نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
EN
الاشعارات عرض المزيد
أرسلت تركيا مساعدات كبيرة إلى السودان في إطار جهودها لتقديم الإغاثة الإنسانية وسط الحرب (AA)
دبلوماسية الإغاثة والتنمية.. خريطة الحضور التركي الهادئ في السودان
نون بوست
غلق مضيق هرمز يفتح أمام سوريا فرصًا اقتصادية واعدة
نون بوست
العلاج النفسي في غزة.. محاولة نجاة وسط الخراب والأحمال الثقيلة
نون بوست
الأسوأ ربما لم يأتِ بعد.. إيران قد تكون أعظم إخفاقات ترامب
نون بوست
كيف حاولت شركة أمريكية تلميع فضائح إبستين والإمارات في جوجل؟
نون بوست
حرب أخرى على النازحين.. كيف تطارد خيام الحرب اليمنيين في مأرب؟
نون بوست
هجوم كاليفورنيا.. ارتدادات الشرق الأوسط في الداخل الأمريكي
نون بوست
على دول الخليج أن تبني أمنها بنفسها.. لا أن تشتريه من الخارج
قيمة السكة لا تقتصر على الداخل اللبناني إذ إن سوريا هي الحلقة الحاسمة فيها
سكة طرابلس – سوريا.. 5 عُقد أمام عودة لبنان إلى خرائط الإقليم
نون بوست
الدلتا الجديدة.. مشروع القرن التنموي أم مغامرة اقتصادية جديدة؟
نون بوست
“دبلوماسية الطيران”.. الرهان الذي نجح اقتصاديًا واصطدم سياسيًا
وصفت وزارة الدفاع الإماراتية الحدث بـ"هجوم إرهابي" قيد التحقيق ولم تتهم جهة محددة
تحت نيران المسيّرات.. ماذا حدث في محطة براكة النووية بالإمارات؟
نون بوست نون بوست
EN
الاشعارات عرض المزيد
أرسلت تركيا مساعدات كبيرة إلى السودان في إطار جهودها لتقديم الإغاثة الإنسانية وسط الحرب (AA)
دبلوماسية الإغاثة والتنمية.. خريطة الحضور التركي الهادئ في السودان
نون بوست
غلق مضيق هرمز يفتح أمام سوريا فرصًا اقتصادية واعدة
نون بوست
العلاج النفسي في غزة.. محاولة نجاة وسط الخراب والأحمال الثقيلة
نون بوست
الأسوأ ربما لم يأتِ بعد.. إيران قد تكون أعظم إخفاقات ترامب
نون بوست
كيف حاولت شركة أمريكية تلميع فضائح إبستين والإمارات في جوجل؟
نون بوست
حرب أخرى على النازحين.. كيف تطارد خيام الحرب اليمنيين في مأرب؟
نون بوست
هجوم كاليفورنيا.. ارتدادات الشرق الأوسط في الداخل الأمريكي
نون بوست
على دول الخليج أن تبني أمنها بنفسها.. لا أن تشتريه من الخارج
قيمة السكة لا تقتصر على الداخل اللبناني إذ إن سوريا هي الحلقة الحاسمة فيها
سكة طرابلس – سوريا.. 5 عُقد أمام عودة لبنان إلى خرائط الإقليم
نون بوست
الدلتا الجديدة.. مشروع القرن التنموي أم مغامرة اقتصادية جديدة؟
نون بوست
“دبلوماسية الطيران”.. الرهان الذي نجح اقتصاديًا واصطدم سياسيًا
وصفت وزارة الدفاع الإماراتية الحدث بـ"هجوم إرهابي" قيد التحقيق ولم تتهم جهة محددة
تحت نيران المسيّرات.. ماذا حدث في محطة براكة النووية بالإمارات؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

السويداء المدعومة إسرائيليًا: عاصمة المخدرات في سوريا

تشارلز ليستر
تشارلز ليستر نشر في ٢٠ مايو ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

حبوب كبتاغون تم ضبطها على الحدود السورية الأردنية.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في الساعات الأولى من صباح الأحد 3 مايو/ أيار، عبرت مقاتلات أردنية من طراز إف-16 الأجواء السورية ونفذت ضربات على ما لا يقل عن ستة مواقع في محافظة السويداء جنوب البلاد. وقال الجيش الأردني في بيان صدر بعد ساعات إن “عملية الردع الأردنية” استهدفت “مصانع ومنشآت ومستودعات تستخدمها مجموعات التهريب كنقاط انطلاق لعمليات تهريب إلى الأردن”.

