تقف المناهج الدراسية الفلسطينية اليوم في قلب تحولات سياسية وضغوطات متواصلة تؤثر على طريقة تقديم النكبة والتاريخ والجغرافيا الفلسطينية للأجيال الجديدة، في ظل واقع يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي حضوره ليس فقط على الأرض، بل أيضًا داخل المجال التعليمي والمعرفي.
ومع تغيّر الخطاب السياسي وتراجع حضور بعض المفاهيم والتفاصيل المرتبطة بالقرى الفلسطينية والذاكرة التاريخية، يتشكل وعي الجيل الجديد وسط واقع معقد تتداخل فيه الرواية والتعليم والسياسة، بينما تبقى النكبة حاضرة كقضية مستمرة لا كحدث من الماضي.
في هذا الحوار الخاص لـ”نون بوست”، حاورنا الدكتور خلدون بشارة، الأستاذ المساعد في دائرة العلوم الاجتماعية والسلوكية بجامعة بيرزيت، حول أثر التحولات السياسية والضغوط المتواصلة على المناهج الفلسطينية، وكيف ينعكس تغييب التاريخ الفلسطيني والقرى المهجّرة من العملية التعليمية على وعي الأجيال الجديدة، وفهمها للنكبة باعتبارها واقعًا مستمرًا لا مجرد ذاكرة بعيدة.
هل يمكن القول إننا نعيش اليوم حالة صراع روايات حول النكبة، بين ما يُدرَّس في المدارس وما يُحفَظ في الذاكرة الشعبية؟
نعم، يمكن القول إن القضية الفلسطينية، في جانب كبير منها، هي صراع روايات، وهذا ينعكس بوضوح في الطريقة التي تُقدَّم بها النكبة داخل المناهج الرسمية، مقارنة بما تحفظه الذاكرة الشعبية الفلسطينية.
أنا أنتمي إلى الجيل القديم، وقد درسنا في كتب تاريخ وجغرافيا كانت تحمل عنوان “الإدارة المدنية – يهودا والسامرة”. في ذلك الوقت، خلال السبعينيات والثمانينيات، لم يكن متاحًا لنا أن نتعرّف رسميًا إلى النكبة أو إلى أدبياتها كما هو الحال اليوم. ومع ذلك، عرفنا عن النكبة أكثر مما قد يعرفه بعض أبناء الجيل الحالي، رغم وجودها الآن في المناهج والمساقات الفلسطينية.
لكننا استطعنا، عبر الذاكرة الشعبية والروايات التي نقلها الآباء والأمهات والأساتذة، أن نصل إلى رواية مختلفة عمّا كان يُقدَّم في المناهج الرسمية. فالمعلمون، على سبيل المثال، لم يكونوا يمرّون على كلمات مثل “فلسطين” أو “العالم العربي” أو “إسرائيل” دون أن يلفتوا انتباهنا إلى أن ما نقرأه هو الرواية الرسمية، بينما الرواية الحقيقية، كما كانوا يقولون، موجودة في الشارع، وفي ذاكرة الناس، وفي روايات العائلات الفلسطينية.
ولهذا، فإن هذا الصراع على الرواية ما زال مستمرًا، بل يتجلّى اليوم بصورة أوضح في ظل قوة المشروع الصهيوني والدعم العالمي الذي يحظى به، وهو ما يتيح ممارسة ضغوط على السلطة الفلسطينية وعلى الفلسطينيين عموماً، بهدف إزالة أو تغييب كثير من النصوص التاريخية والجغرافية المهمة من المناهج التعليمية. وهنا يصبح العبء الأكبر على الوعي المجتمعي والتعليم الشعبي في الحفاظ على الرواية الفلسطينية، وصون حضورها في الوعي والذاكرة.
وهناك نقطة أساسية يجب الانتباه إليها: حتى عندما تتناول المناهج الرسمية النكبة بشكل واضح، فهذا وحده لا يكفي. فالنكبة أكبر من أن تُختزل في مساقات أو عبارات داخل كتب التاريخ والجغرافيا، لأنها ليست حدثًا انتهى في الماضي، بل واقع مستمر يعيشه الفلسطيني يومياً.
فنحن ما زلنا نعيش تحت الاحتلال، وما زال الاستعمار الاستيطاني يتغوّل على الأرض والإنسان الفلسطيني، وما زالت الحقوق الفلسطينية الأساسية مسلوبة. فحق تقرير المصير ما يزال غائبًا، وحق العودة لم يتحقق بعد، كما أن الفلسطيني ما يزال يعيش آثار التهجير والاقتلاع حتى اليوم. لذلك، يبقى من الضروري الاستمرار في التأكيد على أن النكبة لم تنتهِ، وأنها ما تزال مستمرة بأشكال مختلفة، وأن هناك مسؤولية دائمة في مواجهة هذا الواقع والعمل على تصحيح الظلم التاريخي الذي وقع على الشعب الفلسطيني.
