لم تعد حرب العملة في اليمن تُقاس بانهيار الريال وحده، فقد انتقلت الأزمة مؤخرا من سعر الصرف إلى حركة المال نفسها، فقد ترى سعرًا معلنًا على شاشة الصراف، لكنك لا تجد نقدًا كافيًا، وقد تصل حوالة من الخارج لكن تحويلها إلى ريال يمني يتحول إلى انتظار وخصم ومساومة، وقد يتفق مستورد على شحنة قمح أو وقود، لكنه يتعثر عند السؤال الأهم: من يوفّر الدولار؟ وبأي كلفة؟
ولسنوات، بدا الانقسام النقدي واضحًا: ريال قديم في صنعاء وآخر جديد في عدن، وسعران للدولار داخل بلد واحد، لكن المرحلة الأحدث كشفت أزمة أعمق: ضعف البنوك، نقص السيولة، قيود التحويل، وصعود الصرافين وشبكات الحوالة كقنوات يومية تتحكم فعليًا في حركة المال.
من هنا لا تبدأ القصة عند ورقة الريال فقط، بل عند الطريق الذي تسلكه الأموال: كيف تحوّل الانقسام النقدي إلى دورتين ماليتين؟ كيف تراجع البنك وتقدم الصراف؟ وكيف انتقلت كلفة البحث عن الدولار والتحويل إلى سعر الخبز والوقود قبل وصولهما إلى السوق؟
من ريالين إلى دورتين نقديتين
بدأت الشرارة عندما نقل الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي مقر البنك المركزي من صنعاء إلى عدن في سبتمبر/أيلول 2016، وعزل محافظه. لم يكن القرار إداريًا فقط، فقد فتح الباب أمام سلطتين نقديتين، لكل منهما قراراتها وأوراقها وحدود سيطرتها.
تعمّق الانقسام بعدما بدأ البنك المركزي في عدن ضخ أوراق نقدية جديدة بعد انتقاله إلى المدينة، ثم جاء الحظر الحاسم من سلطات صنعاء في ديسمبر/كانون الأول 2019، عندما منعت تداول تلك الطبعات وفرضت على حامليها استبدالها بأوراق قديمة أو بريال إلكتروني.

هكذا وُلد “ريال عدن” و”ريال صنعاء”، لكل منهما لون وشكل وسعر مختلف حتى تحوّل هذا الاختلاف إلى جزء من الحياة اليومية، فالتاجر الذي يعبر خط التماس بين الشمال والجنوب لا ينقل بضاعة فقط، بل ينتقل بين نظامين لسعر المال وقيمته.
في أسواق صنعاء، ظل الدولار يدور حول نحو 530 ريالًا، بينما تجاوز في مناطق الحكومة 2,900 ريال منتصف 2025، في فجوة لم تعنِ فقط أن السعر مختلف، بل أن الريال نفسه لم يعد يعمل بالطريقة ذاتها في كل مناطق البلاد.
والنتيجة أن المشكلة لم تعد في أن العملة فقدت قيمتها فقط، بل في أن اليمن صار يعيش داخل نظامين نقديين لا يعترف أحدهما بالكامل بالآخر.
وعندما تنقسم الورقة، ينقسم معها مسار المال، فيلجأ الناس إلى الدولار أو الريال السعودي، لأنهما أكثر قابلية للحركة من العملة المحلية نفسها.
حين تراجعت البنوك وصعد الصراف
في الوضع الطبيعي، يمر المال عبر البنك: حسابات، ودائع، سحب، تحويلات، اعتمادات وتمويل تجارة، لكن في اليمن، أضعف الانقسام هذه الوظائف واحدة تلو الأخرى.
فالبنوك التجارية، التي كانت تشكّل قناة التمويل الرئيسية للتجارة والاستيراد قبل الحرب، وجدت نفسها مقيدة: حسابات مجمدة، ودائع قديمة يصعب سحبها، مخاطر امتثال وعقوبات، وانكشاف أمام سلطتين نقديتين متنازعتين.
ومع عودة العقوبات الأمريكية على الحوثيين في 2024، ثم تصعيدها في 2025 إلى تصنيفهم منظمة إرهابية أجنبية، أصبح أي تعامل مالي مع مناطق سيطرتهم أكثر حساسية وكلفة على البنوك والمراسلين الدوليين.
في هذا الفراغ، تقدم الصراف، ولم يعد محل الصرافة مكانًا لتبديل العملة فقط، بل صار قناة للتحويل، ومصدرًا للسيولة، ووسيطًا بين التاجر والدولار.

