لم يكن يتوقع علاء، العامل المصري الأربعيني في الكويت، أن تمتد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى حياته اليومية، لتهدد مستقبله الذي حلم به طويلا، إذ وجد نفسه أمام خيارين قاسيين، إما التخلي عن وظيفته، أو الاستمرار فيها مقابل خفض راتبه. ولم يكن وحده في هذا المأزق، بل شمل القرار أكثر من 150 عاملًا وافدًا من جنسيات آسيوية وعربية مختلفة يعملون في الشركة ذاتها.
لم تتوقف آثار هذه الحرب التي اندلعت منذ أواخر فبراير/شباط الماضي، عند حدودها العسكرية أو السياسية أو حتى الاقتصادية، ولم تقتصر على أطرافها المباشرين، بل امتدت في دول الخليج، إلى نحو 35 مليون عامل وافد وجدوا أنفسهم فجأة في قلب أزمة لم يختاروها، لكنها فرضت نفسها على حياتهم واستقرارهم.
تتفاقم المعاناة يومًا بعد يوم، ويزداد القلق من فقدان الوظيفة التي تمثل بالنسبة للكثيرين مصدر الأمان لأسرهم في بلدانهم الأصلية، وبين ضغوط القبول بتخفيض الرواتب أو المغادرة القسرية، يقف هؤلاء العمال أمام خيارات صعبة، لا يبدو أيٌّ منها مُرضيًا ولا مقبولا. حسابات معقدة تضع العمالة الوافدة أمام واقع غير مسبوق من التحديات، وتفتح الباب لتساؤلات واسعة حول مستقبل ملايين الأسر الأجانب في الخليج التي تعتمد على هذه الوظائف لتيسير شؤون حياتها.
3.5 مليون وظيفة مهددة
يرسم التقرير الصادر عن “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” الذي يحمل عنوان “التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية” صورة مقلقة لتداعيات الحرب، متوقعًا أن تُحدث صدمة قوية في سوق العمل بدول الخليج، فبحسب التقديرات، قد يفقد نحو 3.5 مليون شخص وظائفهم، مع ارتفاع معدلات البطالة بما يقارب 4%، ودخول ما يقرب من 4 ملايين إضافيين إلى دائرة الفقر.
ولا تقف الخسائر عند حدود سوق العمل، إذ يشير التقرير إلى أن اقتصادات الدول العربية قد تتكبد ما بين 120 و194 مليار دولار، تتحمل دول الخليج النصيب الأكبر منها بخسائر تتراوح بين 103 و168 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي. ويحذر من أن التداعيات لن تبقى اقتصادية فقط، بل ستمتد بعمق إلى الجوانب الاجتماعية ومستويات المعيشة.
وتكشف التقديرات عن نزيف اقتصادي مستمر، حيث تتراوح خسائر الخليج الشهرية بين 75 و80 مليار دولار، نتيجة الضربات التي تطال قطاعات حيوية مثل النفط والغاز والسياحة والطيران. كما يُتوقع أن ترتفع معدلات البطالة في دول الخليج بنسب تتراوح بين 3.6% و9.4%.
وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، يقف نحو 35 مليون وافد أجنبي في دول الخليج، يشكلون أكثر من 40% من إجمالي السكان، وترتفع هذه النسبة بشكل لافت في بعض الدول، مثل الإمارات حيث تصل إلى 74%، وقطر إلى 76.7%، ما يجعلهم الأكثر تأثرًا بأي اضطرابات اقتصادية أو اجتماعية تضرب المنطقة.
بين الترحيل وخفض الأجور.. الحرب تقلق الوافدين
في الأيام الأولى لاندلاع الحرب، لم يتجاوز رد فعل الوافدين في الخليج حدود القلق المعتاد بشأن احتمال إغلاق المطارات أو تأجيل خطط السفر إلى أوطانهم، لكن مع استمرار الصراع واتساع تداعياته الاقتصادية على دول المنطقة، تحوّل هذا القلق تدريجيًا إلى حالة من الخوف العميق على المستقبل الوظيفي والاستقرار المعيشي.
يقول أحمد عطية (40 عامًا)، وهو مهندس مصري يعمل في السعودية، إن بوادر التأثر بدأت تتضح قبل نحو أسبوعين، عندما أبلغتهم إدارة الشركة بتوقف بعض المشروعات مؤقتًا ترقبًا لما ستؤول إليه الأوضاع، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تقرر الاكتفاء بصرف الراتب الأساسي فقط، وهو ما يمثل نصف أو أقل من إجمالي الدخل الذي كان يتقاضاه شهريًا.
