ترجمة وتحرير: نون بوست
رأى ناداف جنودًا يدخلون البيوت وينهبون كل ما تصل إليه أيديهم، وتجمد إيتاي في مكانه أثناء أحد الاشتباكات، وشعر إلعاد بالاشمئزاز من تدمير القرى وأقسم ألا يعود أبدًا، بينما طلب تومر من أصدقائه التأكد من ألا يُلقي أي ضابط كلمة في جنازته، واستغنى أور عن مسدسه خشية أن يؤذي نفسه.
هؤلاء خمسة جنود إسرائيليون من خلفيات متنوعة، بعضهم جنود في جيش الاحتياط. يخدم هؤلاء الجنود في سلاح المشاة وسلاح المدرعات. بعضهم آباء، والبعض الآخر شباب أنهوا للتو دراستهم الثانوية. كان بعضهم في بنت جبيل على الحدود مباشرةً، بينما وصل آخرون إلى نهر الليطاني على بعد حوالي 30 كيلومترًا داخل لبنان.
لكنهم يشعرون جميعا أن وقف إطلاق النار الذي أُعلن الشهر الماضي مجرد وهم، وأن المنطقة الأمنية الإسرائيلية الناشئة في جنوب لبنان ندبة محفورة في أجسادهم. فيما يلي، يروي هؤلاء الجنود تجربتهم خلال جولة القتال الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله.
جميع الأسماء مستعارة، والجنود الذين يظهرون في الصور التي قدمتها وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لم يتم ذكرهم في هذا التقرير.
“كان الجنود ينهبون المنازل حتى أثناء زيارة قائد اللواء”
ناداف، 32 عامًا، جندي احتياط في سلاح المشاة، من وسط إسرائيل.
“كان الأمر يتكرر بالطريقة ذاتها. كل مساء بعد غروب الشمس، تدخل قافلة وحدة الإمداد. مهمتهم تزويدنا بالإمدادات: الطعام والوقود والذخيرة، كل ما نحتاجه. لكن كانت هناك مهمة غير رسمية أيضًا: إخراج الغنائم، وتفريغ المسروقات في الموقع حيث يوجد المقر، لتكون بانتظار الجنود عند عودتهم إلى منازلهم.
جنود القافلة لم يكونوا سذجا، كانوا يحتفظون بالأشياء الثمينة. كان يُقال لهم: اختاروا ما تريدون. ولم يكن هناك شح في الغنائم المنهوبة.
كانت القرية التي نعمل فيها لأناس أثرياء، مليئة بمنازل فيها حمامات سباحة، وسيارات فاخرة، ومجوهرات. كان كل بيت تقريبًا يحوي أشياء ثمينة. كنا ندخل البيوت ونطلق النار في كل اتجاه. وبمجرد أن ندرك أن المنطقة آمنة، تبدأ المهمة الحقيقية: البحث عن الأشياء الثمينة.
بدأ الأمر بأشياء صغيرة وتصاعد تدريجيًا. كان الناس يحملون السجاد والدراجات النارية والكراسي والمواقد على مركبات الهامفي. مستودعات كاملة. كنت تسمع جنودًا فوق الثلاثين يتجادلون: أنا وجدته أولاً. لقد أخذتَ الكثير من المنزل الآخر.
لكن الغنيمة الأهم لم تكن المنازل، بل المتاجر. كان الجنود يدخلون ويأخذون كل البضائع، صناديق كاملة من الحلوى والسجائر ومواد التنظيف وحتى الأدوات المكتبية. أحدهم أخذ حقيبة مدرسية لابنه. وآخر أخذ مخرطة.
حتى صابون اليد في الموقع جاء من لبنان. كان بإمكانك رؤية جنود يتجولون في القرية حاملين أغراض المدنيين، بدا كأن ذلك هو المهمة الرئيسية.
معظم القادة الكبار لم يهتموا بذلك، وقد استمر النهب حتى أثناء زيارة قائد اللواء. كان يغض الطرف ويتظاهر بأنه لا يرى ما يحدث.
تحدث قائد الكتيبة عبر اللاسلكي ذات مرة قائلًا: أذكركم، نحن في أراضي العدو، يجب أن نحافظ على الاستعداد العملياتي. إذا دخل أحدكم متجراً ليأخذ شيئًا، يجب أن يفتح النيران بكثافة، قد يكون الحثالة (حزب الله) مختبئين هناك.
