“في مواجهة حرب غير قانونية، وفي مواجهة ما يُوصف بالإبادة الجماعية، لا يمكن أن يكون الصمت خيارًا”.. بهذه العبارات برّر رئيس الوزراء الإسباني بيدور سانشيز موقف بلاده الداعم لمقاطعة النسخة الحالية من مسابقة “يوروفيجن” بسبب مشاركة “إسرائيل”، مؤكدًا أن مدريد “تقف في الجانب الصحيح من التاريخ”، وأنها لا تستطيع التزام الصمت إزاء الحرب الدائرة في غزة ولبنان.
وتُعد إسبانيا واحدة من خمس دول أوروبية -إلى جانب أيرلندا وهولندا وسلوفينيا وآيسلندا- قررت الانسحاب من النسخة الحالية للمسابقة الفنية الأشهر في القارة، والتي تختتم فعالياتها السبت 16 مايو/أيار الجاري، في خطوة حملت طابعًا سياسيًا وأخلاقيًا واضحًا، باعتبارها وسيلة احتجاج على استمرار مشاركة “إسرائيل” رغم الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين في غزة ولبنان.
وأدت هذه المقاطعة إلى تراجع عدد المشاركين في المسابقة إلى 35 دولة فقط، وهو أدنى مستوى منذ عام 2003، الأمر الذي يُتوقع أن ينعكس بصورة مباشرة على نسب المشاهدة العالمية للحدث، والتي تجاوزت العام الماضي 166 مليون مشاهد، متفوقة حتى على نسب مشاهدة بطولة “السوبر بول” الأميركية.
اللافت في تلك الموجة أنها لم تعد مقتصرة على الحكومات أو هيئات البث الرسمية فحسب، بل امتدت إلى داخل الوسط الفني المرتبط بالمسابقة نفسها، حيث أعلن نيمو (الفائز بنسخة 2024) وتشارلي ماكغيتيغان (فائز 1994)، نيتهما إعادة جوائزهما احتجاجًا على مشاركة “إسرائيل”، كما رفضت الفنانة التركية سرتاب إرينر، الفائزة بنسخة 2003، حضور أو المشاركة تلك النسخة، مؤكدة أن موقفها يأتي انسجامًا مع رفضها مشاركة “إسرائيل” في ظل الحرب على غزة، واعتبارها أن ذلك يتعارض مع القيم الأساسية للمسابقة مثل السلام والوحدة، في مؤشر يعكس اتساع دائرة الاعتراض على مشاركة “إسرائيل” داخل الأوساط الثقافية الأوروبية والدولية،
ولا تبدو هذه القرارات مجرد مواقف عابرة مرتبطة بحدث فني مؤقت، بل تعكس تحولات أعمق داخل المزاج السياسي والثقافي الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية، كما تعيد وضع “إسرائيل” مجددًا داخل دائرة الاتهام الأخلاقي والحقوقي، في ظل تصاعد الانتقادات الأوروبية للانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، والتي يبدو أنها لن تسقط بالتقادم.
وتكشف هذه المقاطعة عن اتساع مساحة الجدل داخل أوروبا نفسها بشأن العلاقة مع “إسرائيل”، لا سيما أن هذا التحول يأتي من داخل دول كانت تُعد تقليديًا أكثر قربًا أو تفهمًا للمواقف الإسرائيلية، بما يشير إلى أن تداعيات الحرب الحالية لم تعد محصورة في البعد العسكري أو الإنساني فقط، بل بدأت تمتد إلى صورة “إسرائيل” داخل المؤسسات الثقافية والإعلامية الغربية، وهي صورة قد تواجه تحديات متزايدة يصعب احتواؤها مع مرور الوقت.
اتساع رقعة التضامن مع فلسطين
حملت موجة الانسحابات الأوروبية من مسابقة يوروفيجن جملة من الدلالات السياسية والرمزية التي تصب جميعها في اتجاه واحد؛ اتساع مساحة التعاطف الأوروبي مع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، مقابل تعمّق العزلة الشعبية والأخلاقية التي تواجهها “إسرائيل”، وتآكل السردية التي روّجت لها لعقود طويلة بشأن مشروعية سياساتها وضرورة الدعم الأوروبي غير المشروط لها.
ولعل الدلالة الأبرز في هذه الخطوة أنها تعكس انتقال التضامن مع الفلسطينيين من مستوى الشارع إلى مستوى المؤسسات الرسمية، ومن المواقف الفردية والشعبية إلى المواقف الحكومية وشبه الحكومية، فالمقاطعة هذه المرة لم تصدر عن ناشطين أو جماعات ضغط أو حركات تضامن مدنية كما جرت العادة، بل جاءت من هيئات بث ومؤسسات رسمية تمثل دولًا أوروبية، بما يكشف عن تحوّل واضح في المزاج المؤسسي الأوروبي تجاه الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية.
