• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

نهاية أسطورة الاستثناء الخليجي والحماية الأمريكية

هند الأنصاري١٠ مايو ٢٠٢٦

صورة تُظهر أفق دبي بينما يتصاعد دخان من حريق قرب مطار المدينة الدولي، وسط هجمات إيرانية عبر الخليج، في 16 مارس/ آذار 2026.

ترجمة وتحرير: نون بوست

نشأتُ في الدوحة، قطر، خلال التسعينيات والألفية الجديدة وأتذكر كيف كان وجود القوات الأمريكية في الأماكن العامة يخل بإيقاع الحياة العادية. ورغم التنوع في هذه البلاد وسهولة اندماج الناس بشتى اختلافاته، إلا أن الجنود الأمريكيين لم يتمكنوا أبدًا من ذلك. لقد كان من الصعب تجاهل وجودهم. كنت أراهم في مراكز التسوق والسوبرماركت بقمصانهم المجعدة داخل بناطيل الجينز التي كانت تصل حتى الخصر، وأتذكر الوشوم على أذرعهم، وقبعات البيسبول مع نظارات “أوكلي”الشمسية فوقها.

لم أكن أدرك تمامًا ما كنت أراه في ذلك الوقت، ولا أتذكر متى عرفت لأول مرة عن القواعد العسكرية الأمريكية أو وظيفتها. لكن حتى وأنا طفلة، بدا وجود هؤلاء الجنود مختلفًا بل أقرب إلى المسرحية. كانوا يتحركون في الأماكن العامة بسهولة تكاد تلامس الاستحقاق. مرّت سنوات قبل أن أفهم أن ما كنت ألاحظه لم يكن عرضياً، بل جزء من نظام معتقدات أوسع نطاقًا حول الحماية والاستقرار في الخليج.

قبل انطلاق عملية “الغضب الملحمي”، كان يُنظر إلى الاستثناء الخليجي على أنه ضمان حصانة هذه المنطقة ضد كوارث الحروب والانقسامات الداخلية التي عانت منها الدول المجاورة. ولم يرجع ذلك فقط إلى صلابة الأنظمة السياسية والاجتماعية الداخلية في الخليج، بل وربما بشكل أكثر أهمية إلى تحالفاتها الاستراتيجية واستثماراتها وترتيباتها الأمنية مع القوى الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة.

ورغم تقلبات البيئة الجيوسياسية، لطالما افتخرت دول مجلس التعاون الخليجي بأمنها واستقرارها، واستثمرت هذه الصورة كجزء من صورتها العالمية، خاصة في الغرب. وقد عزز وجود القواعد الأمريكية في أنحاء الخليج الشعور بالحماية المضمونة، كما رسّخ التوقّع بأن الخصوم سيفكّرون مليًا قبل شن أي هجوم. اليوم، تم تقويض هذه التصورات بشكل جذري ودائم حيث وجدت الدول الخليجية نفسها محصورة في دور الضحية الجانبية في حرب كانت تأمل أن تبقيها تحالفاتها بعيدة عنها.

صمت صارخ

يصعب على الكثيرين في الخليج تقبل هذه الحقيقة المرة – وهي أنه لن يأتي أحدٌ من الساسة الأمريكيين أو الغربيين لإنقاذ الموقف. فقد كان هؤلاء السياسيون أنفسهم يتمتعون في السابق بكرم ضيافة لا مثيل له خلال زياراتهم للمنطقة، وقد أمضت دول مجلس التعاون الخليجي سنوات عديدة في الضغط على الشخصيات الأكثر نفوذًا في واشنطن.

يأتي هذا الصمت الغربي الصارخ بينما تواصل دول المجلس دفع أكبر الأثمان في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. لكن بالنسبة لمن شككوا دومًا في هذه التحالفات المزعومة، فإن هذه اللحظة تؤكد حقيقة أساسية: القرب من القوة لم يكن يومًا ضمانًا بالحماية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك تعامل دول مجلس التعاون الخليجي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا يخجل من كونه سياسيًا تجاريًا يركز على الصفقات. فقد حظي باستقبال مبالغ فيه خلال زيارته للمنطقة العام الماضي. لكن سرعان ما أشارت وسائل الإعلام الأمريكية إلى التفكير الاستراتيجي الكامن وراء هذه الاحتفالات الباذخة، التي أبرزت مدى استعداد قادة دول الخليج للتودد إلى إدارة ترامب.

لكن حدود هذه العلاقة المصطنعة أصبحت مستحيلة التجاهل في 28 فبراير/ شباط، عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، وجرّت دول المجلس وسكانها إلى خنادق حرب لم يوافقوا عليها قط. وقد أعربت حكومات الخليج عن إحباطها من فشل واشنطن في تقديم تحذير في الوقت المناسب قبل الحرب، وهو الوقت الذي كان من الممكن أن يسمح لها بالتحضير لتدابير دفاعية جنبًا إلى جنب مع شركائها الأمريكيين.

مع تصاعد الحرب، بدأ الموظفون الأمريكيون والدبلوماسيون في إجلاء المنطقة، تاركين دول الخليج مكشوفة أمام وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وفي الوقت الذي كانت ثمار الشراكة مطلوبة أكثر من أي وقت، لم تُعامل دول المجلس التعاون الخليجي للولايات المتحدة كحلفاء يستحقون الحماية، بل كمساحات يمكن التضحية بها في مسرح الحرب. لقد كشفت الأزمة عن الطبيعة غير المتكافئة لهذا التحالف، حيث يستغل أحد الطرفين الشراكة لتعزيز طموحاته الإقليمية وهيمنته، بينما يدفع الطرف الآخر ثمنًا فادحًا.

