حين وقّعت الإمارات اتفاقات “أبراهام” في سبتمبر/أيلول 2020، قدّمت العلاقة مع “إسرائيل” بوصفها مسارًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا يخدم تنويع الاقتصاد الإماراتي ويعزز قطاعات الاستثمار والابتكار والسياحة، لكن خمس سنوات بعد التوقيع كانت كافية لتكشف عن طبقات أعمق، إذ تحوّلت أبوظبي تدريجيًا من شريك دبلوماسي إلى ركيزة عسكرية متقدمة ضمن المنظومة الإسرائيلية الأمريكية في الإقليم.
بدأ التحول العميق في مجالي الأمن السيبراني والاستخبارات، إذ تشير التقارير إلى وجود منصة استخبارية مشتركة تحمل اسم “كريستال بال”، وهي منصة رقمية متطورة لتبادل المعلومات الاستخباراتية والسيبرانية، أُطلقت كمشروع مشترك بين الإمارات و”إسرائيل”، وخُصصت لرصد التهديدات السيبرانية وتبادل المعلومات بشكل متزامن بين الجهازين الأمنيين.
تلا ذلك توسع متسارع في صناعات الدفاع، ففي يناير/كانون الثاني 2025، استحوذت مجموعة “إيدج” الإماراتية الذراع الدفاعية الحكومية في أبوظبي على حصة 30% في شركة “ثرد آي” (Thirdeye Systems)، وهي شركة تكنولوجيا دفاعية إسرائيلية متخصصة في تطوير أنظمة التعرف البصري والإلكتروني المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لرصد الطائرات المسيرة، مع التزام بضخ استثمارات إضافية لتأسيس مشروع مشترك.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، كُشف أن الإمارات كانت المشتري السري لصفقة بقيمة 2.3 مليار دولار من شركة “إلبيت سيستمز” (Elbit Systems)، التي تعتبر أكبر شركة خاصة لتصنيع الأسلحة والمعدات العسكرية في إسرائيل. شملت الصفقة طائرات “هيرميس 900” المسيّرة، مع نقل متدرّج للتكنولوجيا يفتح الباب أمام إنتاج محلي إماراتي لهذه المنظومة عبر إحدى شركات “إيدج”.
تتركز الصفقة على تزويد الطائرات المدنية والعسكرية الإماراتية بنظام الحماية الإلكتروني المتقدم “جيه- ميوزيك” (J-Music)، الذي يعتمد على أشعة الليزر النشطة لإعطاب مستشعرات الصواريخ الأرض-جو. وقد فرضت الإمارات شروطًا صارمة لعدم الكشف عن تفاصيل الصفقة، محذرة من أن أي تسريب قد يؤدي لإلغائها، وذلك لتجنب الحرج السياسي وحماية ميزتها العسكرية النوعية.
هذا التحول من مستورد إلى منتج، يمثل نقلة نوعية في طبيعة الشراكة، ويعكس طموح أبوظبي لتحويل نفسها إلى مركز تصنيع دفاعي إقليمي، تدعمه شراكات موازية مع شركات أمريكية كأندوريل إندستريز (Anduril Industries) الرائدة في مجال تكنولوجيا الدفاع والذكاء الاصطناعي العسكري وتطوير الأنظمة ذاتية التشغيل، فضلًا عن حضور علني لشركات السلاح الإسرائيلية كـ”إسرائيل للصناعات الجوية” و”رافائيل” في معارض “آيدكس” و”نافدكس” في أبوظبي منذ 2023، فيما يُعدّ اعترافًا رسميًا بشراكة كانت بالأمس القريب من المحرمات في الفضاء العربي.
– كشفت تقارير استخباراتية أن الإمارات هي “العميل الغامض” الذي أبرم صفقة ضخمة بقيمة 2.3 مليار دولار مع شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية، وهي الأكبر في تاريخ الشركة، وتمتد لـ 8 سنوات.
– تشمل الصفقة شراء نظام J-Music الدفاعي، وهو نظام إلكتروني يعتمد على تكنولوجيا الليزر لحماية… pic.twitter.com/xf8oT3M8X9
— نون بوست (@NoonPost) December 19, 2025
حرب إيران
ما كان يسير ببطء ومن دون ضجيج تحوّل، بفعل حرب فبراير/شباط 2026، إلى مسار معلن ومتسارع، ففي الثامن والعشرين من ذلك الشهر، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة على إيران، ردّت عليها الأخيرة بحملة هي الأكبر من نوعها على دول الخليج العربي. وبحسب وزارة الدفاع الإماراتية، تعاملت الدفاعات الجوية مع أكثر من 294 صاروخًا باليستيًا، و15 صاروخًا جوالًا، و1600 طائرة مسيّرة.
في هذا السياق، طلب الرئيس الإماراتي محمد بن زايد من رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نشر منظومات دفاع جوي إسرائيلية على الأراضي الإماراتية. وفي أبريل/نيسان 2026، نشرت “إسرائيل” بطاريات من منظومة القبة الحديدية داخل الإمارات، رافقها عشرات من جنود جيش الاحتلال لتشغيلها، وفق تقارير نشرتها “فايننشال تايمز” و”أكسيوس”، قبل أن يعلن السفير الأمريكي مايك هاكابي ذلك علنًا في 12 مايو/أيار.

كما كُشف عن نشر إسرائيلي عاجل لمنظومة “شعاع الحديد” الليزرية، إلى جانب تبادل استخباراتي مباشر بشأن الاستعدادات الإيرانية لعمليات الإطلاق، حيث اعترضت أطقم إسرائيلية بنفسها عشرات الصواريخ الموجهة نحو الإمارات.
أما الخطوة الأكثر دلالة، فجاءت في 19 مايو/أيار 2026، حين كشف موقع ميدل إيست آي البريطاني عن إنشاء صندوق إماراتي إسرائيلي مشترك لاقتناء وتطوير منظومات تسليح، يقوم على معادلة عبّر عنها مسؤول أمريكي بالقول إن “إسرائيل تملك التكنولوجيا، والإمارات تملك المال”، مع الإشارة إلى أن الإنفاق الدفاعي الإماراتي قُدّر لعام 2026 بنحو 27 مليار دولار.
وقال المصدر الأمريكي إن الإمارات قد تموّل أيضًا تطويرات تكنولوجية في أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، مؤكدًا أن الاتفاق أُبرم خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الإمارات أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وقد أصدر مكتب نتنياهو بيانًا رسميًا بشأن الزيارة، ما أثار نفيًا نادرًا من أبوظبي.
