فرض التغيير الذي شهدته سوريا في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تاريخ الإطاحة بحكم بشار الأسد وطيّ صفحة حزب البعث، تحولات جذرية في طريقة تعاطي الدول مع سوريا وإدارتها الجديدة، التي كانت سبّاقة بدورها إلى طمأنة الدول، وإعادة تقديم البلاد، ورسم العلاقات بانفتاح غير مسبوق، والسعي إلى شراكات تحترم سيادة سوريا واستقلال قرارها، وفق تعبير الرئيس أحمد الشرع.
التغيير في سوريا، داخليًا وخارجيًا، فرض نفسه على الملفات التي كانت تعمل عليها المؤسسات والمنظمات السورية في الولايات المتحدة، “اللوبي السوري”، وأعاد صياغة طبيعة القضايا المطروحة داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، التي اتخذت بدورها خطوات بطيئة تجاه الحكم الجديد، وصولًا إلى انفتاح تدريجي، ورفعٍ للعقوبات، وإعلان دعمٍ في عدة قضايا.
ضمن سلسلة التقارير التي نشرناها في ملف “اللوبي السوري في أمريكا”، تبيّن أن اللوبي عمل منذ انطلاق الثورة عام 2011، حين بدأ ينشط تدريجيًا عبر عدة مؤسسات، على حزمة ملفات تدرّجت مع تطورات المشهد السوري، في مقدّمتها المساعدات الإنسانية والطبية، ودعم برامج الإغاثة، والدفع باتجاه حماية المدنيين وتوثيق الانتهاكات وتنظيم جلسات استماع لشهود وناجين داخل الكونغرس.
كما برز ملف العقوبات كأحد أهم محاور العمل، من خلال الضغط لتشديد الإجراءات على نظام الأسد، وصولًا إلى تمرير قوانين وتشريعات مثل “قانون قيصر”، والدفع نحو محاسبة النظام السابق على الانتهاكات عبر الأطر القانونية الدولية، ومنع أي مسارات للتطبيع معه.
يركّز هذا التقرير على الملفات التي يعمل عليها اللوبي السوري داخل الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الأسد، وكيف أعادت التحولات في المشهد السوري تشكيل أولوياته في واشنطن، فلم تعد المقاربة محصورة بملفات النزاع والعقوبات، واتجهت نحو عناوين مرتبطة بترتيبات المرحلة الجديدة في سوريا واستحقاقاتها.
الداخل السوري في صلب الأولويات
يؤكد فاروق بلال، رئيس المجلس السوري الأمريكي (SAC)، أقدم منظمات النشاط السياسي السوري في الولايات المتحدة، أن سقوط نظام الأسد شكّل نقطة تحول مهمة بالنسبة لسوريا، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على طبيعة العمل السياسي في واشنطن.
ويقول بلال لـ”نون بوست” إن من أبرز أولويات المجلس في عام 2025 كان العمل على رفع العقوبات التي فُرضت على مدى عقود نتيجة سياسات نظام الأسد. ومع تخفيف أو رفع العديد من هذه القيود، بدأ تركيز العمل يتجه نحو دعم تعافي سوريا واستقرارها على المدى الطويل.

ويشير إلى أن المجلس افتتح في يوليو/تموز 2025 مكتبًا له في سوريا، بهدف تعزيز التعاون مع منظمات المجتمع المدني السورية والتواصل المباشر مع السوريين داخل البلاد. ومن خلال وجوده في كل من واشنطن وسوريا، يسعى المجلس إلى تعزيز الصلة بين السوريين في المهجر والسوريين في الداخل، بحيث يؤدي دور جسر يربط بين الجانبين.
وبالنسبة لعام 2026، عمل المجلس مع أعضائه وداعميه على تحديد أولويات جديدة، من بينها تمكين الجالية السورية الأمريكية وتعزيز دورها في دعم إعادة إعمار سوريا وتعافيها. كما يواصل المجلس العمل في واشنطن للدعوة إلى استمرار دعم الولايات المتحدة للشعب السوري داخل البلاد، وفق بلال.
ويضيف أن هذه الجهود تشمل دعم مسارات المساءلة والعدالة الانتقالية، وتشجيع العودة الطوعية والآمنة للاجئين، وضمان استمرار المساعدات الإنسانية من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة.
وإلى جانب العمل السياسي في واشنطن، يقول الطبيب هيثم البزم، رئيس منظمة “العدالة العالمية” (Global Justice)، إن عمل “اللوبي” ينبغي أن يركّز على الداخل السوري، معتبرًا أن “المعركة الحقيقية” تتمثل في النهوض بالاقتصاد وتنميته، وجذب الاستثمارات، والمضي في مسار إعادة الإعمار.
ويقول البزم لـ”نون بوست” إن تنمية قطاع التعليم في سوريا أمر أساسي وملحّ، إذ لا يزال أكثر من 2.4 مليون طفل خارج المدارس، فيما يواجه أكثر من مليون طفل خطر التسرّب من العملية التعليمية.
وفي حديثه لـ”نون بوست”، يقول معاذ مصطفى، المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ (SETF)، إن أبرز الملفات المهمة والضرورية التي تعمل عليها المنظمة في مرحلة ما بعد الأسد تتمثل في:
- إدخال الشركات الأمريكية أو القادمة من دول ديمقراطية إلى سوريا، ومنع دخول الشركات الروسية أو الصينية أو التابعة لدول غير ديمقراطية، خشية الفساد وثقافة الديكتاتورية وما وصفه بـ”الاحتلال الاقتصادي” من الصين.
- رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في الولايات المتحدة.
