لم يصل مسار إنهاء الصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني “بي كا كا” إلى نهايته، لكنه دخل أصعب مراحله: الانتقال من إعلان النوايا إلى التحقق من نزع السلاح.
فبالنسبة إلى أنقرة، لا يكفي أن يعلن تنظيم مسلح، تصنفه تنظيمًا إرهابيًا أنه سيحل نفسه، مؤكدة أن المطلوب أن يثبت ذلك عمليًا بتسليم السلاح وتفكيك البنية المسلحة قبل أي ترتيبات قانونية واسعة.
بينما تربط قيادات “بي كا كا” وأطراف كردية قريبة من المسار التسليم النهائي بضمانات سياسية وقانونية، فيما عمق المشهد الإقليمي هذا التردد.
فحرب إيران رفعت حساسية تركيا تجاه أي تعبئة كردية عابرة للحدود، بينما عزز تراجع مليشيات سوريا الديمقراطية “قسد”، قناعة أنقرة بأن شروط إنهاء العمل المسلح باتت أكثر ملاءمة، وجعل “بي كا كا” أكثر تمسكًا بالضمانات. من هنا، يشرح التقرير لماذا أصبح السلام معلقًا عند كلفة التنفيذ.
ما الذي تحقق قبل الجمود؟
بدأ المسار بإشارة سياسية غير متوقعة من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي في خريف 2024، ثم دفعتها رسالة زعيم تنظيم “بي كا كا” عبد الله أوجلان من سجنه في إيمرالي، نقلت النزاع من سؤال الحرب إلى السؤال عن كيفية تفكيك تنظيم مسلح عمره أربعة عقود.
وفي فبراير/شباط 2025 دعا أوجلان “بي كا كا” إلى حل نفسه ونزع سلاحه، ففتح ذلك الباب أمام وقف إطلاق نار، ثم أعلن الحزب في مايو/أيار 2025 قراره حل نفسه وإنهاء ما أسماه “الكفاح المسلح”.
في 11 يوليو/تموز 2025 جاءت أول خطوة ميدانية رمزية، حين أحرق نحو 30 مقاتلًا من الحزب أسلحتهم عند مدخل كهف جاسانا قرب دوكان في شمال العراق، بحضور مسؤولين أكراد وعراقيين وأتراك.
بعد ذلك، انتقل الملف إلى البرلمان التركي الذي شكل لجنة خاصة في أغسطس/آب 2025، ثم أقرت في فبراير/شباط 2026 تقريرًا يوصي بتدابير قانونية لإعادة دمج رافضي العنف وتوسيع حرية التعبير ومراجعة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب، وإنهاء ممارسة تعيين أوصياء بدل رؤساء البلديات المنتخبين في المناطق الكردية.
لكن التقرير ربط أي خطوات قانونية بتحقق أجهزة الدولة من أن الحزب سلّم سلاحه وحل نفسه فعليًا، وتجنب طرح عفو عام.
بالتوازي، ناقشت أنقرة صيغة قانونية خاصة تسمح بعودة مدنيين ومقاتلين من شمال العراق عبر فحص فردي. ونقلت رويترز أن الخطة قد تبدأ بعودة نحو ألف مدني وغير مقاتل، ثم نحو 8 آلاف مقاتل بعد التدقيق، مع استمرار الخلاف حول مصير القيادات العليا والمتوسطة.
أين تعثر مسار الوصول إلى حل؟
يتركز التعثر حول سؤال التسلسل، إذ تعتبر أنقرة أن الحرق الرمزي غير كاف، وتطالب بأن يسلم الحزب كامل أسلحته وأن يخلي ما تبقى من مخابئه في شمال العراق، تحديدًا منطقتي هاكورك وغارا، قبل أن تقدم الحكومة على أي إصلاح تشريعي.
وتقول تركيا إن التحقق الأمني ضروري لضمان عدم العودة إلى حمل السلاح. في المقابل، يرى قادة “بي كا كا” أن الحزب التزم بوقف القتال وحل نفسه، لكنه لن يسلم كامل مخزونه من الأسلحة إلا بعد الحصول على إطار قانوني يضمن حقوق مقاتليه وعدم ملاحقتهم.

لماذا عقدت حرب إيران سبل الحل؟
أشار موقع المونيتور الأمريكي إلى أن آلاف المقاتلين الأكراد في العراق وإيران كانوا يستعدون لاستغلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران لتنفيذ هجمات عبر الحدود بدعم إسرائيلي، ما أثار توجس أنقرة التي تخشى تنامي طموحات كردية عابرة للحدود.
وترى أنقرة أن الحرب تجعل أي نشاط كردي عابر للحدود أكثر خطورة، ولذلك تتمسك بنزع السلاح الكامل والتحقق منه. وفي المقابل، يستخدم قادة الحزب حرب إيران لتبرير الاحتفاظ بالسلاح، وهو ما يعزز شكوك أنقرة في جدية التخلي النهائي عنه.
كيف غيّر تراجع قسد الحسابات؟
اتفاق دمشق–قسد الذي أعلن في يناير/كانون الثاني 2026 كان مفترق طريق في شمال شرق سوريا، فهو ينص على دمج مقاتلي المليشيا في الجيش والشرطة والمؤسسات السورية وتسليم إدارتها وحقول النفط والغاز إلى الحكومة.
واعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتفاق خطوة إيجابية تخفف الضغط عن مسار السلام، لكنه أكد أن قسد يجب أن تُحل مع “بي كا كا” كونها ترى فيها امتدادا لها.