كان هذا هو النهج المتبع: لا مشكلة في النهب، المهم ألا نتعرض للأذى. لم يحاول الجيش منعنا فعليا، ولم يكن هناك وجود للشرطة العسكرية عند المعابر الحدودية إطلاقًا.
يجب أن أعترف أن الأمر لم يزعجني في البداية، لكن مع مرور الأيام بدأ يثير اشمئزازي. ذهبت إلى هناك لأضمن أمن الناس في الشمال، وليس للسرقة. حاولت التحدث مع الآخرين حول هذا الموضوع، ومناقشتهم، لكن لم يكن هناك من أتحدث إليه.
قال بعضهم إنه واجب ديني. وقال آخرون إن كل شيء سيُدمَّر على أي حال، فلا داعي لترك الأشياء الثمينة هناك.
عندما تحدثت مع أحد الضباط حول هذا الأمر، تنهد وقال إن الأمر يزعجه هو أيضًا، لكن هناك نقص في عدد الجنود، ومن الصعب فرض مطالب أو تقديم شكاوى ضد جنود يؤدون 400 يوم من الخدمة الاحتياطية.
الشعور السائد هو أن الجيش الإسرائيلي أصبح مثل الفايكنج، جيش يسمح للجنود بالنهب حتى يكونوا سعداء ويستمروا بالقتال.
بعد أن انتشر الخبر في وسائل الإعلام، تحدثنا في الأمر. طالب قائد السرية بأن يبقى كل ما حدث هنا سريًا. وبعد بضع ساعات، دخل إلى المخازن وحطم كل شيء حتى لا يجد الجنود ما ينهبونه.
تظاهر الجميع بالبراءة، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأنهم لم يعودوا من المنازل في كل مرة بصناديق مليئة بالمسروقات. كانت هناك في موقع المراقبة بعض الأرائك التي أخذناها من لبنان. لقد كانت الأدلة في كل مكان، لكن الجميع أفلتوا من العقاب”.
“فكرت في إيذاء نفسي”
إيتاي، 20 عاماً، جندي في لواء المظليين، من وسط إسرائيل.
“أتذكر اللحظة التي أدركت فيها أنني لم أعد أستطيع التحمل. حدث ذلك في المنزل الذي كنا ننام فيه في بنت جبيل في نهاية شهر مارس/ آذار. لم تتوقف الأمطار ولم يكن هناك تدفئة. تسلل البرد إلى الداخل وامتزج بالعرق على بدلاتنا.
كنت أرتجف. حاولت تغطية وجهي بوشاح الرقبة، لكن ذلك لم يجدِ نفعا. أتذكر أنني بدأت أبكي، لكن بهدوء. حاولت التأكد من ألا يسمعني أحد. كنت منهكاً، ولم أستطع التحرك ولا النوم. كانت الفئران تمر فوقنا، ولم يكن بوسعنا فعل الكثير.
في الصباح، طلبت من قائد الفصيل أن أبقى في البيت ولا أخرج للعمليات، لكنه رفض. قال: هل أنت غبي؟ لا يمكنك البقاء هنا، الجميع يتقدم، لا تتصرف كالأطفال، كفى بكاءً. وضحك الآخرون. لم أكن أحاول أن أكون صعب المراس أو أن أعود للبيت. كنت أمر بأزمة نفسية.
بعد بضعة أيام، دخلنا في اشتباك، وأطلق عدة إرهابيين النار باتجاهنا. اندفع أصدقائي إلى الأمام وأطلقوا النار بلا توقف، لكنني تجمدت في مكاني. شعرت بأنني لا شيء، إنسان فاشل. بدت كل ثانية كأنها دهر.
بينما كنت أبحث عن ملاذ آمن خلف أحد الجدران جدار، سقطت مني إحدى سدادات الأذن. كانت هناك أصوات قوية جراء إطلاق النار، وبدأت أسمع طنينًا في أذني. شعرت بالانفصال عن الواقع، وأنني لا أفهم ما يحدث حولي.
حاول أحد أصدقائي التحدث معي، لكنني لم أفهم ما يقوله. أمسك ببدلتي ودفعني إلى مكان أكثر أمانًا خلف المبنى. في نهاية الحادثة، أدركت أن هناك العديد من الجرحى. ثلاثة جنود أصيبوا بجروح خطيرة، وشعرت بالذنب.
