بن سلمان”.
وبعد وصوله إلى المملكة، أرسل إبستين إلى رود-لارسن صورتين بالبريد الإلكتروني وهو يمزح مع الأمير محمد، وقد قام لاحقاً بعرض إحدى هاتين الصورتين في منزله بنيويورك.
مقتنيات من البقاع المقدسة
والتقى إبستين بعزيزة الأحمدي في نيويورك أوائل عام 2017، وفي الوقت نفسه، كان مساعدو الطرفين يتبادلون المراسلات بشأن شحن خيمة من السعودية إلى جزيرته. وقال ممثل عنها إن المزيد من المقتنيات سيتم إرسالها قريباً “من أجل المسجد”. وقد أخبر مساعد إبستين وسيطاً جمركياً قائلاً: “نحن بصدد استلام 3 قطع من الكعبة”.
وتضمنت وثيقة منفصلة صوراً لمنسوجات مطرزة. ووفقاً للوثيقة، فإن إحدى هذه القطع “استُخدمت داخل الكعبة”، وأخرى تُسمى الكسوة، كانت تغطي الجزء الخارجي للكعبة، أما القطعة الثالثة فكانت من نفس المصنع الخاص في مكة المكرمة.
وتحظى الكسوة بأهمية دينية بالغة. ففي كل عام، يتم تصنيع كسوة جديدة للكعبة بتكلفة تقارب 5 ملايين دولار، على يد مئات الحرفيين في مصنع ملكي، مستخدمين نحو 1500 رطل من الحرير الخام و250 رطلاً من خيوط الذهب والفضة.
وبعد إزالة الكسوة، يتم تقسيمها إلى قطع، حيث يمكن التبرع بهذه المنسوجات للمؤسسات أو الأفراد، أو توزيعها لعرضها في مزادات خيرية.
وقد وصفت عزيزة الأحمدي لإبستين في رسالة بريد إلكتروني مدى الأهمية التي تتمتع بها الشحنة المرسلة إليه، قائلة: “إن هذه القطعة السوداء قد لمسها ما لا يقل عن 10 ملايين مسلم من مختلف المذاهب، من سنة وشيعة وغيرهم. إنهم يطوفون حول الكعبة سبعة أشواط، ثم يحاول كل واحد منهم قدر استطاعته لمسها، وقد أودعوا في هذه القطعة دعواتهم وأمانيهم ودموعهم وآمالهم، راجين من الله بعد ذلك أن يتقبل صلواتهم ودعاءهم”.
ولا يزال من غير الواضح كيف حصلت عزيزة الأحمدي على هذه القطع، حيث لم تستجب عزيزة الأحمدي لطلب التعليق، وكذلك الحكومة السعودية، أو الصباغ، أو محامي رود-لارسن.
غيوم سوداء
وفي عام 2017، عاث إعصار ماريا فساداً في جميع أنحاء منطقة البحر الكاريبي، بما في ذلك جزيرة إبستين. وأظهرت إحدى السجلات أن بعض المقتنيات داخل “المسجد” قد دُمّرت أو تضررت.
غير أن الطقس القاسي لم يكن المشكلة الوحيدة التي تؤرق إبستين والأشخاص ممن في محيطه، فقد صعد محمد بن سلمان لولاية العهد ورفض توجيهات إبستين، وهو ما أثار انزعاج الأخير بوضوح. ففي رسالة نصية إلى رود-لارسن، كتب إبستين: “المملكة بحاجة إلى الكثير من المساعدة المكلفة الآن لأنهم لم يتبعوا توجيهات اليهودي”، مشيراً بذلك إلى نفسه على الأرجح.
وبعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول في أكتوبر/ تشرين الأول 2018، كتب إبستين إلى رود-لارسن بشأن المزاعم التي تفيد بأن الأمير محمد هو من أصدر الأمر. (وقد نفى ولي العهد إصدار أمر بقتل خاشقجي، لكنه قبل المسؤولية عن الجريمة التي وقعت تحت قيادته).
فأجابه الدبلوماسي قائلاً: “هناك غيوم سوداء فوق رأسه، ولن تزول”.
بالنسبة لإبستين، سرعان ما تحققت تلك التوقعات، ففي غضون أسابيع، كشف تحقيق أجرته صحيفة “ميامي هيرالد” عن تفاصيل سرية تتعلق باتفاق الإقرار بالذنب الذي أبرمه في عام 2008، مما أدى في نهاية المطاف إلى سقوطه.
وفي مقابل تلك الفترة القصيرة التي قضاها في سجن المقاطعة، كان إبستين قد حصل على وعود بالحصانة من الملاحقة القضائية في تهم أكثر خطورة بكثير.
وفي يوليو/ تموز 2019، أُلقي القبض عليه بناءً على تهم جديدة. وفي الشهر التالي، نقل إبستين ملكية جزيرته إلى صندوق ائتمان خاص. وبعد يومين من ذلك، وُجد ميتاً بعد أن شنق نفسه داخل سجن فيدرالي في مانهاتن.
المصدر: نيويورك تايمز