ترجمة وتحرير: نون بوست
أصبحت الإمارات واحدة من أكثر الأطراف الخارجية نشاطًا في النزاعات الأفريقية، بدءاً من إثيوبيا وليبيا والصومال، وصولاً إلى السودان. وعلى الرغم من أن القيادة في أبوظبي تنفي بإصرار دعمها للأطراف المتحاربة، إلا أنها واصلت تقديم هذا الدعم حتى في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وذلك رغم التداعيات الخطيرة التي قد تتعرض لها الإمارات نفسها.
ويعرقل هذا الدور جهود تسوية النزاعات، كما يفاقم الأزمات الإنسانية وحالة عدم الاستقرار الإقليمي. كما أنه يقوض المصالح الأوروبية المتمثلة في تأمين طرق تجارية موثوقة، ومنع النزوح القسري، وتعزيز التكامل الإقليمي.
وينبغي على ألمانيا وشركائها الأوروبيين إعطاء أهمية أكبر بكثير للممارسات الإماراتية المزعزعة للاستقرار ضمن علاقاتهم الثنائية، وتوجيه انتقادات أكثر صراحة لها، والنظر في إمكانية فرض عقوبات عليها. إن سياق الحرب مع إيران، فضلاً عن التوترات القائمة بين الإمارات والسعودية، يوفر فرصة سانحة لإحداث تغيير في سياسة أبوظبي.
لقد طغت الحرب مع إيران على تطورٍ كان قد حظي باهتمام متزايد في أوساط الرأي العام الأوروبي في أواخر عام 2025، ألا وهو: دور الإمارات في النزاعات الأفريقية، لا سيما في ضوء التداعيات الإنسانية المدمرة للحرب الدائرة في السودان. وبلغت هذه الحرب ذروة جديدة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما استولت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في شمال دارفور، ثم ارتكبت مجازر أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وفقاً للتقديرات. وتُعد الإمارات الداعم العسكري واللوجستي والمالي الأهم لقوات الدعم السريع. وحتى بعد اندلاع الحرب مع إيران، انطلقت العديد من رحلات الشحن الجوية المشبوهة من الإمارات إلى إثيوبيا، وذلك لنقل الإمدادات عبر الحدود إلى قوات الدعم السريع على ما يبدو.
غير أن التدخل الإماراتي في النزاعات الأفريقية يمتد إلى ما هو أبعد من السودان بكثير؛ ففي وقت مبكر يعود إلى عام 2014، دعمت الإمارات القوات المسلحة العربية الليبية بقيادة خليفة حفتر في الحرب الأهلية الليبية، بما في ذلك خلال هجومها على الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس بين عامي 2019 و2020. وفي إثيوبيا، اعتمدت حكومة آبي أحمد على طائرات مسيرة إماراتية لصد هجوم شنه متمردو تيغراي في خريف عام 2021. وتتجلى إحدى السمات البارزة للتدخلات الإماراتية في إحجامها عن نشر قواتها العسكرية الخاصة. وبدلاً من ذلك، تمارس نفوذها بشكل رئيسي من خلال شركاء محليين، يشكل العديد منهم جماعات مسلحة شبه حكومية أو غير الحكومية.
دعم الأطراف المزعزعة للاستقرار
ويشمل حلفاء الإمارات قوات لواء حفتر في ليبيا، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في السودان، وقوة الشرطة البحرية في بونتلاند، فضلاً عن قوات الشرطة والقوات العسكرية لأرض الصومال في شمال الصومال. ووفقاً للعديد من التقارير، تُزوِّد الإمارات هذه الجماعات، بالإضافة إلى الحكومة الإثيوبية، بأنظمة تسليح غالباً ما تكون حاسمة في مسار الحروب، مثل الطائرات المُسيَّرة المتطورة بعيدة المدى. كما شنت الإمارات ضربات جوية خاصة بها ضد الحكومة في طرابلس، وفي منطقة بونتلاند الصومالية، حيث هاجمت خلية تابعة لما يُسمى بتنظيم الدولة.