لم يكن لدينا وقت لاستيعاب ما حدث. استمروا بإطلاق النار باتجاهنا. قذائف الهاون والصواريخ والانفجارات طوال الوقت. ثم بدأت الطائرات المسيرة، وهذا أخافنا أكثر. كنت أكتفي بالنظر إلى السماء.
عندما عدت إلى المنزل، بدا كل شيء غريبًا. بعد بضع ساعات، أدركت أنني لم أعد أفهم كيف يكون التجول في الأرجاء دون صوت الانفجارات، ودون خوف.
شعر والداي أن هناك أمرا غير طبيعي. كانا يسألانني باستمرار إن كنت أحتاج شيئا، لكنني لم أملك القوة الكافية لأبوح بما في صدري. كانا يخشيان أن يصيبني مكروه، وحاولا إقناعي بالابتعاد عن ساحات القتال، والانتقال إلى منصب في المقر الرئيسي.
قالت أمي: لا أعرف ماذا سأفعل إن أصابك مكروه. أخبرتني أختي الصغرى أنها لا تستطيع التوقف عن البكاء عندما لا أكون موجودًا. أثّر بي ذلك وآلمني كثيرا.
عندما عدنا، طلبت مقابلة أخصائي في الصحة النفسية، لكنهم ماطلوني. قالوا إن هناك مشكلة، وأنني بحاجة للانتظار. شعرت وكأن كل شيء يضيق عليّ، وأنني لا أستطيع التحمل. بدأت أكره الجميع، وشعرت بالوحدة.
أرسلوني في النهاية إلى أخصائي نفسي. سألني إن كنت أريد إيذاء نفسي وقال إنني بحاجة إلى أن أتعلم التنفس بعمق. بدا الأمر سطحيًا للغاية، وكأن هدفهم الوحيد هو إعادتي إلى القتال، وليس علاجي أو مساعدتي. في نهاية الجلسة، أوصى بأن أبتعد لليلة أخرى ثم أعود.
قال لي: من المهم الحفاظ على استمرارية الأداء الوظيفي. حاولت أن أشرح له أنني لم أكن أؤدي وظيفتي، وأنني لم أستطع القيام بذلك. قال إننا سنلتقي مرة أخرى بعد أسبوعين ونرى إن كان هناك تحسن. لم أعرف ما الذي يجب فعله. شعرت أنني بحاجة إلى إيذاء نفسي حتى يتعاملوا مع حالتي بجدية”.
لم تتم إحالة إيتاي إلى علاج نفسي مكثف إلا بعد أن تواصلت صحيفة “هآرتس” مع الجيش الإسرائيلي.
“جيش لهدم المنازل”
إلعاد، 28 عامًا، جندي احتياط في سلاح المشاة، من شمال إسرائيل.
“قبل ساعات قليلة من دخولنا إلى لبنان، جاء قائد اللواء ليتحدث إلينا. قال: هذه لحظة تاريخية، سنقضي على حزب الله. ستكون هناك معارك ضارية، الإرهابيون في انتظارنا، ربما لن يعود بعضكم. لكن في النهاية، سيتمكن سكان الشمال من العيش بأمان، كل ذلك بفضلكم أنتم”.
هتف الجميع. بدا الأمر أشبه بطقس وثني. عشت هذا المشهد سابقا، قبل دخول غزة، وقبل العملية السابقة في لبنان. دائمًا نفس الوعود، ونفس خيبات الأمل.
تكرر الأمر هذه المرة. لم يكن هناك إرهابيون في القرية التي دخلناها، كانت المنازل خالية. لم يكن هناك قتال، فقط عمليات هدم للمنازل.
هذا هو الجيش الإسرائيلي في العامين الماضيين، جيش لهدم المنازل. ستتحدث وسائل الإعلام عن معارك ضارية وتدمير البنية التحتية الإرهابية، لكن في الواقع كانت لدينا مهمة واحدة: ألا نترك أي مبنى قائمًا، أن ندمر كل شيء.
كان من الضروري في السابق وجود مبرر لهدم أي مبنى، أي العثور على أسلحة، أو إثبات وجود إرهابيين. لكننا اليوم نكتفي بالتدمير، حتى المدارس والعيادات. الشيء الوحيد الذي لم ندمره هو المقبرة.
لقد توقفوا تقريبًا عن استخدام المتفجرات. أوضح الضباط أن ذلك مكلف للغاية، وأقل كفاءة. بدلاً من ذلك، يستعينون بمقاولين مزودين بحفارات عسكرية. يتقاضى بعضهم أجرا يوميا، وآخرون حسب عدد المنازل التي يهدمونها. جميعهم مدنيون وليسوا عسكريين. يبدو أنهم لم يخدموا في الجيش أبدا. كانوا إما مستوطنين متطرفين أو من البدو والدروز.
