تشهد مناطق واسعة من قطاع غزة، منذ إعلان الاحتلال الإسرائيلي عن ترسيم ما يعرف بـ”الخط البرتقالي”، ظروفًا إنسانية صعبة تنذر بعودة موجات النزوح والمجاعة فيها، بعد توسيع نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية وتقييد الخدمات الأساسية، التي تقدمها المؤسسات الإنسانية.
وباتت أجزاء واسعة من شرق ووسط القطاع تخضع لقيود تهدف إلى تعقيد حياة السكان، ما فاقم الأزمات متراكمة في الغذاء والمياه والرعاية الصحية.
وبلغت السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة نسبة تجاوزت 64%، مع تعهد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو تمديد الاحتلال العسكري إلى نحو 70%.
وقالت الأمم المتحدة، إن جيش الاحتلال أرسل خرائط جديدة إلى منظمات الإغاثة في 15 مارس/آذار 2026، تتضمن خطوطًا ملونة تحدد نطاقات الحركة والتوزيع الإنساني، دون نشرها بشكل علني. كما أكد المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن هذه الخرائط تضمنت ما يعرف بـ”الخط البرتقالي” بعد الخط الأصفر.
ومع هذا التمدد، بدأت تتضح ملامح أزمة إنسانية في المناطق الواقعة ضمن نطاق الخط البرتقالي، تتمثل في تراجع حاد في وصول المساعدات الغذائية والطبية، وتوقف العديد من البرامج الإغاثية، إضافة إلى تفاقم أزمة المياه.
المجاعة قادمة
ورصد مراسل “نون بوست” الأوضاع في المناطق الواقعة ضمن الخط البرتقالي في مخيم المغازي وقرية المصدر وسط القطاع، وأجرى لقاءات مع عدد من السكان للوقوف على التغيرات التي طرأت على حياتهم منذ إدراج هذه المناطق ضمن نطاق الخط البرتقالي.
وأجمع السكان على أن الأوضاع المعيشية والخدمية شهدت انتكاسة خلال الفترة الأخيرة، بعد توقف العديد من الأنشطة والمشاريع الدولية التي كانت تقدم خدمات أساسية للسكان بشكل يومي.
وشمل ذلك مؤسسات وبرامج مختصة بتوزيع الغذاء والمياه، ونقاطًا طبية تقدم الرعاية الصحية الأولية، إلى جانب مؤسسات تعنى بالشؤون الاجتماعية ومكافحة الفقر، فضلًا عن عدد من المؤسسات التعليمية التي نقلت أنشطتها ومقار عملها إلى المناطق الواقعة غربًا خارج نطاق الخط البرتقالي.
أعمال قاسية بين استنشاق غازات حرق البلاستيك السامة، والتنقيب عن المعادن تحت ركام مفخخ بمخلفات الاحتلال
📍بين الأنقاض والمقابر.. أطفال #غزة يجترحون مهنًا مميتة لإعالة عائلاتهم في ظل حرب الإبادة وتوقف التعليم بالكامل 👇https://t.co/reP9BNEVWR pic.twitter.com/TMCaOVw8aB
— نون بوست (@NoonPost) June 6, 2026
وبدوره، قال أدهم السموح، المسؤول عن عدد من نقاط توزيع الطعام في وسط قطاع غزة، إن آلية ومواقع توزيع الطعام تغيرت عقب إعلان الاحتلال عن الخط البرتقالي والمناطق التي أدرجت ضمنه. وأضاف أن المؤسسة الدولية الموردة للطعام طلبت الالتزام بتوزيع المساعدات خارج المنطقة البرتقالية، ما أدى إلى وقف العمل في ثلاث نقاط لتوزيع الطعام في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، كانت تقع داخل نطاق الخط البرتقالي.
وأوضح في حديثه لـ”نون بوست” أن “آلاف الأشخاص حرموا من الحصول على الطعام في المناطق الشرقية والوسطي، بسبب هذا القرار والتحديث المتعلق بالخط البرتقالي، وما ترتب عليه من حظر لتوزيع الطعام وغيرها من الخدمات داخل تلك المناطق. وأشار إلى أن العاملين في المجال الإغاثي باتوا عرضة للاستهداف من قوات الاحتلال في حال واصلوا تقديم الخدمات داخل هذه المناطق”.