وتتسم علاقات ثلاثة من الشركاء المحليين للإمارات – القوات المسلحة العربية الليبية، وقوات الدعم السريع، وقوة الشرطة البحرية في بونتلاند – بالتوتر أو حتى العداء مع حكوماتهم المركزية. وتنحدر هذه المجموعات من ميليشيات شبه حكومية وتسيطر على أراضيها الخاصة. ويختلف دعم الحكومة الإثيوبية، ولا سيما خلال الحرب في شمال البلاد في الفترة 2020-2022، عن هذا النمط، ففي تلك الحالة، عززت الإمارات موقف الحكومة المعترف بها دولياً ضد قوات دفاع تيغراي. ومع ذلك، فإن جميع هؤلاء الفاعلين – والإمارات نفسها – ينتهجون أجندة تخريبية فيما يتعلق بأنظمتهم السياسية ويهدفون إلى تغيير موازين القوى المحلية.
وتتضمن مجموعة أدوات الإمارات أيضاً تجنيد مقاتلين أجانب ومرتزقة، ونقلهم إلى ساحات القتال أو نشرهم لتقديم الدعم اللوجستي. ففي وقت مبكر يعود إلى عام 2010، نشرت الإمارات شركة عسكرية خاصة تُديرها أطراف جنوب أفريقية لتأسيس قوة الشرطة البحرية في بونتلاند بالصومال، بدعوى مكافحة القرصنة. وفي وقت لاحق، قامت بدفع أموال لمرتزقة سودانيين قاتلوا إلى جانب حفتر في طرابلس. وفي السودان، نظمت الشركة الأمنية الإماراتية “مجموعة الخدمات الأمنية العالمية” عمليات تجنيد ونقل ودفع أجور لعدة مئات من المرتزقة الكولومبيين، بما في ذلك من خلال قاعدة عسكرية في الإمارات. وعندما فرضت الحكومة الأمريكية عقوبات على الأطراف المتورطة في عام 2025 (باستثناء الشركة الأمنية الإماراتية المذكورة أعلاه)، ذكرت أن هؤلاء الرجال دعموا قوات الدعم السريع بـ “الخبرة التكتيكية والفنية، وعملوا كأفراد مشاة ومدفعية، وكطيارين للطائرات المُسيَّرة، ومشغلين للمركبات، ومدربين، بل إن بعضهم قام بتدريب الأطفال على القتال”.
ولا تحدث الأنشطة الإماراتية في مناطق النزاع هذه بشكل منعزل، بل تشكل جزءاً من شبكة عابرة للحدود الوطنية أنشأتها الدولة. وقد تم توجيه الإمدادات إلى قوات الدعم السريع، من بين مسارات أخرى، عبر المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة العربية الليبية في ليبيا (وعلى رأسها الكفرة في الجنوب)، وعبر نجامينا وأم جرس في تشاد، وفي بعض الحالات عبر محطات توقف في كينيا وأوغندا ورواندا. كما كانت مدينة بوساسو في بونتلاند بمثابة قاعدة لدعم قوة الشرطة البحرية، وأيضاً لنقل الأسلحة من اليمن والمرتزقة الكولومبيين المتجهين إلى قوات الدعم السريع. وتعمل الإمارات باستمرار على تكييف هذه المسارات للاستجابة للتغيرات في الوضع العسكري أو في مواقف الحكام المحليين.
ومن أجل اكتساب النفوذ في الدول التي تشكل جزءًا من هذه الشبكة اللوجستية، تخصص الإمارات مبالغ مالية ضخمة، فعلى سبيل المثال، خلال زيارة في يونيو/ حزيران 2023، وعدت الإمارات الرئيس التشادي إدريس ديبي بقرض قيمته 1.5 مليار دولار أمريكي. كما ساعدت القروض الإماراتية الحكومتين في إثيوبيا وكينيا على تجاوز الصعوبات المالية قصيرة الأجل. وفي الوقت ذاته، تتربح الإمارات من تصدير وتهريب الذهب من مناطق النزاع مثل السودان.
وتنفي الإمارات معظم هذه الأنشطة، لا سيما الدعم العسكري المباشر لأطراف النزاع مثل قوات الدعم السريع. وبعد أن أشار تقرير صادر عن فريق خبراء الأمم المتحدة في عام 2024 إلى وجود أدلة “موثوقة” على الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، غاب أي ذكر لذلك في التقرير اللاحق، رغم أنه ظهر في المسودة المسربة لذلك التقرير نفسه. وتشير الإمارات إلى النسخة المنشورة، والتي يبدو أنها عُدلت، كدليل على مزاعم عدم تدخلها، بل وتدعو إلى فرض حظر دولي على توريد الأسلحة إلى السودان بأكمله، بينما يقتصر الحظر حالياً على دارفور فقط.