عندما سألت أحد المقاولين عن هذه الممارسات، أجاب بأنهم الوحيدون المستعدون للقيام بذلك. أما نحن فقد كان دورنا حمايتهم.
يوميا، كان يُخصص لكل سرية مجمع سكني جديد في القرية. كأننا في سباق مع الزمن، نحاول هدم أكبر قدر ممكن من المباني. كل مساء، كان على الضباط تقديم تقرير عن عدد المنازل التي هدمتها كل سرية. كانوا يطلقون على ذلك التقرير “تقييم الإنجاز”.
تلقينا ذات مرة أوامر بوقف عمليات الهدم في الساعة الثانية بعد الظهر، لكن المقاول رفض وقال: “لقد وعدوني بأننا سنعمل حتى المساء. لن أغادر هذا المكان دون هدم المزيد من المنازل”. اضطر القادة للذهاب إلى قائد الفرقة لإقناعه بالتوقف.
بالنسبة لكثير من المتدينين الذين كانوا معي، كانت هذه مهمة سامية. كان قائد الكتيبة أشد المتطرفين. رفض العودة إلى منزله، ولم تفارق الابتسامة وجهه. كان في حالة من النشوة، مثل مشجع متعصب يفوز فريقه بالبطولة بعد غياب عشرين عامًا.
كان يقول: “لن يعود الأمر كما كان أبدًا. ما ندمره لن يُبنى من جديد”. وعندما كان أحدهم يتحدث عن العودة إلى إسرائيل، كان يصحح له: “هذه إسرائيل أيضًا”.
ما كان يثير اشمئزازي في أغلب الأحيان، أننا كنا ندخل بيوت الناس، وبعضها مليء بممتلكاتهم، وبقايا معيشتهم، وكأنهم فرّوا دون أن يتسنى لهم الوقت لحزم أمتعتهم. صور على الجدران، وملابس في الغرف، وأثاث. كان ذلك يؤلمني بشدة. شعرت بعدم الارتياح، وكأنني أقتحم بيوت الناس وحياتهم.
معظم من كانوا معي لم يكترثوا. كانوا يدخلون ويبحثون عن أشياء يسرقونها أو ينهبونها، حتى أنهم كانوا أحيانًا يتجاهلون الأشياء الثمينة ويأخذون بعض التذكارات: أكواب صغيرة، وأباريق قهوة. كان آخرون يستمتعون بالتدمير والتخريب. كانوا يأخذون مطرقة ويحطمون الأشياء، أو يفتحون الخزائن ويكسرون الأكواب والأطباق. كان الدافع الوحيد هو الانتقام.
بعد بضعة أسابيع نفد صبري. أخبرت القادة أن أصحاب العمل يضغطون عليّ للعودة إلى الوظيفة ويهددون بفصلي، لكنني كنت أكذب. شعرت فقط أن عليّ الخروج من هناك.
عندما انضممت إلى القافلة للمرة الأخيرة في طريق الخروج، نظرت إلى لبنان وأقسمت أنني لن أعود أبدًا. كانت تلك المرة الأخيرة”.
“لا أحد يهتم بنا”
تومر، 19 عامًا، جندي في سلاح المشاة، من شمال تل أبيب.
“إنه أمر مرعب، وأي شخص يقول غير ذلك كاذب. عندما يقع اشتباك مع الإرهابيين يمكنك الهجوم أو الاحتماء. هناك أيضًا غطاء من سلاح الجو ومن المدرعات. يمكنك أن التعامل مع الموقف.
لكن مع الطائرات المسيّرة، يبدو الأمر مسألة حظ. انفجرت طائرتان مسيّرتان قرب وحدتي، لكن لم تقع أي إصابات.
تحدث إلينا قائد السرية وقال إن ذلك كان بسبب انضباطنا العملياتي، لكن هذا محض هراء. لو كنا على بعد أمتار قليلة لأصبحنا في عداد القتلى أو انتهى الأمر بأحدنا في مستشفى إيخيلوف في تل أبيب بلا ساق. أصابني طنين في أذني بعد أحد الانفجارات، ولم يسمحوا لي حتى بالذهاب لرؤية الطبيب.