ويضيف عطية، في حديثه لـ”نون بوست”، أن هذا الإجراء لم يكن استثناءً، بل امتد إلى عشرات الشركات، خاصة في مناطق مثل نيوم والمنطقة الشرقية، مؤكدًا أن حالة من القلق باتت تسيطر على العمالة الوافدة هناك، ما دفع بعضهم لاتخاذ قرارات صعبة، من بينها إعادة أسرهم إلى بلدانهم الأصلية، مثل مصر والهند، تحسبًا لأي تطورات أكثر قسوة.
ولا يختلف الوضع كثيرًا لدى نور، المبرمج الهندي الذي يعمل في شركة بالكويت، إذ يوضح أن إدارة شركته سارعت بعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب إلى خفض الرواتب بشكل ملحوظ، خصوصًا مع التحول إلى العمل عن بُعد.
ويشير المبرمج الهندي في حديثه لـ “نون بوست” إلى أن هذا القرار زاد من معاناة الموظفين، من كافة الجنسيات، بما فيهم الكويتيين أنفسهم، في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، من إيجارات وسلع أساسية، والتي شهدت قفزات واضحة في مختلف دول الخليج منذ بداية الأزمة.
وفي السياق ذاته، أفاد عدد من العمالة الوافدة في أحاديث متطابقة لـ”نون بوست” بأن الرسالة التي تلقوها من إدارات شركاتهم كانت واضحة ومباشرة، إما القبول بإجراءات التقشف، بما تشمل من خفض للرواتب والحوافز، أو مواجهة خيار المغادرة، وبين هذا وذاك، وجد كثيرون أنفسهم مضطرين للقبول بالأمر الواقع، رغم تصاعد القلق من استمرار الحرب وما قد تجرّه من تداعيات قد تدفعهم في النهاية إلى الرحيل دون بدائل حقيقية.
تراجع تحويلات الوافدين
يرى خبراء اقتصاديون أن التباطؤ الذي فرضته الحرب على معدلات النمو في اقتصادات الخليج، إلى جانب الخسائر التي تكبدتها قطاعات رئيسية وما صاحبها من إجراءات تقشفية، سينعكس بصورة مباشرة على مستويات دخول وأجور العمالة الوافدة، وبناءً عليه، يُتوقع أن تتأثر تحويلاتهم المالية إلى الخارج، مرجّحين تسجيلها تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة المقبلة.
وتُقدَّر تحويلات العاملين الوافدين في دول الخليج بأكثر من 130 مليار دولار سنويًا، تتصدرها السعودية بنحو 44.1 مليار دولار، تليها الإمارات بـ38.5 مليار دولار، ثم الكويت بحوالي 8.28 مليار دولار، وفي المقابل، تتصدر الهند قائمة الدول المستقبلة لهذه التحويلات، حيث بلغت تحويلات العاملين الهنود في الخارج قرابة 125 مليار دولار في عام 2023، وفق تقديرات البنك الدولي.
وتكتسب هذه التحويلات أهمية بالغة، إذ تمثل مصدر الدخل الرئيسي وأحيانًا الوحيد لعشرات الملايين من الأسر في الدول المصدّرة للعمالة، ومن ثم، فإن أي تراجع فيها ستكون له تداعيات مباشرة على مستويات المعيشة، وقد يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على هذه الأسر.
في المحصلة، ورغم التداعيات السلبية التي طالت العمالة الوافدة في دول الخليج، فإن الأثر الراهن يظل نسبيًا وقابلًا للاحتواء في حال تحسن الأوضاع واحتواء التصعيد الإقليمي، غير أن استمرار الحرب واتساع نطاقها من شأنه أن يفاقم الضغوط بصورة ملموسة، بما قد يدفع إلى موجة أعمق من فقدان الوظائف وتآكل الدخول، وهو ما يضع ملايين العمال ومن خلفهم أسرهم أمام مخاطر اقتصادية حقيقية.
ولا تتوقف التداعيات عند حدود العمالة الوافدة، بل تمتد إلى اقتصادات الدول المصدّرة للعمالة، التي تعتمد بشكل كبير على تحويلاتهم كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي، فضلًا عن دورها في تخفيف الضغوط على أسواق العمل المحلية، وعليه، فإن أي تراجع حاد ومطوّل في هذه التحويلات قد ينعكس سلبًا على الاستقرار المالي ومستويات المعيشة في تلك الدول، بما يضيف بُعدًا إقليميًا أوسع لتكلفة الصراع.