لقد بذلت الإمارات جهوداً مضنية لتجنب الانتقادات الدولية. فعلى سبيل المثال، أمضت وزيرة الدولة الإماراتية، لانا نسيبة، أربعة أيام في بروكسل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 للاجتماع بأعضاء البرلمان الأوروبي. وفي قرار البرلمان بشأن السودان، الذي اعتُمد في الوقت نفسه، لم يُذكر دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، وذلك عقب معارضة حزب الشعب الأوروبي للتعديلات التي قدمتها المجموعات البرلمانية اليسارية.
الاقتصاد والجيوسياسة والإثراء الذاتي
غالباً ما تظل المصالح المحددة الكامنة وراء التحركات الإماراتية في النزاعات الفردية غير واضحة، إذ تُتخذ القرارات داخل دائرة ضيقة يقع في مركزها محمد بن زايد آل نهيان، حاكم أبو ظبي ورئيس الدولة. علاوة على ذلك، تُعد عتبة التدخل منخفضة، حيث لم تتحمل الإمارات حتى وقت قريب أي تكاليف سياسية تُذكر جراء هذه الأنشطة. ولا تتبع هذه التدخلات بالضرورة استراتيجية شاملة ومتماسكة، ومع ذلك، يمكن تحديد بعض الدوافع الأساسية. على سبيل المثال، غالباً ما تُفسر السياسات الأمنية الإماراتية بالمصالح الاقتصادية الخارجية. وبالفعل، برزت الإمارات في السنوات الأخيرة كواحدة من أهم الشركاء الاقتصاديين للعديد من الدول الأفريقية، حيث تقوم مجموعات اللوجستيات المملوكة للدولة، مثل “دي بي وورلد” ومجموعة موانئ أبوظبي، ومقرهما دبي وأبوظبي، بتشغيل أو تطوير موانئ وبنية تحتية مرتبطة بها في عدة دول، من بينها الصومال والسنغال وتنزانيا وموزمبيق وأنغولا ومصر. وتشكل مشاريع الموانئ هذه جزءاً من ممرات اقتصادية ذات أهمية استراتيجية مصممة لنقل المواد الخام مثل المعادن والسلع الزراعية والطاقة إلى الأسواق الدولية.
وبالنسبة للإمارات، تُعد هذه الممرات ضرورية أيضاً لأنها تضمن الوصول طويل الأمد إلى الموارد الاستراتيجية وطرق التجارة. وتعكس هذه الاستثمارات إستراتيجية إماراتية لتنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط. وبناءً عليه، يمكن فهم التدخلات العسكرية كوسيلة لحماية هذه المصالح الاقتصادية.
ومع ذلك؛ وبالنظر إلى تأثير السياسات الإقليمية للإمارات، فإن هذا التفسير يظل جزئياً في أفضل الأحوال. فغالباً ما يساهم الانخراط الإماراتي في زعزعة استقرار المجالات الاقتصادية، مما يشير إلى وجود دوافع إضافية ليست اقتصادية في المقام الأول. ويأتي على رأس هذه الدوافع طموح الإمارات في كسب نفوذ أكبر في المنطقة، وبالتالي اكتساب أهمية دولية أوسع. والهدف الأساسي هو إثبات مكانتها في مواجهة قوى إقليمية أقوى بكثير، مثل إيران، ولكن قبل كل شيء في مواجهة جارتها الكبرى في شبه الجزيرة العربية، السعودية. إن التوترات بين “الدولتين الشقيقتين”، مثل تلك التي تصاعدت في اليمن في نهاية عام 2025، ليست جديدة بأي حال من الأحوال. وبينما كانت النزاعات الحدودية والمشاحنات حول الصلاحيات داخل مجلس التعاون الخليجي هي السائدة سابقاً، فإن المنافسة تتجلى الآن بشكل أساسي في استراتيجيات التنمية الاقتصادية والإقليمية المتنافسة. إذ تسعى كلتا الدولتين إلى تنفيذ خطط طموحة لترسيخ مكانتهما كمركزين محوريين للتجارة واللوجستيات والاستثمار بين أفريقيا وآسيا وأوروبا.
