بعد أكثر من أربعين عامًا على اقتلاعها من جذورها، حملت غادة الكرمي ذاكرتها المثقلة بالفقد والحنين وقصدت مهد طفولتها ومرتع صباها في أغسطس 1991 بفضل جواز سفرها البريطاني الذي منحها حق العبور إلى موطنها فلسطين. وفي طريقها إلى القدس، راقبت غادة من نافذة السيارة تلال الأرض ووديانها، فراعها تشوه المشهد بمستوطنات أسمنتية بنيت فوق انقاض القرى الفلسطينية القديمة.
ثم بدأت رحلة البحث عن منزل عائلتها في حي القطمون بالقدس الغربية مسترشدة بمخططٍ أعطته لها أختها سهام، ورافقها شيخ لاجئ هُجر من الحي ذاته كان يتحسس الجدران بدموع صامتة، لكن لما تستطع غادة أن تجد بيتها وخُيل لها أنه هُدم.
وبعد محاولات عديدة، وفي عام 1998، اكتشفت غادة أن بيتها لا يزال قائمًا بسقفه الأحمر وحديقته، لكنه كان بيتًا مسلوب الروح، فحين ذهبت إليه، وجدت نفسها في موقف شديد المرارة، تقف على أعتاب ماضيها مستجديةً عائلة يهودية كندية استوطنت المكان لتسمح لها بمجرد نظرة على مهد صباها.
كانت نظرات المستوطنين الغرباء تشعرها بأنها تحت رحمتهم في ملكها السليب. وبينما كان اليأس يوشك أن يطبق على أنفاسها، ويقنعها بأن الماضي انطوى للأبد، جاء صوت الأذان من الحرم القدسي الشريف ليوقظ في نفسها الأمل بأن فلسطين ما زالت حية وأن التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
ومن رحم هذا الصراع بين الفقد والتشبث بالذاكرة، كتبت غادة مذكراتها “البحث عن فاطمة”، والتي تُعد من أبرز أعمال السيرة الذاتية الفلسطينية للنكبة، إذ تتجاوز حدود الرواية الشخصية لتغدو شهادة إنسانية وتاريخية حية على ما خلفته نكبة 1948 من اقتلاع ومنفى وأسئلة حول الهوية والانتماء.
ميلاد في مهب العواصف
وُلدت غادة الكرمي في 19 نوفمبر 1939 في لحظة تاريخية فارقة، حيث كان العالم يستقبل الحرب العالمية الثانية، بينما كان المجتمع الفلسطيني يترنح تحت وطأة سياسات الانتداب البريطاني خاصة بعد ثورة (1936-1939). وفي هذا المناخ، لم يكن تخوف والدتها أمينة من الإنجاب نابعًا من ضيق ذات اليد، بل من الرعب النفسي الذي خلفه بطش الإنجليز وتنامي إرهاب العصابات الصهيونية.
تنتمي عائلة غادة إلى الطبقة المتوسطة؛ فوالدتها تنحدر من دمشق، بينما ينحدر والدها من مدينة طولكرم الفلسطينية، وتنتمي عائلته إلى عائلة عريقة عاشت في فلسطين، وبرز العديد من أفرادها في ميادين العلم والثقافة.
وفي ثلاثينات القرن الماضي، استقرت عائلة غادة في حي القطمون الراقي بالقدس الغربية، وكان منزلهم يعكس الطابع المقدسي الأصيل بجدرانه وأرضياته المزينة بالفسيفساء، وحديقته التي كانت جنة مصغرة بها أشجار المشمش واللوز والبرقوق والليمون وعريشة عنب.
وتستذكر غادة كيف تماهى الفكر والثقافة مع الحياة اليومية داخل جدران بيتهم، فالأب حسن الكرمي كان مدرسًا ومثقفًا يملك مكتبة زاخرة ويستقبل العديد من الشخصيات الهامة في منزله، بينما أدارت الأم أمينة صالونًا اجتماعيًا أسبوعيًا مع النخبة النسائية في القدس.
