أربكت القنصلية السورية في إسطنبول آلاف المسافرين حين أصدرت تعليمات مباغتة عبر “فيسبوك” تتعلق بعبور المعابر البرية بين تركيا وسوريا، في ذروة موسم السفر مع اقتراب عيد الأضحى وبداية الصيف، ما أثار موجة قلق بين من يخططون للسفر ومن دخلوا سوريا بالفعل.
وتضمّنت التعليمات اشتراط إبراز جواز سفر سوري ساري المفعول إلى جانب جواز السفر الأجنبي بالنسبة للسوريين مزدوجي الجنسية، إضافة إلى اشتراط عودة المسافر عبر المعبر نفسه الذي دخل منه إلى الأراضي السورية في حال دخوله عبر الحدود التركية.
كما أشارت القنصلية إلى أن السوري الحاصل على جنسية أخرى، والذي يدخل إلى سوريا من دولة غير تركيا، لن يُسمح له بدخول الأراضي التركية عند العودة إلى بلد إقامته، على أن يعود عبر الدولة أو المعبر نفسه الذي دخل منه إلى سوريا.
كذلك نصّت التوضيحات على عدم السماح لغير المواطنين السوريين بالعبور من تركيا إلى سوريا عبر المعابر البرية، واستثنت حاملي الجنسية التركية والمواطنين الأتراك.
الناطق الإعلامي باسم وزارة النقل الأردنية محمد الدويري:
قمنا بإدخال ثلاث شاحنات أردنية إلى الأراضي التركية عبر معبر باب الهوى، ضمن خطوة تجريبية نحو تركيا واليونان، عقب استكمال معالجة المعوّقات الجمركية والإجرائية. pic.twitter.com/G8kXW9Mnap
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 7, 2026
جاءت هذه التعليمات بالتزامن مع حديث غير رسمي عن السماح للسوريين من حملة إذن العمل المُستخرج على أساس بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك الأصفر) وجواز السفر السوري ساري الصلاحية بالسفر إلى سوريا عبر المنافذ البرية.
وكانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية نوهت في يناير/كانون الأول 2025 إلى السماح بدخول السوريين المقيمين في تركيا والحاصلين على إذن إقامة أو إذن عمل بالدخول إلى سوريا والخروج منها عبر المنافذ الحدودية البرية (كسب، باب الهوى، الحمام، السلامة، الراعي، جرابلس)، اعتبارًا من بداية العام الحالي.
لكن ردودًا رسمية وغير رسمية لاحقة أظهرت وجود اختلاف في تفسير وتطبيق هذه التعليمات بين المعابر المختلفة، خاصة أن إذن العمل يُمنح لحاملي تصاريح الإقامة وحملة بطاقة الحماية المؤقتة الذين تخضع حركة سفرهم وإمكانية دخولهم إلى سوريا لشروط وإجراءات متغيرة.
المنافذ السورية جاهزة.. لكن الصورة غير واضحة
وبينما برزت تعليمات القنصلية كشروط لا تتم حركة العبور إلا بتطبيقها، بيّن مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش أنه لا يوجد تعميم رسمي (تركي) موحد فيما يخص ذلك.
وقال علوش، في منشور عبر “فيس بوك” إن الجانب التركي لم يصدر حتى الآن أي تعميم رسمي موحّد وواضح يُعمم على جميع المنافذ الحدودية بهذا الخصوص، مشيرًا إلى وجود “اختلافات واجتهادات” في التطبيق بين منفذ وآخر.
وأوضح أن بعض الموظفين الأتراك يسمحون بعبور حاملي إذن العمل من بعض المعابر، مثل معبر كسب، بينما لا يُسمح بذلك في معابر أخرى، مضيفًا أن السوريين مزدوجي الجنسية ما يزال يُسمح لهم بالعبور عبر معظم المنافذ حتى في حال كان جواز السفر السوري منتهي الصلاحية منذ سنوات، في حين يُطلب من بعض المسافرين أحيانًا إبراز جواز سفر سوري ساري المفعول.
وبحسب علوش، فإن “الصورة الحالية ما تزال غير مستقرة أو موحّدة بين جميع المنافذ الحدودية التركية”، مشيرًا إلى تواصل قائم مع الجهات المعنية بهدف إصدار تعليمات رسمية واضحة وموحّدة، لتجنب تعرّض المسافرين للمنع أو التأخير بعد قطع مسافات طويلة نحو المعابر.
وأكد علوش أن الجانب السوري “يرحب بجميع المسافرين”، وأن المنافذ الحدودية السورية جاهزة لتسهيل إجراءات العبور وتقديم الخدمات اللازمة.