كانت هذه المرة الخامسة التي يشن فيها الأردن ضربات عسكرية في السويداء منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، والثالثة منذ أن أصبحت المنطقة تحت سيطرة ميليشيات درزية مدعومة من إسرائيل تُعرف باسم “الحرس الوطني” في يوليو/ تموز 2025. وتطور هذا الوضع، الذي تقع  بموجبه معظم السويداء خارج سيطرة الحكومة الانتقالية السورية، عقب أسبوع من أعمال عدائية دامية أودت بحياة ما يصل إلى 1700 شخص في يوليو/ تموز الماضي، إثر اندلاع صراع محلي بين ميليشيات درزية وأعضاء من القبائل البدوية، ما استدعى تدخلًا حكوميًا وسلسلة من الانتقامات الوحشية، التي استدعت بعد ذلك تدخل سلاح الجو الإسرائيلي. ووجد تحقيق للأمم المتحدة في القتال أن القوات الحكومية والقبائل البدوية والميليشيات الدرزية جميعها متورطة في جرائم حرب، مع تحميل الحكومة المسؤولية الأكبر.

ويعود اهتمام إسرائيل بالسويداء ذات الأغلبية الدرزية جزئيًا إلى ديناميكيتها الداخلية مع الأقلية الدرزية لديها، التي تلعب دوراً مؤثرًا داخل الجيش، ما يعزز شعورًا محليًا قويًا بالتضامن مع الدروز خارج حدودها. لكن الأهم أن الحكومة الإسرائيلية تبنت موقفًا عدائياً تجاه الحكومة السورية الجديدة منذ اليوم الأول؛ ففي الأيام الأولى بعد سقوط الأسد، نفذت إسرائيل ما يصل إلى 15 عملية إسقاط جوي للأسلحة والذخيرة لصالح ميليشيات درزية مناهضة لدمشق. ومنذ سقوط النظام؛ احتلت إسرائيل نحو 80 ميلًا مربعًا من الأراضي السورية، ونفذت ما يقارب 1100 ضربة جوية ومدفعية على أهداف سورية، وأكثر من 1000 توغل بري إلى عمق الأراضي السورية.

وفي مثل هذا السياق؛ يشكل وجود السويداء تحت سيطرة الدروز قيمة إستراتيجية كحاجز ردع وتهديد لدمشق، ومصدرًا دائماً للتوتر السياسي والطائفي يحقق هدف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: إبقاء سوريا ضعيفة ومنقسمة.

ومنذ اندلاع أعمال العنف التي اجتاحت السويداء في يوليو/ تموز 2025، توحدت نحو 40 ميليشيا درزية تحت راية “الحرس الوطني”، الذي يعلن ولاءه لأحد القادة الدينيين الدروز الثلاثة في المنطقة، وهو حكمت الهجري. وبفضل الدعم والحماية الإسرائيليين، عزز الحرس الوطني والمجلس السياسي الموالي للهجري سيطرتهما على السويداء، ومنذ ذلك الحين، ارتفع تهريب المخدرات من المنطقة إلى الأردن بأكثر من 325 بالمائة، وفقًا للبيانات التي جمعتها مجلة “سوريا ويكلي”. ومن حيث الأرقام؛ اعترضت الأردن 21 محاولة لتهريب المخدرات من المنطقة بين يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز 2025، مع 128 عملية اعتراض إضافية جرت بين يوليو/ تموز 2025 وأبريل/ نيسان 2026.

وقد ركز الجيش والاستخبارات الأردنيين كل ردود أفعالهما العسكرية بشكل واضح على السويداء – سواء قبل تولي الميليشيات الدرزية السيطرة الرسمية عليها أو بعدها – باعتبارها بؤرة التهديد، المتمثل أساسًا في مخدر الكبتاغون، وهو أحد أنواع الأمفيتامين الرخيصة شديدة الإدمان. وحاول المهربون في البداية نقله باستخدام طائرات مسيّرة رباعية المراوح، لكنها كانت مكلفة وضعيفة الإنتاجية، فانتقلوا إلى أسلوب جديد: بالونات كبيرة محملة بالهيليوم مزودة بأنظمة “جي بي إس” وآليات إفلات موقوتة لإسقاط شحنات المخدرات بعد عبور الحدود.