في حي القطمون – الحامل اليوم عنوانًا عبريًا – نشأت غادة وسط نسيج اجتماعي ضم عائلات عربية مسلمة ومسيحية وأقليات من اليهود والأجانب في مناخ ساده التعايش والوئام والزيارات المتبادلة. وفي فترة أربعينات القرن الماضي كانت القدس تدب في أرجائها حياة ثقافية، استقطبت رجال الفكر والأدب وشعراء كثيرين من العالم العربي، وكانت تُقام الأمسيات الشعرية في نادي العرب الأرثوذكس.
وتستذكر غادة كيف كانت شوارع حي القطمون واسعة على جانبيها فيلات تحتضنها حدائق وافرة، وتضج حياة الناس بحيوية، من سينما ريكس وأسواق ومقاهي ونوادي القدس، إلى الرحلات العائلية لشواطئ يافا وفنادق رام الله، مما جعل غادة الصغيرة تعيش طفولة هانئة رغم الغيوم التي بدأت تلوح في الأفق. كتبت غادة في مذكراتها:
“شهد عقد الأربعينيات ظهور عدة دور سينما.. وذات يوم أخذتنا أمي معها إلى دار سينما ركس، وكان بصحبتنا الجيران وأطفالهم.. شاهدنا فيلم فرانكشتين الذي كان يؤدي فيه بوريس كارلوف دور البطولة والذي يعد الآن أحد الروائع الكلاسيكية في السينما العالمية، بيد أن أمي لم تكن تدري آنذاك عن قيمته شيئًا سوى أنه فيلم أجنبي (اعتادت أمي أن تشاهد الأفلام المصرية فقط)”. صـ52.
لكن أهم حكاية ترويها غادة عن طفولتها هي شخصية “فاطمة الباشا” التي اختارتها لتكون عنوانًا لمذكراتها، ودلالة على ارتباطها بالمكان الذي نشأت فيه ثم أجبرت بعد ذلك على الرحيل منه، فهذه المرأة القادمة من قرية المالحة لم تكن مجرد خادمة تساعد أم غادة في رعاية شؤون المنزل، بل كانت الأم الثانية التي أغدقت على غادة الحنان والدفء والرعاية.
الوداع الأخير: فاطمة ومفتاح البيت
تستعيد غادة الكرمي بدايات التحول العاصف في حياة عائلتها حين بدأت الاضطرابات الأمنية في فلسطين تتسلل إلى تفاصيل حياتهم اليومية عقب تفجير فندق الملك داود على يد الجماعات الصهيونية عام 1946، وتتذكر أن تلك الحادثة كانت المرة الأولى التي تسلل فيها الخوف الحقيقي إلى داخلها، ولا سيما أن والدها نجا من الانفجار.
ومنذ ذلك الحين، أخذت الأوضاع في القدس تتدهور بوتيرة متسارعة، حتى تبدلت ملامح الحياة اليومية بالكامل، فأُغلقت المدارس مطلع عام 1948، وبدأت غادة وهي لا تزال طفلة تدرك أن شيئًا خطيرًا يحدث حولها.
لكن رغم تصاعد الخطر، تروي غادة أن المجتمع المقدسي كان يقلل من شأن الأطماع الصهيونية، حيث ظل إدراك حجم الخطر محصورًا عند نخبة قليلة، بينما اعتبرته الغالبية مجرد سحابة عابرة، وتستحضر غادة مشهدًا مفصليًا في طفولتها حين وقع انفجار هائل على مقربة من بيتهم، وحينها رأت الخوف لأول مرة على وجه والديها.
ومع أنباء سقوط الأحياء المجاورة والرعب الذي أحدثه القناصة اليهود، بدأت موجات النزوح، كانت القدس تتخبط فى معترك الفوضى بعد أن اختل فيها الأمن، لكن وقوع حادثين مفصليين هما مصرع القائد “عبد القادر الحسيني” ومذبحة “دير ياسين”، كانا الشرارة التي أجبرت عائلة غادة كما غيرها من العائلات الفلسطينية على الرحيل القسري. كتبت غادة: “كانت اللجنة العربية العليا نصحت جميع رجال الحى بأن يرحلوا نساءهم وأطفالهم وأقاربهم العجائز”. صـ134.