علينا أن نقول الحقيقة، الشعور السائد هناك هو العجز. يطلبون منا اتباع التعليمات وارتداء معدات الحماية وإبقاء الخوذات على رؤوسنا، لكن الضباط لا يملكون حلولًا حقيقية. يطلبون منا “مراقبة الجو”، جنود يقفون كالحمقى على تلة وينظرون إلى الأعلى بحثا عن أي شيء قادم.
هل هذا هو الحل الذي يقدمه جيش يمتلك مئات الطائرات المقاتلة وميزانية ضخمة؟ كيف يمكنك الوقوف هناك لساعات والحفاظ على أقصى درجات التركيز؟ هذا غير إنساني. الشعور السائد هو أنه لا يوجد أحد يهتم بنا حقًا.
بعد بضعة أسابيع، أحضروا لنا نظامًا لا يعمل بشكل جيد، وحتى مع استخدام نظام التصويب الذكي [منظار كهروبصري ذكي]، لا نصيب الهدف دائمًا. يخبروننا أنهم يقومون بكل أنواع التجارب وينصحوننا بنشر الشباك، لكن لا يمكن تغطية المنطقة بأكملها. أحد الجنود المتدينين يقرأ فصلًا من سفر المزامير كل يوم. هذا كل ما تبقى لنا: الصلاة.
نحن أهداف ثابتة هناك، وحزب الله يدرك ذلك ويستغل الوضع. ثم يقولون في الأخبار “وقف إطلاق النار، وقف إطلاق النار”. ما هذا الهراء؟ هل تعرفون كم عدد الطائرات المسيرة التي يرسلونها باتجاهنا؟ هذا الهراء لا ينتهي أبدًا. هل هذا هو وقف إطلاق النار؟
السياسيون يتحدثون ويماطلون لكسب الوقت، بينما نقف هناك عاجزين تماما. إذا حدث لي مكروه، هل سيعتذر أحد لوالديّ؟ لن يفعلوا ذلك. سيكتفون ببث أغنية حزينة على الراديو، ويذكرون اسمي في نشرة الأخبار.
عندما تحدثنا مع الضباط في هذا الشأن، قالوا إنه من الأفضل أن نصاب نحن، ولا يتضرر المدنيون في الشمال. أعتقد أنهم على حق، لكن الأمر يبقى مخيفًا ومحبطًا للغاية، لأنه لا يبدو أن هناك ما يكفي من الإجراءات لحمايتنا.
كتب ثلاثة من أصدقائي في الوحدة وصاياهم. كتبتُ رسالة وداع إلى والديّ وتركتها داخل حقيبتي في الموقع. تحدثنا ذات ليلة عما سنقوله في الجنازة إذا مات أحدنا. كان الأمر أقرب للمزاح، لكن فيه شيء من الجد.
قال الجندي الأكثر تأثرا، والذي كان يشتكي كلما طُلب منه القيام بشيء ما: “قولوا إنني أحببت الوطن. قولوا إنني كنت شجاعًا للغاية، وإنني كنت أتطوع دائمًا حتى يفتخر بي والدي”.
أما أنا فقلت إنني أفضل جنازة هادئة، يتحدث فيها والداي فقط، وربما أخي. هذا كل شيء. لا أريد خُطبًا فارغة من الضباط. أكره ذلك”.
“أشم رائحة الدم، وأكاد أتذوقه”
أور، 36 عامًا، جندي احتياط في لواء مدرع، من وسط إسرائيل.
“جاءت الرسالة أسرع بكثير مما توقعت، بعد نصف ساعة، أو ربما أقل، من انطلاق صفارات الإنذار التي أعلنت بدء الحرب. يا رفاق، تم استدعاؤنا، توجهوا إلى مركز الطوارئ.
سألتني زوجتي على الفور: “ماذا هناك؟ ما الذي حدث؟” فهمت سريعا. استطاعت أن ترى ذلك على وجهي. كانت هذه الجولة الخامسة.
وقفت عند مدخل الشقة ومدت ذراعيها ممسكة بإطار الباب، وقالت: “لن تذهب، ما حدث في المرة السابقة سيحدث مرة أخرى. هذا غير عادل. أنت لا تفكر بي”.
نحاول الإنجاب منذ عامين دون جدوى، وهي ترى أن السبب هو الضغوط النفسية والحرب وأنا. من الصعب لومها. منذ أكثر من عام، لم أعد الشخص ذاته.
