في الوقت الذي كان يأمل فيه كثيرون أن يستعيد الشرق الأوسط قدرًا من الهدوء النسبي، بعد موجة طويلة من الاشتعال بدأت بحرب غزة وامتدت إلى الحرب الأميركية الإسرائيلية الراهنة ضد إيران، عادت المنطقة سريعًا إلى دائرة التوتر من جديد، فلم يكد سكانها يلتقطون أنفاسهم حتى وجدت نفسها أمام موجة أخرى من التصعيد، جعلت الإقليم بأسره يحبس أنفاسه ترقبًا لما قد تؤول إليه المواجهة المتجددة بين طهران وتل أبيب.
لقد انتقلت المنطقة، التي عاشت لسنوات على إيقاع هدوء نسبي لا تكسره سوى مناوشات محدودة جغرافيًا وسياسيًا، إلى مسرح واسع لصراع النفوذ وتصفية الحسابات وتداخل الأجندات الدولية والإقليمية، وبات الشرق الأوسط أمام ثالوث مربك، حرب لا يريدها الجميع بشكل شامل، وتسوية لا يملك أحد شروط إنضاجها، وتصعيد مفتوح يُدار بسقوف مؤقتة، لكنه يظل قابلًا للانفلات في أي لحظة.
وهكذا، كرست الحرب الحالية نموذجًا جديدًا من الارتباك الإقليمي، حيث تتأرجح المنطقة بين احتمالات المواجهة الشاملة، والمفاوضات المتقطعة، وسياسة “الضربة مقابل الضربة” بوصفها استراتيجية تصعيد مؤقتة، غير أن خطورة هذا النموذج تكمن في أنه يُبقي الشرق الأوسط فوق بركان دائم من القلق والتوتر، ويجعل الاستقرار فكرة مؤجلة لا أكثر.
ولعل التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل يكشف بوضوح هشاشة معادلة “الاحتواء” التي حاولت بعض الأطراف الإقليمية والدولية التمسك بها خلال السنوات الماضية، فهذه المعادلة لم تعد صلبة كما كانت، ولم تعد قادرة على ضبط إيقاع الصراع أو منع تمدده، بل إن تكرار الضربات والردود، واتساع نطاق الرسائل العسكرية، يؤكد أن المنطقة دخلت فعليًا مرحلة أكثر خطورة، لا تُحسم فيها الحروب، ولا تنضج فيها التسويات، بل يُعاد فيها إنتاج التصعيد كحالة دائمة.
غارات إسرائيلية ورد إيراني بـ"عملية النصر" يفرضان طوارئ قصوى وإغلاقًا للأجواء، وسط مؤشرات على اتساع رقعة المواجهة الإقليمية ودخول اليمن خط النار.. إليك التفاصيل. pic.twitter.com/HPFyThHdlm
— نون بوست (@NoonPost) June 8, 2026
الشرق الأوسط والمنطقة الرمادية
في أغلب ساحات النزاع ومسارح الأزمات، تبدو الخيارات عادة معلّقة بين مسارين رئيسيين، إما استمرار الحرب، وإما الوصول إلى تسويات نهائية، أو على الأقل بقاء التوتر في حدود متقطعة تظهر من حين إلى آخر وعلى فترات متباعدة.، غير أن الحرب الحالية أعادت تشكيل هذه الثنائية في الشرق الأوسط، ودفعت المنطقة إلى ما هو أبعد من معادلة الحرب أو التسوية.
فالإقليم بأكمله بات يتحرك داخل مساحة رمادية واسعة؛ فلا أطراف الصراع قادرة على حسم المشهد عبر حرب مباشرة شاملة، بالنظر إلى كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية الباهظة، ولا التسوية الشاملة تبدو قريبة أو سهلة المنال، بعدما ازدادت الملفات تشابكًا وتعقيدًا، وبين هذين الحدّين، برزت استراتيجية ثالثة تقوم على التصعيد المحدود، بوصفه الخيار الأقل كلفة على المدى القصير، وإن كان يحمل ثمنًا بالغ الخطورة على المدى البعيد.