ومنذ يوليو/ تموز 2025، اعترض الجيش الأردني ما لا يقل عن 46 مليون حبة كبتاغون، معظمها محملة بهذه البالونات، وقد استُخدمت البالونات والطائرات المسيّرة أحيانًا لنقل أسلحة ومتفجرات ومخدرات أخرى أيضًا مثل الميثامفيتامين والحشيش.

ولطالما كانت السويداء ممرًا لتجارة المخدرات في سوريا؛ حيث استغل نظام الأسد المنطقة ذات الكثافة السكانية المنخفضة وشبكات التهريب المتجذرة فيها لتمرير المخدرات إلى الأردن ومنها إلى عملاء أثرياء في الخليج. وقد جنّدت حينها إدارة المخابرات العسكرية وعناصر من الفرقة الرابعة المدعومة من إيران (بقيادة شقيق الأسد ماهر) القبائل البدوية والدروز لتنسيق عمليات التهريب، مع إنشاء ما لا يقل عن 12 منشأة كبيرة لإنتاج الكبتاغون في السويداء.

وبعد سقوط الأسد والعنف الذي اجتاح السويداء في يوليو/ تموز 2025؛ عاد بعض عناصر الجريمة المنظمة هؤلاء أنفسهم إلى السلطة، ووجدوا سلطة محلية جديدة تقبل أنشطتهم الإجرامية وأنشطة التهريب، على الأقل ضمنيًا، إن لم تكن تدعمها بشكل كامل؛ ففي اجتماع عُقد في يناير/ كانون الثاني 2025 مع الميليشيات الدرزية التي أصبحت فيما بعد نواة الحرس الوطني، اختار الجميع تجاهل أسئلتي حول التحدي المتمثل في تهريب المخدرات عبر سوريا، وهو تجاهل ذو دلالة إذا ما نظرنا إليه بأثر رجعي.

في الواقع؛ أكثر من نصف قيادة الحرس الوطني في السويداء هم ضباط كبار سابقون في نظام الأسد، بمن فيهم العميد جهاد الغوطاني والنقيب طلال عامر، وكلاهما من خريجي القوة الشريكة الإيرانية، الفرقة الرابعة، بالإضافة إلى شخصيات مثل العميد شكيب نصر، رئيس المخابرات السابق في طرطوس، والعميد أنور رضوان، رئيس الأمن السابق في بانياس. ومن بين كبار قادة الحرس الوطني الآخرين شخصيات من عالم الجريمة المنظمة كانت مرتبطة سابقاً بإدارة المخابرات العسكرية التابعة للأسد، ومنهم ناصر السعدي وباسل الطويل وحيدر عريج ومهند مظهر وفواز أبو سرحان وراجي فلحوط، شريك حزب الله الخاضع لعقوبات دولية. وقد أدى الدور الرائد الذي لعبه أبو سرحان في تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود إلى إصدار مذكرة توقيف بحقه من قبل الإنتربول، في حين أن مظهر هو اسم سيئ السمعة لا يرتبط بتهريب المخدرات فحسب، بل أيضًا بعمليات الاختطاف مقابل فدية، والدعارة، والاغتيالات.

وتفسر هذه الروابط مع نظام الأسد وأنشطته الإجرامية المنظمة سيئة السمعة – التي منحته لقب “أكبر دولة مخدرات في العالم” – سبب كشف المداهمات والعمليات التي نفذتها الحكومة السورية في الأشهر الأخيرة عن وجود صلة بلبنان؛ حيث وجدت فلول النظام ملاذا آمنًا إلى جانب حزب الله؛ ففي 12 يناير/ كانون الثاني 2026، اعترضت قوة مكافحة المخدرات السورية شحنة كبيرة قادمة من لبنان، تضمنت 650 ألف حبة كبتاغون وقرابة 230 رطلاً من الحشيش، إضافة إلى 226 بالوناً جديداً غير مستخدم مخصصًا لحمل الأحمال الثقيلة.