كيف يؤثر اختلاف الرواية بين المنهاج الدراسي والذاكرة الشعبية والخطاب العام على فهم الجيل الجديد للنكبة؟
يمكن القول إن الجيل الجديد يعيش حالة مزدوجة، من جهة هو محظوظ، ومن جهة أخرى مثقل بتحديات كبيرة. هو محظوظ لأن الرواية لم تعد محصورة في مصدر واحد كما كان في السابق، بل أصبحت متاحة عبر فضاءات متعددة: الذاكرة العائلية، الإعلام، وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية المختلفة. هذا التعدد جعل الوصول إلى المعلومة أسهل بكثير، وأصبح من الصعب إخفاء ما جرى في النكبة عام 1948 أو ما تلاها في 1967 أو حتى ما يجري اليوم. فثورة المعلومات والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية جعلت المعرفة متاحة بشكل واسع، وهذا بحد ذاته عامل قوة لهذا الجيل.
لكن في المقابل، هناك جانب آخر أكثر تعقيداً، يمكن وصفه بأنه عبء معرفي أو ثقل نفسي وسياسي. يمكن القول إن هذا الجيل”منحوس” أيضاً، لأنه وُلد في ظروف يعرف فيها الكثير، لكنه لا يملك دائمًا القدرة على الفعل أو التغيير بما يتناسب مع هذا الوعي. بمعنى آخر، هو جيل يمتلك معرفة واسعة، لكن هذه المعرفة تتحول إلى مسؤولية ثقيلة أكثر مما تتحول إلى قدرة على التأثير.
فإذا كان يدرك أن النكبة ما زالت مستمرة، وأن الأرض أُخذت بالقوة، وأن أكثر من 500 قرية فلسطينية أُبيدت عام 1948، وإذا كان يعرف أن كثيرًا من الفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية يعيشون على بعد خطوات من أراضيهم الأصلية لكنهم محرومون من الوصول إليها، فهذا وعي مُثقل. مثلاً، أهل لفتا، بعضهم يعيش في الشيخ جراح، والمسافة إلى قريتهم الأصلية لا تتجاوز بضع كيلومترات، ومع ذلك لا يستطيعون الدخول إليها أو العيش فيها. وكذلك الحال في قرى أخرى في الشمال وغيرها، حيث تتكرر الصورة نفسها.
هذه الوقائع تضع الشاب أو الشابة الفلسطينيين أمام حالة من التناقض الواضح: معرفة واسعة مقابل عجز عن الفعل، ووعي عميق مقابل واقع مغلق. وهذا ما يخلق شعورًا بالثقل أو “النحس” بالمعنى المجازي، لأنهم يدركون الحقيقة بكل تفاصيلها، لكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون تحويل هذا الإدراك إلى تغيير ملموس على الأرض.
وفي نقطة ثانية، الإحساس الذي يعيشه الجيل الجديد اليوم يرتبط بوجود تساؤل متزايد حول جدوى المعرفة نفسها، بمعنى ما قيمة أن أمتلك هذا الكم من المعرفة إذا كان الواقع محاصرًا بهذا الشكل؟
فعندما نقول “شو يعني؟”، فنحن أمام واقع معقّد وضاغط، عالم يتحرك في اتجاه مضاد، وإسرائيل تتغوّل ميدانيًا وسياسيًا، والاستيطان يتوسع بشكل متواصل. وفي الوقت نفسه، حتى داخل المنظومات الرسمية الفلسطينية هناك ضعف واضح، يصل أحيانًا إلى درجة الخضوع لضغوط سياسية وإدارية خارجية، تُمارَس من أطراف أوروبية وأمريكية وإسرائيلية، بما يطال المناهج التعليمية نفسها ويؤدي إلى تعديلها أو إعادة صياغة بعض مضامينها. وهذا بطبيعته ينعكس على تشكيل الوعي الفلسطيني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
ومع ذلك، رغم أن المعلومة اليوم أصبحت متاحة على نطاق واسع ولا يمكن حجبها، فإن الفارق الجوهري يكمن بين “توافر المعرفة” وتنظيمها. فنحن نتحدث عن منظومة تعليمية تضم ملايين الطلبة، قرابة مليونين طالب فلسطيني يوميًا بين مدارس وجامعات. وإذا وُجد داخل هذا الإطار التعليمي بناء معرفي واضح ومنهجي، فإنه قادر على إنتاج وعي جمعي متماسك ومؤثر حول النكبة.
