• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“ذهبنا بغرض الصيد”.. جندي إسرائيلي يروي أهوال الحرب في غزة

وينديل ستيفنسون٣١ مايو ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

كان جوناثان يؤدي الخدمة الوطنية في فصيل مشاة عندما اخترق مقاتلو حماس السياج المحيط بقطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما أسفر عن مقتل 1195 شخصًا واحتجاز أكثر من 200 رهينة. وأُرسلت وحدته لتأمين إحدى المستوطنات (الكيبوتسات) بعد طرد حماس منها. وهناك شاهد جثث المسلحين ملقاة في الشوارع، والمنازل المحترقة، والجدران المدمرة، وكل تلك التداعيات الدموية المروعة. يقول جوناثان: “كان الموقف مشحونًا بالعواطف.. لقد فقدنا أصدقاء ورأينا تلك المشاهد في الكيبوتسات، وقد أثر ذلك فينا عميقًا”.

التقينا في مكاتب منظمة “كسر الصمت” في تل أبيب، وهي منظمة إسرائيلية غير حكومية أسسها ضباط عسكريون سابقون عام 2004 لجمع شهادات الجنود الذين يرفضون الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة. وحتى الآن، سجلت المنظمة شهادات أكثر من 6000 شخص. وتتعرض المنظمة لتشويه واسع النطاق داخل إسرائيل، حيث حاول نشطاء يمينيون اختراقها، كما لوحقت بقضايا قانونية للتضييق عليها، وغالبًا ما توصف قياداتها في الصحافة الإسرائيلية بـ “الخونة”.

وفي هذا السياق؛ صرح نداف ويمان، المدير التنفيذي للمنظمة، أن “كسر الصمت” تحاول دحض رواية الحكومة الإسرائيلية التي تزعم أن الفظائع وجرائم الحرب لا تصدر إلا عن “عناصر معزولة” (تفاحات فاسدة). وأضاف: “المنظومة بأكملها مسؤولة.. إن ما نرتكبه هي جرائم ممنهجة”.

وفي الرد على قائمة تفصيلية بالادعاءات الواردة في هذا المقال؛ قال متحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي: “يدير الجيش عملياته وفقًا للقانون الدولي، بما في ذلك مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط في القتال. إن الظروف التي عمل فيها الجيش، في ظل تعمد حماس دمج بنيتها التحتية العسكرية داخل السكان المدنيين، خلقت تعقيدًا عملياتيًا استثنائيًا. ومع ذلك، تعامل الجيش مع هذه الظروف وفقًا لالتزاماته القانونية، وهو يأسف لأي ضرر يلحق بالمدنيين”.

وقد خدم جوناثان (وهو اسم مستعار) في الضفة الغربية سابقًا، وهو ما جعله يشعر بالقلق إزاء قسوة الاحتلال، لكن هول مجازر السابع من أكتوبر/ تشرين الأول بدد شكوكه إذ يقول: “أعتقد أن الذهاب إلى تلك الحرب كان المرة الأولى التي أشعر فيها بجدوى خدمتي.. شعرت أنه لا خيار أمامنا سوى القتال في غزة، وأن هذه هي الحرب الأكثر عدالة في تاريخنا. هكذا كان تفكيري في البداية”.

ولم يكن أعضاء وحدته يعرفون غزة إلا من خلال قصص الأنفاق والمختطفين، والكمائن والقناصة. وأوضح أنه كان يشعر بالارتياح وهو يستمع إلى أصوات القصف خلال الأسابيع الأولى من الحرب، لأن كل انفجار كان يعني التخلص من تهديد محتمل يهدده وزملائه.

وقد طبق الجيش الإسرائيلي تكتيكات صقلها خلال صراعات سابقة؛ أبرزها “عقيدة الضاحية”، المنسوبة إلى المنطقة التي استهدفها الجيش في بيروت خلال حرب عام 2006 ضد حزب الله في لبنان، والتي تدعو إلى تدمير واسع النطاق للمباني المدنية لحرمان المقاتلين من الغطاء. وبعد ثلاثة أسابيع من القصف المتواصل، دخلت قوات المشاة الإسرائيلية غزة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، حيث اسُتخدمت القوة المفرطة لتقليل الخسائر البشرية في صفوف الجيش الإسرائيلي.