وفق هذه الاستراتيجية، تسعى كل من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى تحسين مواقعها التفاوضية، وكسب نقاط إضافية على طاولة المساومة، عبر ضربات نوعية محسوبة من حين إلى آخر، كما يجري توسيع بنك الأهداف ليشمل مواقع وأدوات أقل كلفة وأسهل في الاستهداف، بما يسمح لكل طرف بإرسال رسائله دون الانزلاق الكامل إلى حرب شاملة.
غير أن خطورة هذا النمط تكمن في أن كل طرف يعتقد أنه قادر على ضبط التصعيد عند سقف معين، وتوظيف ما لديه من قدرات عسكرية وسياسية لتحقيق أهدافه دون تجاوز الخطوط الحمراء، لكن التجارب المتكررة في الشرق الأوسط تثبت أن التصعيد المحدود لا يبقى دائمًا محدودًا، وأن الضربة المحسوبة قد تفتح الباب أمام رد غير محسوب، أو خطأ في التقدير يدفع المنطقة كلها إلى مسار أكثر انفجارًا.
وبناءً على هذه المقاربة، يبقى الشرق الأوسط فوق بركان توتر دائم؛ قلق مستمر، ارتباك على طول الخط، هدوء حذر إن حدث، وترقب مكلف لأي موجة تصعيد جديدة، وهكذا تفقد المنطقة تدريجيًا إحدى أهم ميزاتها الاستراتيجية، وهي قدرتها على إنتاج قدر من الاستقرار النسبي الذي منحها لسنوات مكانة وثقلًا إقليميًا ودوليًا.
أما اليوم، فقد أصبح هذا الاستقرار مهددًا بفعل تداخل الأجندات، وصراع النفوذ، وتحول الإقليم إلى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل والضربات، وبدل أن تكون المنطقة مركزًا للتوازنات الكبرى، تبدو وكأنها تنزلق إلى مستنقع طويل من التصعيد المؤقت، حيث لا حرب تُحسم، ولا تسوية تنضج، ولا هدوء يستقر، لتنتقل من حل الأزمة إلى إدارتها.
لماذا صارت تسوية الملف الإيراني مهمة صعبة؟
إذا كانت فرص تسوية الملف الإيراني قبل اندلاع الحرب تتراوح بين المتوسطة والضعيفة، فإنها اليوم تبدو أقرب إلى الاستحالة، على الأقل في صورتها النهائية والشاملة، فقد جاءت المواجهة الأخيرة لتعمّق أزمة الثقة بين طهران وواشنطن، وتدفع الإيرانيين إلى التشكيك أكثر في جدوى التفاوض مع الجانب الأميركي، وهو ما انعكس بوضوح في تشدد الموقف الإيراني وتمسكه بشروطه ومقارباته الأساسية.
وتظل مسألة اليورانيوم المخصب والمشروع النووي في قلب الخلاف بين الطرفين، بوصفها العقبة الأبرز أمام أي تسوية محتملة، فواشنطن تسعى إلى تجريد طهران من أي قدرة قد تقودها مستقبلًا إلى امتلاك سلاح نووي، أو إلى الاقتراب من مستويات تخصيب عالية تمنحها هذه الإمكانية، وفي المقابل، تنظر إيران إلى برنامجها النووي باعتباره ملفًا متصلًا بالأمن القومي والسيادة وحق الدولة في امتلاك أدوات القوة، لا مجرد ورقة تفاوضية قابلة للتنازل الكامل.