لكن في المقابل، في ظل غياب أو تراجع بعض المساقات، أو إضعاف حضور مفاهيم مركزية مثل النكبة والإبادة داخل العملية التعليمية، يصبح من الصعب تعويض هذا الدور بشكل كامل عبر المنصات الشعبية أو الفردية أو الرقمية. لأن هذه البدائل، رغم أهميتها، تبقى مشتتة وغير قادرة وحدها على إنتاج إطار معرفي جامع ومنظّم.
ومن هنا يتشكل هذا الإحساس الثقيل أو ما يمكن وصفه بـ”النحس” لدى الجيل الجديد، لأنه يعيش في سياق سياسي وتعليمي متغوّل، لا يوفّر بيئة مستقرة لتشكيل وعي معرفي متكامل، ولا يتيح للمنظومة التعليمية الفلسطينية أن تعمل بحرية كاملة في إنتاج مساقات واضحة حول النكبة، كما أن المعلم نفسه قد يواجه قيودًا مباشرة أو غير مباشرة، تصل أحيانًا إلى اتهامه بـ”معاداة السامية” أو “التحريض” لمجرد طرحه لهذه القضايا ضمن سياقها التاريخي.
وبالتالي، من هذا التداخل بين اتساع المعرفة، وضعف البنية التعليمية، والضغوط السياسية، والقيود المفروضة على الخطاب، يتشكل وعي الجيل الجديد في حالة مركّبة، معرفة واسعة ومفتوحة من جهة، مقابل ثقل الواقع وتعقيد الفعل من جهة أخرى، وهو ما يفسّر هذا الشعور المزدوج بين “حظ المعرفة” و”عبئها” في آن واحد.
هل ما زالت النكبة اليوم تُقدَّم كقضية مستمرة، أم أنها بدأت تتحول تدريجيًا إلى حدث تاريخي يُستذكر أكثر مما يُفهم ويُعاش؟
أنا برأيي، النكبة ما زالت مستمرة، وأظن أنها ستبقى كذلك، لأنها ليست مجرد حدث تاريخي انتهى، بل حالة ممتدة. ومن خلال تخصصي باللاجئين ومخيمات اللجوء ولقائي الدائم مع اللاجئين، دائمًا تتكرر نفس العبارة: “النكبة مستمرة”. وهذا ليس شعارًا فارغًا، بل توصيف لواقع فعلي. فلو لم تُعالج النكبة بشكل جذري عبر إعادة الحقوق إلى أصحابها، وفي مقدمتها حق العودة والعودة الفعلية إلى القرى والبيوت الأصلية، فإنها ستبقى قائمة، لا كحدث من الماضي، بل كحالة مستمرة في الحاضر.
ومن ناحية أخرى، المشكلة أن النكبة ليست حدثًا واحدًا انتهى عام 1948، بل سلسلة من النكبات المتواصلة. 1948 كانت النكبة الكبرى، لكنها ليست الوحيدة. عام 1967 شكّل نكبة أخرى، ولا يمكن التقليل من حجمها. ثم جاءت مرحلة أوسلو وما تلاها، والتي رافقها توسع استيطاني متسارع، وهي برأيي شكل آخر من أشكال النكبة المستمرة. وبعد ذلك جاءت أحداث 7 أكتوبر وما تبعها، وما شهدناه من مشاهد إبادة وتدمير واسع في غزة، بما في ذلك استهداف المدن والبنية الحضرية والإنسان الفلسطيني، وهذا أيضًا امتداد لحالة النكبة وليس حدثًا منفصلًا عنها.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن النكبة لم تبدأ عام 1948 فقط، بل سبقتها في الحلم الصهيوني بإقامة دولة على أرض فلسطين، والذي بدأ بشكل واضح مع مؤتمر بازل عام 1897. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، لم تمر لحظة تاريخية يمكن وصفها بأنها لحظة استقرار أو رخاء حقيقي عاش فيها الفلسطينيون حالة أمن وطمأنينة. بالعكس، المسار التاريخي العام هو مسار نكبات متتالية ومتراكمة.
لذلك، لا يمكن النظر إلى النكبة كحدث منتهي، بل هي جزء من بنية تاريخية مستمرة، بل يمكن القول إن ما بعد 1948 هو سلسلة نكبات إضافية وصلت إلى اليوم.