وكانت هذه المرة الأولى التي يُكشف فيها عن مصدر هذه البالونات، مما ساهم في إبراز الدور المركزي للبنان في استمرار تحدي تهريب المخدرات في سوريا؛ ففي الأشهر الستة الماضية وحدها، ضبطت السلطات السورية نحو 33 مليون حبة كبتاغون قادمة من لبنان، وهو ما يمثل 77 بالمائة من إجمالي مضبوطات الكبتاغون في البلاد خلال الفترة نفسها، وفق بيانات “سوريا ويكلي”.

ورغم وضوح دور حزب الله كمحرك رئيسي للجريمة المنظمة داخل سوريا؛ فقد بدأت الحكومة اللبنانية التعاون مع دمشق؛ ففي مارس/ أذار 2026، اعتقلت القوات السورية أحد أبرز مهربي المخدرات اللبنانيين لترحيله، بناءً على معلومات من بيروت. ومع تحسن العلاقات الثنائية بين سوريا ولبنان؛ ارتفع معدل اعتراض المخدرات القادمة من الأراضي اللبنانية. ولا يمكن الجزم إن كان ذلك نتيجة التعاون الاستخباري أو تعزيز قدرات سوريا على الكشف أو زيادة في التهريب نفسه، لكن الأرقام تتحدث عن نفسها؛ فبين يناير/ كانون الثاني وأكتوبر/ تشرين الأول 2025، صادرت سوريا 4,390,000 حبة كبتاغون قادمة من لبنان، لكن بين أكتوبر/ تشرين الأول 2025 وأبريل/ نيسان 2026، اعترضت السلطات 22,823,000 حبة، بزيادة شهرية قدرها 345 بالمائة.

وبحسب وزارة الداخلية السورية؛ تم القضاء فعليًا على إنتاج الكبتاغون المحلي بحلول خريف 2025، عقب مداهمات مكثفة للمنشآت التي كان يديرها نظام الأسد. لكن كما قال وزير الداخلية أنس خطاب آنذاك، لم يكن بوسع السلطات الحكومية فعل الكثير حيال السويداء؛ حيث أنشأ عناصر مرتبطون بالهجري منشآت جديدة لإنتاج الكبتاغون منذ يوليو/ تموز 2025، بما في ذلك واحدة وسط مدينة السويداء نفسها.

ومع تطور تحدي تهريب المخدرات واستمراره، شكلت الحكومة السورية علاقات أمنية وثيقة وفعالة مع جيرانها لمكافحة هذه الظاهرة. ففي الأشهر الستة الماضية وحدها، نفذت وزارة الداخلية ومديرية المخابرات العامة عمليات مشتركة ضد خلايا تهريب المخدرات مع العراق وتركيا والأردن ولبنان، كما تلقت قوات مكافحة المخدرات تدريبًا ومعدات ودعمًا لبناء القدرات من قطر والسعودية والأردن، وفق مصدر حكومي سوري طلب عدم الكشف عن هويته.

وقد تخرج للتو 300 عنصر من الأمن الداخلي السوري من مركز التدريب الشرطي الدولي في الأردن، لنشرهم على نقاط التفتيش على خطوط المواجهة في السويداء.

ورغم هذا التقدم، تبقى السويداء خارج سيطرة الحكومة السورية وخارج نطاق قواتها لمكافحة المخدرات. إن استمرار النشاط الإجرامي المنظم هناك وطابعه العابر للحدود هو ما أجبر الأردن على أن يتولى زمام المبادرة بنفسه. علاوة على ذلك، خلصت الاستخبارات الأردنية إلى أن حكمت الهجري أقام عمدًا علاقة استراتيجية مع مهربي المخدرات والفاعلين في الجريمة المنظمة داخل السويداء، ما خلق “بيئة متساهلة” لأنشطتهم وربط نفسه بمصالحهم الأمنية مقابل مصدر إيرادات هو في أمسّ الحاجة إليه. وهذا تحديدًا هو المخطط الذي ابتكره نظام الأسد سابقًا، والأردن يدرك جيدًا أن مثل هذه الترتيبات لا يتم التراجع عنها عادة.