مجلس الأمن الوطني العراقي يمنح الحشد الشعبي والأجهزة الأمنية الأخرى حق التصدي والرد على الهجمات الجوية الأمريكية التي تستهدف مقار وتشكيلات الحشد والقوات المسلحة pic.twitter.com/IjNzAJhwY8
— نون بوست (@NoonPost) March 25, 2026
غير أن الأزمة لم تعد محصورة في حدود اليورانيوم أو أجهزة الطرد المركزي. فطهران باتت تقرأ الضغوط الأميركية من زاوية أوسع بكثير، وترى أن الهدف الحقيقي لا يقتصر على تقييد برنامجها النووي، بل يتجاوزه إلى محاولة تجريدها من مصادر قوتها الشاملة، ومن وجهة النظر الإيرانية، يبدأ هذا المسار بالملف النووي، ثم يمتد إلى تقليم نفوذها الإقليمي في لبنان واليمن والعراق وغزة، وصولًا إلى إعادة تحجيم دورها في المنطقة بما يخدم المصالح الإسرائيلية ويمنح تل أبيب مساحة أوسع للهيمنة على المشهد الإقليمي.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي الذي بات حاضرًا بقوة داخل المقاربة الإيرانية: هل تريد الولايات المتحدة فعلًا تقييد البرنامج النووي الإيراني فقط، أم أنها تسعى إلى إعادة رسم موقع إيران بالكامل داخل الإقليم؟.. هذا السؤال تحديدًا هو ما يجعل التسوية أكثر تعقيدًا من السابق، فإيران لا تتعامل مع المطالب الأميركية باعتبارها شروطًا فنية تخص النووي فحسب، بل باعتبارها مدخلًا لإعادة هندسة توازنات القوة في الشرق الأوسط. ولذلك، كلما توسعت واشنطن في مطالبها، ازداد اقتناع طهران بأن التفاوض لم يعد يدور حول منع السلاح النووي فقط، بل حول مستقبل الدور الإيراني ذاته.
تجاوز الإطار النووي
تجاوزت الأزمة بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، الإطار التقليدي للبرنامج النووي، رغم أن هذا الملف ظل لعقود العنوان الأبرز للخلاف ومصدرًا رئيسيًا لتأجيج التوتر، غير أن النزاع تمدد، ودخلت عليه عوامل جديدة وسّعت دائرته، وجعلت أي محاولة للتسوية أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
العامل الأول يتمثل في البعد العسكري المباشر، فقد انتقلت المواجهة بين الطرفين من مساحة العمليات غير المعلنة وحروب الظل إلى مستوى أكثر وضوحًا وعلنية، عبر ضربات ومعارك مباشرة تجاوزت كثيرًا من الخطوط الحمراء التقليدية، كما لم تعد ساحة الاشتباك محصورة بين إيران وإسرائيل وحدهما، بل اتسعت لتلامس دولًا ومناطق مجاورة، وفي مقدمتها الخليج، بما جعل النزاع أوسع جغرافيًا وأكثر صعوبة من حيث احتواؤه أو ضبط مسارات التهدئة فيه.
أما العامل الثاني فيتعلق بحلفاء إيران ووكلائها في المنطقة، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والفصائل العراقية، فهؤلاء لم يعودوا مجرد أدوات إسناد أو أوراق ضغط جانبية، بل تحولوا إلى أطراف أساسية في معادلة الصراع، وقد بدا ذلك واضحًا في تمسك طهران بأن يراعي أي اتفاق مستقبلي، بما في ذلك الاتفاق النووي، موقع حلفائها ومصالحهم، وهو ما ظهر في اشتراطها وقف الحرب في لبنان لاستمرار التفاوض مع الولايات المتحدة، ثم في تصعيدها الأخير ضد إسرائيل ردًا على استهداف الضاحية الجنوبية، استنادًا إلى منطق “وحدة الساحات” الذي تحول من شعار سياسي إلى ركن أصيل في العقيدة العسكرية والتفاوضية الإيرانية.
من حماية منظومة القيادة إلى استهداف القواعد والمصالح #الأمريكية..
🔴 كيف تدير #طهران الحرب بمنطق الاستنزاف لا المواجهة المباشرة؟ نعرف التفاصيل في التقرير https://t.co/9ECSV9gSFu#الحرب_الإيرانية_الأمريكية
✍️@ahmad_m_tanani— نون بوست (@NoonPost) June 8, 2026
وتأتي الممرات البحرية وأمن الطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب، بوصفها دائرة ثالثة ساهمت في إخراج الأزمة من حدودها النووية الضيقة، فأي تصعيد مع إيران لم يعد يبقى محصورًا في طهران أو تل أبيب، بل سرعان ما يمتد أثره إلى الأسواق العالمية، وحركة الملاحة، وأسعار الطاقة، وحسابات دول الخليج. ومن هنا يصبح التعامل مع الأزمة أكثر حساسية، لأن كلفتها لا تتوقف عند الأطراف المباشرة، بل تطال الاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد وموازين الطاقة.