قال مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، مازن علوش، إنه تمّ توجيه الكوادر المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة بما يضمن تسهيل عبور مجموعة من المعتمرين الأتراك الذين قدموا إلى معبر باب الهوى بدراجاتهم النارية والتي لا يسمح لها قانونيًا بالعبور بآلياتهم هذه.
وأضاف… pic.twitter.com/kHPCo6QQTT
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 27, 2026
وللاستفسار حول وجود تنسيق رسمي بين الجهات المختصة والقنصلية السورية فيما يتعلق بإصدار التوضيحات الخاصة بعبور السوريين، إضافة إلى طبيعة الوثائق المعتمدة حاليًا لعبور المسافرين عبر المعابر البرية، تواصل “نون بوست” مع المكتب الإعلامي لعلوش، دون الحصول على رد حتى ساعة إعداد هذا التقرير.
من جانبه، أوضح الصحفي التركي جلال ديمير أنه، وبعد تواصله مع عدد من إدارات المعابر الحدودية التركية وولاية شانلي أورفا جنوبي البلاد، كان يُسمح سابقًا لحاملي الإقامة أو إذن العمل (الذي يُعامل في بعض الحالات كإقامة) بزيارة سوريا عبر معبر “قرقاميش” التابع لولاية غازي عنتاب، بشرط حيازة جواز سفر سوري ساري المفعول.
وأضاف أن ولاية أورفا، عقب نشر التوضيحات، قررت تشكيل لجنة ميدانية لزيارة بقية المعابر التركية، بهدف الاطلاع على الإجراءات المتبعة، والعمل على توحيدها وتطبيقها لاحقًا في معبر تل أبيض.
وأوضح ديمير أن أحد الأسباب الرئيسية لاختلاف آليات تنفيذ بعض القرارات الحكومية في تركيا يعود إلى طبيعة النظام الإداري، حيث يتمتع الوالي بصلاحيات واسعة في إدارة شؤون الولاية، مشيرًا إلى أن الحكومة المركزية تصدر التوجيهات العامة، بينما تُترك للوالي صلاحية تحديد آليات التنفيذ على مستوى المعابر والمناطق التابعة له.
استخراج جواز السفر عبء إضافي
وينعكس هذا الاختلاف في تطبيق الإجراءات بين المعابر بشكل مباشر على المسافرين الذين يجدون أنفسهم أمام حالة من عدم اليقين بشأن الإجراءات المطلوبة قبل السفر، إذ يرى كثيرون أن التوضيحات اللاحقة لم تقدّم تفسيرًا كافيًا أو مسارًا واضحًا يمكن الاعتماد عليه في تنظيم حركة السفر، ما جعل خطط العبور تعتمد إلى حدّ كبير على تجارب فردية ومخاطر محتملة مرتبطة بتفاوت التطبيق بين المعابر.
كما يواجه عدد من السوريين تحديات إضافية تتعلق بضرورة استخراج جواز سفر سوري كإجراء احتياطي، سواء كانوا خارج سوريا أو داخلها، وهو ما يترتب عليه تكاليف مالية متفاوتة بحسب بلد الإقامة وسرعة المعالجة ومدة الاستخراج، ومع تعدد أفراد الأسرة، قد تتحول هذه التكلفة إلى عبء مالي كبير غير محسوب ضمن تكاليف السفر الأساسية.
إلى جانب ذلك، يواجه بعض السوريين صعوبات أعمق تتعلق بعدم امتلاك أوراق سورية جاهزة أصلًا، خصوصًا أبناء السوريين المولودين خارج البلاد، الذين يحتاجون إلى إجراءات تسجيل واستخراج وثائق من الصفر، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد أمام الراغبين بالسفر.
وفقًا لما توضحه معلومات صادرة عن وزارة الخارجية والمغتربين السورية عبر منصاتها الرسمية، فإن استخراج جواز السفر السوري يتم عبر القنصليات أو السفارات السورية أو من خلال المركز القنصلي الإلكتروني، وذلك بحسب مكان إقامة المواطن، ويشمل ذلك إصدار جواز السفر لأول مرة، أو تجديده، أو إصدار بدل تالف أو فاقد.
كما تتيح الإجراءات للسوريين المقيمين خارج البلاد التقدم بطلب الحصول على جواز السفر عبر القنوات القنصلية أو من خلال وكيل قانوني داخل سوريا، مع إمكانية استخدام بعض الوثائق الثبوتية خلال مرحلة التقديم إلى حين استكمال إصدار الجواز.
