• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

انكسار “إسبرطة الصغيرة”: كيف بددت حرب إيران أوهام الاستثناء الإماراتي؟

أندرياس كريغ٢١ مايو ٢٠٢٦

رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد، في موسكو بتاريخ 29 يناير/كانون الثاني 2026

ترجمة وتحرير: نون بوست

على مدار عقدين من الزمن، سعت دولة الإمارات العربية المتحدة جاهدة للإفلات من المصير التقليدي الذي يتربص بالدول الصغيرة، متسلحة بالقوة الشبكية لـ “الترابط الفائق”.

وفي سبيل ذلك، شيدت الموانئ، وابتاعت النفوذ، ورعت الميليشيات، وتوددت إلى واشنطن، بينما وازنت خياراتها مع موسكو وبكين لتقدم نفسها في صورة دولة رشيقة، بالغة الثراء، وأكثر حيوية من أن تكبلها قيود الجغرافيا.

ولم يكن لقب “إسبرطة الصغيرة” مجرد تسمية عابرة، بل تجسيدًا لعقيدة سياسية؛ اتحاد صغير يحمل طموحات قوة إقليمية متوسطة، ويتمتع بتفوق عسكري نسبي، ونفوذ شبكي يؤهله لتشكيل محيطه الإستراتيجي وفقًا لشروطه الخاصة.

بيد أن الأشهر الثلاثة الماضية كشفت بوضوح حجم الفجوة بين طموحات أبوظبي والواقع الجيوسياسي المحيط بها؛ إذ وضعت الهجمات الإيرانية على البنية التحتية في الخليج العاصمة الإماراتية في مواجهة مباشرة مع التناقض الصارخ بين صورتها الذاتية كقوة متوسطة، ونقاط ضعفها الهيكلية كدولة صغيرة.

وفي هذا السياق؛ شن المستشار الرئاسي أنور قرقاش مؤخرًا هجومًا حادًا على الجيران والشركاء، مغردًا عبر منصة “إكس”: “تحول الصديق إلى وسيط بدلًا من أن يكون حليفًا ثابتًا وداعمًا”.

وتلخص هذه التدوينة حجم الإحباط المخيم على أبوظبي جراء عجزها عن توظيف أوراق ضغطها لحشد جيرانها وشركائها خلف موقف أكثر حزمًا في مواجهة إيران.

وفي مقال نُشر الشهر الماضي؛ هاجم الكاتب الإماراتي طارق العتيبة التضامن العربي والعمل متعدد الأطراف، معيبًا عليهما العجز عن ردع الغطرسة الإيرانية بشكل جماعي. وقبل ذلك بشهر؛ أعلن شقيقه الأكبر وسفير الإمارات لدى واشنطن، يوسف العتيبة، في مقال رأي، عن استعداد أبوظبي للانضمام إلى “مبادرة دولية” لإعادة فتح مضيق هرمز، مؤكدًا جاهزية بلاده لتقاسم الأعباء العملياتية.

ومع ذلك؛ فإن رسائل التحدي هذه لا تعدو كونها محاولة لمواراة حقيقة أكثر مرارة: وهي أن أدوات النفوذ المتراكمة لدى الإمارات لم تترجم إلى استقلال استراتيجي حقيقي عند صدامها بالقوة القسرية لإيران الجامحة.

نموذج بلا رحمة

هنا اصطدمت الفرضية الأساسية القائلة بأن “القوة الشبكية” يمكن أن تشكل بديلًا عن “العمق الإستراتيجي” بحدودها وعجزها؛ ففي ظل حكم الرئيس محمد بن زايد، صاغت أبوظبي نموذجًا فريدًا لـ “فن إدارة الدولة” يرتكز على تحويل “الاعتماد المتبادل إلى سلاح”.

إذ منحت الممرات والمراكز اللوجستية، وصناديق الثروة السيادية، وشبكات الإعلام والمعلومات، وتجار السلع الأساسية، والشركات العسكرية والأمنية الخاصة، فضلًا عن شبكة الوكلاء الممتدة من اليمن إلى السودان، الإمارات نفوذًا طاغيًا يتجاوز حجمها الجغرافي بكثير.

كان هذا النموذج ذكيًّا، وفعالًا في محطات كثيرة، وقاسيًا بلا هوادة في محطات أخرى؛ إذ أتاح لأبوظبي إقحام نفسها في قلب الصراعات، والأسواق، والمساومات الدبلوماسية، مع إحاطة نفسها بهالة الدولة التي تصنع الأحداث لا التي تقع ضحية لها.