وفي هذا السياق، يوجد ما يمكن تسميته بـ”الأسطورة المؤسسة للهوية الفلسطينية”، وهي النكبة، باعتبارها حدثًا ضخمًا ومفصليًا في تشكيل الوعي الوطني الفلسطيني، وفي ترسيخ فكرة الحق في فلسطين، وأهمية فلسطين، وضرورة الدفاع عنها واستعادتها.
لكن في المقابل، برأيي لا يجب أن نغفل كل النكبات التي تلت نكبة فلسطين عام 1948، والتي امتدت آثارها حتى اليوم، وصولاً إلى قضايا مثل تعديل المناهج التعليمية. فالنظر إلى موضوع تغيير المنهاج على أنه خارج هذا السياق، أو أنه ليس جزءًا من سلسلة النكبات، هو قراءة مجافية للحقيقة، لأن هذا الأمر يحمل دلالة عميقة ومؤثرة.
فالمنهاج ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو مسألة سيادية وتوعوية، وأداة أساسية في بناء الهوية الوطنية. وأي خلل فيه أو مساس بمضمونه ينعكس مباشرة على الوعي الجمعي، وبالتالي يؤدي إلى انتقاص هذا الوعي، بما يشمل الانتقاص من حق العودة، ومن حق إقامة دولة فلسطينية، ومن فكرة تقرير المصير نفسها.
كيف يؤثر غياب أسماء القرى والمدن المهجّرة من المنهاج الدراسي على علاقة الجيل الجديد بفلسطين وتاريخها؟
طبعا هذا الغياب يؤثر بشكل واضح، بمعنى أنه يغيّر شكل العلاقة بين الجيل الجديد وفلسطين وتاريخها. فبعد أوسلو صار في تركيز أكبر في المناهج على الجغرافيا الفلسطينية بشكل عام، وعلى الموانئ والجبال الفلسطينية، لكن مع تغيّر واضح في بعض التفاصيل الأساسية. فمثلاً، صار يُقال إن أعلى جبل في فلسطين هو جبل العاصور بارتفاع يقارب ألف متر عن سطح البحر، وفي المقابل تم إغفال أو تراجع ذكر جبل الجرمق، رغم أنه أعلى جبال فلسطين.
ونفس الشيء ينطبق على موضوع الموانئ، بدل ما يبقى في حضور واضح لحيفا وعكا كموانئ فلسطينية تاريخية، صار يتم التركيز أكثر على أن ميناء فلسطين هو ميناء غزة، ومطار فلسطين هو مطار رفح وليس مطار اللد كمنافذ حديثة. هذا التغير الدرامي في تقديم الجغرافيا ينعكس بشكل مباشر على وعي الجيل الجديد، لأنه يعيد تشكيل صورة فلسطين في ذهنه من خلال ما يتعلمه في المنهاج.
وفي نفس الوقت، حتى لو كان المنهاج يحتوي معلومات صحيحة أو يسمح بتعلم أسماء مثل الجرمق أو حيفا أو عكا أو غيرها، يبقى السؤال على طريقة تقديمها: هل تُقدَّم ضمن إطار توعوي وبناء وطني، أم تُقدَّم كمجرد معلومات جغرافية منفصلة عن سياقها التاريخي والوطني.
وبالتالي، لا يمكن أن نعتمد فقط على المنهاج الرسمي في تشكيل هذا الوعي، لأن هناك مؤسسات تنشئة اجتماعية موازية تلعب دورًا أساسياً. حتى لو كان هناك منهاج رسمي جيد، يبقى جزء كبير من معرفة فلسطين يأتي من مصادر أخرى من الأب والأم، ومن الجد والجدة، ومن الذاكرة الشعبية، وليس فقط من المدرسة أو الأستاذ.
لهذا، يجب دائماً أن يكون هناك وعي بأهمية هذه المنظومة الموازية، بحيث لا يبقى الفهم محصورًا في التغيير الرسمي أو السياسي أو الضغوط الخارجية، بل يُحافظ على الرواية الشعبية كجزء أساسي من بناء العلاقة بين الجيل الجديد و فلسطين وتاريخها.
