• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

مصير أطفال عائلة العباسي يكشف فصلا جديدا من فظائع نظام الأسد

مورغان لافر٣ يونيو ٢٠٢٦

متخصصون في الأدلة الجنائية يبحثون عن بصمات أصابع في غرفة نوم نجاح وآلاء العباسي، في منزلهم الذي بقي خاليا منذ اعتقال العائلة عام 2013

ترجمة وتحرير: نون بوست

انتشرت صورهم عبر الحملات الحقوقية ومناشدات العائلة. هم ستة أطفال من عائلة واحدة اعتقلهم ضباط مخابرات بشار الأسد في مارس/ آذار 2013. كانت ديما في الرابعة عشرة، وانتصار في الثالثة عشرة، ونجاح في الحادية عشرة، وآلاء في الثامنة، وأحمد في السادسة، وليان التي حملتها الأم رانيا بين ذراعيها وهي تنزل درجات شقتهم في دمشق، في الثانية من عمرها. اختفوا مع والدتهم بعد أن داهمت المخابرات (الشرطة السرية) منزل العائلة بعد يومين من اعتقال والدهم عبد الرحمن ياسين.

لمدة 13 عاماً، تمسكت نجاح مارديني، والدة طبيبة الأسنان السورية المعتقلة وبطلة الشطرنج السابقة رانيا العباسي، بالأمل في أن تضم أحفادها الستة مرة أخرى

أصبح غيابهم واحداً من أكثر الجروح المفتوحة إيلاماً في الحرب السورية، إذ لم تمنحهم طفولتهم أي حماية. لأكثر من عقد من الزمان، بحث خالهم، حسان العباسي، عنهم بتفانٍ أملا في أن يندمل الجرح. تمسك بالشظايا، والشهادات، والشائعات، والمشاهدات، والآثار المحتملة. وفي بلد يُحرم فيه الموتى حتى من كرامة تأكيد الوفاة، أصبح الشك عقاباً بحد ذاته.

والآن، يبدو أن هذا الشك قد انتهى.

فقد أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا خلال عطلة نهاية الأسبوع أنها توصلت إلى نتائج موثوقة ومؤكدة تسمح لها بالاستنتاج، بدرجة عالية من اليقين، بأن أطفال رانيا العباسي الستة قد فارقوا الحياة. وقالت الهيئة إن استنتاجها جاء بعد إجراءات تحقق وتحليل متعددة نُفِّذت بالتنسيق مع السلطات السورية، وأن الجهود لتحديد موقع الرفات لا تزال مستمرة. وأكد الأقارب هذا الأمر لوسائل الإعلام العربية بعد التعرف على الأطفال استناداً إلى مقاطع مصورة اكتُشفت حديثاً.

ورغم أن القضية تعود إلى السنوات الأولى من الحرب الأهلية السورية، إلا أن هذه الحقائق أثارت مطالبات واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد بملاحقة أكثر صرامة لتحقيق العدالة الانتقالية ضد رموز النظام السابق. تبدو هذه الجريمة الآن وكأنها حدثت للتو، وتعيد فتح الجراح القديمة، وتظهر مدى فظاعة جرائم نظام الأسد، والتي لم يُكشف عن الكثير منها حتى الآن.

الهيئة التي توصلت إلى هذا الاستنتاج بشأن مصير الأطفال لم يمرّ على تأسيسها سوى عام واحد. تأسست الهيئة الوطنية للمفقودين في مايو/ أيار 2025 بموجب مرسوم رئاسي صادر عن الرئيس المؤقت، أحمد الشرع، إلى جانب هيئة وطنية منفصلة للعدالة الانتقالية، بعد أكثر من خمسة أشهر من سقوط الأسد.

تتمثل مهمتها في التحقيق في مصير المفقودين والمختفين قسرياً، وبناء قاعدة بيانات وطنية، ودعم العائلات المكلومة. وقد اعْتُبِرت الهيئة على نطاق واسع المؤسسة الأكثر نشاطاً بين مؤسسات العدالة الانتقالية، رغم أن المراقبين كانوا يصفونها في بداية 2026 بأنها مازالت في مرحلة تجريبية، ولم تستقر على فريق التحقيق وخطة العمل بعد. قدرة هيئة حديثة العهد نسبياً على التحدث بمثل هذا اليقين بشأن ستة أطفال، في ظل غياب رفاتهم، هو مقياس بحد ذاته على مدى خصوصية الأدلة في هذه القضية.