جوناثان (اسم مستعار)، جندي في قوات الدفاع الإسرائيلية، قدّم شهادة لمنظمة “كسر الصمت”، وهي منظمة إسرائيلية تجمع أدلة حول الانتهاكات التي يرتكبها الجنود في الضفة الغربية وقطاع غزة (صورة افتتاحية). وتنتشر الأنقاض والمقتنيات المتضررة داخل منزل في كيبوتس بئيري، بعد تعرضه لهجوم من مقاتلي حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول (أعلى الصورة). ويُظهر الجنود المكلّفون بتفتيش المنازل بعد الهجمات انهيارهم بالبكاء عند رؤية خبز “الحلّة” متروكاً على طاولة غرفة الطعام (أعلى).

يقول جوناثان: “بصفتي جندي مشاة، تعلمت أن قواعد الاشتباك هي أول وأهم شيء أساسي يجب أن أعرفه.. لكن في غزة، وعلى عكس الضفة الغربية، لم نتلقَ أي قواعد اشتباك. كانت لدينا خطوط حمراء وحدود للقطاعات، ولكن الغرض منها كان ضمان عدم إطلاق النار على القوات الأخرى ومنع النيران الصديقة”. لم يجرِ ذكر كلمة “مدني” على الإطلاق، بل كان الجنود يعملون بناءً على فرضية مفادها أن أي شخص يتبقى في المنطقة بعد إخطارات الإخلاء والقصف قد جرى تحذيره مسبقًا (وهو إجراء لا يعترف به قانون النزاعات الدولية).

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، بعد شهرين من اندلاع الحرب، قُتل ثلاثة رهائن برصاص جنود إسرائيليين أثناء محاولتهم الهروب، على الرغم من تجردهم من ملابسهم العلوية وحملهم راية بيضاء؛ وعندئذ فقط أُعطيت بعض التوجيهات. ويعلق جوناثان قائلاً: “حتى في ذلك الوقت، كانت التوجيهات أشبه بالنصيحة؛ مثل: ليس عليك إطلاق النار على النساء أو الأطفال أو كبار السن أو أي شخص عارٍ يحمل علمًا أبيض”. ولم يُذكر شيء عن إطلاق النار على المسعفين أو الصحفيين.

وفي غزة؛ كان كل الرجال في سن الخدمة العسكرية يُعتبرون أهدافًا مشروعة. ويضيف جوناثان: “إن سن الخدمة العسكرية خاضع تمامًا للاجتهاد والتفسير؛ فقد يتراوح بين 16 و60 عامًا أو أصغر من ذلك.. ومعظم الأشخاص الذين قتلتهم وحدتي ولم يكونوا مسلحين.. وقد مرت علينا حالات قتلت فيها وحدتي الكثير من الناس، ولم نتحقق مما إذا كانوا يرتدون زيًا عسكريًا أو يحملون سلاحًا”. وفي كثير من الأحيان، لم يكن بمقدورهم تحديد هوية من يقاتلونهم؛ فالأشباح التي تركض بين الأنقاض على بعد مئات الأمتار قد تكون لأي شخص. فالمرابط في نوبة الحراسة “يرى شخصًا، يطلق النار عليه، فيقتله، والآن أصبح هناك قتيل، دون أن نعرف ما هي قصته أو ماذا كان يفعل”. وتحدث جنود آخرون أدلوا بشهاداتهم عن “خط الكلاب”، وهو حد غير مرئي يحيط بالموقع العسكري؛ وأي فلسطيني يتخطاه يُقتل رميًا بالرصاص حيث كانت الكلاب تتجمع على طول هذا الخط لالتهام الجثث.

وكان قادة جوناثان يرددون أن أي رجل فلسطيني قد يشكل تهديدًا لأن مقاتلي حماس يتحركون غالبًا دون سلاح، كما أن كشافيهم يرتدون ملابس مدنية. وكان هذا صحيحًا، وفي ذلك الوقت بدا هذا المبرر منطقيًا لجوناثان. أما الآن، فقد اختلف شعوره؛ إذ يقول: “لا أعرف ما هو الحل، لكني أعلم أن الحل الذي اعتمدناه، وهو قتل كل ذكر في سن الخدمة العسكرية، وأحيانًا غير الذكور أيضًا، ليس حلاً. إنه أمر غير قانوني، وغير أخلاقي وخاطئ. وبسبب هذا السلوك مات رهائن وجنود، بالإضافة إلى فلسطينيين أبرياء”.