وتوضح الأرقام حجم التحول، فقد ارتفع عدد شركات الصرافة المرخصة وغير المرخصة من نحو 605 شركات في 2014 إلى أكثر من 1,350 شركة في 2017، بينها نحو 800 شركة غير مرخصة، بحسب تقرير ACAPS (منظمة دولية مستقلة تنتج تحليلات وبيانات للمنظمات الإنسانية والمانحين).
وخارج البنوك، تُحفظ أموال ضخمة تُقدّر بحوالي 3.3 تريليون ريال، ما يعني أن جزءًا واسعًا من الكتلة النقدية صار أقرب إلى محفظة الصراف منه إلى خزائن المصارف.
هنا يظهر الجديد في الأزمة: لم يعد السؤال فقط كم يساوي الدولار، بل هل يوجد نقد أصلًا؟ ففي 2025–2026، ومع إجراءات حكومية مشددة للحد من المضاربة، ظهرت أزمة سيولة في مناطق الحكومة.
وقلصت بعض شركات الصرافة تحويل العملات إلى 100 ريال سعودي أو 50 دولارًا للشخص يوميًا، واضطر مواطنون إلى التنقل بين أكثر من محل للعثور على سيولة.
وبدوره، حاول البنك المركزي في عدن استعادة السيطرة عبر إغلاق 74 شركة صرافة مخالفة، وفرض تعليمات على الوزارات بإغلاق حساباتها في البنوك التجارية والعودة إلى التعامل عبر البنك المركزي.
لكن بدل أن تخفي هذه الخطوات الأزمة، كشفت عمقها، فالسلطة النقدية لم تعد تواجه المضاربة وحدها، بل شبكة مالية يومية بات الناس والتجار يعتمدون عليها.
وتلعب الحوالات دورًا مركزيًا في هذه الشبكة، فمع صعوبة التحويلات الخارجية عبر البنوك، يعتمد كثيرون على قنوات أقل رسمية لنقل الأموال.
ويقدّر مركز النمو الدولي IGC للأبحاث الاقتصادية أن الحوالات الرسمية إلى اليمن تتراوح بين 4 و6 مليارات دولار سنويًا، بينما قد تصل الحوالات غير الرسمية إلى نحو 10 مليارات دولار.
وتساعد هذه الأموال الأسر على البقاء لكنها تمر عبر مسارات يصعب ضبطها، وتمنح الوسطاء قوة إضافية داخل اقتصاد الظل.
فاتورة الاستيراد قبل السوق
تبدأ رحلة الاستيراد في اليمن بالحصول على الدولار، فقبل الحرب كان التاجر يودع الريال في البنك ليحصل على اعتماد مستندي من البنك المركزي، لكن بعد الانقسام النقدي وتجميد الأرصدة لم يعد هذا الخيار متاحًا.
تشير منظمة ACAPS إلى أن نحو 42 % من الائتمان المصرفي قبل الحرب كان يذهب لتمويل الواردات، لكن بعد الانقسام النقدي وتراجع الثقة بالبنوك وتجميد الأرصدة، لم يعد هذا الطريق يعمل بالكفاءة نفسها.
الآن، يعقد المستورد صفقة مع صراف أو وكيل حوالة: يسلّمه نقدًا محليًا في مقابل دولار يحوله شريك الوكيل في السعودية أو الإمارات إلى المورد الأجنبي.

الأرقام توضّح هذه الحلقة، ففي يونيو/حزيران 2025، بلغ متوسط سعر الدولار في مناطق الحكومة 2,628 ريالًا مقابل نحو 534 ريالًا في صنعاء، أي أن كلفة الوصول إلى الدولار تختلف جذريًا بين دورتين نقديتين داخل بلد واحد.
ولا تقف الكلفة عند سعر الصرف، فشبكات الحوالة تفرض عمولات قد تتراوح بين 6 و10 % مقابل تحويل الأموال عبر الحدود، مقارنة بنحو 1 % تقريبًا قبل الحرب.
ثم تأتي كلفة المخاطر: في مارس/آذار 2026، فرضت شركات شحن دولية رسوم “مخاطر” إضافية تصل إلى 3,000 دولار للحاوية الواحدة بسبب التوترات الإقليمية واضطرابات الملاحة.
وتضاف إلى ذلك قرارات محلية تؤثر في كلفة الاستيراد، ففي يناير/كانون الثاني 2023، رفعت الحكومة في عدن سعر صرف الجمارك للسلع غير الأساسية من 500 إلى 750 ريالًا للدولار، ما يعني ضرائب أعلى على جزء من الواردات.
في المقابل، قدمت سلطات صنعاء تسهيلات للتجار، مثل دفع نصف الرسوم الجمركية نقدًا والنصف الآخر بشيكات مؤجلة، لتشجيعهم على استخدام موانئ الحديدة.
بهذه الطريقة، لا تصل السلعة إلى السوق بسعرها الأصلي، وتأتي محمّلة بكلفة الدولار والتحويل والمخاطر والجمارك وتعدد السلطات. لذلك لا يرى المستهلك كل السلسلة، لكنه يدفع نتيجتها.
انعكست هذه التكاليف على الغذاء والوقود، فقد أفادت منظمة ACAPS بأن كلفة لتر البنزين وكيلو الغاز المنزلي في مناطق صنعاء بلغت 1.63 دولار، مقارنة بـ 1.07 دولار في مناطق الحكومة.
وفي مناطق الحكومة، أدى تحسن الريال مؤقتًا في أغسطس/آب 2025 إلى انخفاض نسبي في أسعار السلة الغذائية، لكنها ظلت أعلى بنحو 34% عن السنة السابقة.
فيما أفادت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO بأن تراجع الريال في يونيو/حزيران 2025 أدى إلى ارتفاع أسعار دقيق القمح في بعض الأسواق بنسبة 40%.
وتشرح هذه الأرقام لماذا يمكن أن يرتفع سعر الخبز أو الوقود قبل أن يراه المستهلك على الرف أو في المحطة،فالزيادة لا تبدأ دائمًا عند التاجر الأخير، بل في مرحلة أبكر: عند شراء الدولار، وعند دفع عمولة الحوالة، وعند احتساب مخاطر الشحن، وعند التعامل مع نظامين نقديين وسلطتين ماليتين.
وتظهر النتيجة الاجتماعية في مؤشرات الغذاء، ففي فبراير/شباط 2026، لم تكن 63 % من الأسر اليمنية قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية، بينما كان 18.1 مليون شخص معرضين لانعدام الأمن الغذائي الحاد خلال 2025–2026.
في هذا السياق، يصبح الدولار نفسه سلعة نادرة، ومن يملك طريق الوصول إليه يملك جزءًا من كلفة الخبز والوقود.