ومنذ أن أجبرت الرياض أبوظبي على الانسحاب من جنوب اليمن، أصبح جلياً مدى خطورة هذه التوترات – ذات التداعيات الإقليمية الحادة. فقد قامت السعودية، مثلها مثل مصر والصومال، بإغلاق مجالها الجوي مؤقتاً أمام مهام الإمداد الإماراتية المتجهة إلى قوات الدعم السريع. ونتيجة لذلك، اكتسبت إثيوبيا أهمية متزايدة كمركز لوجستي لهذه الشحنات. وحتى الحرب مع إيران، التي أثرت بشدة على كل من الإمارات والسعودية، لم تفعل الكثير لتخفيف التوترات الثنائية. وكانت هذه التوترات أيضاً السبب وراء فشل مؤتمر السودان الدولي الثالث في برلين في 15 أبريل/ نيسان 2026 في إصدار بيان ختامي مشترك في البداية. وفي نهاية أبريل/ نيسان 2026، أعلنت الإمارات أيضاً انسحابها من تحالف “أوبك+” للنفط، وهي خطوة من المرجح أن تزيد من توتر علاقتها مع السعودية.
ويُساهم العداء الأيديولوجي الذي تكنه أسرة آل نهيان الحاكمة في أبو ظبي لجماعة الإخوان المسلمين في تشكيل سياساتها الإقليمية بشكل كبير. إذ تسعى العائلة إلى الحفاظ على نموذج حكمها الاستبدادي وتعارض الحركات الإسلامية التي تسعى للتعبئة الاجتماعية وتطالب بالمشاركة السياسية. وبناءً عليه، تتبع أبو ظبي سياسة تهدف إلى “الاحتواء الفاعل” لهؤلاء الفاعلين، وهو ما ينعكس في كل من القمع الداخلي والسياسة الخارجية التدخلية. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال حصار قطر المجاورة بين عامي 2017 و2021، وهو الحصار الذي كانت أبو ظبي المحرك الرئيسي له، حيث اتُّهمت القيادة القطرية بدعم جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة.
وفي الصراعات الأفريقية أيضاً، غالباً ما تدعم الإمارات الجهات الفاعلة المحلية، مثل قوات الدعم السريع، الذين يعارضون صراحةً جماعة الإخوان المسلمين أو المجموعات المتحالفة معها. ومع ذلك، يظل تمايز الإمارات عن الفاعلين الإسلاميين الآخرين ضبابياً في بعض الأحيان، إذ تتسم التحالفات الأمنية بطابع براغماتي ولا تتماشى بالضرورة مع الأهداف المعلنة رسمياً لمكافحة الإرهاب.
وأخيراً، تلعب الشبكات الشخصية لأفراد العائلات الحاكمة في أبوظبي ودبي دوراً أيضاً. فعلى سبيل المثال، يمتلك منصور بن زايد، شقيق الرئيس ورئيس مجلس إدارة صندوق الثروة السيادي “مبادلة”، وفقاً لتقارير إعلامية وبحثية، علاقات وثيقة مع الجهات الفاعلة المحلية في الصراعات الأفريقية، بما في ذلك حفتر في ليبيا وحميدتي في السودان. وتوفر تجارة وتهريب الذهب والموارد الأخرى مصادر دخل مربحة لكل من قوات الدعم السريع والجيش السوداني النظامي (القوات المسلحة السودانية)، وكذلك لشركائهم التجاريين في الإمارات.
وكل النزاعات في السودان وإثيوبيا وليبيا والصومال تتميز بأن لها أسبابها الخاصة وليست مجرد حروب بالوكالة. ومع ذلك، فإن الدعم العسكري والمالي الخارجي – من الإمارات في هذه الحالة – يشجع الأطراف المتحاربة على السعي لتحقيق أهدافها بالقوة. وهذا له عواقب: فقد خلقت الحرب في السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم، قياسًا بعدد الأشخاص الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية (33.7 مليون)، أو الذين نزحوا (تجاوز العدد في بعض الأوقات 15 مليون)، أو الذين يعانون من الجوع الشديد، بحسب الأمم المتحدة.
