• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ميناء بربرة.. عقدة المصالح الإماراتية الإسرائيلية في البحر الأحمر

عماد عنان٣١ مايو ٢٠٢٦

أثار غياب الإمارات عن بيان مجلس التعاون الخليجي، ومن قبله البيان الصادر عن عدد من الدول العربية والإسلامية، والمندد بخطوة صوماليلاند نحو افتتاح تمثيل دبلوماسي لها في القدس المحتلة، جدلًا واسعًا في الأوساط الخليجية والعربية، وفتح باب التساؤلات حول دوافع أبوظبي لتجنب إدانة خطوة قوبلت برفض واسع من معظم العواصم العربية والإسلامية.

هذا الغياب لم يُقرأ باعتباره تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل أعاد إلى الواجهة ملف العلاقات المتشابكة بين أبوظبي وصوماليلاند من جهة، وبين هذا الكيان غير المعترف به دوليًا ودولة الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى، خصوصًا في ظل ما يُنظر إليه كدعم إسرائيلي متزايد لصوماليلاند وسعي تل أبيب إلى توسيع حضورها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

وفي قلب هذا التشابك يبرز ميناء بربرة، الذي لم يعد مجرد مرفق تجاري على ساحل خليج عدن، بل تحول إلى نقطة ارتكاز في تنافس إقليمي ودولي واسع، ومن هنا تكتسب خطوة صوماليلاند في القدس، والصمت الإماراتي حيالها، أبعادًا تتجاوز الموقف الدبلوماسي المباشر، لتطرح أسئلة أوسع حول طبيعة التقارب الإماراتي – الإسرائيلي في هذه المنطقة الحساسة، ومواقف دول الإقليم إزاء هذا التقارب وما ينطوي عليه من ارتدادات جيوسياسية قد تُعيد تشكيل خريطة المنطقة.

– أدانت 16 دولة عربية وإسلامية إقدام ما يُسمى إقليم "أرض الصومال" على افتتاح "سفارة" مزعومة له في مدينة القدس المحتلة، وذلك لأن هذا الإجراء يمثل انتهاكًا صارخًا لقرارات الشرعية الدولية ومساسًا مباشرًا بالوضع التاريخي للمدينة.

– أكد وزراء الخارجية الموقعون على البيان المشترك… pic.twitter.com/lPK97VfhHh

— نون بوست (@NoonPost) May 25, 2026

صوماليلاند.. فرصة لتعظيم مشروع أبو ظبي

لا يمكن قراءة الموقف الإماراتي حيال خطوة صوماليلاند الأخيرة بمعزل عن مسار أوسع تبنّته أبوظبي خلال السنوات الماضية، يقوم على توسيع حضورها العسكري والسياسي والاقتصادي في مناطق التماس الاستراتيجي، من القرن الإفريقي إلى اليمن وليبيا والبحر الأحمر، عبر شبكة من الموانئ والقواعد والشراكات الأمنية التي تمتد من إريتريا وصوماليلاند إلى السودان وممرات الملاحة الحيوية.

وتنظر أبوظبي إلى صوماليلاند باعتبارها فرصة استراتيجية لتعظيم نفوذها في القرن الإفريقي، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي الحساس على خطوط الملاحة بين خليج عدن والبحر الأحمر، وما يمنحه ذلك من قدرة على التأثير في أمن التجارة الدولية وحركة الطاقة والممرات البحرية، ومن هذه الزاوية، لا تبدو أرض الصومال مجرد كيان هامشي في معادلات الإقليم، بل نقطة ارتكاز ضمن شبكة مصالح تسعى الإمارات، ومعها إسرائيل، إلى ترسيخها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

ولا يقتصر الحضور الإماراتي في هذا الكيان الانفصالي على البعد الاقتصادي أو الدبلوماسي، بل يندرج ضمن تصور أوسع لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية، وتوسيع هامش النفوذ الإماراتي – الإسرائيلي في القرن الإفريقي، عبر بوابات رخوة مثل الكيانات غير المعترف بها أو المناطق المتنازع عليها، حيث تتراجع سلطة الدولة المركزية وتزداد قابلية الفضاءات المحلية للاختراق السياسي والأمني والاقتصادي.

ومن ثم، فإن هذا الحضور يعيد فتح النقاش حول طبيعة الدور الإماراتي في عدد من الملفات الإقليمية المثيرة للجدل، لا سيما تلك التي تمس الأمن القومي العربي والإقليمي، في مقابل انخراط متزايد في ترتيبات تعاون وتنسيق مع إسرائيل، وهو ما يجعل الصمت الإماراتي حيال خطوة صوماليلاند في القدس ليس مجرد امتناع دبلوماسي عن الإدانة، بل مؤشرًا سياسيًا يطرح أسئلة أعمق حول اتجاهات أبوظبي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحدود تقاطعها مع المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

ميناء بربرة.. هدف الإمارات الأبرز

فرضت أرض الصومال حضورها على الخارطة الإقليمية والدولية باعتبارها محورًا اقتصاديًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية، يجمع بين الموقع الجغرافي الحساس، والنفوذ البحري، والفرص الاستثمارية الواعدة، فهي تتموضع عند نقطة اتصال حيوية بين جيبوتي شمالًا وإثيوبيا جنوبًا، وعلى الساحل الجنوبي لخليج عدن، بما يجعلها قريبة من بوابة باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى البحر الأحمر وقناة السويس، والمطلة على واحد من أكثر طرق التجارة العالمية ازدحامًا وحساسية.

