في العالم العربي، ترتبط السكك الحديدية عادةً بصورة قطار يصل بين مدينتين على خط واحد، لكن مشروع قطار الخليج يكسر هذه الصورة التقليدية، فهو أشبه بشبكة عابرة للحدود تربط الموانئ والمناطق الصناعية والعواصم الخليجية في مسار واحد.
أُقر المشروع رسميًا في قمة مجلس التعاون عام 2009، ثم عاد بزخم أكبر بعد إنشاء الهيئة الخليجية للسكك الحديدية عام 2021 وتحديد ديسمبر/كانون الأول 2030 موعدًا مستهدفًا للتشغيل الكامل.
ويعود قطار الخليج اليوم إلى الواجهة بعدما أعلنت الهيئة إنجاز نحو 50% من المشروع، لكن هذا الرقم يحتاج إلى تفكيك: هل يتعلق بمدى اكتمال مسارات السكك داخل كل دولة؟ أم يشمل الوصلات الحدودية التي تجعل من الخط شبكة واحدة؟
في هذا التقرير نرسم خريطة مفصلة للمشروع، لتوضيح ما أُنجز فعلاً، وما بقي قيد التصميم أو التمويل أو الربط العابر للحدود.
القطار بالأرقام.. خريطة المشروع وحجم الإنجاز
يستهدف مشروع قطار الخليج بناء شبكة إقليمية تربط ست دول: الكويت، السعودية، البحرين، قطر، الإمارات، وسلطنة عُمان.
وكما تُظهر الخريطة التالية، يمتد المسار الرئيسي من الكويت شمالًا باتجاه السعودية، ثم يواصل جنوبًا نحو الإمارات وصولًا إلى عُمان، مع وصلات فرعية باتجاه البحرين عبر جسر الملك حمد، وقطر عبر منفذ أبو سمرة، إضافة إلى وصلة حفيت للقطارات بين الإمارات وعُمان.

وخلف هذا المسار، تتفاوت أرقام طول الشبكة بحسب نطاق الاحتساب، فقد تحدث مدير الهيئة الخليجية للسكك الحديدية محمد الشبرمي أن طولها يبلغ نحو 1700 كيلومتر، بينما تشير بيانات أخرى للهيئة ودراسات بحثية إلى أن الشبكة الكاملة تصل إلى 2117 كيلومترًا.
ويبدو أن الاختلاف يعود إلى ما إذا كان الرقم يحسب المسار الأساسي فقط، أم يضيف الوصلات الفرعية والمقاطع الثنائية والروابط مع البحرين وقطر وعُمان.
أما التكلفة، فكانت تُقدّر بنحو 15 مليار دولار وفق أرقام سابقة من وزراء اقتصاد مجلس التعاون، لكن لم يُعلن عن تحديث رسمي شامل بعد ارتفاع تكاليف المواد والتمويل.
ويستند إعلان تجاوز 50% من إنجاز المشروع إلى التقدم المحرز في الشبكات الوطنية داخل بعض الدول، وإلى ما تحقق من أعمال تصميم وتنفيذ في أجزاء من المشروع، لكنه لا يعني بالضرورة اكتمال الربط الخليجي العابر للحدود.
فقد أكملت الإمارات شبكة وطنية بطول نحو 900 كيلومتر تربط الغويفات بالفجيرة وتستهدف نقل 60 مليون طن من البضائع بحلول 2030، كما أن السعودية تملك شبكة داخلية واسعة وتعمل على مشاريع لربط البحر الأحمر بالخليج.
في المقابل، ما تزال بعض الوصلات الحاسمة بين الدول في مراحل مختلفة من التصميم أو الموافقات أو التمويل، قبل الوصول إلى هدف التشغيل الكامل في ديسمبر/كانون الأول 2030.
اقتصاد على السكة.. ما أهمية قطار الخليج؟
لا يتمثل الدافع الرئيسي وراء مشروع قطار الخليج في توفير وسيلة نقل للركاب فقط، بل في إنشاء شبكة لوجستية تربط الموانئ والمدن الصناعية والأسواق الداخلية.
لذلك، لا يمكن قراءة المشروع كقطار واحد، بل كمنظومة مزدوجة: قطار للركاب يختصر المسافات بين المدن، وآخر للبضائع ينقل الحاويات والمواد الخام والسلع الصناعية بين الموانئ والمناطق الإنتاجية.