هل بدأت تفاصيل النكبة تفقد حضورها الحقيقي في وعي الأجيال الجديدة، لتتحول من رواية حيّة إلى مجرد معلومات تاريخية مختصرة؟
أنا برأيي، ما دام الفلسطيني يعيش تحت الاحتلال، وما دامت قضية الفلسطيني لم تُحل، وما دام حق تقرير المصير لم يتحقق، ستبقى النكبة حاضرة بقوة، لا كحدث ثابت فقط، بل كمرجع دائم يعود في كل مرحلة تاريخية مفصلية. فكل حدث كبير يعيد تشكيل الوعي حولها، فبعد 7 أكتوبر يصبح الحدث الطاغي هو 7 أكتوبر، وبعد حرب 1967 تصبح “النكسة” أو الهزيمة الكبرى هي العنوان، وكذلك حرب 1982 وما رافقها من إبادة للمخيمات في لبنان. لكن رغم ذلك، يبقى المرجع الأهم والأكثر رسوخًا في التاريخ الفلسطيني هو النكبة.
هذا ليس حدثًا عاديًا، بل نقطة تحوّل كبرى تركت آثارًا عميقة على الجغرافيا والتاريخ والمجتمع والثقافة والسينما والاقتصاد وكل تفاصيل الحياة الفلسطينية، بحيث لا يمكن فصل أي جانب من هذه الجوانب عن تداعياتها. لذلك، لست مقتنعًا أن مصطلح “النكبة” أو ذاكرة النكبة يمكن أن تفقد حضورها أو قوتها، حتى مع تعدد الأحداث وتغير طرق التعليم. بالعكس، هي أصبحت جزءًا ثابتًا في بنية التاريخ الفلسطيني، لأن ما يرسّخها أكثر هو استمرار المشروع الاستعماري الاستيطاني نفسه، الذي يلاحق الفلسطيني في كل تفاصيل حياته، حتى في الأمور التي يُفترض أنها بعيدة عن الصراع.
فالاستعمار ذاته، كمنظومة قائمة، يعيد تذكير الفلسطيني بالنكبة يومياً، ما يجعل من الصعب جدًا فصل الذاكرة عن الواقع أو محوها، حتى لو وُجدت محاولات لذلك. وفي النهاية، ما دام هذا الواقع قائمًا، فإن النكبة لا تُمحى، بل تبقى حاضرة باستمرار، لأن بنية الاستعمار نفسها تعيد إنتاجها بشكل يومي.
أما بالنسبة للقرى والمدن الفلسطينية المهجّرة، هل يتحول المكان الفلسطيني اليوم من “شاهد على النكبة” إلى مجرد اسم أو معلومة تاريخية عند بعض الأجيال؟
هذا الأمر يختلف حسب الجيل والتجربة الفردية، ولا يمكن إطلاق حكم عام واحد عليه. أنا كأستاذ في جامعة بيرزيت ألاحظ أن بعض الطلاب لديهم معرفة واسعة، بينما يعرف آخرون أقل، وهناك من لا يعرف تقريبًا شيئًا عن القرى الأصلية أو النكبة. وهذا لا يرتبط فقط بالمناهج أو بالمعلم أو بالطالب.
على سبيل المثال، العمال الفلسطينيون الذين يعملون داخل الخط الأخضر لا يستخدمون الأسماء الإسرائيلية للمكان، بل يستمرون في استخدام الأسماء الفلسطينية الأصلية. لا يقولون “كفار سابا” بل “ملبس”، ولا “رامات غان” بل يربطون المكان باسمه التاريخي أو الفلسطيني. يتحدثون عن “الشيخ مونس” و”يافا” و”باب الخليل”، ويعيدون إنتاج هذه الذاكرة في حياتهم اليومية، وكأنها جزء طبيعي من لغتهم وممارستهم اليومية، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال الحفاظ على الذاكرة.
حتى مع محاولات تغيير الجغرافيا وتبديل الأسماء وفرض تسميات جديدة، يبقى الفلسطيني يسمي المكان باسمه الأصلي، باب الخليل يبقى باب الخليل، بيت جالا تبقى بيت جالا، حتى لو تغيرت فوقها البنية العمرانية أو أُعطيت أسماء أخرى. هذا الارتباط العفوي بالمكان يعكس أن الذاكرة ليست مرتبطة فقط بالمناهج، بل هي ممارسة يومية حيّة.
لذلك، ورغم كل ما يحدث من تغييرات ومحاولات لإعادة تشكيل الجغرافيا والتاريخ، يبقى الوعي الفلسطيني قادرًا على إعادة إنتاج العلاقة مع المكان. وبالتالي، فإن النكبة ليست فقط حدثًا في الماضي، بل عنصرًا حيًا في الذاكرة والواقع، وسيظل حاضرًا طالما بقي هذا الصراع قائمًا.