من جانبه؛ قال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن الجيش “يصدر قواعد اشتباك تفصيلية وملزمة لجميع قواته. وتتطلب هذه التوجيهات توجيه الضربات ضد الأهداف العسكرية المشروعة فقط، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة للتخفيف من الأضرار التي تلحق بالمدنيين، وألا تكون أي أضرار عرضية متوقعة مفرطة. وفي حالات الشك، تقضي توجيهات الجيش بافتراض أن الشخص مدني”.

وعندما كانت وحدات المشاة تُؤمر بتطهير منطقة ما؛ كان يتم إرسال الكلاب أولاً لشم العبوات الناسفة المبتكرة. وفي الأسابيع الأولى من الحرب، قُتل أو فُجّر عدد كبير من الكلاب، مما دفع القادة إلى البدء في استخدام معتقلين فلسطينيين، ودفعهم إلى داخل المباني أمام جنود الجيش الإسرائيلي لاستباق أي كمين، أو لإجبارهم على فتح الخزائن أو رفع المرتبات لتنشيط الشراك الخداعية.

وعلى مدى عقود من الزمن؛ استخدم الجيش الإسرائيلي “إجراء الجار” عند احتجاز من يشتبه في أنهم إرهابيون، حيث كان يُجبر الفلسطينيون، بمن فيهم الأطفال، على دخول المنازل أمامهم. وفي حرب غزة، أجبرت وحدات القوات الخاصة مقاتلي حماس المعتقلين على إرشادهم إلى الأنفاق التي كانوا يعملون فيها. وبحلول صيف عام 2024، كان ضباط المشاة يقتادون المدنيين الفلسطينيين قسرًا بشكل روتيني، لدرجة أن هذه الممارسة أصبحت شائعة وأُطلق عليها اسم مخصص: “بروتوكول البعوضة”. وسمع جوناثان عن وحدات أخرى تستخدم “البعوض”، ولم يتفاجأ عندما طلب قائده استخدام أحدهم.

تصاعد الدخان من بين الأنقاض في أعقاب هجوم شنه جيش الدفاع الإسرائيلي على ضاحية في مدينة غزة (في الأعلى). جنود إسرائيليون يقومون بدوريات في قطاع غزة بحثًا عن معاقل لحماس (أعلاه)

ويعتقد جوناثان أن “البعوضة” الخاص بهم قد جرى تسليمه من وحدة أخرى؛ فقد كان شابًا يبدو بسيطًا للغاية (وقد خضع للاستجواب من قِبل وحدات الاستخبارات الإسرائيلية واعتُبر غير منتمٍ لحماس). وأوضح جوناثان أنه وأعضاء وحدته الآخرين لم يفكروا كثيرًا في الجانب الأخلاقي لهذه الممارسة إذ كانوا يرون في هؤلاء “البعوض” حلاً بديهيًا لتعويض النقص في كلاب الأثر.

ويختتم قائلاً: “دارت نقاشات داخل فصيلي، لكنها لم تكن مناقشة أخلاقية حول استخدام الدروع البشرية، بل كانت تتمحور حول كيفية التعامل معه: ماذا وكم يجب أن نقدم له من طعام، وهل يجب أن نضربه أم لا”. وفي الليل، كان الرجل يُربط في زاوية بجوار نقطة الحراسة في مقر إقامتهم، و”كان معظم الجنود يرون فيه إرهابيًا؛ وقد كرهوه وأرادوا ضربه”. وحاول جوناثان واثنان آخران إقناع الأعضاء الأكثر تطرفًا في فصيلهم بضرورة منح الرجل “قدرًا من الاحترام والكرامة”.