بيد أن النفوذ المستمد من الشبكات لا يترجم بالضرورة إلى قدرة على حسم النتائج في الخليج؛ فعندما قرر الحرس الثوري الإيراني التصعيد، لم تكن محفظة الإمارات الاستثمارية المبهرة قادرة على تقديم قيمة ردعية تُذكر.

وعلى الرغم من نجاح الإمارات في استقطاب أصحاب رؤوس الأموال والأثرياء الروس إلى بيئتها المالية والتشريعية، فإن موسكو لم تحرك ساكنًا للدفاع عن أبوظبي. وبدورها، اكتفت بكين بإصدار صيغها اللغوية المعهودة التي تعرب عن القلق وتدعو للاستقرار، في حين قدمت واشنطن وعودًا تطمينية لم تثمر شيئًا يُذكر على صعيد الردع الفعلي.

وهكذا، فإن الهيكل ذاته الذي جعل الإمارات تبدو رقمًا لا غنى عنه، هو نفسه الذي كشف حدود قدراتها؛ فكونها مركزًا للمال العالمي، وعقدة لوجستية للتجارة الدولية، وشريكًا لكل قوة كبرى، هو تحديدًا ما جعلها هدفًا رئيسًا للحرس الثوري. كما أن تغلغل الشبكات المالية للحرس الثوري داخل المؤسسات المالية والشركات اللوجستية الإماراتية لم يكن كافيًا لكبح جماح جارٍ لديه استعداد مطلق لتحمل الألم.

وهنا تكمن المفارقة الصارخة في السياسة الإماراتية؛ ففي الوقت الذي نجحت فيه الدولة في بناء واحدة من أعقد آلات النفوذ وأكثرها تطورًا في المنطقة، فإنها تظل أسيرة الجغرافيا؛ إذ تقبع موانئها في المرمى المباشر لترسانة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وتعتمد ثروتها بالكامل على الثقة، والاتصال، والتدفقات التي لا تحتمل الانقطاع، ليصبح اقتصادها هدفًا جاذبًا ومكشوفًا تحديدًا لكونه منفتحًا، ومرئيًا، ومرتبطًا بشبكات عولمية.

إشارات التحدي

فكل ما يتعين على طهران فعله لتقويض الإمارات استراتيجيًا، هو مجرد تذكير المستثمرين، وشركات التأمين، والخطوط الملاحية، والعمالة الوافدة، بأن أبوظبي ليست استثناءً من معادلة عدم الاستقرار التي تعصف بالخليج.

ومن هنا، تبدو السردية الحالية هشة للغاية؛ إذ تستميت أبوظبي للحفاظ على مظهر “إسبرطة الصغيرة”: دولة منضبطة، وعصية على المساس، وتفوق جيرانها كفاءة، وبمنأى تام عن التهديدات التي تواجه الشقيقات الخليجيات الأصغر حجمًا. بيد أن الحرب الدائرة أثبتت أن الإمارات مكشوفة أمام الضغوط الإقليمية ذاتها التي تواجه أي دولة خليجية أخرى.

لقد اصطدم استعراض “الحصانة والمنعة” بالحقائق الصلبة للجغرافيا، والديموغرافيا، والارتهان لضمانات أمنية خارجية.

لذا، فإن الضربات العسكرية الإماراتية الطموحة في العمق الإيراني، والتي جاءت ردًا على استهداف منشآتها الحيوية، لن تفلح في ترميم معادلة الردع؛ لا سيما في مواجهة حرس ثوري يتفوق بقدرته العالية على تحمل الألم ومقاساة الخسائر مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي.

وقد أعقبت هذه الضربات محاولات حثيثة قادها الشيخ محمد بن زايد لحشد جيرانه في حملة عسكرية مشتركة وأكثر راديكالية ضد إيران، ومع ما قوبل به هذا المسعى بآذان صماء، انكفأت أبوظبي على “الاتصال الإستراتيجي” كأداة بديلة ومفضلة لتصدير رسائل التحدي، والحزم، واصطناع القوة.

ونتيجة لذلك؛ صيغت الرسائل الإماراتية مرارًا على حساب جيرانها في الخليج، ومجلس التعاون، والجامعة العربية، بل وحتى الشركاء السعاة للوساطة كباكستان، متهمة إياهم بالتقاعس عن الاصطفاف الحازم إلى جانبها.