إلى أي مدى أثّرت التحولات السياسية في الخطاب الفلسطيني، خصوصًا بعد أوسلو، على طريقة تقديم النكبة في المنهاج المدرسي وعلى الوعي الفلسطيني عموماً؟
عشتُ مرحلة أوسلو حتى اليوم، وأدرك تمامًا أن هذا الاتفاق سيفٌ مسلَّطٌ على الرواية الفلسطينية، ومحاولةٌ لإعادة تشكيلها سياسيًا ووعيًا. صحيح أن الاعتراف بإسرائيل فرض واقعًا سياسيًا جديدًا، لكنه لا يمكن أن يلغي التاريخ الفلسطيني أو يمحو الجغرافيا الفلسطينية.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن الصورة سوداء بالكامل. فبرغم محاولات إنتاج رواية رسمية حول النكبة والتاريخ الفلسطيني ومنظمة التحرير وأوسلو، فإن قيام السلطة الفلسطينية أتاح في المقابل مساحة لظهور مؤسسات ومبادرات وروايات متعددة، ترفض الانحصار داخل سردية واحدة جامدة عقيمة. فالنكبة ليست تجربة واحدة يمكن اختزالها، ولا القرى المهجّرة متشابهة، ولا التجارب الإنسانية متطابقة، بل هي مجموع واسع من التفاصيل التي تُشكّل الرواية الفلسطينية الكبرى دون أن تُختزل في إطار واحد.
بعد أوسلو، حدثت تحولات ملموسة في بنية الرواية الفلسطينية، لكن ما يمنح قدرًا من الأمل هو اتساع الرواية الشعبية التي لا تخضع بالكامل لا للسلطة ولا للاحتلال. ففي الضفة الغربية وقطاع غزة، توسّع هامش تدريس الأدب والتاريخ الفلسطيني داخل المدارس، وأصبح بالإمكان تدريس شعراء مثل محمود درويش وسميح القاسم. في المقابل، يعيش الفلسطينيون في الداخل واقعًا أكثر تعقيدًا وقسوة، حيث يُفرض التعليم بالعبرية، وتُمارس عليهم أشكال من الإلزام الرمزي مثل رفع العلم الإسرائيلي وترديد نشيده، في واحدة من أوضح صور التغوّل الاستعماري على الهوية.
ورغم ذلك، يبقى الفلسطينيون في الداخل من أكثر الفئات تمسكاً بهويتهم الوطنية. فهم يعملون باستمرار على إعادة الاعتبار للأسماء الفلسطينية في الحيّز العام، ويتمسكون باللغة والرموز الوطنية في مواجهة محاولات الطمس والإحلال. ويتجلى ذلك حتى في مناطق النقب، حيث يُصرّ السكان على استخدام الأسماء العربية الفلسطينية في مواجهة محاولات استبدالها، في معركة يومية على الذاكرة والهوية.
بغضّ النظر عن قوة الرواية الرسمية أو عن التغوّل الصهيوني، فإن الحقوق ما زالت غير مستردّة. لذلك، فإن جزءًا أساسيًا من المسؤولية الفردية والجماعية يتمثل في الحفاظ على الرواية بوصفها شكلاً من أشكال الدفاع عن الذات، لا باعتبارها صراعاً على التفوق المعرفي أو منافسة سرديات. فالمسألة في جوهرها مسألة حق، من يُسلب حقه لا يُطلب منه أن ينساه، لأن النسيان يعني فقدان الهوية والكرامة معاً.
ومن هذا المنطلق، تتصل القضية بما يمكن تسميته “الحق الفلسطيني” بمعناه العميق، فقدان الأرض والسعي إلى استعادتها جيلًا بعد جيل. وهنا تصبح النكبة عنصرًا أساسيًا في إعادة إنتاج المسؤولية الفردية والجماعية داخل المجتمع الفلسطيني، بمعزل عن أوسلو، وبمعزل عن التحولات السياسية أو تبدّل موازين القوى أو الدعم الدولي.
وفي هذا السياق، قد يستمر الضغط الأوروبي، لكنه لا يُنتج بالضرورة حلولاً، بل قد يؤدي إلى انفجارات سياسية وشعبية أكبر. وفي المقابل، لا قيمة لأي منظومة رسمية إذا لم تتكامل مع منظومة شعبية حيّة وفاعلة.
صحيح أن وجود النكبة والجغرافيا والتاريخ الفلسطيني داخل الرواية الرسمية أمر مهم، لكنه غير كافٍ وحده. لذلك، يجب أن يكون كل فلسطيني حاملاً لروايته الخاصة، ينقلها في بيئته اليومية. في الوعي الشعبي تتحول الرواية إلى ممارسة يومية، فعندما يُقال”رمات جان” مثلاً يُستعاد الاسم الفلسطيني، وعندما يُقال “حلميش” يُستحضر اسم “النبي صالح”. وهكذا تصبح الرواية فعلًا يوميًا غير خاضع للضبط، لأن الكلمة نفسها لا تحتاج إلى مؤسسة كي تبقى حيّة.