الأدلة وراء تأكيد مقتل أطفال رانيا العباسي لم تأتِ معزولة، بل ظهرت في سياق تدقيق متجدد في مجزرة التضامن عام 2013 ومواد متعلقة بأمجد يوسف، ضابط المخابرات السابق المتورط في قتل مدنيين في الحي الدمشقي.

كانت مجزرة التضامن لسنوات واحدة من أفظع جرائم النظام سرية. يوم 16 أبريل/ نيسان 2013، في الحي الذي يقع جنوب دمشق، والذي تحوّل إلى جبهة أمامية للمعارك بجوار مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، اقتاد ضباط من فرع المخابرات العسكرية 227 معتقلين معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي واحداً تلو الآخر نحو حفرة مليئة بالإطارات، وأخبروهم أنهم سيُنقلون إلى بر الأمان عبر ممرّ للقناصة، ثم أطلقوا عليهم النار أثناء سقوطهم وأحرقوا الجثث. مقطع فيديو واحد، تم الحصول عليه ونشره خارج سوريا عام 2022، وثّق مقتل نحو 41 شخصاً. وقدّر الباحثان أنصار شحود وأوغور أوميت أونغور، اللذان جمعا لاحقاً مزيدا من اللقطات ونشرا نتائجهما في مجلة “نيولاينز”، أن ما يقرب من 300 مدني، من بينهم نساء وأطفال، لقوا حتفهم على عين المكان.

مكان حفرة الإعدام الرئيسية في مجزرة التضامن التي شارك فيها حيث أمجد يوسف، وقد تم طمسها منذ ذلك الحين

ما ميّز مجزرة التضامن كان غرور الجناة. قام الضباط بتصوير المجزرة بملابسهم العسكرية. ظهر أمجد أمجد يوسف، المحقق في الفرع 227، وهو يوّجه بتنفيذ الإعدامات ويطلق الضحكات، واكتسب سمعة دولية كأحد أبرز المجرمين في نظام الأسد بمجرد ظهور اللقطات.

وفي مقطع فيديو نُشر على فيسبوك، قال حسان العباسي إن العائلة سُمح لها بمشاهدة لقطات مرتبطة بأمجد يوسف. في أحد التسجيلات، يظهر أطفال في غرفة مظلمة، وُصفوا بأنهم ممولون رئيسيون للإرهاب، وقيل إنه سيتم الحكم عليهم.

وقال حسان، مشيراً إلى اللقطات التي عُرضت خلال عملية التعرف على الهويات، والتي سهلتها الآلية الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة: “تبين أنهم أطفالنا. لقد رأيناهم أخيراً، لكنهم استشهدوا”.

أخبرني حسان أنه لم يشاهد لحظات مقتل بنات وأبناء شقيقته، لكنه أكد وفاتهم من خلال لقطات لاحقة. وقال: “رأيت أجسادهم الغضة على الأرض، والدماء تسيل من وجوههم. هنا انتهت قصصهم. لقد صُنّفوا كإرهابيين وقُتلوا”.

ثمة شيء لا يمكن تحمّله في هذه الجملة. لسنوات، بحث حسان عن أي أثر يدلّ على أنهم على قيد الحياة، لكن أول ما حصل عليه هو دليل وفاتهم. لم يُعثر على الأطفال في دار للأيتام، أو في سجلات السجون، ولم يعودوا كشباب بأسماء جديدة وذكريات محطمة. لقد ظهروا أخيراً داخل مسرح جرائم النظام الذي لم يصنّفهم كأطفال، بل كأعداء للدولة.

هذه هي الأرضية الصعبة التي يستند إليها يقين الهيئة. لا يوجد قبر حتى الآن، ولا توجد رفات لإجراء الفحوصات. ما يوجد هو تقاطع للأدلة: اللقطات التي كشفت عنها قضية أمجد يوسف، وتعرّف العائلة على الأطفال من خلالها، وغيابهم عن كل عمليات إطلاق سراح السجناء التي تلت سقوط الأسد، وشهادات أولئك الذين رأوا الأطفال يدخلون مراكز الاحتجاز السرية، وهي شهادات جمعتها خلال تقاريري الصحفية السابقة.

هذا الاستنتاج هو استدلال مبني على هذه المعطيات، وقد حرصت الهيئة على وصف البحث عن الرفات بأنه لم ينتهِ بعد. لكن غياب الجسد في سوريا لا يعني غياب الدليل، بل هو الوضع الذي أراده النظام.