وفي غمرة الذعر، لم يكن يشغل الأم سوى حزم ما يكفي من الملابس، فتركوا خلفهم كل شيء، الوثائق الرسمية، الصور، بل وحتى كتب الوالد الثمينة، في حين رفضت فاطمة المغادرة معهم لتواجه مصيرها في قريتها “المالحة” التي سقطت لاحقًا لتتحول هي الأخرى إلى لاجئة، وينقطع التواصل بينها وبين غادة إلى الأبد.
لم تكن مغادرة القدس في نظر والدي غادة سوى نزوح مؤقت للنجاة من نيران الحرب. وفي لحظة الرحيل، سلم الأب مفتاح البيت ومعطفه لفاطمة، موصيًا إياها برعاية المنزل ريثما يعودون من دمشق. وتستذكر غادة بأسى لحظة اقتلاعها القسري، حيث انطلقت بهم السيارة وسط الانفجارات، وهي لا تزال ترنو بعينيها نحو كلبها “ركس” ومربيتها فاطمة، غير مدركة أن هذا الوداع سيتحول إلى شتاتٍ أبدي.
من دمشق إلى لندن: طفولة تحت الصدمة
استهلت عائلة الكرمي رحلة الشتات بالإقامة في منزل جد غادة لأمها بدمشق وسط أجواء من الارتباك والترقب. ورغم نبأ إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 مايو 1948، ظلت العائلة متمسكة بأمل العودة القريبة، خاصة مع دخول الجيوش العربية في اليوم التالي.
وتروي غادة أن والدها حاول العودة إلى القدس بعد إيصال عائلته إلى دمشق، لكنه في الطريق تلقى نبأً صادمًا بسقوط حي القطمون، وبحلول يونيو 1948، تلاشت آماله مع الهزيمة العسكرية للجيوش العربية أمام القوات الصهيونية المنظمة.
وتوازى ذلك مع شروع إسرائيل في تدمير القرى الفلسطينية وتوطين العائلات اليهودية في بيوت الفلسطينيين المهجرة، وحين تناهى إلى سمع والد غادة نبأ إحلال المستوطنين في منازل القطمون المنهوبة، أدرك أن العودة باتت مستحيلة.
وتصف غادة حالة الذعر والفوضى التي رافقت النزوح، إذ غادرت العائلات الفلسطينية على عجل من دون أن تتمكن حتى من سحب أموالها من البنك أو ترتيب أمورها، ومع تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى البلدان العربية الفقيرة آنذاك، أصبحت فرص العمل محدودة والحياة شديدة القسوة.
وفي ظل هذه الظروف، انشغل والد غادة بالبحث عن مصدر رزق يؤمن سبل العيش لعائلته، حتى وجد فرصة عمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية BBC، فقد كان يتقن الإنجليزية وملمًا بالثقافة الإنجليزية، وغادر الأب وحده أولًا إلى لندن، ثم لحقت به العائلة في سبتمبر 1949 وقبلت أم غادة الذهاب إلى لندن على مضض وبغرض التئام شمل العائلة.
استقرت العائلة في منزل متواضع بحي “غولدرز غرين”، وهو حي يقطنه أغلبية يهودية ومهاجرون، وعاشت عائلة غادة في لندن حالة من الانقسام الوجداني، وقد تجلى التباين بين الثقافتين في جميع جوانب الحياة تقريبًا، الأحياء والمنازل، والمطبخ، واللغة، واللباس، ونظام التعليم، والدين، والترفيه، والعلاقة بين الجنسين والزواج.
وفي حين اختار الأب التأقلم مع البيئة الجديدة عبر عمله في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، رفضت الأم فكرة المنفى رفضًا مطلقًا، وتوقفت عقارب ساعتها عند لحظة التهجير عام 1948، فرفضت تعلم الإنجليزية والخروج والاختلاط بالسكان المحليين، أو شراء أثاث جديد لمنزلها في لندن أو حتى إصلاح جدران البيت المتهالك، معتبرة أن أي تحسين في المعيشة خيانة، لاعتقادها بأنها ستعود هي وعائلتها إلى فلسطين.