واعترف جوناثان قائلًا: “كنتُ منفصلاً عاطفيًا عن الموقف.. أعتقد أنه كان هناك جنود آخرون وأصدقاء لي لم يشعروا بالارتياح تجاه ما نفعله.. ربما وجدوا صعوبة في رؤية رجل خائف يبكي.. لكننا كنا ندرك أنه إذا لم نستخدمه، فإن احتمالات تعرضنا للموت ستزداد. لذا، وعلى الرغم من أن الأمر لم يكن مريحًا، إلا أننا في نهاية المطاف لم نفعل شيئًا لتغييره”.

إن مصطلح “بروتوكول” يُجافي واقع الاستخدام العشوائي والارتجالي للفلسطينيين كدروع بشرية إذ كانت هذه الممارسة في حقيقتها “فوضوية وغير منظمة”. وعندما سُحبت وحدة جوناثان من العمليات، لم ينقلوا “بعوضتهم” إلى سجن داخل إسرائيل، ولم يتركوه عند الممر الإنساني، بل يقول جوناثان: “كل ما فعلناه هو أننا أخبرناه بأن بإمكانه المضي في حال سبيله”. ولاحقًا، تبيّن أن بعض “البعوض” المُفرج عنهم ــ ومعظمهم من الرجال في سن الخدمة العسكرية ــ قد تعرضوا لإطلاق نار من قِبل الجنود.

وعندما نُشرت التقارير الأولى عن استخدام الدروع البشرية بناءً على شهادات جمعتها منظمة “كسر الصمت”، نفى الجيش الإسرائيلي في البداية وجود مثل هذا البروتوكول. لكن ضابطًا رفيع المستوى اعترف علنًا بعد ذلك بأن هذه الممارسة كانت محل نقاش مع القادة. وبالإضافة إلى “البعوض”؛ استخدم الجيش الإسرائيلي أيضًا “الدبابير” (وهم فلسطينيون جُلبوا من الضفة الغربية وأُلبسوا زي الجيش الإسرائيلي)، بل واستخدموا أيضًا عددًا قليلًا من “السمور/ القندس” (وهم طالبو لجوء سودانيين يتحدثون العربية، عُرضت عليهم تصاريح إقامة مقابل استكشاف الأنفاق). وفي مارس/آذار 2025، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيفتح تحقيقًا في استخدام الدروع البشرية في غزة، وحتى يومنا هذا، لم تُوجّه أي اتهامات على هذه الخلفية ضد أي جندي.

وفي المقابل؛ صرح متحدث باسم الجيش الإسرائيلي بأن “استخدام الأفراد كدروع بشرية أو إجبارهم بأي شكل من الأشكال على المشاركة في العمليات العسكرية، محظور تمامًا بموجب أوامر الجيش التي تتماشى مع القانون الدولي. وقد جرى التأكيد على هذه الأوامر بشكل روتيني للقوات خلال الحرب، وتتم مراجعة أي ادعاءات بشأن سلوكيات لا تمتثل لهذه التوجيهات والإجراءات”.

وخلال العام الأول من الحرب؛ قاتل جوناثان ووحدته بانتظام في غزة، حيث كانت مدة الخدمة في الدورة القتالية الواحدة تتراوح بين أسبوع وشهر. وتكبدت وحدته بضع خسائر بشرية، ويوضح جوناثان أن معظمها لم يكن بسبب العدو: “كانت لدينا حالة إطلاق نار من نيران صديقة”، كما نجمت إصابات أخرى عن أخطاء، مثل تعرض جنود لشظايا بعد إلقاء قنبلة يدوية والاحتماء بشكل غير فعال. فالنزاعات المسلحة بطبيعتها أماكن خطرة، ويضيف: “أصيب أشخاص بسبب حرائق الطهي وهذا ليس مزاحًا”.

: قوات برية تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي تطوق مستشفى الشفاء في غزة، حيث يعتقدون أن عناصر من حماس قد يختبئون هناك (في الأعلى). وجندي إسرائيلي من كتيبة “بارديلاس” يجري فحصًا أمنيًا لمعتقلة غزية معصوبة العينين (أعلاه)

عادةً ما كان جوناثان ووحدته يقيمون في منازل وشقق هجرها الفلسطينيون النازحون. وروى لي جندي آخر خدم في غزة كيف كان هو وزملائه يلقون بالأثاث من النوافذ لإخلاء مساحات لمواقع إطلاق النار، ويأكلون أي طعام يجدونه، ويستخدمون الملابس والمناشف وأسطوانات الغاز التي تركها السكان خلفهم، ويستولون على أي أجهزة إلكترونية. ويقول جوناثان: “يصبح المرء بليد الإحساس تجاه هذه الأمور.. فكل شيء مدمر، وتنتشر أكياس الفضلات في الشوارع في كل مكان، والروائح كريهة. والطقس شديد الحرارة وأنت ترتدي زيك العسكري والسترة الواقية والخوذة. وهناك أصوات القصف ونهيق الحمير، لكنك تعتاد على ذلك”.