استعادة جثامين الموتى هنا تعدّ واحدة من أصعب المهام الجنائية في العالم، حتى إن أحد منسقي العدالة الانتقالية في دمشق وصفها بأنها قد تكون أكثر قضايا المفقودين تعقيداً في التاريخ الحديث. هي معقدة بسبب المقابر الجماعية المركّبة التي شكلتها قوى متعددة ومتداخلة كانت تعمل على الأرض نفسها، مع وجود ما يصل إلى 200,000 سوري لا يزالون في عداد المفقودين. انتظار الجثة في مثل هذه الظروف، يعني في كثير من الأحيان، الانتظار إلى الأبد. جاءت نتائج الهيئة كمحاولة لمنح العائلة الحقيقة التي أراد النظام طمسها.

هذه النتائج تكتسب أهمية تتجاوز عائلة العباسي. مصير هؤلاء الأطفال ليس مجرد مأساة عائلية، ولا مجرد حلقة جديدة قاتمة في السجل الطويل لجرائم الأسد. إنه يرتبط مباشرة بالآلية التي سعيتُ لكشفها في تحقيقي السابق المنشور في مجلة “نيولاينز” في مارس/ آذار: الطريقة التي غيّب بها النظام أبناء وبنات المعتقلين من خلال شبكة من الفروع الاستخباراتية، والمحاكم، ودور الأيتام، ومؤسسات رعاية الأحداث، وكيف امتدت الاتهامات بالإرهاب من الآباء إلى الأطفال، حتى مُحيت البراءة إدارياً.

دفاتر الواجبات المدرسية التي غطاها الغبار الكثيف، على طاولة غرفة طعام عائلة العباسي. على مقربة منها، سيجارة تركها الخاطفون

حسب الوثائق التي اطلعتُ عليها أوائل العام الماضي، لم يكن اختفاء الأطفال نتاجاً للفوضى أو حوادث معزولة، بل كان سياسة نابعة من إجراءات وتوقيعات وتوجيهات. وجّه ضباط المخابرات الجوية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومكاتب المحافظات المحلية بنقل الأطفال من مراكز الاحتجاز إلى دور الأيتام مع أوامر بالحفاظ على سرية هوياتهم لأسباب تتعلق بـ”الأمن القومي”. كان التوجيهات تقضي بعدم الكشف عن أي تفاصيل، وعدم اتخاذ أي إجراء بشأنهم دون إذن صريح من الأجهزة الأمنية.

تمت إحالة مراهقَين من مركز خالد بن الوليد لرعاية الأحداث إلى محكمة قضايا الإرهاب دون تهم معقولة. العديد ممن مروا بهذه الإجراءات ما زالوا في عداد المفقودين حتى اليوم

هنا كانت تكمن عبقرية عنف النظام. لم يكن مصمماً للقتل فحسب، بل قام بدقة بيروقراطية بتصنيف أطفال المعارضين، ونقلهم وإخفائهم وتغيير أسمائهم، حتى لا يعرف العالم أين يبحث عنهم.

في البداية، كان لبعض هؤلاء الأطفال دور محدد: كانوا وسيلة ابتزاز. وصفت إحدى وثائق المخابرات الجوية المؤرخة في يناير/ كانون الثاني 2015، والتي اطلعتُ عليها، قضية امرأتين معتقلتين وأطفالهما السبعة المحتجزين في سجن المزة سيء السمعة.

خلص ضباط المخابرات إلى أن المرأتين لم تعد لهما قيمة بعد أشهر من الاستجواب، ويجب إطلاق سراحهما. إلا أن قائداً رفيع المستوى ألغى القرار، وأمر بإبقاء العائلات قيد الاحتجاز لكي يتمكن النظام من الاستفادة منهم في عمليات التبادل والمفاوضات مع فصائل المعارضة. في ذلك الملف، تتجلى بوضوح الوضعية التي عاشها الأطفال. لقد تحولوا إلى أشياء، وسُرقت حياتهم ليتم استخدامها حسب ما يراه النظام مناسباً، وأصبحت قيمتهم تكمن في الألم الذي يمكن أن يلحق بآبائهم وأمهاتهم وعائلاتهم.