ومن هنا، ينبغي أن تنتقل النكبة من إطارها الرسمي إلى وعي شعبي شامل يصعب احتواؤه أو السيطرة عليه. يمكن للسياسات الدولية أن تغيّر مناهج أو تحذف روايات، لكن الرواية الشعبية تبقى أكثر رسوخًا واستمرارية.
هذه الرواية لم تُنتجها المؤسسات الرسمية، بل تشكّلت عبر الذاكرة الحيّة التي حملتها الأمهات والآباء والجدات، وانتقلت شفهيًا عبر الأجيال. لذلك، ليس غريباً أن يعرف الطفل الفلسطيني معنى النكبة قبل أن يتعمق في تفاصيلها، فالمعرفة هنا وجدانية قبل أن تكون أكاديمية.
ومن هذا المنظور، لا خوف على الرواية الفلسطينية ما دامت حيّة في المجتمع. لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول الرواية الرسمية أو الضغوط الدولية إلى سياسات تمسّ الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حق العودة، بوصفه حقًا ثابتًا في الشرعية الدولية وحقًا في مقاومة الاحتلال من أجل استعادة الأرض.
كما لا يجوز أن تتحول الضغوط الدولية إلى أدوات لتجريم الذاكرة أو معاقبة من يتمسك بها. فإذا وصلت الأمور إلى هذا الحد، فإن أي منظومة رسمية ستنتج بالضرورة رد فعل مقابل، لأن الرواية في النهاية لا تُحسم في الأطر الرسمية، بل تُحسم في المجال الشعبي الذي يملك القدرة الحقيقية على الاستمرار والتجذر.
هل يُعدّ استخدام لغة مبسطة أو تغيير المصطلحات التاريخية في المناهج شكلاً من إعادة صياغة أو إعادة كتابة للرواية التاريخية؟
الفكرة أعمق من مجرد تبديل كلمات أو تبسيط لغة. اللغة بطبيعتها تحتمل المجاز والتأويل وإعادة الصياغة، ويمكن عبرها تمرير المعنى بأشكال متعددة. لكن في النهاية، ليس الشكل اللغوي هو الذي يحسم الحقيقة، بل ما يستقر في الوعي والضمير.
هناك فرق بين النص وبين الإحساس الداخلي بالحقيقة. في شيء مرتبط بالوعي، وفي شيء أعمق مرتبط بالكرامة وبالإدراك الأخلاقي الذي يميز بين ما هو صحيح وما هو مزيف، بغض النظر عن طريقة تقديمه. لذلك يمكن أن تُصاغ الرواية بأكثر من أسلوب، لكن يبقى السؤال: هل تغيّر المعنى أم لا؟
من هنا يمكن التمييز بين الرواية الحقيقية والرواية المزيفة. ليس بالضرورة عبر الكتب أو المناهج فقط، ولا حتى عبر وفرة المعلومات الموجودة اليوم على الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، لأن هذه في كثير من الأحيان بيانات متراكمة أكثر من كونها حقائق راسخة. الحقيقة، في جوهرها، هي ما يرتبط بالحق الفلسطيني نفسه، بوصفه ثابتاً لا يتغير بتغير الصياغات.
بمعنى آخر، الحق لا يحتاج إلى وثيقة كي يكون حقًا. كما في حالة السلب أو السرقة، فعندما يُسلب بيت من صاحبه، لا يصبح الأمر بحاجة إلى “كوشان طابو” كي ندرك أنه سُلب. وجود الوثيقة أو غيابها لا يغيّر طبيعة الفعل نفسه. الحق يُعرف من جوهره، لا من الأوراق التي تحيط به.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية، الوثائق والتواريخ والمناهج هي أدوات إنتاج معرفة، لكنها ليست مصدر الحقيقة الوحيد. التاريخ غالبًا يُكتب من موقع القوة، بينما الذاكرة الحية تُصاغ من موقع الناس العاديين، من الضعفاء الذين يقاومون السردية الرسمية ويحافظون على روايتهم الخاصة.