غير أن الأردن لم يتصرف بمفرده تمامًا؛ فقد قال لي مسؤولان أمنيان في دمشق إن الاستخبارات السورية ساهمت في تحديد الأهداف التي ضربها الأردن، عبر خلية مخصصة لتبادل المعلومات الاستخبارية أُنشئت مطلع عام 2025 خصيصًا لمكافحة تهريب المخدرات، كما أُبلغت السلطات السورية بالضربات قبل وقوعها.

وكانت الضربات الأردنية في 3 مايو/ أيار كاشفة؛ فالعديد من من العقارات التي استُهدفت في بلدة عرمان تعود لفارس صيموعة، وهو شخصية كانت على صلة وثيقة سابقًا بنظام الأسد والجريمة المنظمة والتهريب. وبحسب مصادر محلية في السويداء، فإن صيموعة مقرّب من مظهر، قائد الحرس الوطني، وشقيقه عاطف، وكلاهما من أبرز المعلنين عن تحالفهما مع إسرائيل. ويُعتقد أيضًا أن صيموعة هو العقل المدبر وراء البالونات المملوءة بالهيليوم، بعدما احتكر فعليًا توريد أسطوانات الهيليوم في السويداء.

ومن المثير للاهتمام أن وسائل الإعلام المحلية في السويداء أفادت أن طارق، شقيق صيموعة، تم القبض عليه وهو ينقل كمية كبيرة من أسطوانات غاز الهيليوم قبل أيام قليلة من الضربات الأردنية الأخيرة، وأن اتصالاً أجراه فارس بقائد الحرس الوطني الغوطاني هو ما كفل إطلاق سراحه. كما استهدفت الضربات الأردنية منشآت تابعة للحرس الوطني، بما في ذلك منشآت في بلدة الشهباء ـ وهي أبعد نقطة في الشمال السوري يضربها الأردن على الإطلاق، ولا تبعد سوى مسافة قصيرة بالسيارة عن مقر القيادة التابع للحجري في قنوات. واستهدفت ضربات أخرى مرافق لإنتاج وكبس مخدر الكبتاغون ومستودعات تخزين في مناطق أبعد جهة الجنوب، ويرتبط بعضها بجهتين بارزتين في الجريمة المنظمة من المكون الدرزي، وهما: عذاب عزام (في بلدة عريقة) ويزن بريك (في بلدة مجدل).

من جانبه؛ أدان الحرس الوطني الدرزي المدعوم من إسرائيل الإجراءات الأردنية، متهمًا عمان ودمشق بـ”تصفية حسابات سياسية” والإخفاق في التنسيق مع قواته لمكافحة هذا “السم” الذي زعم أن دمشق هي المسؤول الأول عنه.

إن الاستثمار الأردني في وزارة الداخلية السورية وقلق عمان بشأن ملف السويداء أمران راسخان ومعروفان جيدًا. وفي الواقع؛ أسفرت وساطة أمريكية أردنية مشتركة عن صياغة “خارطة طريق السويداء” في سبتمبر/أيلول 2025، وهي وثيقة أقرت بموجبها الحكومة السورية بالمسؤولية عن عمليات القتل التي وقعت في يوليو/ تموز 2025، والتزمت بسحب المقاتلين غير الحكوميين من خطوط المواجهة، وتسهيل دخول المساعدات، وإطلاق سراح المعتقلين، وعودة النازحين، فضلاً عن الترحيب بالتحقيق الذي تجريه لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة في أحداث يوليو/ تموز 2025، والموافقة على مسار يفضي إلى الحوار وإعادة دمج السويداء في نهاية المطاف ضمن الدولة السورية. ورغم أن خارطة الطريق قوبلت برفض سريع من قِبل الهجري ـ حليف إسرائيل ـ إلا أنها تظل الاتفاق الوحيد المعترف به دوليًا والذي يهدف إلى تهدئة التوترات وحل أزمة السويداء.