من جانبه؛ ذكر متحدث باسم الجيش الإسرائيلي أنه “عندما تتطلب الضرورة العملياتية الاستخدام المؤقت للممتلكات، بما في ذلك المباني ومحتوياتها، فإن توجيهات الجيش تسمح بهذا الاستخدام في حدود القانون المعمول به ورهنًا بالضرورة العسكرية الحتمية. وتمنع قواعد الجيش منعًا باتًا أعمال النهب أو السرقة أو الاستيلاء على الممتلكات المدنية للاستخدام الشخصي. وأي سلوك من هذا القبيل، إذا ثبتت صحته، يخضع لإجراءات تأديبية وجنائية”.

ولا يملك الجنود في ميدان المعركة سوى فكرة ضئيلة عن كيفية انسجام تحركاتهم مع الإستراتيجية الكبرى؛ إذ يقول جوناثان: “هناك مهمة كبيرة لم نكن ندركها كجنود بسيطين.. فقد كنا نُطهر المباني، ونحرس المواقع، ونشن غارات للتفجير”. كان الجيش الإسرائيلي يعمل على إنشاء مناطق عازلة بعرض كيلومتر واحد تقريبًا على طول السياج المحيط وعلى طول ممر نتساريم الذي يقسم القطاع جنوب مدينة غزة. وفي هذه المناطق، جرى تسوية كل مبنى بالأرض، سواء كان منزلاً، أو مجمعًا سكنيًا، أو مدرسة، أو مبنى زراعيًا، أو مصنعًا.

وفي البداية، بحسب جوناثان، كانت عمليات الهدم منظمة نسبيًا حيث كانت قوات المشاة، مثل وحدته، تُخلي المباني من سكانها، ثم يقوم المهندسون بتفخيخها وتفجير العبوات الناسفة، وتتدخل بعد ذلك الجرافات لهدم ما تبقى من جدران. ولكن بعد فترة، أصبحت عمليات الهدم كثيرة جدًا لدرجة أن وحدات المشاة بدأت في زرع المتفجرات بنفسها، رغم أنها غير مدربة على ذلك. ويتابع: “كنا ندخل المباني ونطهرها ونلصق الألغام على الجدران… ثم يأتي ضابط هندسة ليضغط على الزناد للتفجير النهائي، حتى يتم الموافقة على الهدم رسميًا من منظور بيروقراطي”.

وأصبح الهدم المهمة الرئيسية لوحدة جوناثان، بل ولغالبية قوات المشاة الإسرائيلية في غزة. وكانت تُعطى لهم مبررات عملياتية: مثل الحاجة إلى تطهير الأراضي على جانبي الطرق اللوجستية، أو اكتشاف مخابئ صواريخ أو فتحات أنفاق في القبو، أو أن المباني المرتفعة قد توفر نقطة مراقبة لقناصة حماس. ولكن بعد تدمير المبنى الأعلى في الحي، يصبح مبنى آخر هو الأعلى، فيتم تدميره هو الآخر، وهكذا دواليك.

وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن “حماس والمنظمات الإرهابية الأخرى في قطاع غزة تستغل المواقع المدنية بشكل ممنهج لأغراض عسكرية، بما في ذلك تحويلها إلى مستودعات أسلحة، ومراكز قيادة وسيطرة، ومواقع للقنص وإطلاق النار المضاد للدبابات، وكنقاط انطلاق لشن هجمات ضد قوات الجيش. ولا تسمح توجيهات الجيش بتدمير الممتلكات ما لم تكن تشكل هدفًا عسكريًا. ويرفض الجيش أي توصيف لتوجيهاته بأنها تعسفية أو عقابية أو تُنفذ دون أساس عملياتي مشروع”.