بيد أن هذا العتب بحد ذاته يشي بمعضلة أعمق؛ فقد أمضت أبوظبي سنوات طويلة وهي تحاول التعالي على مآزق الأمن الجماعي في الخليج، ناظرة إلى مجلس التعاون كقيد يكبح طموحاتها، لا كنظام إقليمي حتمي. واليوم، وتحت وطأة الضغوط الصادمة، تكتشف أن الجيران أنفسهم الذين طالما حاولت المناورة من فوقهم وتجاوز ثقلهم، هم الجيران ذاتهم الذين لا يمكنها تأمين استقرارها الاستراتيجي دونهم.

الرهان المزدوج

ستنزع الغريزة السياسية في أبوظبي نحو مضاعفة الرهان في الفضاء المعلوماتي والإعلامي عبر تكثيف أنشطة الضغط (اللوبرز) في واشنطن ورفع وتيرة الرسائل الاستراتيجية في العواصم الغربية وضخ سرديات منسقة وموجهة حول “المرونة الإماراتية” ومفهوم الاستثناء، بالتوازي مع تقديم إيجازات دبلوماسية مغلقة حول “الجيران غير الموثوقين”. وسينصبّ الجهد على تحويل هذه الأزمة إلى ذريعة لإثبات أن الإمارات تستحق ضمانات غربية أكثر صلابة، وموقفًا دوليًا أكثر راديكالية ضد طهران.

بيد أن هذا المسار لن يحل المعضلة من جذورها؛ فالإمارات لا تحتاج مجرد تفاهمات ثنائية أقوى مع الولايات المتحدة، أو صخبًا دبلوماسيًا أعلى صوتًا ضد طهران بل تفتقر إلى التسليم بحقيقة جوهرية: وهي أن مصيرها الاستراتيجي لا يمكن صياغته بمعزل عن محيطها.

إن الممر الآمن والوحيد لأمن الإمارات يمر حتمًا عبر “مركب أمني إقليمي متكامل”، تعي فيه السعودية، وقطر، وعُمان، والكويت، والبحرين، والإمارات، أن نقاط ضعفها وهشاشتها الأمنية قاسم مشترك، حتى وإن تباينت منطلقاتها السياسية. إذ لم يعد مجديًا الادعاء بأن عاصمة خليجية بمقدورها تحصين نفسها، بينما ينكفئ الآخرون على المناورة، أو الوساطة، أو الاحتراق.

ويتعين على أبوظبي أن تكف عن النظر لوساطات باكستان، أو قطر، أو عُمان، باعتبارها خذلانًا، بل كجزء من توزيع موضوعي للأدوار الإقليمية. وعليها التوقف عن قراءة التحوط والحذر السعودي كعلامة ضعف، والاعتراف بأن العمق الإستراتيجي للمملكة وثقلها النفطي يمثلان أصولًا حيوية لا يمكن لأي هيكل أمني تقوده الإمارات بمفردها أن يعوضه أو يحل محله.

كما أن الانتهازية الإسرائيلية في عرض الدعم العملياتي للدفاع الإماراتي، في حرب فجرها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في المنطقة، لن تملك القدرة على مقايضة القرب الجغرافي الحتمي للإمارات داخل المنظومة الأمنية الخليجية المشتركة.

إن أبوظبي لن تطوع مصيرها إلا إذا أقرّت عجزها عن تطويعه بمفردها؛ فالأزمة لم تكن يومًا في طموحها كقوة متوسطة، بل في الوهم السائد بأن حركية هذه القوى يمكنها شطب الهشاشة البنيوية للدول الصغيرة.

ولن يُصان أمن الإمارات المستقبلي بمضاعفة الضجيج حول روايات “الاستثناء”، ولا باعتناق خرافة أن “إسبرطة الصغيرة” قادرة على النأي بنفسها عن المصير الجماعي للخليج؛ بل سيتحقق، إن كُتب له النجاح، بوعي عقلاني رصين بأن دول الخليج كافة تعيش تحت الظل ذاته، حتى وإن اختلفت أشكال ظلالها.

المصدر: ميدل إيست آي

علاماتأمن الخليج ، الأجندة الإماراتية ، الأمن الإماراتي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران
مواضيعأمن الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الشأن الإماراتي ، ترجمات ، سياسات الإمارات الخارجية

قد يعجبك ايضا

آراء

حرب نتنياهو الداخلية

برنارد أفيشاي٢١ مايو ٢٠٢٦
آراء

النظام الإيراني تغيّر.. ولكن بأي اتجاه؟

بينوا فوكون١٦ أبريل ٢٠٢٦
آراء

كيف أدى تناقض الهدف من الحرب على إيران بين أمريكا وإسرائيل إلى تقويضها؟

حسين بنائي١١ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