منذ انتهاء المناقشات حول خارطة طريق السويداء، حاولت السلطات الأردنية مرارًا وتكرارًا تشجيع حوار غير رسمي بضم الحكومة السورية، ووجهاء من العشائر البدوية، وممثلي الدروز في السويداء، لكن سلطات الأمر الواقع في السويداء وقفت بحزم في وجه هذه الجهود. ورغم ذلك، حقق الأردن خرقًا في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، حيث نجح في الحصول على موافقة ما لا يقل عن اثنتي عشرة شخصية درزية في السويداء للسفر إلى عمان لعقد اجتماع. ومع ذلك؛ سُربت أنباء اللقاء المرتقب سريعًا إلى وسائل الإعلام العربية، وفي 29 نوفمبر/تشرين الثاني، احتجز عناصر من ميليشيا الحرس الوطني 10 أشخاص من المشاركين المحتملين، من بينهم رجال الدين الدروز: رائد المتني، وعاصم أبو فخر، وماهر فلحوط، حيث تعرض الثلاثة للتعذيب حتى الموت، وقُذفت جثامينهم خارج مستشفى السويداء الوطني بعد ثلاثة أيام. وتبدو هذه الممارسات مشابهة بشكل مخيف لأساليب حقبة نظام الأسد.

ووفقًا لمصدر من المجتمع المدني الدرزي، اختطف الحرس الوطني ما لا يقل عن 30 شخصية درزية داخل السويداء بعد اتهامهم بالتواصل مع دمشق، وما زالوا محتجزين في شبكة من مراكز الاعتقال التي يديرها جهاز يثير رعبًا واسعًا يُعرف باسم “عين النسر”. ورغم شح التقارير الإعلامية حول جهاز “عين النسر” الأمني، إلا أنه يُدار مزعومًا من قِبل عدة قادة في الحرس الوطني؛ من بينهم شادي أبو لطيف وغفران مرشد، وقد أُسس هذا الجهاز بمساعدة إسرائيلية وتحت سلطة الهجري، ليكون مسؤولاً عن منظومة الاستخبارات والمراقبة في السويداء، ليمثل حرفيًا عين وأذن الحرس الوطني المصممة للتجسس على المعارضين ورصدهم واعتقالهم وإخفائهم قسريًا.

وعلاوة على أولئك الذين وقعوا ضحايا لأجهزة مثل “عين النسر”، نجحت شخصيات درزية أخرى تؤيد خيار الحوار في تهريب أنفسهم إلى دمشق. وكان من بينهم حسن الأطرش، عميد العائلة الدرزية الأكثر شهرة تاريخيًا في سوريا، والذي ألقى كلمة في دمشق منتصف فبراير/شباط 2026 أدان فيها الهجري، وأعلن فيها أن “الرجل لا يُقاس بقدرته على إشعال النار، بل بقدرته على إطفائها”. كما كان من بينهم الناشط المدني والصحفي مرهف الشاعر، الذي قُتل شقيقه الشاعر أنور برصاص عناصر الميليشيات الدرزية في ديسمبر/كانون الأول 2024، والذي تعرض هو نفسه للاختطاف وإطلاق النار على ركبتيه من قِبل مظهر، قائد الحرس الوطني، في يناير/كانون الثاني 2025.

وفي نهاية المطاف؛ فإن تحديات مثل تجارة المخدرات والدور الذي تلعبه السويداء كبؤرة للنشاط الإجرامي المنظم، تفاقمت جراء حالة عدم اليقين وعدم الاستقرار الهيمنة على جنوب سوريا منذ أحداث العنف في يوليو/تموز 2025. ومنذ ذلك الفصل المأساوي؛ سادت حالة من المواجهة التي لا يمكن التنبؤ باستمرارها بين الحكومة السورية وسلطات الأمر الواقع الدرزية المدعومة من إسرائيل في السويداء. وحتى الآن؛ لم تبذل دمشق جهودًا ملموسة لإثبات أي شكل من أشكال المحاسبة على الجرائم التي ارتكبتها قواتها، مما يمنح خصومها في السويداء الذرائع التي يحتاجونها لتبرير أفعالهم. ومن نواحٍ عديدة، فإن هذه المواجهة تخدم مصالح الهجري تمامًا، وتجسد على وجه الدقة ما كان يسعى إليه منذ البداية.