وتتحمل قوات الدعم السريع، شريك الإمارات، مسؤولية العنف الممنهج ضد المدنيين السودانيين، والذي يشمل العنف الجنسي، واحتجاز الرهائن، والنهب، والتهجير، والهجمات على المرافق الطبية والمجازر الجماعية. وتستهدف معظم أعمال العنف هذه أفراد الأقليات غير العربية مثل المساليت في غرب دارفور والزغاوة في شمال دارفور. وحاصرت قوات الدعم السريع مدينة الفاشر لمدة عام ونصف، وقد كانت المدينة تحت سيطرة الجيش السوداني وحلفائه حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025 كآخر عاصمة إقليمية في دارفور. وخلال سيطرتها على المدينة، ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم منظمة ضد السكان المدنيين غير العرب، لدرجة أن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة وصفت ذلك بأنه يحمل سمات الإبادة الجماعية.
وتساعد الشبكة اللوجستية للإمارات، التي أُنشئت في المقام الأول لدعم قوات الدعم السريع، على ربط النزاعات الدائرة في مختلف البلدان بشكل أوثق. فمنذ خريف عام 2025، أقامت الإمارات معسكرًا تدريبيًا لقوات الدعم السريع في منطقة بني شنقول قمز غرب إثيوبيا. ويبدو أن المعدات العسكرية المخصصة لقوات الدعم السريع، والتي يصل بعضها على ما يبدو عبر مدينة بربرة في أرض الصومال، يتم إعادة توجيهها عبر قاعدة تابعة للقوات المسلحة الإثيوبية. وفي الوقت نفسه، شنت قوات الدعم السريع هجومًا في جنوب ولاية النيل الأزرق بالسودان، حيث يبدو أنها تنشر أيضًا وحدات من جنوب السودان.
ويهدد الدعم اللوجستي الذي تقدمه الإمارات لقوات الدعم السريع عبر تشاد التوازن الهش هناك؛ حيث ترتبط عدة مجموعات عرقية في دارفور – وبالتالي الأطراف المحلية في النزاع – بعلاقات وثيقة مع تشاد، التي ينحدر منها بعض المقاتلين أيضًا. وسمح الرئيس ديبي، على الأقل مؤقتًا، للإمارات باستخدام البلاد كمركز لوجستي لدعم قوات الدعم السريع. ويؤجج هذا الأمر التوترات داخل النخبة العسكرية التشادية، حيث تجند قوات الدعم السريع أفرادها في الغالب من الجماعات العربية وتقاتل ضد وحدات من الزغاوة، جماعة ديبي نفسه. وتشير الاشتباكات المتكررة بين قوات الدعم السريع والجيش التشادي في المنطقة الحدودية إلى احتمال تصعيد الصراع.
وتُعد ليبيا مثالًا على العواقب المحتملة على المدى الطويل التي قد تتعرض لها أوروبا جراء التدخلات الإماراتية؛ فقد شكّل التدخل المبكر للإمارات لدعم حفتر سببًا رئيسيًا في تحول هجومه على طرابلس في أبريل/ نيسان 2019 إلى حرب أهلية مطولة استمرت لأكثر من عام وأسفرت عن وجود عسكري تركي وروسي دائم في البلاد. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الإمارات قد مولت مشاركة مجموعة فاغنر الروسية في هذا الصراع، كما زعمت وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية في عام 2020. لكن المؤكد هو وجود تعاون وثيق بين الإمارات وفاغنر خلال الحرب: فقد اعتمدت لوجستيات فاغنر جزئيًا على رحلات النقل الجوي من الإمارات، ونشرت الإمارات أنظمة الدفاع الجوي “بانتسير” التي كان يشغلها عناصر فاغنر، وقدمت هذه الأخيرة إحداثيات الأهداف للطائرات المسيرة الإماراتية. وبالتالي، تتحمل الإمارات جزءًا من المسؤولية عن الوجود العسكري الروسي الراسخ الآن في ليبيا، وبالتالي عن الانقسام المستمر في البلاد.
إن العواقب الإنسانية للنزاعات التي تتدخل فيها واسعة النطاق – على الرغم من أن الإمارات نفسها تظل بمنأى عنها إلى حد كبير. وتثقل أزمة اللاجئين الهائلة الناجمة عن الحرب في السودان كاهل الدول المجاورة بشكل خاص. ومع ذلك؛ فقد أدت أيضًا إلى تزايد أعداد اللاجئين السودانيين الذين يصلون إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. ومن بين الوافدين إلى إيطاليا، تضاعف عدد ونسبة المواطنين السودانيين بين عامي 2024 و2025، من 3 إلى 6 بالمئة. وفي اليونان، شكل اللاجئون السودانيون بالفعل ثاني أكبر مجموعة في عام 2025، حيث شكلوا أكثر من خمس إجمالي اللاجئين.