وعندما كان جوناثان يعود إلى منزله في إجازة، كانت عائلته تسأله عن سبب حرق المنازل في غزة، ويقول: “لم أستطع تفسير الدمار بسبب عسكري؛ فلم يكن الأمر يتعلق بالأمن أو بهزيمة حماس. كان شيئًا آخر، أحياء كاملة اختفت تمامًا. قد يبدو السؤال بسيطًا لكني لم أكن قد فكرت فيه ولم أملك إجابة جيدة”.

ومع استمرار الحرب، تسرب الإحباط؛ فالرهائن ما زالوا في الأسر وحماس لم تُدمَّر بعد. وشعر جوناثان، مثل عدد من الجنود، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يطيل أمد الحرب لمكاسبه السياسية الخاصة. يقول جوناثان: “في البداية كان الناس متحمسين للغاية، ولكن بعد فترة تملكهم الإحباط حتى المتطرفين والمتشددين في وحدتي أدركوا غياب الاستراتيجية”. وبدأ جنود الاحتياط يتغيبون عن دورات الخدمة؛ إذ قال بعضهم إنهم يعيشون صراعًا أخلاقيًا يمنعهم من الخدمة في غزة، بينما كان آخرون منهكين وبحاجة للعودة إلى أعمالهم وعائلاتهم.

وأُرسلت وحدة جوناثان مجددًا إلى مناطق سبق لها تطهيرها، وواجه الجنود هناك عددًا أقل من مقاتلي حماس مقارنة بالسابق. وأصبحت أيامهم رتيبة وساءت الحالة المزاجية مع طول أمد الحرب، وترسخت العقيدة القائلة بأنه “لا توجد براءة في غزة”. ويروي جوناثان: “كان كل شخص في المنطقة يُسمى ‘إرهابيًا'”. وفي اتصالاتهم اللاسلكية، كانت كلمة “قذر” هي المصطلحات المستخدمة للإشارة إلى الفلسطينيين، مثل: “نرى قذرَين في الأمام”. وتحدث الجنود عن الذهاب إلى غزة بغرض “الصيد”.

تُستخدم كلاب من فصيلة “المالينو البلجيكي” تابعة لوحدة الكلاب “عوكيتس” بواسطة وحدات جيش الدفاع الإسرائيلي للمساعدة في عمليات التفتيش (في الأعلى). نُشرت عدة وحدات للبحث عن مقاتلي حماس في الأنفاق تحت الأرض والمباني المهدمة (أعلاه).

في بعض الأحيان، كانت وحدته تصادف مدرسة أو عيادة مليئة بالعائلات الفلسطينية النازحة. وكان الجنود يمتنعون عن إطلاق النار، لكن جوناثان يقول: “كانوا يشعرون بالإحباط لعدم السماح لهم [بإطلاق النار] على هؤلاء الناس. ففي نظر العديد من الإسرائيليين والجنود، كل فلسطيني في غزة هو إرهابي؛ إذا كان طفلاً فهو إرهابي مستقبلي محتمل، وإذا كانت امرأة فهي على الأرجح الأم المستقبلية لإرهابي مستقبلي”. وبدأ جوناثان يشعر بشكل مختلف، ولم يكن قادرًا على البوح بمشاعره لزملائه، مما جعله يشعر “بالعزلة الشديدة بهذه الأفكار”.

ولم يبدأ جوناثان في التفكير في خدمته وفيما أسماه “الأشياء التي اقترفناها” إلا بعد مغادرته غزة نهائيًا. وفي وطنه، أدرك الفجوة الشاسعة بين تجربته وبين التصور العام للحرب؛ فالقنوات الإخبارية والصحف كانت تتبنى الخط الحكومي الشوفيني (التعصبي)، ناهيك عن أن عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين، وظروف المجاعة داخل غزة، ومعاناة مئات الآلاف من الأسر النازحة، كانت تذكر شذرات ونادرًا.