ويشير هذا التحول إلى أن الحرب لم تعد تُقرأ داخل قطاعات واسعة من أوروبا باعتبارها مجرد ملف أمني أو نزاع سياسي تقليدي، بل باتت تُنظر إليها بوصفها قضية إنسانية وأخلاقية بالدرجة الأولى، الأمر الذي جعل استمرار المشاركة في فعاليات فنية واحتفالية تضم “إسرائيل” يُنظر إليه لدى البعض باعتباره خروجًا عن السياق الأخلاقي العام، أو محاولة لتجاوز مشاهد الحرب والانتهاكات الإنسانية دون مساءلة أو موقف واضح.
– جاءت المقاطعة بعد قرار اتحاد البث الأوروبي السماح لـ "إسرائيل" بالمشاركة في مسابقة يوروفيجن 2026، رافضًا طلب إسبانيا وسبع دول أخرى بإجراء تصويت سري لإقصائها.
– بررت هذه الدول قرارها بالإبادة الجماعية المستمرة في غزة، مؤكدة أن مشاركة الكيان الإسرائيلي "تتعارض مع قيم السلام"،… pic.twitter.com/vQmCOOR6c9
— نون بوست (@NoonPost) December 6, 2025
كما تفند هذه التطورات، إلى حد كبير، الرهانات التي تحدثت عن تراجع الزخم الأوروبي الداعم لفلسطين بمجرد انتهاء العمليات العسكرية رسميًا، أو عن قدرة الوقت على إعادة توجيه المزاج الشعبي الأوروبي نحو الرواية الإسرائيلية التقليدية، فالمؤشرات المتتالية القادمة من الشارع الأوروبي، ومن بعض المؤسسات الثقافية والإعلامية وحتى الرياضية، تعكس أن التعاطف مع الفلسطينيين لم يكن مجرد رد فعل عابر مرتبط بلحظة الحرب، بل تحول تدريجيًا إلى مزاج عام أكثر رسوخًا وتأثيرًا.
ويمكن رصد استمرار هذا الزخم من خلال العديد من المواقف والسلوكيات الرمزية التي تلقى تفاعلًا واسعًا داخل المجتمعات الأوروبية، من بينها رفع لاعب برشلونة الإسباني، لامين يامال لعلم فلسطين خلال احتفالات فريقه بالفوز بالدوري الإسباني، وهي الخطوة التي حظيت بتأييد شعبي وإعلامي واسع داخل إسبانيا، فضلًا عن الدعم الذي أبداه رئيس الوزراء الإسباني بما يعكس أن الرمزية الفلسطينية لا تزال حاضرة بقوة داخل الوعي الأوروبي، رغم كل الرهانات على تراجعها أو انحسارها مع مرور الوقت.
تعميق العزلة الدولية لـ”إسرائيل”
على الجانب الآخر، تُقرأ هذه الانسحابات بوصفها امتدادًا لموجة العزلة الدولية المتصاعدة التي تواجهها “إسرائيل”، والتي تتسع تدريجيًا من الدوائر السياسية إلى المساحات الثقافية والفنية ذات التأثير الرمزي الواسع، وتبدو هذه الخطوة استثنائية نسبيًا، لأن المقاطعة حين تنطلق من الفضاءات الفنية والثقافية، فإنها تعني أن صورة الدولة لم تعد تتأثر سياسيًا فقط، بل بدأت تواجه تآكلًا أخلاقيًا وشعبيًا داخل الرأي العام العالمي، وهو ما يمثل أحد أخطر أشكال الضغط المعنوي على المدى الطويل.
كما أن مثل هذه المواقف تفرض ضغوطًا متزايدة على الحكومات الغربية الداعمة لـ”إسرائيل”، لأنها تكشف بوضوح عن التحول الجاري داخل المزاج الشعبي الأوروبي، بما يجعل تجاهل هذا التحول أو الاصطفاف الكامل بعكسه أمرًا أكثر كلفة سياسيًا وإعلاميًا، في ظل ما قد يترتب على ذلك من تداعيات داخلية تتعلق بالرأي العام والشرعية السياسية.
أما النقطة الأكثر حساسية بالنسبة لـ”إسرائيل”، فتتمثل في أن مسابقة يوروفيجن كانت تُستخدم لعقود باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة والتأثير الدعائي المرتبط بتحسين الصورة الذهنية للدولة العبرية داخل أوروبا، وهو ما أشارت إليه صحيفة “نيويورك تايمز” التي كشفت كيف عملت تل أبيب على توظيف المسابقة كمنصة للتأثير الإعلامي والثقافي، من خلال حملات ترويجية وتمويلات وإعلانات رسمية مرتبطة بالحدث، بهدف تعزيز حضورها الرمزي داخل الفضاء الأوروبي وتقديم صورة أكثر قبولًا عن سياساتها أمام الرأي العام الغربي.
رغم شعار “إبعاد السياسة عن الفن”، تعود يوروفيجن إلى قلب الجدل السياسي مع تصاعد دعوات فائزين سابقين وفنانين لمقاطعة المسابقة بسبب حرب غزة ومشاركة "إسرائيل"
الفائزة الدنماركية إيميلي دي فوريست قالت إن الموسيقى لا تعيش بمعزل عن العالم، وإن إبقاء إسرائيل في المسابقة هو بحد ذاته قرار… pic.twitter.com/z3TcMlzssJ— نون بوست (@NoonPost) May 10, 2026
ومن هنا، ووفق هذا المسار المتصاعد، فإن اتساع رقعة المقاطعة الثقافية والأكاديمية والرياضية مستقبلًا قد يضع “إسرائيل” أمام حالة من “العزلة الناعمة” المتراكمة، وهي عزلة لا تُقاس فقط بالمواقف السياسية الرسمية، بل بمدى تراجع القبول الشعبي والثقافي والأخلاقي داخل المجتمعات الغربية.