- تحسين التغطية الإعلامية في الإعلام الأمريكي والعمل على تصحيح صورة سوريا داخل الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن المنظمة السورية للطوارئ هي الوحيدة التي تولي أهمية وتعمل على هذا الأمر.
- محاكمة مجرمي الحرب، مشيرًا إلى أن المنظمة أنجزت حتى الآن نحو 10 تحقيقات ومحاكمات مدنية وجنائية.
- تنظيم تبادل الوفود بين سوريا والولايات المتحدة لما لذلك من أهمية على عدة مستويات.
- دعم سوريا سياسيًا في الولايات المتحدة.
- تعزيز الربط بين الجامعات والكليات والمدارس الأمريكية ونظيراتها السورية.
- مواصلة العمل الإنساني عبر مدرسة للأطفال وثانوية ومركز للنساء في مخيم للمهجرين داخل سوريا.
- إزالة الألغام في سوريا.
هندسة الحضور والتأثير في واشنطن
كانت مجريات الثورة السورية شاهدة على تباين تعاطي واشنطن مع الملف السوري، إذ مرّ بمراحل من الضغط على نظام بشار الأسد، تلتها فترات من الفتور والتراجع، وصولًا إلى محاولات لإعادة تعويمه سياسيًا في بعض المحطات، في ظل أدوات تأثير تمثلت بمنظومة العقوبات، والحضور العسكري في شرق سوريا عبر قواعدها هناك (انسحبت منها لاحقًا)، إضافة إلى علاقاتها مع كل من “إسرائيل” وتركيا، وسعيها إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل سوريا.
وفي مرحلة ما بعد الأسد، بدأ انفتاح تدريجي في العلاقات، اتسم بحذر أمريكي واضح، حيث تبنّت واشنطن مقاربة مشروطة شملت تفكيك ما تبقى من الأسلحة الكيماوية، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب، والحدّ من نفوذ إيران ووكلائها، وضمان أمن الأقليات الدينية والعرقية وصون حرياتها. في المقابل، أبدت الإدارة السورية الجديدة مرونة، مع سعي نحو تصفير المشكلات وتهيئة بيئة أكثر قابلية لإعادة بناء العلاقات.

وكانت بصمة واشنطن حاضرة في عدة ملفات، أبرزها رعاية مفاوضات “متعثرة” بين سوريا و”إسرائيل”، والدفع نحو دمج “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية، إضافة إلى العمل على إدماج سوريا في ترتيبات اقتصادية إقليمية بوصفها نقطة ربط، بما يشمل مشاريع في قطاع الطاقة.
هذا الانفتاح لا يستند إلى أرضية صلبة، ولا يزال يتسم بالهشاشة في ظل عالم سياسي متغير المصالح، فضلًا عن وجود شخصيات أمريكية تبدي تحفظًا على الحكم الجديد في سوريا، إلى جانب بروز كيانات سورية في واشنطن، تروّج لخطاب “حماية الأقليات” وسعت للإبقاء على العقوبات المفروضة على سوريا بعد الإطاحة بالأسد.
يقول المهندس محمد الزعبي، عضو مجلس إدارة منظمة “مواطنون لأجل أمريكا آمنة”، إن تغيير السياسة الأمريكية تجاه سوريا يحتاج إلى وقت طويل، مؤكدًا أن “اللوبي” لا يزال في بداية طريق العمل السياسي المنظم.
ويضيف الزعبي لـ”نون بوست” أن هذا المسار قد يتطلب سنوات، غير أن الإيجابية الأساسية تتمثل في انطلاقه فعليًا، وبدء تشكّل وعي داخل الجالية السورية النخبوية في الولايات المتحدة بأهمية العمل السياسي المنظم القائم على أهداف واضحة.
وعن أبرز الملفات التي يجب أن تكون أولوية لـ”اللوبي السوري” في مرحلة ما بعد الأسد، يقول ياسر تبارة، رئيس التطوير الاستراتيجي في المنتدى السوري، إنها تنقسم إلى ملفين، أحدهما استراتيجي والآخر على المدى القصير.
ويوضح تبارة في حديثه لـ”نون بوست” أن الملف الاستراتيجي له علاقة ببناء قدرة عمل المناصرة السياسة بشكل ممنهج يستعد لأي تغيير على مستوى الظروف السياسية للإدارة الأمريكية والتي يمكن أن تبدأ خلال أقل من عام، وذلك بسبب انتخابات الكونغرس النصفية.
ويشير إلى ضرورة التركيز على بناء قدرة حقيقية تستند إلى قدرات مالية جدّية أكثر بكثير مما عليه مؤسسات “اللوبي” الآن، وتوظيف عدد أكبر بكثير من المختصين في واشنطن ليتمكنوا من مناصرة سردية السوريين الأمريكان، ووضعها بقوة على أجندة السياسيين في العاصمة وذلك قدوة بقوى ضغط عديدة في أمريكا.
ويرى تبارة أن هذا الملف تصبح أهميته وجودية عندما تحصل الانتخابات الرئاسية الأمريكية بعد أقل من ثلاثة أعوام من الآن، وعندها يجب أن يتم التحضير لاحتمال مجيء إدارة تختلف جذريًا عن رؤية الرئيس ترامب فيما يتعلق بالملف السوري والمنطقة إجمالًا.
أما الملف الثاني، فيتمثل في تحييد الجهود المبذولة من البعض للإساءة إلى أي تقدم يُحرَز على ملف إنهاء الإجراءات التنفيذية اللازمة لإنهاء كل أشكال العقوبات على سوريا، وفق تبارة.