وفي قلب هذه الجغرافيا الاستراتيجية يبرز ميناء بربرة بوصفه الرئة الاقتصادية لأرض الصومال، وأحد أهم موانئ خليج عدن، فضلًا عن كونه منفذًا بالغ الأهمية لحركة الاستيراد بالنسبة لإثيوبيا، ومن ثم، لا يمكن التعامل مع بربرة كميناء تجاري تقليدي فحسب، بل كنقطة ارتكاز على حافة خليج عدن وباب المندب، وحلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وصولًا إلى قناة السويس والبحر المتوسط.

من هنا تضع أبوظبي هذا الميناء في صدارة أولوياتها ضمن مقاربتها تجاه أرض الصومال، خاصة بعد الضربة التي تلقتها الإمارات في الصومال وجيبوتي حيث إلغاء الاتفاقيات المبرمة معهما لإدارة الموانئ هناك،  فبجانب قرب الميناء من باب المندب واليمن والبحر الأحمر، ما يرفع من قيمته في معادلات التجارة والنفوذ الإقليم، فهو يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز حضور الإمارات في القرن الإفريقي، إذ يضعها على مقربة مباشرة من ملفات متشابكة في اليمن، والبحر الأحمر، والسودان، ومصر، وإثيوبيا، فضلًا عن إتاحة هامش منافسة مع موانئ إقليمية أخرى، وفي مقدمتها جيبوتي، وبذلك يتحول الميناء إلى أداة نفوذ إماراتية تتجاوز البعد الاقتصادي، ليصبح منصة مراقبة وتأثير على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

• كشفت وكالة "بلومبيرغ" أن "إسرائيل" تدرس إنشاء قاعدة عسكرية محتملة في إقليم أرض الصومال المطل على خليج عدن، بهدف تنفيذ عمليات ضد الحوثيين.

• مسؤولون أمنيون إسرائيليون زاروا الإقليم بالفعل خلال يونيو/حزيران الماضي، لاستطلاع مواقع استراتيجية على الساحل، من بينها منطقة مرتفعة… pic.twitter.com/PIgHhaGDer

— نون بوست (@NoonPost) March 12, 2026

ماذا عن الدور الإسرائيلي؟

تنظر تل أبيب إلى صوماليلاند باعتبارها فرصة استراتيجية نادرة لتعزيز حضورها على تخوم البحر الأحمر، خصوصًا بعد تصاعد تهديدات الحوثيين منذ حرب غزة، وما رافقها من اضطرابات في سلاسل الإمداد الإسرائيلية، وضغوط متزايدة على حركة الملاحة عبر البحر الأحمر، وقد دفعت هذه التطورات إسرائيل إلى البحث عن موطئ قدم في هذا الإقليم الحساس، بما يتيح لها حماية مصالحها البحرية واللوجستية وتقليل هشاشتها أمام أي تهديدات قادمة من باب المندب.

ومن هذه الزاوية، يرى الكيان الإسرائيلي في أرض الصومال بوابة مهمة لتوسيع حضورها البحري والملاحي، فامتلاك نفوذ أو شراكات مرتبطة بميناء بربرة يعني عمليًا الاقتراب من الساحل المقابل لليمن، وعلى مقربة مباشرة من مضيق باب المندب، بما يمنح تل أبيب قدرة أكبر على مراقبة حركة الملاحة، وبناء ترتيبات أمنية مع صوماليلاند وبعض حلفائها، بهدف تأمين خطوط الإمداد، والحد من قدرة الحوثيين أو غيرهم على تعطيل المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر.

ومن جانب آخر، تنظر إسرائيل إلى صوماليلاند باعتبارها منصة أوسع لتعزيز حضورها في القرن الإفريقي، وهي منطقة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي محتدم، بفعل موقعها اللوجستي وأهميتها في أمن الممرات البحرية والتجارة الدولية،  ومن ثم، فإن الانفتاح الإسرائيلي على صوماليلاند لا ينفصل عن محاولة ترسيخ نفوذ جديد في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى وإقليمية.

كما يمكن لتل أبيب توظيف هذا الحضور في خدمة أجنداتها تجاه أطراف إقليمية فاعلة، مثل مصر وتركيا والسعودية، عبر إعادة التموضع في فضاء جيوسياسي بالغ الحساسية، والاقتراب من ملفات البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي.