كانت أم غادة غير قادرة على التغير أو راغبة فيه لدرجة أنها خلقت بيئة فلسطينية داخل شقتها، وكانت غاضبة جدًا لفقدان وطنها، ولم ترغب في المجيء إلى هذا البُعد، وبقيت متمسكة بعاداتها وهويتها العربية، ولم تشعرو بالسعادة في بريطانيا، ولم تجد السعادة مرة أخرى.
ومع مرور السنوات والحرمان من دعم البنى الاجتماعية التقليدية وما توفره لعائلة غادة من أساليب للتنفيس عن إحباطاتهما، آثر الوالدان دفن الماضي ولف ذكرياتهم بـ “أكفان النسيان”، لكن هذا الصمت ولد حالة من الشقاق الهوياتي لدى غادة وإخوتها، فبينما كان الأبناء يميلون نحو الاندماج في المجتمع الإنجليزي وتعلم لغته، كان الآباء يتوقعون منهم الحفاظ على قيم وهوية لم تُنقل إليهم بوضوح.
الاقتلاع وفصام البدايات
تجسد حياة عائلة غادة في لندن المحن التي عاشها اللاجئون الفلسطينيون في المهجر، كالبحث عن حياة طبيعية، والافتقار إلى أن يفهمهم الآخرون ويقدروا مصابهم، وأزمة الهوية، وشعور الاغتراب الجغرافي والنفسي، وقد عاش إخوة غادة حياةً مشتتة، يتأرجحون بين أوروبا والعالم العربي غير قادرين على الاستقرار في أي مكان.
وبينما كان والدا غادة يمثلان الجيل الأول الذي حافظ على مسافة من الثقافة البريطانية، عانت غادة كطفلة من كل النواحي، وتقدم مذكراتها رؤية معمقة لمعضلة “الجيل الثاني” من أبناء المهاجرين واللاجئين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين عالمين متناقضين، عالم الآباء المحمل بالذاكرة والحنين، وعالم المجتمع الجديد الذي يفرض قيمه وثقافته وهوية الانتماء إليه، وتجسد حياة غادة هذا الصراع بكل تعقيداته، وقد عبرت عن هذا الشعور بقولها:
“كنت ممزقة بين انفعالاتى المتضاربة، تعترك فى نفسى العواطف المتناقضة، وأحيا حياة متأرجحة بين ثقافتين بينهما ما بين السماء والأرض من تباين، يتنازعان قلبى بعنف، حتى انقلبت أرجوحة تدفعها إحداهما وتجذبها الأخرى ولا تكف عن التأرجح لحظة واحدة”. صـ568.
وطوال فترة مراهقتها ومطلع شبابها، عاشت غادة في حرب هويات مستمرة، وتُحمل عائلتها قدرًا من المسؤولية لعدم إدراكهم استحالة المعادلة التي وضعوها أمامها، فمن المستحيل على طفلٍ في طور التكوين أن يغوص في مجتمعٍ مختلفٍ كليا ويحافظ في الوقت ذاته على إرث الآباء وتقاليدهم العربية الإسلامية.
وتروى غادة أن الأهل غفلوا عن حقيقة أن المجتمع الجديد بجاذبيته وإغراءاته، كان أقوى بكثير من محاولات التمسك بموروث البيت الذي بدا لها أقل بريقًا. كما تروي أن والديها اللذين عانيا من صدمة النكبة، نادرًا ما كانا يتحدثان عن فلسطين، وقد عبرت غادة عن هذا بقولها: “لم يفصح أبي لأحد قط عن آلامه وإحساسه بالذل والمهانة اللذين تعرض لهما إبان هذه الفترة السوداء”. صـ20.
ومن زواية أخرى، تعكس مسألة الحصول على الجنسية البريطانية قمة التناقض الوجداني في حياة عائلة غادة، وتروي غادة أن الفلسطينيون فى تلك الفترة كانوا يجمعون على وصم كل من يتجنس بالجنسية البريطانية بالخيانة.