المنطق اللاإنساني

في الوقت الذي تعيد فيه حكومات دول مجلس التعاون الخليجي تقييم إجراءاتها الأمنية استعدادًا لما بعد الحرب، أصبح عدد متزايد من الشخصيات العامة في الخليج أكثر صراحة في انتقاد المنطق اللاإنساني الذي تقوم عليه الحسابات الأمريكية الإسرائيلية.

عبّر الأكاديمي القطري نايف بن نهار عن هذا الإحباط في منشور على “إكس”، انتقد فيه ترك ترامب دول الخليج “تواجه مصيرها وحدها” في مواجهة صواريخ إيران. وأضاف أن مجتمعات الخليج، في نظر ترامب، “لا تساوي سوى برميل واحد من النفط الخام”.

هذه الانتقادات ليست كشفًا جديدًا بل هي انعكاس لمشكلة هيكلية أعمق في المنطقة. فقد أدى تهميش مجتمعات الخليج داخل شبكات السياسات والمؤسسات العامة والخطاب الأكاديمي إلى تحويل المنطقة إلى مجرد فضاء جغرافي استراتيجي، بدلًا من كونها فضاءً اجتماعيًا تسكنه مجتمعات متنوعة. وفي هذا السياق، يتم تسطيح التجارب الحياتية للناس وتطغى عليها هواجس الانشغال بالموارد الطبيعية والبترودولار والتموقع الاستراتيجي.

لطالما اعترف صانعو السياسات في الخليج بهذه المشكلة واستثمروا بكثافة في مبادرات القوة الناعمة – خصوصاً في الغرب، وكذلك عالميًا –  لإعادة تقديم أنفسهم بشروطهم الخاصة، على أمل تحدي الصور النمطية الجاهلة عن ثراء النفط وحياة الصحراء والإرهاب التي روّجتها هوليوود.

من خلال إضفاء الطابع الإنساني على مجتمعات الخليج، هدفت هذه المشاريع إلى إبراز الديناميكية الثقافية التي تشكّل حياة الملايين في المنطقة. لكننا اليوم نشهد حدود هذه الاستراتيجيات. على الرغم من أن حجم المعاناة الإنسانية في الخليج لا يقارن بما يحدث في إيران، فإن الحزن الجماعي في المنطقة لا يزال مهمًا – لكنه لن يستدعي أي أعمال تضامن ملموسة. ومن غير المرجح أن نرى علم دولة من دول مجلس التعاون الخليجي في مظاهرات مناهضة للحرب، ولا أي مناشدات لحمايتها في الكونغرس الأمريكي. بدلاً من ذلك، تحوّلت هذه الدول إلى موضوع للتعليق السياسي والنقد.

نقطة تحوّل

أعرب العديد من اليساريين على مواقع التواصل الاجتماعي عن فرحتهم أثناء مشاهدة لقطات للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية وهي تقصف ما يعتبرونه “دول تابعة” للولايات المتحدة. بل إن بعضهم لم يصوروا استهداف البنية التحتية للنفط والغاز على أنه مأساة، بل على أنه تذكير بأن قادة دول الخليج كان بإمكانهم استخدام مواردهم الطبيعية كسلاح لوقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة.

أما النقد من اليمين فكان مختلفًا، إذ رددوا خطاب السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام المتشدد منددين بموقف دول المجلس الدفاعي فقط، ومطالبين بشراكة هجومية نشطة، وهو ما لا ترغب دول الخليج في تقديمه.

في النهاية، كشفت أحداث ما بعد 28 فبراير/ شباط أن الاستثناء الخليجي كان دوما وهمًا هشًا. لسنوات، راهنت المنطقة على فكرة أنه إذا استثمرت بما يكفي في العواصم الغربية وبنت جسور قوة ناعمة، فستُعتبر حليفًا لا غنى عنه. لكن مع سقوط الصواريخ، انهار شعور الحماية المضمونة.

والحقيقة القاسية أن العالم لطالما كان سعيداً بقبول ضيافة الخليج ونفطه، لكن هذا الشعور لم يمتدّ أبدًا للإحساس بإنسانية شعوب المنطقة. يجب أن تكون هذه اللحظة نقطة تحوّل، جرس إنذار بأن الأمن الحقيقي لا يُشترى بالضغط أو القرب من القوة الأمريكية وإنما يجب على دول المجلس في المستقبل أن تنظر إلى الداخل، وإلى المنطقة، لإيجاد نوع مختلف من الاستقرار؛ استقرار لا يعتمد على كونها مجرد فضاء استراتيجي للآخرين.

لقد انتهت أسطورة الحماية من الخارج، وتتمثل المهمة الحقيقية الآن في بناء مستقبل لا تُعامل فيه مجتمعاتنا كخلفيات يمكن التضحية بها في حروب الآخرين.

المصدر: ميدل إيست آي

علاماتالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الخلافات السعودية الإماراتية ، السياسة الأمريكية ، السياسة الخليجية ، العلاقات الأمريكية الخليجية
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

البحر الأسود: مسرح العالم العائم ومركز تجاذباته

سجود عوايص١٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

ما أبعاد حلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية في سوريا؟

حسن إبراهيم١٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

“الربط الكهربائي البحري العظيم”.. 10 أسئلة تشرح مشروع قبرص العالق

نون إنسايت١٠ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