• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

حرب أخرى على النازحين.. كيف تطارد خيام الحرب اليمنيين في مأرب؟

بشرى الحميدي١٩ مايو ٢٠٢٦

“أمامك شهر لتخلي الشقة، أو سأضطر لقطع الكهرباء والماء”. لم تكن الكلمات التي تلقاها عبد الله عند باب منزله المستأجر في حي الروضة بمدينة مأرب مجرد تهديد عابر، بل إنذارًا بانهيار آخر في رحلة نزوحه الطويلة، فالرجل الذي فر قبل سنوات من القصف في مديرية صرواح بحثًا عن الأمان، وجد نفسه اليوم مهددًا بالطرد لأنه لم يعد قادرًا على دفع الإيجار. يقول وهو مثقل بالقهر: “هربنا من الموت لنعيش بأمان، واليوم نطرد لأننا لا نستطيع دفع الإيجار.

قصة عبد الله لم تعد استثناء في مأرب، المدينة التي تحولت خلال سنوات الحرب من أكبر ملاذ للنازحين في اليمن إلى سوق سكنية خانقة تعيد إنتاج النزوح داخلها، فبحسب بيانات الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، يواجه نحو 286 ألف نازح خطر فقدان مساكنهم بسبب تراكم الإيجارات والعجز عن السداد، في مؤشر يكشف انتقال الأزمة من بعدها الإنساني الطارئ إلى أزمة اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدًا.

ووفق التقرير السنوي للوحدة التنفيذية لعام 2025، يعيش في مأرب أكثر من 3.1 ملايين شخص بين نازحين ومجتمع مضيف ومهاجرين. ويبلغ عدد النازحين خارج المخيمات نحو 1,655,910 نازحين يمثلون 226,587 أسرة تعتمد غالبًا على المساكن المستأجرة، مقابل 558,288 نازحًا داخل 210 مخيمات.

ولا تعكس هذه الأرقام حجم النزوح فقط، بل حجم الضغط الهائل على سوق السكن والخدمات، في محافظة تضم أيضًا أكثر من 542 ألفًا من المجتمع المضيف، و358 ألف شخص نزحوا بسبب التدهور الاقتصادي، إضافة إلى أكثر من 41 ألف مهاجر من القرن الأفريقي.

وخلال العام الماضي وحده، سُجل نزوح 2,693 أسرة جديدة، بالتزامن مع تصاعد ظاهرة النزوح الثانوي داخل مأرب، بعدما اضطرت 9,440 أسرة إلى مغادرة مساكنها المستأجرة والانتقال إلى المخيمات نتيجة ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة.

سوق حرب بلا ضوابط

خلال سنوات الحرب، استوعبت مأرب موجات متلاحقة من النازحين، لكن هذا التوسع السكاني لم يرافقه نمو موازٍ في البنية التحتية أو سياسات إسكان منظمة، ما أدى إلى نشوء سوق عقارية غير منضبطة تحكمها الندرة والطلب المتزايد.

ويرى الناشط عفيف العباب في حديثه لـ”نون بوست” أن النزاعات السكنية تتصاعد باستمرار نتيجة الضغط السكاني والتدهور الاقتصادي، مشيرًا إلى أن العلاقة بين الملاك والنازحين بدأت بطابع إنساني وتكافلي قبل أن تتحول تدريجيًا إلى علاقة يغلب عليها التوتر مع اعتماد كثير من الملاك على الإيجارات كمصدر دخل أساسي.

أما رئيس منظمة حماية للتوجه المدني (HOCO)، الدكتور علي التام، فيصف الوضع بأنه “قنبلة موقوتة”، محذرًا من أن استمرار ارتفاع الإيجارات وتدهور الأوضاع المعيشية قد يقود إلى انفجار اجتماعي واسع. ويشير إلى أن بعض المنازل يصل إيجارها إلى ثلاثة آلاف ريال سعودي شهريًا، فيما تبلغ إيجارات بعض الشقق نحو 1500 ريال، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم الأسر النازحة.

ويضيف في حديثه لـ”نون بوست” أن التعامل بالعملة الأجنبية من قبل بعض الجهات والمنظمات ساهم بصورة غير مباشرة في رفع الأسعار وزيادة المضاربات العقارية، إلى جانب اتجاه بعض الملاك لتحويل الوحدات السكنية إلى استخدامات تجارية أكثر ربحًا.

اقتصاد ينهار وأسر تتآكل

لا تنفصل أزمة الإيجارات في مأرب عن الانهيار الاقتصادي الأوسع في اليمن، فالتضخم المستمر وتراجع قيمة العملة المحلية أديا إلى تآكل القدرة الشرائية، بينما بقيت الدخول شبه متوقفة أو انقطعت بالكامل.

ويقول عفيف العباب إن انهيار العملة وارتفاع الأسعار عمّقا الخلافات بين الملاك والمستأجرين؛ فالملاك يرون أن الإيجارات لم تعد تغطي تكاليف المعيشة والصيانة، في حين يعجز المستأجرون عن الوفاء بالتزاماتهم بسبب انقطاع الرواتب وضعف فرص العمل.