في المقابل، يرى قادة “بي كا كا” وقيادات حزب المساواة وديمقراطية الشعوب DEM المؤيد للأكراد أن تراجع قسد أو دمجها في دمشق لا يعني تخليهم عن مطالبهم في تركيا.
فبعضهم يخشى أن يكون الاتفاق السوري نموذجًا لتسليم السلاح والنفوذ مقابل وعود سياسية قد لا تُنفَّذ، ويحذر من أن التعثر في تنفيذ اتفاق دمشق – حيث اندلعت اشتباكات في حلب بعد الإعلان – يبين هشاشة أي تسوية من دون ضمانات، وفق رؤيتهم.
ما مطالب “بي كا كا”؟
يربط “بي كا كا” وأطراف كردية قريبة من المسار، التسليم النهائي للسلاح بسلة مطالب تتجاوز الملف الأمني إلى ملفات سياسية وقانونية أوسع.
ومن زاوية أنقرة، تكمن المشكلة في أن توسيع هذه السلة قبل اكتمال نزع السلاح قد يحول العملية من تفكيك تنظيم مسلح إلى تفاوض تحت ضغط السلاح.
أولًا، يطرح “بي كا كا” وأطراف كردية قريبة من المسار مطلب عدم ملاحقة العائدين بصورة جماعية، لكن الصيغة التي تناقشها أنقرة لا تقوم على عفو عام، بل على مسار قانوني محدود ومشروط: عودة مدنيين ومقاتلين من شمال العراق بعد فحص فردي، واستبعاد من تتهمهم الدولة بالتورط في جرائم كبرى أو من القيادات التي قد تُبحث لها ترتيبات منفصلة.
ثانيًا، يرفضون إرسال قادة الحزب إلى المنفى، ويطالبون بتدشين قناة اتصال مع أوجلان المعتقل في السجون التركية وتحسين ظروف سجنه.
ثالثًا، يتحدثون عن مراجعة قوانين مكافحة الإرهاب وتوضيح تعريف المصطلح وتوسيع حرية التعبير والاحتجاج كما أوصى تقرير اللجنة البرلمانية.
رابعًا، يشددون على الحقوق اللغوية والثقافية، بما في ذلك اعتماد اللغة الكردية في التعليم والإدارة، وملف بعض البلديات التي عيّنت الحكومة أوصياء عليها بعد ثبوت تورط رؤساها السابقين بصلات بالإرهاب.

لماذا ترفض أنقرة العفو العام؟
الخلاف حول العفو يعكس حساسية المشهد التركي، إذ أوصى تقرير اللجنة البرلمانية بإعادة دمج الأفراد الذين يرفضون العنف دون إصدار عفو شامل، لتجنب الإيحاء بالإفلات من العقاب.
ومع ذلك، تسربت مسودة قانون يشير إلى إعادة دمج فردية عبر مراحل، حيث يُسمح في المرحلة الأولى بعودة نحو ألف مدني ثم نحو ثمانية آلاف مقاتل بعد التحقق، مع احتمال إرسال بعض القيادات إلى دول أخرى.
ويؤكد هذا القانون على الإفراج المشروط والتقييم الفردي، ولا يشمل سجناء متهمين في قضايا أخرى مثل حركة فتح الله غولن.
في المقابل، تضغط قيادات “بي كا كا” وأطراف كردية من أجل حماية قانونية أوسع للعائدين، لكن أنقرة تخشى أن تتحول هذه الحماية إلى عفو سياسي مقنّع قبل اكتمال التفكيك.
ما دور عبد الله أوجلان الآن؟
كان أوجلان عنصرًا حاسمًا في دفع “بي كا كا” إلى إعلان التخلي عن السلاح، بعد أن دعا إلى نزعه وحل التنظيم في فبراير/شباط 2025.
لكن الدور المتوقع له في المرحلة التنفيذية موضع خلاف، إذ يقترح بهتشلي إنشاء “مكتب للتسييس والسلام” يُعطى فيه أوجلان دورًا رسميًا، ويرى قادة DEM أن ذلك يشكل ضمانة لتنفيذ الاتفاق.
وفي المقابل، تلتزم الحكومة الصمت حيال هذه الفكرة، إذ يقول أردوغان إن العملية تسير وفق الخطة لكنه لم يعلن أي تغيير في وضع أوجلان، بينما يخشى بعض القوميين من أن منح الزعيم الكردي دورًا رسميًا قد يثير غضب الناخبين.
ويقبع أوجلان نفسه في السجن تحت قيود مشددة ويُسمح بزيارته على فترات متباعدة، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرته على إدارة تفاصيل نزع السلاح.
هل يضبط البرلمان الاتفاق؟
البرلمان هو المسار الذي تريد أنقرة أن يضبط أي انتقال من السلاح إلى السياسة، فالتقرير الذي أُقر في فبراير/شباط 2026 يوصي بتعديل قوانين الإرهاب وتوسيع الحريات وإعادة دمج المقاتلين، لكنه لم يتحول إلى قانون نافذ.
ويكمن العائق الأبرز في عدم وجود توافق داخل التحالف الحاكم، إضافة إلى ضغوط الأحزاب القومية التي تخشى أن يُفسر أي تشريع كتنازل.
أما حزب DEM، فيحاول توسيع المسار من تفكيك “بي كا كا” إلى أجندة سياسية وحقوقية أوسع، تشمل البلديات والسجناء والحقوق الثقافية.
ورغم أن مسودة “قانون الفرصة” تفتح باباً لإعادة دمج المقاتلين، فإن تطبيقها يخضع لتوازنات داخلية ويمكن أن يواجه اعتراضًا من المعارضة القومية.