تقويض جهود حل النزاعات الدولية
ويظهر نمط ثابت؛ ليس فقط في تدخلات الإمارات، بل أيضًا في نهجها تجاه حل النزاعات الدولية؛ حيث تشارك الإمارات في العمليات الدبلوماسية الهادفة إلى إنهاء النزاعات، لكنها تستخدم الساحة الدولية في المقام الأول لتصوير نفسها على أنها طرف بنّاء ظاهريًا.
وأبرز مثال على هذه المناورات الدبلوماسية هو “الرباعية” (مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة)، التي قدمت في سبتمبر/ أيلول 2025 التزامات مشتركة لوقف إطلاق النار في السودان. وشملت هذه الالتزامات إنهاء الدعم الخارجي، الذي كثّفته الإمارات فعليًا في 2025 وفقًا لتقارير الاستخبارات الأمريكية. وقد ساعدت هذه المبادرات الدبلوماسية قوات الدعم السريع مرة أخرى على تقديم نفسها كشريك راغب في وقف إطلاق النار، في الوقت الذي كانت ترتكب فيه المذابح.
وتضع الإمارات نفسها أيضًا في موقع المانح الإنساني للسودان؛ ففي مؤتمر نظّمته بالاشتراك مع الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، وإثيوبيا في فبراير/ شباط 2025؛ تعهدت بتقديم 200 مليون دولار أمريكي، تلاها تعهد بمبلغ إضافي قدره 500 مليون دولار أمريكي في مؤتمر عُقد في الولايات المتحدة عام 2026. لكن ليس من الواضح إلى أين تذهب هذه الأموال، حيث لم تساهم الإمارات سوى بحوالي 33 مليون دولار أمريكي في الخطة التي نسقتها الأمم المتحدة في عام 2025. وكانت ألمانيا قد شهدت بالفعل خلال “عملية برلين حول ليبيا” (2019-2020) كيف قوضت الإمارات الجهود الدبلوماسية: فرغم التعهدات (بالتعاون مع روسيا وتركيا) بوقف دعم الأطراف الليبية المتنازعة، تم في الواقع تكثيف هذا الدعم. حتى في يوم انعقاد مؤتمر برلين حول ليبيا في يناير/ كانون الثاني 2020، حلقت طائرات نقل من الإمارات إلى شرق ليبيا. ونتيجة لذلك، لم تنته الحرب نتيجة للجهود الدبلوماسية، بل بسبب توازن القوى العسكري الذي أوجدته هذه التدخلات. وتُظهر كل من ليبيا، والسودان حاليًا أنه بدون ضغوط، فإن إشراك الإمارات في عمليات حل النزاعات لا يؤدي إلى نتائج.
وتقوض تصرفات الإمارات أيضًا أداة أساسية لحل النزاعات المتعددة الأطراف، ألا وهي حظر الأسلحة. ومن المرجح أن يكون تجاهل الإمارات الصريح لحظر الأمم المتحدة المفروض على ليبيا منذ عام 2014، ولا سيما خلال حرب طرابلس في 2019-2020، قد شجع دولًا مثل تركيا على اتباع نهج مماثل. وينطبق الأمر نفسه على السودان منذ عام 2023؛ حيث أورد تقرير صادر عن فريق خبراء تابع للأمم المتحدة خروج 458 رحلة جوية شملت طائرات نقل ثقيلة من مطارات عسكرية في الإمارات أو من مركز الشحن الإماراتي في بوساسو إلى شرق ليبيا بين أكتوبر/ تشرين الأول 2024 ونهاية عام 2025. وشملت هذه الرحلات 239 رحلة إلى الكفرة، وهي مركز لدعم قوات الدعم السريع. ومن المرجح أن تكون هذه الشحنات قد انتهكت حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا وعلى دارفور. وفي الوقت نفسه، من الواضح أن الدعم المقدم للجيش السوداني من مصر والسعودية وروسيا وتركيا وإيران ودول أخرى يغذي الحرب أيضًا.