كما تشكل الجبهة الداخلية لدى أطراف الصراع معضلة إضافية أمام أي اتفاق محتمل، فالمزاج الشعبي في طهران وتل أبيب وواشنطن بات أكثر تشددًا، وكل طرف ينظر إلى الآخر من زاوية الشيطنة والرفض العميق، لا من زاوية الخصومة السياسية القابلة للتسوية، لذلك فإن أي اتفاق لا بد أن يراعي حسابات الداخل، لأن تقديم تنازلات واسعة قد يتحول إلى عبء على النظام أو الحكومة التي توقعه، خاصة إذا بدا الاتفاق وكأنه تراجع أمام خصم يُنظر إليه شعبيًا بوصفه تهديدًا مباشرًا.
بهذا المعنى، لم تعد الأزمة الإيرانية أزمة تخص أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب وحدها، بل صارت أزمة مركبة تمس ميزان القوة في الإقليم، وأمن إسرائيل، ونفوذ إيران، وحسابات الخليج، ومصالح الطاقة، ومزاج الداخل لدى الأطراف المتصارعة، وهذا بالضبط ما يجعل التسوية أصعب من السابق؛ لأن حل الملف النووي لم يعد كافيًا وحده لإغلاق أبواب التصعيد.
إسرائيل في قلب المعادلة
في الجولات السابقة، وخصوصًا خلال مسار اتفاق عام 2015، كانت إسرائيل تُعامل إلى حد كبير باعتبارها طرفًا خارجيًا يراقب المفاوضات من بعيد، وإن كانت تمارس ضغوطًا مؤثرة على المفاوض الأميركي، أما اليوم، فقد تبدلت المعادلة بصورة واضحة؛ إذ لم تعد تل أبيب مجرد مراقب قلق أو طرف ضاغط من خارج الغرفة، بل أصبحت لاعبًا مباشرًا في مسار الأزمة، وصاحبة تأثير فعلي في حدود أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران.
وتنطلق إسرائيل في هذا الانخراط من مجموعة أهداف رئيسية، في مقدمتها تعطيل أي اتفاق لا يلبي مصالحها الأمنية أو لا ينسجم مع سقف طموحاتها تجاه إيران، كما تسعى إلى رفع الكلفة العسكرية والسياسية على طهران، ودفع واشنطن نحو اتفاق أكثر صرامة واستدامة، لا يكتفي بضبط البرنامج النووي مرحليًا، بل يقضي على قدرة إيران مستقبلًا على الاقتراب من العتبة النووية أو توظيف أوراقها الإقليمية في تهديد الأمن الإسرائيلي.
ووفق هذه المقاربة، لا ينظر الكيان الإسرائيلي إلى التفاوض مع إيران من زاوية الملف النووي وحده، ولا حتى من زاوية الصواريخ الباليستية رغم أهميتها، بل تتعامل مع الأزمة بوصفها معادلة قوة شاملة، فالمسألة بالنسبة لتل أبيب تشمل البرنامج النووي، والصواريخ، وشبكة الحلفاء، والنفوذ الإقليمي، والممرات البحرية واللوجستية، وكل ما يمنح إيران قدرة على التأثير والضغط داخل الإقليم.
ومن هنا، فإن الهدف الإسرائيلي الأوسع لا يقتصر على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل يمتد إلى تقليم نفوذها الإقليمي، وتقليص حضورها في ساحات الاشتباك، وتجريدها من مصادر القوة التي تسمح لها بمراكمة الردع أو فرض كلفة على إسرائيل وحلفائها.
في هذا السياق يمكن قراءة التصعيد الإسرائيلي الأخير مع طهران، ولا سيما عبر استهداف ورقة الضاحية، بوصفه محاولة للضغط على مسار التفاوض مع واشنطن، وربما تعطيله أو إرباك توقيته، فقد بدت حكومة نتنياهو وكأنها تراهن على أحد مسارين: إما الاستفراد بالساحة اللبنانية لتحقيق مكاسب تعوض جانبًا من خسائرها السياسية والعسكرية، وإما استفزاز طهران ودفعها إلى رد واسع يعيد إشعال المواجهة، بما يؤدي إلى إبطاء المفاوضات أو إفشالها مؤقتًا.
وهنا تتضح خطورة الدور الإسرائيلي الجديد؛ فتل أبيب لم تعد تكتفي بالتأثير على شروط الاتفاق من الخارج، بل صارت قادرة على استخدام التصعيد العسكري نفسه كأداة تفاوضية، أو كوسيلة لفرض وقائع ميدانية تعيد ترتيب أولويات واشنطن وطهرانـ وهذا ما يجعل أي تسوية محتملة أكثر هشاشة، لأن مصيرها لم يعد مرهونًا فقط بما يدور على طاولة التفاوض، بل أيضًا بما يجري على جبهات الاشتعال المفتوحة.
هل أصبح الاتفاق الشامل أكثر صعوبة من السابق؟
في ضوء ما سبق، بات التوصل إلى اتفاق شامل بين طهران وواشنطن مسألة شديدة الصعوبة، بل إن الاقتراب من عتبة اتفاق 2015 نفسه أصبح أقرب إلى حلم بعيد المنال، فقبل أكثر من عقد، قامت المعادلة التفاوضية على صيغة أبسط نسبيًا، قيود على البرنامج النووي مقابل رفع أو تخفيف العقوبات، أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة المعادلة بالكامل، وارتفع سقف المطالب ليشمل ملفات أكثر تعقيدًا وتشابكًا، من البرنامج النووي إلى الصواريخ الباليستية، ومن شبكة الحلفاء الإقليميين إلى أمن الممرات البحرية، وصولًا إلى ضمانات عدم تكرار الاعتداءات أو الانسحاب من أي تفاهم مستقبلي.
هذه الملفات مجتمعة تتطلب تنازلات ضخمة من طهران وواشنطن على حد سواء، وهو أمر يبدو بالغ الصعوبة في ظل تمسك كل طرف بمقاربته الخاصة، فإيران ترى أن التنازل الواسع عن أوراق قوتها يعني تقليص مكانتها الإقليمية وتجريدها من أدوات الردع، بينما ترى الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، أن أي اتفاق لا يقيّد هذه الأوراق سيكون اتفاقًا ناقصًا ومؤقتًا، وربما يعيد إنتاج الأزمة بعد سنوات قليلة.
وتكمن المعضلة الأساسية في أن كل طرف يريد اتفاقًا على مقاسه ووفق شروطه الخاصة، فطهران تريد اتفاقًا يرفع عنها العقوبات ويحفظ لها الحد الأدنى من القدرة والنفوذ، بينما تريد واشنطن اتفاقًا أكثر صرامة من اتفاق 2015، خصوصًا أن ذلك الاتفاق تحول في الخطاب السياسي لإدارة دونالد ترامب إلى كابوس سياسي وشبح تفاوضي، بعدما وصفته مرارًا بأنه اتفاق سيئ ومهين، ومن ثم، لم يعد ممكنًا بالنسبة لهذه الإدارة العودة إلى صيغة مشابهة أو أقل منها، لأن ذلك سيبدو تراجعًا عن سقف سياسي سبق أن رفعته بنفسها.
في المحصلة، يبدو الشرق الأوسط مقبلًا على مرحلة جديدة من الجلوس فوق بركان دائم من التوتر والقلق، فالمنطقة تتخلى تدريجيًا عن رفاهية الاستقرار وميزة الهدوء النسبي، بينما تظل عالقة بين ثالوث مربك، الحرب، والتسوية، والتصعيد المفتوح. ومع امتلاك كل طرف أدوات قادرة على تعطيل أي اتفاق أو تفجير أي مسار تفاوضي، تبدو المرحلة المقبلة أكثر حساسية وخطورة.
فالمعضلة لم تعد في استمرار الحرب أو نهايتها فقط، بل في بقاء التصعيد الجزئي والمحدود والمسقوف بوصفه حالة دائمة، هذا النوع من التصعيد قد يبدو قابلًا للإدارة في لحظته، لكنه مع الوقت يتراكم سياسيًا وعسكريًا ونفسيًا، حتى يتحول إلى انفجار واسع قد يعيد ترتيب خريطة المنطقة بأكملها.