وتكمن خطورة هذا المسار بالنسبة لصنّاع القرار في تل أبيب في أنه يعيد إلى الأذهان تجارب تاريخية واجهت فيها دول أخرى أشكالًا مشابهة من العزل التدريجي، مثل روسيا وإيران وجنوب إفريقيا، بدأت من الفضاءات الثقافية والرمزية قبل أن تمتد إلى دوائر أكثر تأثيرًا، وهو ما يفسر تنامي القلق داخل الأوساط الإسرائيلية من تحوّل المقاطعة الرمزية إلى مسار دولي ممتد يصعب احتواؤه أو التقليل من تداعياته على المدى البعيد.
“يوروفيجن”.. هل تدفع ثمن الاستقطاب؟
يبدو أن يوروفيجن ستدفع هي الأخرى ثمن توظيفها، ولو بصورة غير مباشرة، ضمن أدوات القوة الناعمة والدعاية المرتبطة بإسرائيل، فعلى الرغم من تمسك اتحاد البث الأوروبي (EBU) بخطابه التقليدي القائم على التأكيد بأن المسابقة “غير سياسية” وتقوم على الحياد الفني والثقافي، فإن ما كشفت عنه تقارير وصحف غربية خلال الفترة الأخيرة يعكس واقعًا أكثر تعقيدًا، ويضع المسابقة أمام اختبار حساس يتعلق بقدرتها على الفصل بين بعدها الفني ومسارات التوظيف السياسي المحيطة بها، وهي معادلة تبدو أكثر صعوبة مع تصاعد الاستقطاب الدولي حول الحرب في غزة.
وتأتي جماهيرية المسابقة وثقة الأوروبيين بها في مقدمة التحديات التي تواجهها حاليًا، بعدما تعرضت النسخة الحالية لإحدى أكثر الضربات إيلامًا بانخفاض عدد المشاركين إلى أدنى مستوى منذ نحو 23 عامًا، فضلًا عن تراجع صورتها باعتبارها الحدث الثقافي الجامع لأوروبا، وسط مخاوف متزايدة من اتساع دائرة المقاطعة مستقبلًا إذا استمر الإصرار على مشاركة “إسرائيل” رغم الجدل القائم.
لكن التحدي الأكثر حساسية بالنسبة للمسابقة يتمثل في احتمالية ظهور بدائل ثقافية وفنية موازية تسحب تدريجيًا جزءًا من بريقها وتأثيرها الرمزي، وهو ما بدأت ملامحه تلوح بالفعل خلال النسخة الحالية، ففي بلجيكا، جرى تنظيم فعاليات ومهرجانات موازية رفعت شعارات داعمة لفلسطين، من بينها مهرجان حمل عنوان “متحدون من أجل فلسطين – لا منصة للإبادة الجماعية”، مع دعوات لإقامة حفلات مشاهدة بديلة بعيدًا عن البث الرسمي للمسابقة، كما خصصت هيئة الإذاعة والتلفزيون في سلوفينيا مساحة لبث برامج وثائقية عن غزة ضمن إطار حمل عنوان “أصوات فلسطين”، في خطوة عكست محاولة لإعادة توجيه الاهتمام الجماهيري نحو خطاب احتجاجي وإنساني موازٍ للحدث الفني الرسمي.
في المحصلة، يبدو أن الحرب على غزة بما أحدثته من هزة عميقة داخل بنية النظام الدولي أعادت خلط كثير من الأوراق، إلى الحد الذي بات معه الفصل بين السياسي والثقافي والفني والرياضي أمرًا بالغ الصعوبة، فقد تحولت القضية الفلسطينية، ومعها حقوق الشعب الفلسطيني، إلى معيار أخلاقي وإنساني حاضر بقوة في تقييم المواقف والسياسات والفعاليات الدولية، في ظل تصاعد مزاج غربي أكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين وأكثر انتقادًا لسياسات “إسرائيل”.
وتكشف التحولات الجارية أن غزة، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة التي دفعتها، نجحت في إعادة فرض القضية الفلسطينية على دوائر النقاش العالمي بصورة غير مسبوقة منذ سنوات، كما ساهمت في خلق حالة من الزخم الشعبي المتسارع داخل المجتمعات الغربية، يقابلها اتساع تدريجي في عزلة “إسرائيل” داخل الفضاءات الثقافية والشعبية، بعدما كانت قبل سنوات قليلة تحظى بحضور واسع ونفوذ رمزي ملحوظ داخل الشارع الأوروبي، لتؤكد مجددًا أن ما بعد تلك الحرب أبدًا لن يكون بأي حال من الأحوال كما كان قبلها.