خلال تحقيقي في دمشق، التقيت بعائلات نجت بأعجوبة من الموت، بعد أن أُطلق سراحها لحسن الحظ بعد فترة من السجن. والآن، تأكد أخيراً أن أطفال العباسي لم يحالفهم الحظ. تعرض والدهم للتعذيب والقتل في غضون شهر من اعتقاله، وظهر وجهه لاحقاً ضمن الـ 50,000 صورة التي سربها المنشق المعروف باسم “قيصر”.

أما مصير والدتهم فلا يزال مجهولاً حتى يومنا هذا. وسائل الابتزاز لها عمر افتراضي، فبمجرد إدانة الأب أو الأم وإدراجهم في قوائم عشرات الآلاف من قتلى زنازين الأسد، يصبح الطفل شيئاً آخر: مجرد شاهد، وأثر حيّ لعائلة وضعها النظام على قوائم الإبادة.

هنا تبرز الأهمية البالغة للأدلة الجديدة المتعلقة بأطفال رانيا العباسي. اللقطات التي وصفها خالهم حسان لا تظهر مجرد أطفال في الأسر، بل تظهر تبريرات النظام لما يمكن فعله بهم. اتهام هؤلاء الأطفال الصغار بتمويل الإرهاب أمر مثير للاشمئزاز، لكنه لم يكن حادثاً عشوائياً، بل كان المنطق واللغة ذاتها التي ظهرت في أرشيفات سجون الأحداث وسجلات الاستقبال التي فحصتُها في دمشق.

في “الغزالي” و”خالد بن الوليد”، وهما مركزان لاحتجاز الأحداث عند أطراف المدينة، ظهرت في الدفاتر أسماء أطفال أحالتهم محكمة قضايا الإرهاب السورية، وهي المحكمة الاستثنائية التي تأسست عام 2012 مع اتساع رقعة الانتفاضة ضد الأسد.

ورغم أنها أُنشئت رسمياً لمحاكمة الإرهاب، إلا أنها أصبحت واحدة من أكثر أدوات النظام كفاءة في تحويل المعارضة السياسية إلى جريمة جنائية. كانت إجراءاتها غامضة، وأحكامها تُبنى غالباً على اعترافات تُنتزع تحت التعذيب، وامتد نفوذها إلى ما هو أبعد بكثير من ملاحقة المعارضة المسلحة.

وكان من بين الملفات أطفال لا تتجاوز أعمارهم 11 و12 عاماً، متهمين بتمويل الإرهاب، وهي التهمة نفسها التي استخدمها أمجد يوسف لتبرير قتل عائلة العباسي. أُدين آخرون بتهم أخرى لا تقلّ غرابة: المشاركة في عمليات عسكرية، وتقديم التدريب على الأسلحة، وارتكاب أعمال أدت إلى مقتل جنود سوريين.

كانت التهم سخيفة بالنظر إلى أعمارهم، لكنها كانت تحمل نمطا مألوفا، إذ تشبه الاتهامات التي توجّه بشكل روتيني للمعتقلين السياسيين البالغين. كان ذلك يشير إلى أن الأطفال لم يُحاكموا على ما فعلوه، بل على ما لُفِّق لآبائهم من تهم باطلة.

ورث الطفل التهمة، والتهمة بررت اختفاءه.

هذه المحكمة أصبحت الآن، وبعد فوات الأوان، موضع تدقيق بدلاً من أن تكون أداة له. أفادت التقارير أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية فتحت تحقيقات مع 87 قاضياً سابقاً في محكمة قضايا الإرهاب، وأصدرت مذكرات اعتقال بحق عدد من المسؤولين السابقين في نظام الأسد.

هذا هو الاعتراف الرسمي الأول بأن تلك المؤسسة لم تكن محكمة على الإطلاق، بل كانت أداة لتنفيذ الأحكام، وأن القضاة الذين وقّعوا على أحكامها يتحملون جزءا من المسؤولية عن تبعات تلك الأحكام. مع ذلك، فإن التقييم الأولي لهذه الجهود لم يُسهم في بثّ الثقة.

وصف خبراء حقوق الإنسان مسار العدالة الانتقالية بأنه بطيء، واعتبروا مبادرات المساءلة رمزية إلى حد كبير، ورأوا أنها دعاية أكثر منها تحقيقات جدية. واجهت مثل هذا الإحباط طوال تحقيقي الخاص العام الماضي، لاسيما بعد أن كشفت عن أدلة تتطلب تحركاً عاجلاً، ورأيتها تنزلق في دوامة الإجراءات البيروقراطية الرتيبة. الخطر واضح هنا: وهو أن المحكمة التي ساعدت وثائقها في إرسال الأطفال نحو حتفهم، قد تخضع الآن للتحقيق ببطء شديد، أو بضيق أفق، مما يؤدي إلى عدم الكشف بشكل كامل عن الآلية الكامنة وراء حالات الاختفاء.