وفي كلا الصراعين، كانت الحكومات الغربية مترددة بشكل لافت في انتقاد الإمارات، مما يمنعها أيضًا من الضغط بقوة أكبر على الدول المتدخلة الأخرى للامتثال للحظر. ولم يتطرق أي عضو في مجلس الأمن الدولي حتى الآن صراحةً إلى دعم الإمارات لقوات الدعم السريع في الاجتماعات. وقد ساهم هذا التساهل تجاه التدخل الإماراتي بشكل كبير في فقدان مصداقية أنظمة العقوبات.
شريك غير بناء
ويُظهر هذا التحليل لتدخلات الإمارات في أفريقيا أن الإمارات لم تكن حتى الآن شريكًا موثوقًا للجهود الأوروبية الرامية إلى منع النزاعات وحلها في القارة. بل إنها تتصرف كطرف معرقل، حيث تؤدي تدخلاتها إلى تفاقم ديناميكيات النزاعات المحلية، وترسيخ اقتصادات الحرب، ودفع عجلة تفكك الدول. ولا تقتصر كارثية عواقب ذلك على المجتمعات المتضررة فحسب، بل تؤثر أيضًا على المصالح الأوروبية، بدءًا من الاستقرار الإقليمي والهجرة وصولًا إلى حماية النظام المتعدد الأطراف.
وهذا التقييم ليس جديدًا بأي حال من الأحوال. ومع ذلك؛ لم تضطر الإمارات حتى الآن إلى مواجهة أي عواقب سياسية ملموسة من ألمانيا وشركائها الأوروبيين بسبب أفعالها. وبشكل عام، تهيمن جوانب أخرى على العلاقة الثنائية: المصالح الاقتصادية والتجارية؛ والتعاون الأمني، الذي اكتسب أهمية أكبر في ظل الحرب مع إيران؛ والتعاون الوثيق بين الإمارات وإسرائيل؛ والهدف الإستراتيجي المتمثل في منع الإمارات من الانجراف أكثر نحو الصين أو روسيا؛ وأخيرًا، التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي.
وهناك حاجة ملحة لإجراء مراجعة رصينة وشاملة للعلاقات مع الإمارات، لا سيما وأن جوانب أخرى قد أُهملت حتى الآن. وتشمل هذه الجوانب، على سبيل المثال، الدور المتناقض بل والمعيق الذي تلعبه الإمارات في المفاوضات الدولية بشأن المناخ، وتعاملاتها التي تتراوح بين البراغماتية والودية مع روسيا، فضلًا عن جهودها الرامية إلى ممارسة نفوذ سياسي في أوروبا – بما في ذلك علاقاتها مع الأحزاب الشعبوية اليمينية وحتى الأحزاب اليمينية المتطرفة ودعمها للشبكات التي تنشر المعلومات المضللة. وبالتالي، فإن السياسة الخارجية الإماراتية في أفريقيا ليست مجرد عيب منعزل لشريك بناء في مجالات أخرى، بل ينبغي فهمها على أنها تعبير عن نهج متسق يهدف إلى بسط النفوذ: إذ تدعم الإمارات الجهات المسببة للاضطراب وتربط بشكل منهجي الدعم العسكري بالمصالح التجارية والأيديولوجية.
ويمكن تعزيز هذا النهج بشكل أكبر في المستقبل؛ فبعد انسحاب قوات الإمارات المتبقية من اليمن في نهاية عام 2025 و مطلع 2026 بسبب خلافات مع السعودية، أصبحت المسارح الأفريقية أكثر أهمية من الناحية الإستراتيجية: كمراكز على طول طرق التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر، وكمواقع لمشاريع الموانئ والخدمات اللوجستية التي تعد جزءًا من سياسة تجارة خارجية توسعية، وبوابات للوصول إلى المواد الخام، وكمناطق للنفوذ العسكري. إن استمرار الدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع في السودان حتى في خضم الهجمات الإيرانية على الإمارات يبرهن على الأهمية التي توليها الإمارات لهذه السياسة. كما يعكس التعاون الذي بدأته الإمارات مؤخرًا مع إسرائيل في إقامة وجود عسكري في أرض الصومال هذه الطموحات.