ففي حين كانت والدتها وأختها ترفضان التجنس بالجنسية البريطانية باعتباره خيانة بسبب دور بريطانيا في تسليم فلسطين لليهود، كان والدها يتحرق شوقًا للأمان والمزايا العديدة التى تهبهم إياها تلك الوثيقة. وبسبب هذا الضغط الاجتماعي، اضطر الأب لإخفاء حقيقة تجنسه لسنوات، وحث غادة وشقيقها زياد على كتمان الأمر.
وتروي غادة أنها حاولت التأقلم في سنواتها الأولى داخل المجتمع البريطاني مع حياتها الجديدة، التحقت بمدرسة (La Sagresse Convent) الكاثوليكية، حيث وجدت نفسها منغمسة بالكامل في بيئة إنجليزية مختلفة عن عالم البيت الفلسطيني المحافظ.
ومنذ ذلك الوقت بدأ يتشكل لديها شعور مبكر بالانقسام الهوياتي، ففي المنزل كانت تعيش وفق قيم العائلة العربية الفلسطينية، بينما كانت المدرسة تدفعها نحو الانغماس الكامل في الثقافة البريطانية. كتبت غادة: “وطنت نفسى على تقبل الواقع الجديد وتكيفت على مقتضى ما تفرضه الأحوال الجديدة”. صـ304.
وعلى خلاف والديها اللذين حافظا على مسافة واضحة من المجتمع الإنجليزي وتمسكا بهويتهما الأصلية، حاولت غادة الهروب من العزلة عبر تقليد الحياة الإنجليزية والانخراط فيها، لكنها رغم شعورها الداخلي بأنها “إنجليزية”، لم تحظَ بقبول كامل داخل المجتمع البريطاني، ما عمق لديها الإحساس بالاغتراب النفسي والاجتماعي.
وطوال فترة مراهقتها، عاشت غادة صراعًا مريرًا بين لغتين وانتمائين، ففي البيت كانت تضطر للحديث بالعربية لعدم إتقان والدتها للإنجليزية، بينما كانت تقضي سحابة نهارها في المدرسة تتحدث الإنجليزية.
ولأن آخر عهدها بالعربية الفصحى كان فى مدارس دمشق عندما كانت فى التاسعة، عانت من إحساس بالعار والخزي في لندن أمام الزوار الفلسطينين والعرب الذين كانوا يزدرون جهلها بالقراءة والكتابة بلغتها الأم.
وعندما بلغت غادة سن الثامنة عشرة، قررت التوقف عن أداء الشعائر الدينية (الصلاة والصوم)، وإن ظلت “معدتها إسلامية” برفضها تناول الخنزير والخمر، لكن هذا “الاستقرار الهوياتي” الزائف بدأ يهتز عام 1956 مع العدوان الثلاثي على مصر حين اقتحمت السياسة وعيها من جديد.
مقاومة النسيان: البحث عن الذات
بضغطٍ من والدها، التحقت غادة بكلية الطب بجامعة بريستول رغم ميلها للفنون، وفي تلك المرحلة، توهمت أن خلاصها من شعورها بالاغتراب يكمن في اندماجها الكامل داخل المجتمع البريطاني، فسعت لأن تصبح على حد تعبيرها “فتاة إنجليزية ذات بشرة داكنة”، وقررت الزواج من زميل لها بالجامعة يدعى “جون ثرونلي”.
لكن هذا الزواج تسبب في شرخ حاد مع عائلتها، فبينما رأت غادة في جون جسرًا للاندماج في المجتمع الجديد، اعتبرته والدتها خيانة للهوية العربية والإسلامية، ورغم أن جون أعلن اعتناقه الإسلام شكليًا إرضاءً لعائلة غادة، فإن ذلك لم يخفف من غضب الأم التي قاطعت ابنتها لأشهر، فيما حضر الأب مراسم الزواج على مضض.