لكن الرجل الذي كان يقف على حافة حفرة التضامن، لم يعد بعيداً عن المتناول. ففي أواخر أبريل/ نيسان، تم تتبع تحركات أمجد يوسف لعدة أيام واعتُقل في سهل الغاب بمحافظة حماة. وفي اعترافه المسجل، زعم يوسف أن عمليات القتل كانت تصرفاً فردياً من جانبه، وهو تقليص للمسؤولية عن فظاعة تحمل كل سمات جرائم الدولة المنظمة.

اعترف أمجد يوسف بقتل نحو 40 شخصاً أُحضروا إليه للاشتباه في دعمهم للإرهاب. كانت هذه اللغة مهمة في مجزرة التضامن، تمامًا كما كانت مهمة لأطفال العباسي وغيرهم من الضحايا الصغار لنظام الأسد.

بقايا جثتين في مقبرة مفتوحة بحي التضامن. في 16 أبريل/ نيسان 2013، قام عناصر من النظام بتعصيب أعين 288 مدنياً وإعدامهم ورميهم في حفرة ضحلة، ثم أحرقوا الجثث ودفنوها في واحدة من أبشع المجازر الموثقة في سوريا

قبل أن يُقتل الضحايا، وُصفوا بالأعداء، وكانت تلك التهمة ذريعة النظام لتصفيتهم. تُظهر الأدلة التي كشف عنها تحقيقي في مارس/ آذار، والتي تعززت الآن بقرار الهيئة بشأن عائلة العباسي، أن هذا الأمر امتد ليشمل الأطفال.

هذا هو السبب في أن مقطع فيديو عائلة العباسي يحمل وزناً رهيبًا، فهو يُظهر هذا المنطق، مُجرداً من أي وثائق رسمية. لا يُصنف الأطفال باللغة التي تقتضيها طفولتهم، بل من خلال مصطلحات مكافحة الإرهاب. لقد تحولوا، بصوت ضابط مخابرات قاتل، من أبناء وبنات رانيا الأبرياء، إلى أعداء يمكن للدولة أن تبرر قتلهم.

بالنسبة لحسان، كان من شبه المستحيل التوفيق بين الأطفال الذين عرفهم، وما تحوّلوا إليه في معتقلات النظام. لم تكن نجاح مجرد رقم في آلة الأسد القمعية، بل كانت كما أخبرني ذات مرة في مراسلاتنا المعتادة: “الأكثر انفتاحا بين أطفال رانيا. كانت مفعمة بالحيوية، وتستطيع تكوين صداقات مع أي شخص، ولهذا السبب أحبها كل من التقى بها. لقد كانت جوهرتنا الصغيرة”. جوهرة صغيرة، تحوّلت إلى مموّلة للإرهاب. طفلة يتذكرها الجميع بدفئها وانجذابها الفطري نحو الآخرين، أدانها نظام تعامل مع التعاطف المزعوم لعائلتها مع الثورة كجريمة متوارثة.

خلال تقاريري السابقة، أشارت عدة خيوط إلى احتمال مرور الأطفال بقرى الأطفال إس أو إس، وهي منشأة تابعة لنظام الأسد، كان من المعروف أن أبناء وبنات معتقلين آخرين احتُجزوا فيها. لكن الأدلة الجديدة تمنح قضية العباسي وضوحاً مختلفاً وأكثر قسوة.

في حديث مع حسان، أشرتُ إلى أن تأكيد وفاة الأطفال لا بد أن يشعره هو والعائلة بنهاية بحث طويل ومضنٍ، لكنه صحح لي قائلاً: “سأواصل الكفاح، لا يمكن السماح لقرى إس أو إس بالخروج من هذا الأمر دون عواقب. حتى لو لم يمرّ أطفالنا من هناك، فقد مرّ بها عدد لا حصر له، والعديد منهم ما زالوا في عداد المفقودين”.