وتبلغ رسوم استخراج وتجديد جواز السفر السوري، وفق آخر تعميم صادر عن وزارة الداخلية السورية، داخل سوريا (بشكل فوري) نحو مليون و600 ألف ليرة سورية، بينما تصل في الخارج (بشكل فوري) إلى 400 دولار أمريكي، وتنخفض إلى 200 دولار أمريكي في حال الاستخراج ضمن نظام الدور العادي، وتبلغ مدة صلاحية جواز السفر ست سنوات لجميع الفئات العمرية.
كيف يبدو الواقع الميداني؟
وحول واقع تطبيق هذه الإجراءات ميدانيًا، أوضح الناشط في مجال تقديم المعلومات الخدمية للسوريين حول السفر والإقامة والمعابر، عبدالله طرابلسية، لـ”نون بوست”، أن حالة الارتباك التي رافقت التوضيحات الصادرة عن القنصلية السورية في إسطنبول تعود إلى طريقة تداول مضمون المنشور، الذي فُهم بطريقة غير دقيقة لدى بعض المسافرين.
وبيّن أن ما صدر عن القنصلية كان أقرب إلى “توصية” بضرورة حمل السوريين مزدوجي الجنسية جواز سفر سوري ساري المفعول إلى جانب جوازاتهم الأجنبية عند السفر إلى سوريا، إلا أن هذا الإجراء لا يُطبق بشكل موحد على جميع المعابر، إذ يلتزم به بعضها، بينما لا يُطبق في معابر أخرى.
وأضاف طرابلسية أن القرارات المتعلقة بالسفر تُشكّل عاملًا حساسًا لدى كثير من العائلات، خاصة في مواسم الأعياد والعطل، حيث يبني المسافرون خططهم وحجوزاتهم قبل أسابيع، وغالبًا ما يسافرون مع أطفالهم ومن مسافات بعيدة، ما يجعل أي تغيير مفاجئ في التعليمات مكلفًا ماديًا ونفسيًا، وتكون عواقبه بالغة الضرر بعد تحمل مشقة السفر، لاسيما أن تكاليف الحجوزات والسفر لا تقل غالبًا عن ألف إلى ألفي دولار، وفق تقديره.
هيئة المنافذ والجمارك السورية:
السوريون المقيمون في تركيا والحاصلين على إقامة عمل أصبح بإمكانهم الدخول إلى سوريا والخروج منها عبر المنافذ الحدودية البرية (كسب، باب الهوى، الحمام، السلامة، الراعي، جرابلس) اعتبارًا من يوم الخميس الموافق 2026/01/01م pic.twitter.com/7PP5ZV2zZs
— نون سوريا (@NoonPostSY) December 31, 2025
وأشار إلى أن ما جرى مؤخرًا هو “تنبيه” بضرورة حمل جواز سفر ساري المفعول، وهو أمر “صحيح من حيث المبدأ”، لكنه لا يعكس التطبيق الفعلي على الأرض، فإجراءات المعابر متغيرة باستمرار، وتختلف من يوم إلى آخر، كما أن هناك تفاوتًا بين الموظفين، فبعضهم يتعامل بمرونة وتفهّم، بينما يلتزم آخرون بالتشدد الكامل، وهذا ما أدى إلى ظهور هذه المشكلة.
ولفت إلى أن معبر باب السلامة يُعد من أكثر المعابر تشددًا في تطبيق الإجراءات، في حين تتسم معابر أخرى بقدر أكبر من المرونة، إذ يُكتفى في بعض الحالات بإبراز هوية أو وثيقة تثبت الجنسية السورية، حتى في حال انتهاء صلاحية الجواز، دون تسجيل حالات واسعة لمنع عائلات من العبور بسبب ذلك.
وأوضح أن الجواز الأجنبي يبقى الوثيقة الأساسية في الإجراءات، بينما يُستخدم الجواز السوري أو الوثائق السورية كوسيلة تحقق من الهوية والجنسية فقط، دون وجود إجراءات إضافية عليه، مشيرًا إلى عدم تسجيل مشكلات واسعة النطاق، إذ إن معظم حجوزات السفر لم تبدأ بعد، حيث تتركز غالبية الرحلات عادة في الأسبوع الأخير الذي يسبق العيد.
وإلى حين صدور إجراءات موحدة تُطبق على جميع المعابر البرية بين سوريا وتركيا، تبقى حركة عبور المسافرين خاضعة لإجراءات متباينة، ما ينعكس على استقرار خطط السفر ويزيد حالة الإرباك لدى السوريين الراغبين بزيارة بلدهم.