عاشت غادة سنوات زواجها الأولى بصورة بدت مستقرة وطبيعية، حتى جاءت حرب يونيو 1967 لتشكل نقطة تحول حاسمة في حياتها وهويتها. تتذكر غادة أنها كانت تعمل طبيبة شابة في أحد مستشفيات مدينة بريستول عندما اندلعت الحرب، وأثناء وجودها في غرفة استراحة الأطباء، شاهدت زملاءها يتابعون عبر التلفاز تقدم الجيش الإسرائيلي في الأراضي العربية وهم يصفقون بحماس ويهتفون تأييدًا لإسرائيل.
كانت تلك صدمة قاسية عليها، وأدركت فجأة أن الأشخاص الذين اعتبرتهم أصدقاء لا يشعرون بمعاناتها كفلسطينية، بل يقفون إلى جانب الطرف الذي سبب مأساة شعبها. وزاد إحساسها بالمرارة مع انحياز الإعلام البريطاني الذي قدم الإسرائيليين بوصفهم “شعبًا متحضرًا”، فيما صور العرب باعتبارهم “همجيين وجبناء”، الأمر الذي دفعها كما تقول إلى دفن وجهها بين كفيها خجلًا وانكسارًا.
لكن الضربة الأقسى جاءت من زوجها جون حين اكتشفت أنه يؤيد إسرائيل، وفي لحظة تنحي جمال عبد الناصر، وبينما كانت هي كما تحكي غارقة في انتحابها، قوبل حزنها بسخريةٍ وجفاء من زوجها، وعندها أدركت الهوة العميقة بينهما، وانتهى زواجها بالطلاق، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها أعادت فيها النظر جذريًا في معنى الهوية والانتماء.
لقد تحول الطلاق وما رافقه من شعور بالقهر إلى دافع وجودي دفعها لاستعادة هويتها الفلسطينية. وبعد تعرضها لمواقف عنصرية في الوسط الطبي عام 1971، قررت الانخراط الكامل في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
دخلت غادة ميدان العمل السياسي والإعلامي، وأسست مع عدد من زملائها جمعية طبية لدعم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ثم بدأت تنخرط بصورة أكبر في العمل الإعلامي في مواجهة الهيمنة الواسعة للدعاية الإسرائيلية آنذاك. ونظمت مظاهرات وحملات إعلامية وفعاليات سياسية سعت إلى إيصال الصوت الفلسطيني إلى الرأي العام البريطاني.
ووجهت غادة انتقادات حادة لوسائل الإعلام البريطانية، وعلى رأسها BBC، معتبرة أنها كانت تمنح الرواية الإسرائيلية حضورًا أكثر تأثيرًا من خلال متحدثين يجيدون الإنجليزية بطلاقة، مقابل متحدثين فلسطينيين أو عرب لم يكونوا قادرين دائمًا على مخاطبة الغرب بالكفاءة نفسها، ورأت أن هذا الخلل أسهم لعقود في تشويه فهم الجمهور الغربي للقضية الفلسطينية.
ومع نهاية التسعينيات، اتجهت غادة إلى الكتابة الأدبية والسردية، بعدما أدركت أن الروايات والقصص كانت أكثر قدرة على ترسيخ المآسي الإنسانية في الوعي العالمي، فكتبت مذكراتها الشهيرة البحث عن فاطمة.
ختامًا، تظل مذكرات غادة الكرمي صرخةً تثير تساؤلاتٍ جوهرية حول مصير المهجرين الذين تظل أرواحهم عالقةً بين وطنٍ سليب ومنفى. إن هذه المذكرات بعد عقود من النكبة تؤكد أن جراح التهجير لها آثار نفسية دائمة، وفي تلخيصٍ موجع لمآل الشتات، تصف غادة انكسار عائلتها قائلة:
“أصبحت عائلتنا الآن مُشتتة ومُفككة.. قدر علينا بأن نعانى التشرذم والتشرد إلى الأبد.. ها هما أبوى وقد نزع بهما الحنين إلى العودة إلى الوطن وقد انفرد بهما الكبر يعجزان عن تحقيق هذه الأمنية، فيقنعان بالإقامة فى الأردن، أدنى البلدان إلى فلسطين”. صـ599.