يوضح التصميم التالي الفرق بين الوظيفتين، فقطار الركاب مصمم للسرعة والانتقال بين المدن والعواصم، مع محطات مجهزة وتوقفات محدودة.
أما قطار البضائع فيتحرك بسرعات أقل، لكنه يحمل الوزن الاقتصادي الأكبر: حاويات، منتجات صناعية، بضائع سائبة، ومواد خام تحتاجها المصانع والموانئ.

ولهذا تظهر أهمية الشبكة في ربط موانئ مثل جبل علي والفجيرة وصحار والدمام وموانئ الكويت بمناطق صناعية مثل “كيزاد” في أبوظبي، والمنطقة الحرة في صحار، ومجمع الجبيل الصناعي في السعودية ليصبح القطار حلقة بين البحر والمصنع والسوق.
وتعطي المشاريع المرتبطة بالشبكة صورة عن حجم الحركة المتوقعة:
- يُنتظر أن يخدم جسر الملك حمد بين السعودية والبحرين ملايين الركاب سنويًا وينقل مئات آلاف الحاويات.
- تستهدف شبكة الاتحاد للقطارات في الإمارات نقل عشرات ملايين الأطنان من البضائع بحلول 2030.
- أما وصلة حفيت بين الإمارات وعُمان، فتضيف نموذجًا عمليًا للربط العابر للحدود بين الركاب والبضائع.
إذا اكتملت الشبكة، فإن أثرها لن يقتصر على تقليل زمن السفر، بل سيمتد إلى تخفيف الاعتماد على الشاحنات، تقليل ازدحام الطرق، خفض الانبعاثات، وتعزيز التجارة البينية. بهذا المعنى، يصبح قطار الخليج بنية اقتصادية مشتركة، لا مشروع نقل منفصلًا في كل دولة.
عقد التنفيذ.. ما الذي يؤخر الشبكة الخليجية؟
رغم الإنجاز المعلن، ما تزال أمام المشروع عُقد تنفيذية لا بد من حلها قبل الوصول إلى هدف 2030، ويكمن التحدي الأبرز في الوصلات الحدودية.
ففي حين قطعت أبوظبي والرياض شوطًا كبيرًا في بناء شبكاتهما الوطنية، لا تزال روابط الكويت–السعودية، والسعودية–البحرين، والسعودية–قطر، والإمارات–عُمان بين مراحل متفاوتة من التصميم أو التمويل أو التنفيذ.
وتتطلب هذه الوصلات ليس فقط مد القضبان، بل إنشاء معابر وجمارك مشتركة وأنظمة تحكم تسمح بانتقال سلس للقطارات والبضائع دون تأخير.
وقد يؤدي هذا التفاوت إلى تأخر التشغيل المتزامن للشبكة الموحدة، فمن جهة التمويل، تُقدّر التكلفة الأولية للمشروع بنحو 15 مليار دولار.
يضاف إلى ذلك توحيد أنظمة الإشارات والسلامة، فكل دولة تستخدم أو تطور معاييرها التشغيلية الخاصة.
وأيضًا، يُخطط لاعتماد أنظمة تحكم متقدمة مثل النظام الأوروبي للتحكم في القطارات في بعض المشاريع، لكن تعميم المعايير على الشبكة بأكملها يتطلب استثمارات كبيرة وتدريبًا فنيًا وتنسيقًا مشتركًا.
ويمثل التفاهم على إجراءات الجمارك والرقابة الأمنية أيضًا عائقًا، إذ سيحتاج الركاب والبضائع إلى تخليص جمركي موحد حتى لا تتحول الحدود إلى نقاط اختناق تفقد المشروع مزاياه.
لكن عدم وجود صندوق موحد للتمويل يجعل كل دولة تتحمل تكلفة مقطعها، مما قد يؤجل بعض الوصلات مثل جسر الملك حمد الذي تُقدَّر كلفته بعدة مليارات من الدولارات.
أخيرًا، تحتاج الشبكة إلى ربط السكك بالموانئ والمطارات وإقامة مناطق لوجستية على طول الخطوط لضمان الاستخدام التجاري الأمثل، وهذه المشروعات الثانوية لم تُنجز كلها بعد.