وبهذا المعنى، لا يبدو الدور الإسرائيلي في صوماليلاند مجرد تحرك دبلوماسي أو اقتصادي محدود، بل محاولة لتغيير قواعد اللعبة في القرن الإفريقي، وإعادة تشكيل خريطته الجيوسياسية بما يخدم المصالح الإسرائيلية ويمنحها هامش تأثير أكبر في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

تقاطع المصالح الإماراتية الإسرائيلية

في ضوء ما سبق، تتقاطع المصالح الإماراتية والإسرائيلية في صوماليلاند عند نقطة استراتيجية بالغة الحساسية؛ إذ ترى أبوظبي في ميناء بربرة حلقة مركزية ضمن مشروعها لبناء شبكة نفوذ بحري تمتد من الخليج إلى القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بما يمنحها موطئ قدم في منطقة لوجستية يمكن توظيفها في ملفات إقليمية متعددة، وفي المقابل، ينظر الكيان الإسرائيلي إلى الميناء وإلى أرض الصومال عمومًا بوصفهما جسرًا لتعزيز حضوره قرب باب المندب والبحر الأحمر، وتوسيع هامش تأثيره السياسي والأمني في واحدة من أكثر مناطق الإقليم حساسية.

وأمام هذا التقاطع في المصالح، تلتقي الرؤية الإماراتية والإسرائيلية في دعم صوماليلاند وتعزيز موقعها وتأييدها في مسارها الانفصالي الاستقلالي، بعيدًا عن الاعتبارات العربية والإسلامية والإقليمية المرتبطة بوحدة الصومال أو بمخاطر فتح الباب أمام إسرائيل للتمدد في خاصرة البحر الأحمر.

فمثل هذا المسار يمنح تل أبيب فرصة إضافية لتعميق نفوذها قرب الممرات البحرية الحيوية، بينما توفر أبوظبي، عبر حضورها الاقتصادي واللوجستي، بيئة مساعدة لهذا التمدد، بما قد ينعكس ضغطًا سياسيًا وأمنيًا على عدد من الدول العربية والإقليمية.

ولا يمكن فصل هذا التوجه عن التحولات العميقة في السياسة الخارجية الإماراتية خلال السنوات الأخيرة منذ رحيل الشيخ زايد آل نهيان، حيث باتت أبوظبي تتبنى مقاربة شديدة البراغماتية، تقدم فيها حسابات النفوذ والمصالح على الاعتبارات القومية والعربية التقليدية.

– قدمت الإمارات طلبًا رسميًا إلى الحكومة الصومالية، بعدما فرضت مقديشو حظرًا شاملًا على عبور الطائرات العسكرية وطائرات الشحن الإماراتية عبر أجوائها، وذلك على خلفية توتر أمني ودبلوماسي متصاعد بين البلدين.

– فرضت الصومال الحظر الجوي بشكل مفاجئ في 8 يناير، بينما جاء القرار بعد ساعات… pic.twitter.com/0T7X40RUXr

— نون بوست (@NoonPost) January 10, 2026

ومن هنا، يبدو التقارب الإماراتي – الإسرائيلي في صوماليلاند امتدادًا لهذا النهج؛ إذ تتحرك أبوظبي خارج الإجماع العربي في عدد من الملفات الحساسة، وتمنح الأولوية لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، حتى لو جاء ذلك على حساب مقاربات عربية أوسع، وفي المقابل، تجد إسرائيل في هذا الانفتاح الإماراتي بوابة مثالية لتوسيع نفوذها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما يحوّل صوماليلاند إلى مساحة اختبار جديدة لتشابك المصالح بين الطرفين.

في المحصلة، لم يعد بربرة مجرد ميناء محلي على ساحل خليج عدن، بل تحول إلى عقدة استراتيجية تتقاطع عندها حسابات إقليمية ودولية معقدة؛ إماراتية وإسرائيلية وصومالية وإثيوبية، وهو التحول الذي تنظر إليه دول الإقليم باعتباره تهديدًا أمنيًا ولوجستيًا متناميًا، لا سيما في ظل ما يفتحه من أبواب أمام إعادة تموضع قوى خارجية في منطقة شديدة الحساسية، وما قد يترتب عليه من ضغوط على الصومال، ومصر، وجيبوتي، والسعودية، وغيرها من الأطراف المعنية بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

ومن هنا، فإن أي تقارب إسرائيلي ـ إماراتي – صوماليلاندي في بربرة لا يمكن قراءته بوصفه استثمارًا اقتصاديًا عابرًا أو شراكة تجارية محدودة، بل باعتباره جزءًا من محاولة أوسع لإعادة رسم ميزان القوة حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة قد تمس الأمن القومي العربي والإقليمي، وتفرض على دول المنطقة التعامل معها قبل أن تتحول إلى أمر واقع يصعب احتواؤه.. فلمن يكون السبق أولا؟

مواضيعالبحر الأحمر ، الشأن الإماراتي ، القرن الأفريقي ، سياسات الإمارات الخارجية ، مجلس التعاون الخليجي

قد يعجبك ايضا

سياسة

فيضان الفرات في سوريا.. تداعيات تتجاوز غمر المنازل والأراضي

حسن إبراهيم٣٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

الأردن والمسجد الأقصى.. هل وصلنا إلى مرحلة الخيارات الوجودية؟

بيتر أوبورن٣٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

هل تكون حرب ترامب على إيران “أزمة سويس” جديدة؟

دان جليزبروك٣٠ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