وفي واقع الأمر؛ ففي لقاء شخصي جمعني بالهجري في مقر قيادته في قنوات في يناير/ كانون الثاني 2025، قال لي: “لا توجد صفقة يمكن إبرامها مع الإرهابيين في دمشق”، وأن “المفاوضات لا تستحق إضاعة وقتي”. وأضاف أنه يتحدث يوميًا مع مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ذات الغالبية الكردية في شمال شرق سوريا، وأنهما “ينسقان مواقفهما” حيال دمشق. وطوال ربيع وصيف عام 2025؛ رفض الهجري مرارًا وتكرارًا صفقات تسوية تفاوضت عليها قيادات عسكرية وسياسية ودينية ومدنية في السويداء مع دمشق لتأمين وضع خاص للمحافظة داخل الدولة السورية الجديدة.

وبعد مرور أشهر؛ وتحديدًا في يناير/ كانون الثاني 2026، تعرضت “قسد” لهزيمة عسكرية خاطفة على يد القوات الحكومية، ثم انخرطت في عملية إندماج داخل الدولة اتسمت ـ حتى الآن ـ بكفاءة وسلاسة مدهشتين (وفق شروط تتطابق بشكل صارخ مع تلك التي جرى الاتفاق عليها على نطاق واسع مع السويداء في وقت سابق من عام 2025). وقد ترك هذا التحول الهجري وحيدًا ومعزولاً إلى حد كبير فيما يتعلق بـ “الشركاء” السوريين في الداخل، مما دفعه إلى تشديد موقفه بدلاً من إبداء المرونة.

ومنذ التوقيع على خارطة الطريق في سبتمبر/ أيلول 2025؛ كان نهج دمشق تجاه هذه المواجهة يرتكز في مجمله على الوقوف مكتوفة الأيدي والسماح بتفاقم الأوضاع داخل السويداء. وبينما تستمر المساعدات الإنسانية والوقود في الدخول إلى السويداء عبر الطريق السريع القادم من دمشق، فإن الخدمات الحكومية تتداعى، والانفلات الأمني الداخلي يزداد سوءًا. وفي الواقع؛ ففي الأسابيع الستة الماضية وحدها، انخرطت مجموعات متنافسة من عناصر ميليشيا الحرس الوطني الدرزي الموالية للحجري في ما لا يقل عن 25 اشتباكًا بين الفصائل.

وإلى جانب الانفلات الأمني؛ باتت السويداء وأهلها عاجزين عن الاستفادة المباشرة من التعافي التدريجي للاقتصاد السوري، وطفرة الانخراط الدولي والاستثمارات المبكرة. وفي ظل هذه المواجهة المستمرة؛ تمنع السلطات الدرزية بقوة السلاح مؤسسات القطاع العام الخاصة بها من التفاعل مع وزاراتها المعنية في دمشق، مما تسبب في تحديات جسيمة بقطاعات التعليم، والصحة، والخدمات المصرفية والمالية، والسجل المدني، وخدمات المياه والكهرباء الأساسية. وفي غضون ذلك؛ يواجه الحرس الوطني المدعوم من إسرائيل اتهامات من السكان المحليين باستغلال نفوذه للسيطرة على الاقتصاد المحلي بهدف الإثراء غير المشروع.

وعلى سبيل المثال؛ اقتحم عناصر من الميليشيات الدرزية في أبريل/ نيسان مديرية التربية في السويداء واختطفوا مديرها، الأكاديمي الدرزي صفوان بلان. وبعد ساعات، أصدر بلان بيانًا على فيسبوك يعلن فيه تنحيه عن منصبه “امتثالاً لقرار حكمت الهجري”. وأعقب ذلك إضراب للمعلمين واجتماعات متعددة مع الهجري، حذر فيها التربويون من أن فراغ القيادة سيعني إلغاء موسم الامتحانات المقبل، إلا أن الهجري رفض التنازل، محذرًا من أن أي معلم يتخلف عن الحضور إلى عمله سيتعرض للاعتقال.

وفي وقت لاحق؛ عاد بلان إلى عمله بهدوء، وبدأت المفاوضات مع دمشق حول كيفية السير في الامتحانات الابتدائية والشهادتين الإعدادية والثانوية الوشيكة. في البداية؛ رفض الهجري مقترحًا حكوميًا يقضي بدخول مسؤولي وزارة التربية إلى السويداء لمراقبة الامتحانات، ليعود لاحقًا ويقترح أنه لن يسمح إلا للمسؤولات التربويات من غير المسلمين السنة بالدخول ـ وهو اقتراح رفضته دمشق. بعد ذلك؛ اقترحت دمشق أن يرافق الهلال الأحمر العربي السوري موظفي الوزارة، لكن الهجري رفض ذلك أيضًا، فسارع بلان إلى تقديم استقالته فورًا. ومع بدء موسم الامتحانات في سوريا؛ أصدرت الوزارة قرارًا ينص على وجوب سفر طلاب السويداء إلى دمشق أو ريفها لتقديم امتحاناتهم، مما أثار تهديدات من قِبل الحرس الوطني، وأدى إلى مداهمة مديرية التعليم في السويداء.

وقد تكررت أحداث مشابهة في الأسابيع الأخيرة بشأن تعيينات رؤساء البلديات، والسيطرة على مديرية الأحوال المدنية في المحافظة، ونقل طلاب الجامعة إلى دمشق، وغير ذلك. وفي ظل هذه الأجواء؛ تظهر استطلاعات الرأي أن 6 بالمئة فقط من سكان السويداء راضون عن وضعهم الحالي.

إن هذا النهج الذي لا يقبل الحلول الوسط غير قابل للاستمرار. ومن أجل سكان السويداء؛ وسوريا ككل، لا بد من إيجاد حل وسط بين السويداء والحكومة في دمشق. وتتمتع الحكومة الأمريكية بموقع يؤهلها لجمع الطرفين ورعاية الحوار والمفاوضات بينهما، ولكن لتحقيق ذلك، سيتعين على إسرائيل أيضًا خفض تصعيد عدائها المفتوح لسوريا، وإبلاغ السويداء بأن الحوار هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا. وإلى أن يحدث ذلك ـ ما لم يحدث ـ ستستمر السويداء في التخلف عن ركب التعافي الشامل ومسار الاستقرار في سوريا، وسيتواصل الانفلات الأمني وتجارة المخدرات والجريمة المنظمة، وسيصبح التوصل إلى حل محتمل أمراً صعباً بشكل متزايد.

المصدر: نيولاينز

الوسوم: الحدود الأردنية السورية ، الحقوق والحريات ، الشأن السوري ، تجارة المخدرات لحزب الله ، تهريب المخدرات
الوسوم: المخدرات ، ترجمات
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
تشارلز ليستر
بواسطة تشارلز ليستر باحث بريطاني أمريكي بمركز بروكنجز الدوحة
متابعة:
باحث بريطاني أمريكي بمركز بروكنجز الدوحة
المقال السابق نون بوست العلاج النفسي في غزة.. محاولة نجاة وسط الخراب والأحمال الثقيلة
المقال التالي نون بوست غلق مضيق هرمز يفتح أمام سوريا فرصًا اقتصادية واعدة

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترجمات

ترجمات

تقارير يترجمها "نون بوست" من الصحافة الدولية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • غلق مضيق هرمز يفتح أمام سوريا فرصًا اقتصادية واعدة
  • الأسوأ ربما لم يأتِ بعد.. إيران قد تكون أعظم إخفاقات ترامب
  • كيف حاولت شركة أمريكية تلميع فضائح إبستين والإمارات في جوجل؟
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

غلق مضيق هرمز يفتح أمام سوريا فرصًا اقتصادية واعدة

غلق مضيق هرمز يفتح أمام سوريا فرصًا اقتصادية واعدة

رجاء عبد الرحيم رجاء عبد الرحيم ٢٠ مايو ,٢٠٢٦
الأسوأ ربما لم يأتِ بعد.. إيران قد تكون أعظم إخفاقات ترامب

الأسوأ ربما لم يأتِ بعد.. إيران قد تكون أعظم إخفاقات ترامب

رافي أغراوال رافي أغراوال ١٩ مايو ,٢٠٢٦
كيف حاولت شركة أمريكية تلميع فضائح إبستين والإمارات في جوجل؟

كيف حاولت شركة أمريكية تلميع فضائح إبستين والإمارات في جوجل؟

روبرت درابر روبرت درابر ١٩ مايو ,٢٠٢٦
نون بوست

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version