وفي نهاية المطاف؛ تواصل مع منظمة “كسر الصمت” التي قدمته إليّ. ومثل معظم الجنود الذين أدلوا بشهاداتهم للمنظمة عن تجاربهم في هذه الحرب، أراد جوناثان البقاء مجهول الهوية؛ مشيرًا إلى أن انتقاد الجيش في إسرائيل يعد خطًا أحمر ومحرمًا، بينما يخشى شهود آخرون خطر الاعتقال عند سفرهم إلى الخارج.

ويعاني العديد من الجنود من مشكلات في الصحة النفسية؛ ووفقًا لتقرير حكومي إسرائيلي صدر مؤخرًا، حاول 279 جنديًا الانتحار في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2024 ويوليو/تموز 2025. وتعد نسبة الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود الذين قاتلوا في غزة أعلى بكثير مقارنة بالحروب الأخرى التي خاضتها إسرائيل؛ حيث أفاد الجيش الإسرائيلي بزيادة بلغت 40 بالمئة في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين سبتمبر/أيلول 2023 ويناير/كانون الثاني 2026. كما يواجه بعض الجنود ما يُعرف بـ “الأذى الأخلاقي”، وهو مصطلح صِيغ لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي، عندما يتسبب الشعور بالخزي والاشمئزاز من أفعال المرء في الاكتئاب والقلق. ويظل مفهوم الأذى الأخلاقي مثيرًا للجدل، لأنه يصور الجناة في ثوب الضحايا.

وأخبرني جوناثان أن بعض أصدقائه يعيشون حالة من الإنكار والشعور بالذنب، ويعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، ولكنه يرى أنه بخير من الناحية النفسية. وهو يحاول ألا يفرط في التفكير في فترة وجوده بغزة من منظور عاطفي: “بالطبع رأيت أشياء قاسية، لكني أحاول ألا أرى نفسي كضحية”، بل يتعامل مع الأمر بعقلانية: “أعتقد أنه من الطبيعي أن يفعل الجندي في الحرب أي شيء لحماية نفسه، وأن يفعل قائده أي شيء لحماية جنوده. ولهذا السبب أعتقد أن الانضباط والقانون الدولي يحظيان بهذه الأهمية البالغة. ففي نهاية المطاف؛ سينفذ الجندي ما يُؤمر به. إن الدمار الممنهج في غزة لم يحدث لأن الجنود قرروا هدم المباني؛ فهذا ليس قرارنا، بل هو سياسة متبعة. بالطبع لدي انتقادات لنفسي، وأشعر بالذنب والخزي تجاه بعض الأمور التي شاركت فيها، لكني أدرك أيضًا أن المشكلة تكمن في المنظومة، في الحكومة، وليست في الجنود على الأرض”.

وقد سألتُ جوناثان عما إذا كان هناك شيء محدد يندم عليه، فارتجفت شفتاه وعجز عن الإجابة. وقال إن سرد قصته هو وسيلة “لتحسين الأمور، وتحمل المسؤولية، ولإطلاع الناس على ما حدث.. لكنها ليست وسيلة للتنصل من مسؤوليتي الخاصة.. فلا يمكنني محو ماضيّ”.

وكان قد سافر مؤخرًا إلى أوروبا، وقال لي: “أنا أشعر بالخزي.. اليوم لست فخورًا بكوني إسرائيليًا، أو جنديًا سابقًا. إنه أمر يخجلني. عندما كنت في أوروبا، كنت أحسد الناس الذين يمكنهم رفع أعلام بلادهم فوق منازلهم، ويشعرون بالفخر والبهجة بذلك. أعتقد أنني لن أتمكن أبدًا من وضع علم بلدي على منزلي.”

المصدر: إيكونوميست

علاماتالإبادة الجماعية ، الإبادة العرقية الإسرائيلية ، الحقوق والحريات ، جرائم إسرائيل في فلسطين ، حرب الإبادة
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الحرب على غزة ، القضية الفلسطينية ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

ما قصة “كريات شمونة” ولماذا تشكل صداعًا دائمًا لإسرائيل؟

نون إنسايت٣١ مايو ٢٠٢٦
سياسة

ميناء بربرة.. عقدة المصالح الإماراتية الإسرائيلية في البحر الأحمر

عماد عنان٣١ مايو ٢٠٢٦
سياسة

فيضان الفرات في سوريا.. تداعيات تتجاوز غمر المنازل والأراضي

حسن إبراهيم٣٠ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