كانت أسوأ لحظة خلال جولة الصراع السابقة في لبنان. تركت العديد من الأحداث ندوبًا في نفسي، لكن حدثًا واحدًا غيّرني تمامًا، ودمّرني نفسيا، وكأن أحدًا قد انتزع روحي. قُتل خمسة أشخاص هناك، جنود احتياط مثلي.
تم استدعاؤنا للمساعدة في إجلائهم. كان الموت يملأ الأجواء. أشلاء وجثث ودماء وأعضاء ممزقة. بعد أن انتهى الأمر، شعرت أن شيئًا ما بداخلي قد تغيّر، واختل توازني. دخلتُ إلى أحد المنازل في لبنان ودمّرتُ كل شيء. حطّمت المكان بأكمله.
واجهت منذ ذلك الحين صعوبة في الأكل. أشم رائحة الدم، وأشعر أنني أكاد أتذوقه. كأن أحدهم يقطّره على لساني. كدت أتوقف عن الأكل، وأغلقت متجري. انهار كل شيء.
مع ذلك، قررت الذهاب مجددا. ربما لأنه المكان الوحيد الذي أشعر فيه أنني طبيعي، بوجود صفارات الإنذار والانفجارات. في كل مرة أعبر الحدود أشعر أنني عدت إلى الحياة من جديد.
تطوعت للبقاء هناك. حتى عندما كان المطر يهطل، حتى عندما كان الجميع يعانون. فضّلت النوم على الأرض في بيوت شبه مدمرة على العودة إلى شقتنا. شعرت أنني هناك، خلف الحدود، أستطيع أن أكون مجنونًا.
كنا على وشك الموت مرات عديدة. سقطت قذائف الهاون بالقرب منا، وانفجرت الصواريخ. لكن لم تقع أي خسائر بشرية. خدمت لمدة شهرين تقريبًا دون أن أرى قتلى.
لكن طائرة مسيّرة مفخخة غيّرت كل شيء. أصابت جرافة وأحرقت البدوي الذي جاء لإصلاحها. هرعنا إلى المكان، لكن لم يكن بإمكاننا إنقاذه، فقد مات على الفور. كان ابنه بجانبه في حالة صدمة. ظل يصرخ بالعربية: “أبي، أبي، أبي” دون توقف. كأنه أُصيب بمسّ. كانت نظراته فارغة.
تم تسريحنا بعد أسبوعين، لكن كلماته بقيت عالقة في ذهني. مضت أكثر من عشر سنوات على وفاة والدي، ومازلت لم أتعافَ. لا أستطيع التوقف عن رؤيته ينادي والده بتلك النظرة الخاوية. فكرت بزيارته في شفا عمرو [مدينة في الشمال]، لكنني شعرت بالخجل.
ماذا يمكنني أن أقول له؟ أنا لا أستطيع أساسا الاعتناء بنفسي، وأرفض طلب المساعدة. لطالما كان الأمر على هذا النحو، يصعب عليّ الاعتراف بأنني أواجه صعوبات. كبرياء ذكوري غبي، وغرور. قررت قبل أسبوع التوقف عن حمل المسدس ووضعته في خزانة. كنت أخشى أن أقدم على شيء في لحظة ضعف.
لكن هذا ليس أكثر ما يخيفني. خوفي الحقيقي هو أن تسأم زوجتي وتقرر الرحيل. من الصعب لومها. إنها جميلة جدًا، وذكية جدًا. لماذا تتحمل عبء العيش مع شخص محطم مثلي؟
لا أستطيع حتى أن أعدها بأنني لن أذهب للقتال إذا تم استدعائي مجددا. لا أريد أن أكذب. إنها لا تستطيع أن تفهم. تقول: “هذا يؤلمك كثيرًا، لماذا تعذب نفسك هكذا؟ إنهم يستغلونك. الدولة تستغلك”.
أعرف أنها محقة، لكنني أرفض الإصغاء. أشعر أنني سمكة خارج الماء. كل ما أفكر فيه هو إيجاد طريقة للعودة، أن أكون هناك مجددًا، في لبنان.
أدخل أحيانًا إلى المجموعات التي تبحث عن متطوعين عبر الإنترنت وأفكر في التطوع، وأدخل المواقع وأشاهد صورًا ومقاطع فيديو من جنوب لبنان. ربما سيقرأ الناس هذا التقرير ويظنون أنني مجنون، ومختل. قد يكونون على حق”.
المصدر: هآرتس