لذلك، الفلسطينيون لا يعتمدون على وسيلة واحدة لنقل التاريخ أو حفظه، بل على منظومة أوسع تشمل ذاكرة شعبية، حكايات، رموز، وأشكال تعبير يومية. حتى الأغاني الشعبية كانت وسيلة لنقل الرسالة بشكل مشفّر؛ مثل “يا طالعين الجبل”، حيث كانت الرسالة تصل إلى من يفهمها من ( الثوار)، بينما تبقى مبهمة على من يحاول السيطرة عليها ( المستعمر).
وهذا يوضح أن اللغة ليست مجرد أداة شكلية، بل مساحة مقاومة أيضاً. يمكن عبرها تمرير الرواية، وتثبيت المعنى، ونقله من جيل إلى جيل، بصرف النظر عن طبيعة الصياغة الرسمية أو تغيّر المصطلحات في المناهج. في النهاية، الرواية الحقيقية لا تُختزل في كتاب، بل تُحفظ في الوعي والذاكرة والممارسة اليومية.
إلى أي مدى يؤثر تغيير المنهاج على وعي الجيل الجديد بالنكبة، في ظل استمرار نقل الرواية عبر الذاكرة الشعبية والتجربة الحية؟
يمكن القول إن أي تغيير في المنهاج، سواء من حيث اللغة أو المصطلحات أو المحتوى، قد يكون له تأثير على وعي الجيل الجديد بالنكبة وفهم الأجيال اللاحقة لها. لكن في المقابل، من خلال المشاهدة والتجربة، لا يمكن اختزال المسألة في المنهاج وحده.
فإذا نظرنا تاريخيًا، نجد أن الأجيال السابقة، حتى قبل أوسلو وقبل 1967، لم تكن تمتلك مناهج رسمية أو رواية منظمة بالشكل الحالي، ومع ذلك وصلت الرواية الفلسطينية بقوة واستمرت. بل يمكن القول إن حضورها اليوم أصبح أوسع وأقوى، خصوصاً مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، حيث أصبح الجيل الجديد على علاقة أكبر بالمكان الأصلًي وبالتفاصيل التاريخية، وأحيانًا يعرف أكثر من الأجيال السابقة عن قراه وبلداته.
من هنا، يمكن القول إن انتقال الذاكرة لا يعتمد فقط على التعليم الرسمي، بل يتجاوز ذلك إلى الذاكرة الحية والتجربة اليومية. فحتى التجارب الصادمة والظلم التاريخي لا تبقى محصورة في جيل واحد، بل تنتقل بشكل أو بآخر إلى الأجيال اللاحقة، بما يشبه “توريث الذاكرة” بمعنى أن آثار النكبة والمعاناة تمتد عبر الزمن وتنعكس على الأجيال الجديدة.
لذلك، يمكن القول إن تأثير المنهاج موجود، لكنه ليس العامل الحاسم الوحيد، بل يتداخل مع عوامل اجتماعية وثقافية وإعلامية أوسع.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن الحفاظ على رواية فلسطينية واضحة للنكبة داخل الوعي العام دون تشويهها أو تفريغها من معناها التاريخي؟
الجواب، برأيي، يكمن في تعزيز التعليم الشعبي والرواية غير الرسمية إلى جانب التعليم النظامي، لأن المنظومات البيروقراطية وحدها لا تكفي لنقل الذاكرة كما هي. بل إن الاعتماد على رواية واحدة مركزية قد يؤدي أحيانًا إلى اختزال التجربة أو تشويه تعددها، في حين أن النكبة في جوهرها ليست رواية واحدة مغلقة، بل مجموعة روايات وتجارب إنسانية متعددة.
لذلك، من المهم أن يكون نقل النكبة غير مركزي، بحيث يشارك فيه كل فرد من موقعه، العامل، وصاحب البيت المهجّر، والفنان، واللاجئ، وكل من عاش التجربة أو امتد إليه أثرها. هذا التنوع يثري الرواية ولا يضعفها.
كما أن للفن والسينما دورًا مهمًا في إعادة إحياء الذاكرة، مثل الأفلام التي تناولت فلسطين 1936 أو فيلم “الطنطورة” الذي أعاد فتح ملف المجازر والنكبة عام 1948 أمام جمهور واسع. هذه الأعمال أعادت النقاش حول النكبة إلى الواجهة، وأظهرت قدرتها على التأثير في الوعي العام أكثر من بعض المساقات الأكاديمية المغلقة.
من هنا، يمكن القول إن الحفاظ على الرواية الفلسطينية لا يتحقق فقط عبر المناهج، بل عبر منظومة أوسع من التعليم الشعبي، والفن، والذاكرة الجماعية، باعتبارها أدوات أساسية لمواجهة محاولات الطمس أو الهيمنة على السردية التاريخية.