ويؤكد أن أكثر الفئات تضررًا تشمل الأسر النازحة، وأسر الشهداء والجرحى، والموظفين المنقطعة رواتبهم، وأصحاب الدخل المحدود.

من جهته، يوضح علي التام أن العلاقة بين الطرفين باتت محكومة بمعادلة قاسية؛ فالملاك يسعون للحفاظ على القيمة الشرائية لدخلهم عبر رفع الإيجارات أو المطالبة بالعملة الأجنبية، بينما يواجه النازحون تراجع المساعدات وانعدام مصادر الدخل، ما أدى إلى اتساع فجوة العجز وتصاعد النزاعات اليومية وفقدان الأمان السكني، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة.

الأخطر في الأزمة لا يتمثل في العجز عن دفع الإيجار فحسب، بل في نتائجه المباشرة؛ إذ تجد آلاف الأسر نفسها مضطرة لمغادرة مساكنها والانتقال إلى مخيمات عشوائية تفتقر لأبسط الخدمات، في موجة نزوح ثانية داخل المدينة نفسها.

ويؤكد عفيف العباب أن حالات الإخلاء القسري تصاعدت خلال الفترة الأخيرة، سواء عبر التهديد المباشر أو من خلال رفع الإيجارات وقطع الخدمات الأساسية. كما يشير علي التام إلى تنامي هذه الظاهرة نتيجة رغبة بعض الملاك في إعادة التأجير بأسعار أعلى أو بالعملة الأجنبية.

وتحذر تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) من أن فقدان المأوى يرتبط بارتفاع المخاطر الاجتماعية، بما في ذلك عمالة الأطفال والزواج المبكر والعنف الأسري، ما يجعل أزمة السكن في مأرب أزمة حماية إنسانية تتجاوز حدود السوق العقاري.

في المقابل، يدافع بعض ملاك العقارات عن رفع الإيجارات باعتباره نتيجة طبيعية للانهيار الاقتصادي وارتفاع تكاليف البناء والصيانة.  ويقول أحد الملاك: “نحن أيضًا نتأثر بالأزمة، وإذا لم نرفع الإيجار فلن نستطيع حتى صيانة المنازل”.

إجراءات رسمية وحلول محدودة

تلعب الوساطات المجتمعية دورًا في احتواء بعض النزاعات عبر تدخل المشايخ وعقال الحارات، لكنها تبقى حلولًا مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، بحسب العباب والتام.

على المستوى الرسمي، يقول مدير عام مديرية مدينة مأرب ورئيس المجلس المحلي، محمد بن جلال، في حديثه لـ”نون بوست” إن أزمة الإيجارات بدأت كأزمة إنسانية مرتبطة بموجات النزوح، لكنها تحولت مع استمرار الحرب وانهيار العملة إلى أزمة اقتصادية وسوقية تهدد السلم الاجتماعي.

ويؤكد أن السلطة المحلية بدأت تنفيذ سلسلة إجراءات لتنظيم السوق العقارية، شملت منع الإخلاء التعسفي، وحظر التأجير بالعملة الأجنبية، واعتماد عقود موحدة تحفظ حقوق المالك والمستأجر، إلى جانب تنظيم مكاتب الوساطة العقارية ووضع أسعار استرشادية للإيجارات.

وأشار بن جلال إلى أن لجانًا ميدانية تعمل بالتنسيق مع الوحدة التنفيذية وعقال الحارات لرصد حالات التهديد بالإخلاء والتعامل معها عبر أقسام الشرطة باعتبارها مخالفة لقرارات السلطة المحلية.

لكنه أقر في الوقت ذاته بأن بناء مشاريع إسكان مستدامة يتجاوز قدرات المحافظة الحالية، في ظل محدودية الموارد وتوجيهها للحفاظ على الخدمات الأساسية، مؤكدًا أن السلطة المحلية تراهن على تنظيم السوق وتشجيع الاستثمار في المجمعات السكنية.

ورغم هذه الإجراءات، يرى ناشطون أن الأزمة تحتاج إلى تدخلات أكثر صرامة، تشمل وضع سقف منطقي للإيجارات، ومنع أي إخلاء خارج الأطر القانونية، وإنشاء هيئة مختصة لمعالجة النزاعات العقارية.

علاماتأزمة إنسانية في اليمن ، أزمة اليمن ، أهل اليمن ، الشأن اليمني
مواضيعالأزمة اليمنية ، الأمن في اليمن ، الشأن اليمني ، اليمن

قد يعجبك ايضا

مجتمع

من النكبة إلى الإبادة الجماعية: حياة جدة من غزة مليئة بالفقد والصمود

مها حسيني١٧ مايو ٢٠٢٦
سياحة وسفر

بين القنصلية والمعابر التركية: ضبابية الإجراءات تربك السوريين

زينب مصري١٦ مايو ٢٠٢٦
مجتمع

من الكاريكاتير إلى المعارض: كيف يواجه الفن السوري القمع والنسيان؟

ريم العوير٣٠ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