إصرار حسان أمر بالغ الأهمية، لأن معالجة قضية واحدة لا يمحو آثار منظومة كاملة. في قضية العباسي، تشير أقوى الأدلة المتاحة الآن بشكل قاطع إلى مرورهم الأخير عبر جهاز الأمن التابع للنظام، حيث يبدو أن ذريعة مكافحة الإرهاب ذاتها التي وجدتها في أرشيفات سجن الأحداث قد استُخدمت لتبرير تصفيتهم.

لكن وضوح قضيتهم لا ينبغي أن يقلل من حجم الغموض الذي لا يزال يكتنف المنظومة التي ابتلعت الكثيرين غيرهم.

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اختفاء آلاف الأطفال قسرا في ظل نظام الأسد. أرقامها السابقة التي تشير إلى اختفاء ما لا يقل عن 3,700 طفل، قد تكون متحفظة. خلال إعداد تقاريري، أخبرني مدير الشبكة، فضل عبد الغني، أن تحسن الوصول إلى السجلات، وشهادات الناجين، قد يرفع الرقم إلى 5,300 طفل. يمثل كل رقم حالة شك وألم داخل إحدى العائلات، وقد يخفي كل منها مساراً مختلفاً في دهاليز النظام.

هذا هو السبب في أن غرف الأرشيف في مراكز اعتقال الأحداث بدمشق تعد حاسمة لتوضيح هذه الملفات الغامضة. الملفات في “الغزالي” و”خالد بن الوليد” وسجن “باب مصلى” الذي احتُجزت فيه فتيات صغيرات، ليست وثائق جامدة، بل خرائط لاقتفاء أثر المغيبين.

يمكن لتلك السجلات أن تكشف كيف انتقل الأطفال من عهدة المخابرات إلى مراكز الأحداث بموجب اتهامات باطلة، ومن الاحتجاز إلى المخابرات مجددا، ومن الهوية المعترف بها إلى الضبابية الإدارية، وفي النهاية، إلى الاختفاء.

مما رأيته في الأرشيف، لا يمكن التقليل من حجم الظاهرة: مئات الأسماء التي أحالتها محكمة قضايا الإرهاب، موسومة باتهامات لا يُعقل أن يرتكبها طفل.

الخطر الآن هو أن تصبح وفاة أطفال العباسي خاتمة، بدلاً من أن تكون بداية. قد يؤكد بيان الهيئة ما حدث لعائلة واحدة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الوضوح الكامل للمنظومة التي جعلت ذلك ممكناً.

يجب الكشف عن المسؤولين الذين أمروا بعمليات النقل، وأخفوا الهويات، وزوروا القوائم، ومنعوا الأقارب من الزيارة، وأعادوا الأطفال إلى عهدة المخابرات. يجب محاسبة كل هؤلاء، إلى جانب القضاة الذين أضفوا على هذه الممارسات غطاء قانونيا، والضباط الذين نفذوا الأحكام. بالنسبة للسلطات الجديدة في سوريا، هذه المهمة طويلة وشاقة، ولكن لا مفر منها.

قضى حسان العباسي 13 عاماً يبحث عن دليل على أن بنات وأبناء إخوته على قيد الحياة. في النهاية، عُرض عليه الدليل على أنهم أموات، بكلمات النظام نفسه، ومقاطعه المصورة، وصياغته المقززة لتهم يستحيل توجيهها لطفل.

الصور التي جابت العالم يوماً في مناشدات الإفراج عنهم، يجب الآن أن تؤدي مهمة مختلفة. يتعين أن تمنع استسلام الوجوه الستة أمام الصمت الذي أراد أن يفرضه النظام، وتُبقيهم إلى الأبد في أعمار 14 و13 و11 و8 و6 وسنتين.

المصدر: نيولاينز

علاماتأهالي المعتقلين ، الأطفال المعتقلون ، الحقوق والحريات ، الشأن السوري ، العدالة الانتقالية في سوريا
مواضيعالعدالة الانتقالية ، ترجمات ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

حقوق وحريات

استراتيجية التذويب: كيف تُفكك الصين هوية الإيغور وثقافتهم؟

أليسون كيلينج٣١ مايو ٢٠٢٦
حقوق وحريات

الاحتلال يجبر سكان حيٍّ مقدسيٍّ على هدم منازلهم لإنشاء متنزه

جوليان بورجر٢١ مايو ٢٠٢٦
حقوق وحريات

أصوات لا يسمعها أحد: شهادات مروعة عن العنف الجنسي الممنهج ضد المعتقلين الفلسطينيين

نيكولاس كريستوف١٢ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