في الوقت نفسه، من المرجّح أن تكون أبوظبي أكثر حرصًا الآن على عدم تعريض علاقاتها الجيدة مع الدول الأوروبية للخطر؛ فتصاعد الانتقادات للسياسة الإماراتية في دول الشرق الأوسط، والتوترات مع السعودية، والهشاشة الاقتصادية والأمنية التي كشفتها حرب إيران، كلها تتيح فرصة لممارسة ضغط أكثر فاعلية على الإمارات. وبالتحديد، توفر لألمانيا وشركائها الأوروبيين خمسة مسارات عمل متاحة لتشجيع سياسة إقليمية إماراتية بنّاءة بشكل أكبر:
أولاً، ينبغي الاستفادة من البعد المتعلق بالسمعة بشكل أكثر فعالية تجاه أبوظبي؛ حيث تولي الإمارات أهمية كبيرة لصورتها كطرف فاعل حديث ومستقر ومسؤول. ويمكن أن يؤدي التطرق إلى أنشطتها المزعزعة للاستقرار بشكل أكثر صراحة في المحافل الدولية إلى ممارسة ضغوط سياسية. وبدلاً من الاكتفاء بالتحدث بعبارات عامة عن الدعم الخارجي لأطراف النزاع في أفريقيا، ينبغي لألمانيا أن تذكر صراحةً كل من الإمارات والدول الأخرى المتورطة، دون السماح لنفسها بالانجرار إلى الخصومات الخليجية. كما يمكن أن يكون للضرر الذي يلحق بالسمعة عواقب اقتصادية، كما في حالة التورط المزعوم للرئيس السابق لشركة “دي بي وورلد” في شبكة إبستين؛ حيث استقال عقب تدخل صندوق معاشات تقاعدية كندي.
ثانيًا، ينبغي على الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق عقوباته المالية وتطبيقها بشكل أكثر اتساقًا، لا سيما في الحالات التي تم فيها توثيق انتهاك الجهات الإماراتية لحظر الأمم المتحدة أو دعمها للأطراف المتحاربة.
ثالثًا، ينبغي إعادة النظر بشكل جذري في سياسة ألمانيا المتعلقة بتصدير الأسلحة إلى الإمارات. فعلى الرغم من حاجة الإمارات المتزايدة إلى حماية نفسها من الهجمات الإيرانية، يظل خطر نقل الأسلحة الألمانية أو استخدامها في صراعات دول ثالثة خطرًا حقيقيًا. فعلى سبيل المثال، زودت الإمارات هجوم حفتر على طرابلس في ليبيا بأنظمة الدفاع الجوي “بانتسير” المركبة على هياكل من طراز “مان/راينميتال”. كما تم نشر نظام الدفاع الفرنسي “غاليكس” على مركبات مدرعة تابعة للإمارات في السودان.
ورابعًا، يمكن تطبيق معايير أكثر صرامة في إنفاذ قواعد مكافحة غسل الأموال والشفافية. وينبغي أن تركز اللوائح الأوروبية بشكل أكبر على دور المراكز المالية الإماراتية كمحاور لاقتصادات النزاعات، وتدفقات رأس المال غير الرسمية، والتهرب من العقوبات. وعلى الرغم من إزالة الإمارات من “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي في عام 2024 عقب إدخال إصلاحات لمكافحة غسل الأموال، فقد انتقدت منظمات المجتمع المدني ومبادرات الشفافية هذا القرار ووصفته بأنه سابق لأوانه. وأشارت هذه الجهات إلى العيوب الهيكلية المستمرة، فضلًا عن استمرار جاذبية المراكز المالية الإماراتية لتدفقات رأس المال المشبوهة.
خامسًا، لا بد أيضًا من إعادة تقييم المسار الدبلوماسي. فـ”الشراكة الإستراتيجية” التي تربط ألمانيا بالإمارات منذ عام 2004 تشير إلى توافق واسع في المصالح. إن عدم تعليق هذه الشراكة على الأقل في ضوء تدخلات الإمارات في النزاعات يقوض التزام ألمانيا المعلن بسلوك موثوق وقائم على القواعد. ولن يكون لمثل هذه الشراكة معنى إلا إذا أعادت الإمارات توجيه سياستها في أفريقيا بشكل واضح نحو تخفيف حدة التوتر، مما يسمح باستخدام الثقل المالي الكبير لشبكات أبوظبي السياسية من أجل حل النزاعات بشكل بناء.
المصدر: المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية