• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف تعيد التكنولوجيا العسكرية التركية رسم خارطة القوى في شمال أفريقيا؟

زيد اسليم٢٢ مايو ٢٠٢٦

The Turkish seismic research vessel 'Oruç Reis' has begun its return journey to Turkey, following the completion of its first intercontinental mission in Somalia. (Ministry of Energy and Natural Resources – Anadolu Agency, June 2025)

في ربيع عام 2020، أخذت الحرب الليبية منحى مختلفا مع تغير ميزان القوة في سماء المعركة. فبينما كانت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر تواصل تقدمها نحو طرابلس مدعومة بشبكات إسناد إقليمية ودولية واسعة، بدأت الطائرات المسيرة التركية من طراز “بيرقدار تي بي2” بالظهور فوق خطوط المواجهة، مستهدفة منظومات الدفاع الجوي ومراكز الإمداد والتحركات العسكرية بدقة عالية. خلال فترة قصيرة، انعكست ديناميات الصراع بصورة لافتة، إذ استعادت حكومة الوفاق الوطني زمام المبادرة، وتراجعت القوات المهاجمة شرقا، لتتحول ليبيا إلى واحدة من أبرز الساحات التي كشفت أثر التكنولوجيا العسكرية التركية في إعادة صياغة موازين القوة الإقليمية.

حملت تلك اللحظة دلالات تتجاوز حدود الحرب الليبية نفسها. فقد أظهرت أن التحولات العسكرية في القرن الحادي والعشرين لم تعد مرتبطة فقط بحجم الجيوش التقليدية أو امتلاك الترسانات الثقيلة، وإنما باتت ترتبط أيضا بالقدرة على تطوير أدوات قتالية مرنة ومنخفضة الكلفة وقابلة للتكيف مع الحروب الحديثة. وفي هذا السياق، برزت تركيا بوصفها واحدة من أكثر القوى الإقليمية استثمارا في الصناعات الدفاعية المحلية، مستفيدة من تراكم خبرات امتدت لسنوات، ومن رغبة سياسية واضحة في تقليص الاعتماد على الموردين الغربيين وتوسيع هامش الاستقلال الاستراتيجي.

تزامن هذا التحول مع مرحلة شديدة الاضطراب في شمال أفريقيا، المنطقة الواقعة عند تقاطع المتوسط والساحل الأفريقي والشرق الأوسط، والتي أصبحت خلال العقد الأخير مسرحا لتنافس دولي وإقليمي متسارع. ففرنسا تحاول الحفاظ على نفوذها التاريخي وشبكاتها الأمنية القديمة، وروسيا توسعت عبر الحضور العسكري غير المباشر وشركات الأمن الخاصة، بينما عززت الإمارات حضورها السياسي والعسكري في عدد من الملفات الإقليمية، في وقت واصلت فيه الصين بناء نفوذ اقتصادي طويل الأمد عبر البنية التحتية والاستثمارات وممرات التجارة. وسط هذا التشابك، وجدت تركيا في التكنولوجيا العسكرية أداة تمنحها قدرة أكبر على التمدد السياسي والأمني دون الحاجة إلى نشر واسع للقوات التقليدية.

وتكتسب التجربة التركية خصوصيتها من طبيعة الأدوات التي طورتها أنقرة خلال السنوات الماضية. فالمسيرات التركية، مثل “بيرقدار تي بي 2″ و”أقنجي” و”عنقا”، قدمت نموذجا مختلفا في سوق السلاح العالمي، من حيث تكلفة تشغيل أقل مقارنة بالمنظومات الغربية، ومرونة في الاستخدام، وسرعة في التسليم، وغياب القيود السياسية الصارمة التي ترافق غالبا صفقات السلاح الأمريكية أو الأوروبية. هذه العوامل جعلت التكنولوجيا العسكرية التركية جذابة لعدد متزايد من الدول الأفريقية، خاصة تلك التي تواجه تحديات أمنية متسارعة وتبحث عن وسائل فعالة لتعزيز قدراتها الدفاعية بأقل تكلفة ممكنة.

وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس: تركيا حققت “نجاحات باهرة” مؤخرًا، من ليبيا إلى أفريقيا جنوب الصحراء، مع وجود عسكري غرب ليبيا وسعي لتفاهمات مع شرقها. pic.twitter.com/jAcpgDJ4QC

— نون بوست (@NoonPost) February 5, 2026

وخلال سنوات قليلة، تحولت الصناعات الدفاعية التركية إلى أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية لأنقرة. فوفق بيانات رسمية صادرة عن رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، ارتفعت صادرات قطاع الدفاع والطيران من نحو 7.1 مليارات دولار عام 2024 إلى أكثر من 10 مليارات دولار عام 2025، مدفوعة بالطلب المتزايد على الطائرات المسيرة والمركبات المدرعة وأنظمة الحرب الإلكترونية. كما توسعت شبكة الشراكات الدفاعية التركية في أفريقيا بوتيرة متسارعة، لتشمل برامج تدريب عسكري واتفاقيات أمنية ونقل خبرات تقنية، إلى جانب صفقات التسليح المباشرة.

انعكس هذا التوسع بوضوح على شمال أفريقيا، حيث بات الحضور العسكري التركي يتخذ أشكالا متعددة تتجاوز بيع السلاح إلى بناء علاقات أمنية طويلة الأمد. ففي ليبيا لعبت التكنولوجيا التركية دورا مباشرا في تغيير موازين الحرب، وفي تونس والمغرب والجزائر ومصر برزت المسيرات التركية ضمن النقاشات المرتبطة بتحديث الجيوش وتعزيز القدرات الدفاعية. كما اتسع النفوذ التركي جنوبا نحو منطقة الساحل، في ظل تنامي الاهتمام الأفريقي بنموذج الصناعات الدفاعية التركية باعتباره بديلا عمليا عن المنظومات الغربية والروسية التقليدية.

ومن هنا تبرز أهمية السؤال حول الطريقة التي تعيد التكنولوجيا العسكرية التركية بها رسم خارطة القوى في شمال أفريقيا؟ وما الذي يجعل المسيرات والمنظومات الدفاعية التركية قادرة على التحول من مجرد أدوات عسكرية إلى وسائل نفوذ سياسي واستراتيجي؟

المغرب.. من الاستيراد إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية

يمثل المغرب إحدى أبرز التجارب المغاربية التي تكشف تحول العلاقة مع الصناعات الدفاعية التركية من مجرد اقتناء السلاح إلى محاولة بناء شراكة صناعية طويلة الأمد. فمنذ حصول الرباط على طائرات “بيرقدار تي بي 2” عام 2021، اتجه التعاون العسكري بين الجانبين تدريجيا نحو مستويات أكثر تعقيدا، شملت مشاريع مرتبطة بالصيانة والتجميع ونقل بعض الخبرات التقنية المرتبطة بالمنظومات غير المأهولة. وبحلول عام 2024، بدأت تتوسع المؤشرات المرتبطة بإمكانية إنشاء بنية صناعية محلية خاصة بالطائرات المسيرة داخل المغرب، في سياق استراتيجية أوسع تتبناها الرباط لتوطين جزء من الصناعات الدفاعية وتقليص الاعتماد الكامل على الواردات العسكرية.

وفي هذا الإطار، برزت تقارير تتحدث عن مشروع لإقامة منشأة مرتبطة بإنتاج وصيانة الطائرات المسيرة قرب مدينة بنسليمان، بالتوازي مع تسجيل شركة محلية تحمل اسم “أطلس للصناعات الدفاعية” برأسمال مغربي، بهدف العمل في مجالات تصميم أجزاء الطائرات المسيرة وإنتاج مكوناتها. كما ارتبط اسم الشركة لاحقا بمشاريع تعاون مع شركة “بايكار” التركية، التي عززت حضورها في المغرب عبر ترتيبات صناعية وتجارية متصلة بمنظومات “بيرقدار تي بي2″ و”أقنجي”.

وتشير المعطيات المتداولة في الصحافة المغربية والدولية إلى أن هذه المشاريع قد تفتح المجال أمام إنشاء أول بنية إنتاجية مرتبطة بالمسيرات التركية في شمال أفريقيا، بما يمنح المغرب موقعا متقدما داخل سوق إقليمية تشهد طلبا متزايدا على هذا النوع من التكنولوجيا العسكرية.

ويعكس هذا التوجه تحولا أوسع في العقيدة الصناعية والعسكرية المغربية، حيث تسعى الرباط إلى بناء قطاع دفاعي محلي قادر على استيعاب التكنولوجيا الحديثة وتطوير خبرات تقنية مرتبطة بالطائرات غير المأهولة وأنظمة الاستطلاع والذخائر الذكية. كما يتقاطع هذا المسار مع سياسة مغربية أوسع لجذب الاستثمارات الدفاعية الأجنبية، سواء من تركيا أو الولايات المتحدة أو إسرائيل، ضمن رؤية تهدف إلى تحويل المغرب إلى منصة صناعية وعسكرية تخدم احتياجاته الداخلية وتمنحه هامشا أكبر في الأسواق الأفريقية مستقبلا.

على المستوى الإقليمي، يرتبط هذا التطور أيضا بحسابات التوازن العسكري داخل منطقة المغرب العربي، ولا سيما في ظل التوتر المستمر بين المغرب والجزائر. فامتلاك الرباط لمنظومات تركية متقدمة ثم الاتجاه نحو تعزيز القدرات بمسيرات أثقل وأكثر تطورا مثل “أقنجي”، يمنح القوات المسلحة المغربية قدرات أوسع في الاستطلاع بعيد المدى، والمراقبة الحدودية، وتنفيذ الضربات الدقيقة. كما يضيف بعدا جديدا إلى معادلة الردع بين البلدين، خاصة مع التحول المتسارع في طبيعة الحروب الحديثة نحو الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والقدرات الشبكية.

ليبيا.. ساحة الاختبار الأكثر حساسية

تشكل ليبيا الحالة الأكثر وضوحا لفهم الكيفية التي تحولت بها الطائرات المسيرة التركية من أداة تكتيكية إلى عنصر قادر على التأثير في التوازنات العسكرية والسياسية داخل شمال أفريقيا. فمنذ الهجوم الذي شنته قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على العاصمة طرابلس عام 2019، دخلت تركيا بصورة مباشرة على خط الصراع دعما لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا، وقدمت حزمة واسعة من الدعم العسكري شملت الطائرات المسيرة من طراز “بيرقدار تي بي 2″، وأنظمة دفاع جوي، ومستشارين عسكريين، إضافة إلى قدرات مرتبطة بالحرب الإلكترونية والتنسيق العملياتي.

وفي سياق المعارك التي دارت حول طرابلس، لعبت المسيرات التركية دورا محوريا في استهداف خطوط الإمداد والتمركزات العسكرية ومنظومات الدفاع الجوي التابعة لقوات حفتر، الأمر الذي ساهم تدريجيا في إبطاء تقدمها ثم دفعها إلى التراجع عن مناطق واسعة غرب البلاد.

واكتسبت التجربة الليبية أهمية إضافية بسبب المواجهة غير المباشرة التي ظهرت بين التكنولوجيا التركية وبعض المنظومات الروسية المستخدمة في ساحة القتال، وعلى رأسها أنظمة “بانتسير” للدفاع الجوي. فقد ساهمت العمليات التركية في تحييد عدد من هذه المنظومات، ما أضعف الغطاء الدفاعي للقوات المتقدمة نحو طرابلس، وأعاد رسم معادلة السيطرة الجوية في غرب ليبيا. ومنذ تلك اللحظة، بدأت المسيرات التركية تحظى باهتمام متزايد داخل الأوساط العسكرية الدولية، باعتبارها نموذجا منخفض الكلفة نسبيا وقادرا على تحقيق تأثير عملياتي واسع في الحروب غير المتكافئة.

– أكد وزير الطاقة والموارد الطبيعية “ألب أرسلان بيرقدار” أن عام 2026 سيكون “عام الطاقة” بين تركيا وليبيا، حيث ستتحول التفاهمات الطويلة إلى نتائج ملموسة ومشاريع على أرض الواقع.

– تستهدف الدولتان رفع حجم التبادل التجاري من 4.4 مليار دولار في 2025 إلى أكثر من 5 مليارات دولار في… pic.twitter.com/p0vmdVOUJ8

— نون بوست (@NoonPost) January 26, 2026

لكن التجربة الليبية كشفت أيضا حدود بعض المنظومات التكتيكية الخفيفة والمتوسطة، خاصة في البيئات الجغرافية المفتوحة والمعقدة. فقد برزت تحديات مرتبطة بمدى التشغيل، والاعتماد على أنظمة الاتصال، والحاجة إلى حمولة تسليحية أكبر وقدرات استطلاع أوسع. وفي ضوء هذه المعطيات، اتجهت تركيا لاحقا إلى تعزيز حضورها الجوي غير المأهول عبر إدخال منصات أكثر تطورا مثل “أقنجي”، التي تتمتع بقدرات هجومية واستطلاعية أكبر، وبإمكانات اتصال عبر الأقمار الصناعية تسمح بتوسيع نطاق العمليات لمسافات أبعد. وقد أشارت تقارير وصور متداولة خلال السنوات الأخيرة إلى وجود هذا النوع من الطائرات داخل قاعدة مصراتة، بما يعكس انتقال الحضور التركي من مستوى الدعم التكتيكي إلى بناء بنية جوية غير مأهولة أكثر تطورا واستدامة داخل ليبيا.

ومع مرور الوقت، تجاوز الدور التركي في ليبيا الإطار العسكري المباشر ليتحول إلى مدخل لنفوذ سياسي وأمني أوسع. فبعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، واصلت أنقرة تثبيت حضورها عبر اتفاقيات التعاون العسكري والأمني، كما مدد البرلمان التركي تفويض وجود القوات التركية في ليبيا حتى عام 2026، في إطار ما تصفه أنقرة بدعم الاستقرار والحفاظ على التوازن القائم. وفي المقابل، بدأت العلاقات التركية تتخذ طابعا أكثر براغماتية تجاه مختلف الأطراف الليبية، بما في ذلك معسكر الشرق الليبي، في ظل إدراك متزايد لدى القوى المحلية أن تركيا أصبحت لاعبا يصعب تجاوزه في المعادلة الليبية.

مصر.. الصناعات الدفاعية بوصفها جسرا لإعادة بناء العلاقات

يكشف المسار المصري التركي خلال السنوات الأخيرة عن تحول تدريجي في موقع الصناعات الدفاعية داخل العلاقات الإقليمية، حيث بدأت الطائرات المسيرة والتكنولوجيا العسكرية تأخذ دورا يتجاوز الحسابات الأمنية التقليدية لتصبح جزءا من عملية إعادة ترميم الثقة السياسية بين أنقرة والقاهرة. فبعد سنوات طويلة من التوتر والتنافس الحاد في ملفات إقليمية متعددة، خاصة في ليبيا وشرق المتوسط، دخل البلدان منذ عام 2023 في مسار تقارب سياسي وأمني اتسم بقدر متزايد من البراغماتية، انعكس لاحقا على ملفات التعاون الاقتصادي والعسكري.

وفي هذا السياق، برز ملف الطائرات المسيرة بوصفه أحد أكثر المؤشرات دلالة على التحول الجاري في العلاقات الثنائية. فقد تحدث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال عام 2024 عن استعداد أنقرة لتزويد مصر بتكنولوجيا الطائرات من دون طيار ومنظومات دفاعية أخرى، بالتزامن مع الزيارة التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير من العام نفسه. وحملت هذه التصريحات رسائل سياسية تتجاوز بعدها التقني، إذ عكست استعداد الطرفين لنقل العلاقات من مرحلة تخفيف التوتر إلى مرحلة بناء مصالح مشتركة أكثر استقرارا.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي المصري وتعقيدات البيئة الأمنية المحيطة بها. فمصر تواجه تحديات متداخلة تمتد من الحدود الغربية مع ليبيا إلى البحر الأحمر والسودان وقطاع غزة، وهي ساحات تتطلب قدرات متطورة في المراقبة والاستطلاع وإدارة الحدود وتنفيذ العمليات الدقيقة. وفي هذا الإطار، تبدو الطائرات المسيرة التركية خيارا عمليا يوفر مزيجا من الكلفة التشغيلية الأقل والمرونة التقنية وإمكانية التوسع في الاستخدامات المرتبطة بالأمن الحدودي والاستطلاع والمراقبة.

– توصلت تركيا ومصر إلى تفاهم للعمل على إعادة تشغيل خط النقل البحري من نوع “رورو” (Roll-on/Roll-off)، بهدف تعزيز ودعم التجارة الثنائية بين البلدين.

– وأكد الجانبان على الهدف المشترك المتمثل في رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028.

– وتم الاتفاق… pic.twitter.com/uAEHjxVDWS

— نون بوست (@NoonPost) December 5, 2025

لكن التطور الأهم في هذا المسار ظهر مع انتقال الحديث من مجرد شراء منظومات جاهزة إلى إمكانات التعاون الصناعي ونقل التكنولوجيا. ففي أغسطس 2025، تحدثت تقارير إعلامية مصرية وتركية عن توقيع اتفاق بين الهيئة العربية للتصنيع والشركة التركية هافلسان لإنتاج طائرات مسيرة عمودية الإقلاع والهبوط من طراز “تورغا” داخل مصر، عبر مصنع “قادر للصناعات المتقدمة”. وتضمن الاتفاق بنودا مرتبطة بنقل الخبرات التقنية والتصنيع المحلي، بما يسمح بتلبية احتياجات السوق المصرية وفتح المجال مستقبلا نحو أسواق أفريقية أخرى.

ويعكس هذا التوجه تغيرا مهما في المقاربة المصرية لملف التسلح والتكنولوجيا الدفاعية. فالقاهرة، التي اعتمدت لعقود طويلة على موردين تقليديين مثل الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، باتت تسعى بصورة متزايدة إلى تنويع مصادر التكنولوجيا العسكرية وتوسيع قاعدة التصنيع المحلي، في ظل إدراك متنام لأهمية امتلاك قدرات إنتاجية مرتبطة بالأنظمة غير المأهولة والتقنيات الرقمية الحديثة. كما يمنح التعاون مع تركيا فرصة للاستفادة من خبرة صناعية تطورت بسرعة خلال العقد الأخير، خاصة في مجالات المسيرات وأنظمة القيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية.

وفي المقابل، تنظر أنقرة إلى هذا التعاون باعتباره أكثر من مجرد صفقة دفاعية أو شراكة صناعية محدودة. فدخول الصناعات العسكرية التركية إلى السوق المصرية يمنح تركيا حضورا داخل واحدة من أكبر المؤسسات العسكرية في المنطقة وأكثرها تأثيرا، كما يفتح الباب أمام شراكات أوسع في أفريقيا والبحر الأحمر وشرق المتوسط. ومن هذه الزاوية، تبدو التكنولوجيا العسكرية أداة تساعد أنقرة على تثبيت التقارب السياسي مع القاهرة عبر مصالح طويلة الأمد يصعب فصلها عن الحسابات الاستراتيجية للطرفين.

كما تعكس هذه التحولات اتجاها أوسع في طبيعة العلاقات الإقليمية داخل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أصبحت الصناعات الدفاعية جزءا من أدوات الدبلوماسية وبناء التحالفات، وليس مجرد ملف تقني منفصل عن السياسة. فالمسيرات التركية، التي استخدمت سابقا في ساحات شهدت تنافسا حادا بين أنقرة والقاهرة، تحولت تدريجيا إلى مساحة تعاون محتملة بين البلدين، بما يكشف حجم التغير الذي تشهده أولويات القوى الإقليمية في ظل التحولات الأمنية والاقتصادية المتسارعة داخل المنطقة.

الجزائر.. التوازنات المغاربية وحدود الانفتاح الدفاعي على تركيا

تحتل الجزائر موقعا بالغ الحساسية في الحسابات الدفاعية التركية المرتبطة بشمال أفريقيا والبحر المتوسط. فالدولة التي تمتلك ثاني أكبر الجيوش في القارة الأفريقية، وتدير حدودا مترامية تمتد عبر فضاءات شديدة الاضطراب في الساحل وليبيا، تمثل شريكا لا يمكن تجاهله بالنسبة لأي قوة تسعى إلى بناء حضور أمني وعسكري طويل الأمد في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو العلاقة بين الجزائر والصناعات الدفاعية التركية جزءا من تحولات أوسع تشهدها البيئة الإستراتيجية في المغرب العربي، حيث تتداخل اعتبارات الأمن الحدودي، والمنافسة الإقليمية، وتغير طبيعة التكنولوجيا العسكرية الحديثة.

وخلال العقود الماضية، بنت الجزائر عقيدتها الدفاعية على قاعدة تسليحية واسعة اعتمدت بصورة أساسية على المنظومات الروسية، سواء في سلاح الجو أو الدفاعات الجوية أو القوات البرية والبحرية. وقد وفر هذا التوجه للجيش الجزائري قدرات ردع معتبرة، ورسخ صورة الجزائر باعتبارها إحدى أكثر القوى العسكرية ثقلا في أفريقيا. غير أن التحولات الدولية التي رافقت الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من عقوبات وضغوط على سلاسل الإمداد والصيانة والتحديث، دفعت المؤسسة العسكرية الجزائرية إلى التفكير بصورة أكثر جدية في تنويع مصادر التكنولوجيا الدفاعية وتوسيع هامش الخيارات المتاحة أمامها.

وفي هذا السياق، بدأت تركيا تظهر بوصفها شريكا دفاعيا يمتلك خصائص مختلفة عن الموردين التقليديين. فأنقرة تجمع بين عضويتها في حلف شمال الأطلسي وقدرتها على الحفاظ على هامش استقلال واسع في سياساتها الإقليمية، كما أن صناعاتها الدفاعية الصاعدة باتت توفر منظومات أثبتت حضورا عملياتيا في ساحات قريبة من البيئة الأمنية الجزائرية، خاصة في ما يتعلق بالطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع والحرب الإلكترونية. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة إلى الجزائر، بالنظر إلى طبيعة التحديات التي تواجهها على حدودها الجنوبية والشرقية، حيث تتداخل التهديدات المرتبطة بالجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية والانهيارات الأمنية المتكررة في منطقة الساحل وليبيا.

وتبدو الطائرات المسيرة في هذا السياق أداة ذات قيمة استراتيجية متزايدة بالنسبة إلى الجزائر. فالدولة التي تمتلك واحدة من أكبر المساحات الجغرافية في أفريقيا تحتاج إلى وسائل مراقبة قادرة على تغطية مناطق صحراوية واسعة بكلفة تشغيلية أقل من الطيران التقليدي، مع توفير قدرة مستمرة على الرصد والاستجابة السريعة. كما تمنح الأنظمة غير المأهولة القوات المسلحة إمكانات أكبر في جمع المعلومات الاستخباراتية، ومتابعة التحركات عبر الحدود، وتنفيذ عمليات دقيقة في البيئات الوعرة والمعقدة دون تعريض الطواقم البشرية للمخاطر نفسها التي ترافق العمليات التقليدية.

تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين من أقل من مليار دولار مطلع الألفية إلى نحو 6.5 مليار دولار في 2024.. فهل تترأس تركيا قائمة موردي الجزائر؟ pic.twitter.com/erFRZCXFgO

— نون بوست (@NoonPost) May 12, 2026

لكن البعد الأمني الداخلي ليس العامل الوحيد الذي يفسر الاهتمام الجزائري المتزايد بتكنولوجيا المسيرات. فالمنافسة الإقليمية مع المغرب تشكل بدورها أحد العناصر المؤثرة في إعادة تشكيل الحسابات الدفاعية الجزائرية. وفي هذا الإطار، برزت تقارير تحدثت عن حصول الجزائر على طائرات تركية من طراز “أكسونغور”، لتصبح أول زبون خارجي لهذا النوع من المسيرات. ورغم أن موسكو وبكين ما تزالان تحتفظان بالحصة الأكبر من سوق السلاح الجزائرية، إلى جانب موردين أوروبيين مثل إيطاليا وألمانيا، فإن الانفتاح الجزائري المحدود على الصناعات الدفاعية التركية يعكس توجها نحو تنويع الشركاء واختبار بدائل تكنولوجية جديدة في مجالات بعينها، خاصة المرتبطة بالمراقبة الجوية والطائرات غير المأهولة.

وفي الوقت نفسه، حافظت الجزائر على قدر من الحذر في إدارة هذا الملف، إدراكا منها لحساسية التوازنات العسكرية في المغرب العربي. فالسلطات الجزائرية تدرك أن أي تحول كبير في بنية التسلح داخل المنطقة قد ينعكس مباشرة على معادلات الردع الإقليمي، لذلك واصلت بالتوازي تعزيز تعاونها الدفاعي مع روسيا والصين، بما في ذلك اقتناء مسيرات صينية ومنظومات دفاع جوي وصواريخ متطورة، في إطار سياسة تقوم على توزيع مصادر القوة وعدم الارتهان لشريك واحد.

أما بالنسبة إلى تركيا، فإن الجزائر تمثل أكثر من مجرد سوق دفاعية واعدة. فهي بوابة جيوسياسية نحو شمال أفريقيا والساحل، ودولة تمتلك حضورا مؤثرا في ملفات الطاقة والهجرة والأمن الإقليمي، كما أن بناء شراكة دفاعية مستقرة معها يمنح أنقرة موقعاً أكثر توازنا داخل الفضاء المغاربي والمتوسطي. ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة الدفاعية بين البلدين جزءا من مسعى تركي أوسع لترسيخ حضور طويل الأمد في أفريقيا عبر التكنولوجيا العسكرية والشراكات الأمنية، وليس فقط عبر التبادل التجاري أو العلاقات الدبلوماسية التقليدية.

تونس.. توسيع القدرات الأمنية عبر الشراكة الدفاعية مع تركيا

تعكس التجربة التونسية جانبا مختلفا من الحضور الدفاعي التركي في شمال أفريقيا، يقوم بدرجة أكبر على دعم القدرات الأمنية ومراقبة الحدود وتعزيز إمكانات الدولة في مواجهة التهديدات غير النظامية. فمنذ توقيع اتفاقية التعاون العسكري بين تونس وتركيا عام 2017، بدأت العلاقات الدفاعية بين البلدين تتوسع تدريجيا لتشمل مجالات التدريب والتجهيز ونقل الخبرات التقنية، في إطار سعي تونس إلى تحديث بعض قدراتها العسكرية والأمنية في ظل بيئة إقليمية مضطربة.

وشهد هذا المسار دفعة مهمة مع اتجاه تونس إلى اقتناء معدات عسكرية تركية، من بينها المركبات المدرعة المقاومة للألغام من طراز “كيربي” و”فوران”، التي صممت خصيصا للعمل في البيئات الوعرة ومواجهة التهديدات المرتبطة بالعبوات الناسفة والهجمات غير التقليدية. وجاءت هذه الخطوة في سياق اهتمام تونسي متزايد بتطوير قدرات القوات البرية، خاصة مع استمرار التحديات الأمنية على الحدود الغربية والجنوبية، وارتفاع المخاوف المرتبطة بشبكات التهريب والجماعات المسلحة العابرة للحدود.

لكن التحول الأبرز في التعاون الدفاعي بين الجانبين ظهر مع دخول الطائرات المسيرة إلى العلاقة العسكرية الثنائية. فوفق تقارير ودراسات بحثية، اتجهت تونس عام 2021 إلى اقتناء ثلاث طائرات من طراز “عنقا-إس”، إلى جانب محطات تحكم أرضية وبرامج تدريب موسعة شملت عشرات الطيارين والفنيين التونسيين. وقدرت قيمة الصفقة بنحو 80 مليون دولار، بتمويل مدعوم من مؤسسات تركية مرتبطة بالصادرات، في خطوة عكست رغبة أنقرة في توسيع حضورها داخل السوق الدفاعية التونسية عبر صفقات تجمع بين التمويل والتدريب ونقل الخبرات التشغيلية.

وتحمل هذه الصفقة دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ تكشف توجها تونسيا نحو بناء قدرة تشغيلية أكثر استقلالا في مجال الطائرات غير المأهولة، خاصة في ما يتعلق بالمراقبة والاستطلاع وإدارة الحدود. فالمسيرات توفر للقوات التونسية قدرة على متابعة التحركات في المناطق الصحراوية والجبلية لفترات طويلة، مع كلفة تشغيلية أقل مقارنة بالطيران التقليدي، وهو ما يمنح الأجهزة الأمنية والعسكرية أدوات أكثر فاعلية في مراقبة الحدود مع ليبيا والجزائر، ومتابعة شبكات التهريب والجماعات المسلحة الناشطة في بعض المناطق الحدودية.

كما ارتبط إدخال منظومات عنقا-إس بالخطة التونسية لتعزيز المراقبة الجوية في المناطق الحساسة، خاصة في محيط جبال الشعانبي والمناطق الغربية التي شهدت خلال السنوات الماضية نشاطا لجماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمات متشددة. وفي هذا السياق، توفر الطائرات المسيرة إمكانات مهمة في جمع المعلومات الاستخباراتية، ورصد التحركات، ودعم العمليات البرية في بيئات يصعب التحكم بها عبر الوسائل التقليدية وحدها.

ورغم أن عملية تسليم وتشغيل الطائرات شهدت بعض التأخير المرتبط بالإجراءات التقنية والسياسية، فإن تونس بدأت تدريجيا بإدخال هذه المنظومات إلى الخدمة خلال عامي 2022 و2023، لتصبح إحدى الدول المغاربية التي تمتلك قدرات تشغيلية فعلية في مجال المسيرات التركية المتوسطة الارتفاع وطويلة التحمل.

تبدو تونس حريصة على الاستفادة من هذا التعاون دون الدخول في اصطفافات إقليمية حادة، إذ تسعى إلى تنويع شراكاتها العسكرية والحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف القوى الدولية. لكن إدخال التكنولوجيا التركية إلى المنظومة الأمنية التونسية يعكس في الوقت نفسه التحول الأوسع الذي تشهده المنطقة، حيث أصبحت الأنظمة غير المأهولة جزءا أساسيا من استراتيجيات الأمن الحدودي وإدارة التهديدات العابرة للدول، في بيئة إقليمية تتزايد فيها أهمية التكنولوجيا العسكرية منخفضة الكلفة وعالية المرونة.

آفاق المستقبل وتحولات ميزان القوة

تشير التحولات التي شهدتها شمال أفريقيا خلال السنوات الأخيرة إلى أن التكنولوجيا العسكرية أصبحت أحد أهم عناصر إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي، وأن الطائرات المسيرة تحديداً تحولت إلى أداة قادرة على التأثير في التوازنات السياسية والعسكرية بصورة تتجاوز حجمها التقني المباشر. وفي هذا السياق، يبدو أن تركيا تتجه إلى تعميق حضورها الدفاعي في أفريقيا والمتوسط خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من الزخم الذي حققته صناعاتها العسكرية في ساحات متعددة، ومن الطلب المتزايد على الأنظمة غير المأهولة منخفضة الكلفة وعالية الفعالية.

وتتوقع التقديرات المرتبطة بالصناعات الدفاعية التركية استمرار التوسع في إنتاج أجيال أكثر تطورا من المسيرات خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2028، وهي منصات تمنح القوات المستخدمة لها قدرات أكبر في المدى والحمولة والاستطلاع والهجوم بعيد المدى. كما بدأت تركيا بالتوازي تطوير منظومات بحرية غير مأهولة، تشمل سفنا مسيرة وغواصات ذاتية التشغيل، ما يفتح الباب أمام تحول أوسع في طبيعة التنافس العسكري داخل البحر المتوسط والسواحل الأفريقية، خاصة بالنسبة إلى الدول التي تمتلك مصالح بحرية متزايدة في مجالات الطاقة والموانئ والممرات التجارية.

ويعني ذلك أن شمال أفريقيا قد يدخل خلال السنوات المقبلة مرحلة أكثر تعقيدا من سباق التسلح التكنولوجي، حيث لن يقتصر التنافس على امتلاك الطائرات المسيرة فحسب، وإنما سيمتد إلى الأنظمة البحرية الذكية، والحرب الإلكترونية، ومنصات القيادة والتحكم، والقدرة على إدارة المعركة رقميا. وفي هذا الإطار، تبدو دول المنطقة متجهة نحو مواصلة سياسة تنويع الموردين وعدم الارتهان لشريك عسكري واحد، وهو ما يمنحها هامش مناورة أوسع، لكنه يخلق في المقابل تحديات متزايدة مرتبطة بتعدد المنظومات وصعوبة دمجها تقنيا داخل بنية عسكرية واحدة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الصيانة والتدريب والتوافق التشغيلي.

ويظل التنافس المغربي الجزائري أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل التوازنات المغاربية. فالمسيرات أصبحت جزءا متزايد الأهمية من معادلة الردع بين البلدين، خاصة مع اتجاه الرباط إلى تطوير شراكات مرتبطة بالإنتاج المحلي والتجميع والصيانة، مقابل سعي الجزائر إلى توسيع خياراتها الدفاعية عبر التعاون مع تركيا والصين وروسيا في آن واحد. ومن المرجح أن يستمر هذا التنافس خلال السنوات المقبلة في دفع البلدين نحو تعزيز قدراتهما في مجال الأنظمة غير المأهولة، بما يضيف بعدا تكنولوجيا جديدا إلى الصراع التقليدي حول النفوذ والتوازن الإقليمي.

أما ليبيا، فمن المرجح أن تبقى الساحة الأكثر حساسية في اختبار التنافس بين القوى الدولية والإقليمية داخل شمال أفريقيا. فالتكنولوجيا التركية رسخت حضورها داخل الغرب الليبي، في وقت تواصل فيه قوى أخرى دعم أطراف مختلفة عبر منظومات صينية وروسية ومصادر تسليح متعددة. وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، سيبقى ملف الطائرات المسيرة والسلاح الثقيل جزءا أساسيا من معادلة النفوذ داخل البلاد، ما يجعل مستقبل الاستقرار الليبي مرتبطا إلى حد كبير بقدرة الأطراف المحلية والدولية على التوصل إلى ترتيبات تنظم استخدام هذه المنظومات وتحد من تحولها إلى أدوات لإدامة الانقسام.

كما تستحق العلاقات المصرية التركية مراقبة خاصة خلال المرحلة المقبلة، نظرا لما تحمله من دلالات تتجاوز حدود التعاون الثنائي. فإذا تمكنت القاهرة من تطوير مشاريع التصنيع المشترك للمسيرات وتوسيعها نحو إنتاج منصات أكثر تطورا، فقد تتحول مصر إلى فاعل صناعي وعسكري مؤثر داخل السوق الأفريقية، وهو ما قد يخلق نموذجا يجمع بين التعاون والتنافس مع تركيا في آن واحد. فأنقرة تسعى إلى توسيع صادراتها الدفاعية ونفوذها الصناعي، بينما تحاول القاهرة بناء قاعدة إنتاج محلية تقلل اعتمادها على الموردين التقليديين وتمنحها قدرة أكبر على التحرك داخل أفريقيا والشرق الأوسط.

وفي تونس، سيظل مستقبل التعاون العسكري مع تركيا مرتبطا بدرجة كبيرة بالاستقرار السياسي والقدرة الاقتصادية على تمويل صفقات جديدة وتوسيع برامج التحديث العسكري. فالتحديات المالية التي تواجهها الدولة التونسية قد تحد من قدرتها على مواصلة الإنفاق الدفاعي بوتيرة مرتفعة، رغم استمرار الحاجة إلى تطوير أنظمة المراقبة والاستطلاع وأمن الحدود في ظل البيئة الأمنية المعقدة المحيطة بها.

من السلاح إلى النفوذ

تكشف تجربة شمال أفريقيا أن التكنولوجيا العسكرية التركية تحولت إلى أداة جيوسياسية تساعد أنقرة على إعادة بناء حضورها الإقليمي عبر الشراكات الأمنية والتعاون التقني ونقل الخبرات. فالنجاحات الميدانية التي حققتها المسيرات التركية في ليبيا وساحات أخرى منحت الصناعات الدفاعية التركية مصداقية عملياتية واسعة، ودفعت عددا متزايدا من الدول إلى النظر إليها باعتبارها وسيلة عملية لتعزيز القدرات العسكرية بكلفة أقل ومرونة أعلى مقارنة بالبدائل التقليدية.

وقد أدى هذا النجاح إلى إعادة تشكيل أنماط الشراء العسكري في شمال أفريقيا، حيث بدأت دول المنطقة بالابتعاد تدريجيا عن نموذج الاعتماد الكامل على مورد واحد، متجهة نحو بناء علاقات أكثر تنوعا مع قوى متعددة. وبهذا المعنى، ساهمت تركيا في كسر جزء من الاحتكار التقليدي الذي مارسته القوى الكبرى على سوق السلاح الإقليمي، عبر تقديم نموذج يقوم على الدمج بين التكنولوجيا والتدريب والتمويل ونقل المعرفة.

لكن هذا التحول يحمل في الوقت نفسه تداعيات معقدة على استقرار المنطقة. فانتشار الأنظمة غير المأهولة بوتيرة متسارعة يزيد من احتمالات سباقات التسلح، ويخفض كلفة استخدام القوة العسكرية، ويخلق بيئة أكثر قابلية للتصعيد السريع في الأزمات الحدودية أو الصراعات الداخلية. كما أن غياب الأطر القانونية والتنظيمية الواضحة لاستخدام هذه التكنولوجيا يثير مخاوف مرتبطة بالضحايا المدنيين، وانتقال بعض المنظومات أو مكوناتها إلى جهات غير حكومية، وتآكل الضوابط التقليدية المرتبطة باستخدام القوة.

ومن هنا، فإن مستقبل شمال أفريقيا لن يتحدد فقط بامتلاك التكنولوجيا العسكرية الأكثر تطورا، وإنما أيضا بقدرة دول المنطقة على بناء ترتيبات أمنية وقانونية تقلل من مخاطر الانفلات وتمنع تحول المنافسة التكنولوجية إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار. فالمسيرات والطائرات غير المأهولة أعادت رسم جزء مهم من خارطة القوة في الإقليم، لكن الطريقة التي ستدار بها هذه التحولات خلال السنوات المقبلة هي التي ستحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو توازن أكثر استقرارا، أم نحو مرحلة جديدة من التنافس المفتوح والصراعات الممتدة.

علاماتالاستثمار التركي في إفريقيا ، الاقتصاد التركي ، الجيش التركي ، الشأن التركي ، الصناعات الدفاعية التركية
مواضيعالشأن التركي ، الصناعات التركية

قد يعجبك ايضا

سياسة

جيش بلا أخلاق.. شهادات صادمة لجنود إسرائيليين من الجبهة اللبنانية

توم  ليفنسون٢٢ مايو ٢٠٢٦
سياسة

“أراد”.. لماذا أنشأ الاحتلال قوة نسائية لحماية قواعده الجوية؟

نون إنسايت٢٢ مايو ٢٠٢٦
سياسة

كلاشينكوف في الساحات.. كيف تعبّئ إيران المدنيين للحرب؟

نون إنسايت٢١ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