وأكد السموح أن العائلات باتت تضطر إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى نقاط توزيع الطعام القريبة من شارع صلاح الدين، لا سيما في مخيمي المغازي والبريج وقرية المصدر. وأوضح أن ذلك أدى إلى تكدس كبير في هذه النقاط ونفاد كميات الطعام بسرعة، ما يتسبب في عودة العديد من العائلات دون الحصول على أي مساعدات غذائية.
وشدد على أن الأوضاع الاقتصادية المتردية، في ظل تفشي الفقر والبطالة، تجعل كثيرا من العائلات غير قادرة على توفير احتياجاتها اليومية الأساسية، وهو ما يزيد من حجم الاعتماد على المساعدات الإنسانية المحدودة.
وتابع السموح قائلًا: “كما ترى الطوابير هذه متكدسة، تنتظر أي الطعام من الساعة الثامنة صباحًا وتبقى تنتظر حتى الساعة الواحدة أو الثانية مساء، وكثير منهم لا يحصلون على الطعام، هذا المشهد هو ذاته ما حصل في أثناء المجاعة وذروتها، وكأن الأمر يتكرر ولكن بشكل أشد في مناطق شرق صلاح الدين، ولهذا يجب أن يكون هناك تحرك لإعادة الخدمات لمناطق الخط البرتقالي”.
وأكد أن استمرار الوضع على ما هو عليه خلال الشهر المقبل سيضع العديد من العائلات في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، مضيفًا أن بعض النازحين الذين كانوا يقيمون في مناطق الخط البرتقالي اضطروا بالفعل إلى النزوح نحو المناطق الواقعة غرب شارع صلاح الدين، بهدف الاقتراب من التكايا ونقاط توزيع الطعام وتسهيل حصولهم على المساعدات الغذائية.
تعطيش السكان
في موازاة الأزمة الغذائية، تتعمق أزمة المياه والخدمات الصحية في المناطق ذاتها، حيث تواجه العائلات نقصًا حادًا في مياه الشرب والخدمات الطبية الأساسية، في ظل توقف العديد من الشاحنات والمرافق عن العمل داخل نطاق الخط البرتقالي.
أم أحمد الأخرس وعائلتها هي واحد من آلاف العائلات التي باتت تواجه أزمة العطش، قالت لـ”نون بوست” إن الأوضاع تغيرت بشكل كبير بعد ضم مناطقهم في مخيم المغازي إلى نطاق الخط البرتقالي،
ولفتت إلى أن الأزمة الأبرز تتمثل في عدم وصول المياه الصالحة للشرب إلى المنطقة، بعد توقف شاحنات نقل المياه العذبة عن الوصول إلى مناطق شرق ووسط مخيم المغازي.
وأضافت: “قبل نحو شهرين ونصف، كانت شاحنات نقل المياه الصالحة للشرب (ممولة من مؤسسات دولية)، تصل إلى مناطق قريبة من منازلنا، وكنا نحصل بشكل شبه يومي على احتياجاتنا من هذه المياه، وكانت الأوضاع مقبولة إلى حد ما. أما الآن، فإن أبعد نقطة تصل إليها هذه الشاحنات هي منطقة دوار الشنا (غرب المخيم) وهي منطقة بعيدة جدًا عن مكان سكننا شرق مخيم المغازي. وللأسف، لا خيار أمامي سوى الذهاب مع أطفالي لجلب المياه من تلك المنطقة “.
وأكدت السيدة أنهم لا يملكون القدرة على شراء المياه الصالحة للشرب، بعدما ارتفع سعرها إلى ما يقارب عشرة أضعاف مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
وأوضحت أن النقاط الطبية لم تعد تتلقى كميات كافية من الأدوية والمستلزمات الطبية، كما أصبحت تغلق أبوابها بشكل متكرر، فيما توقفت بعض النقاط عن العمل نهائيًا.
كما أشارت إلى أن العديد من الأدوية لم تعد متوافرة عبر الخدمات الطبية المعتادة، ما يضطر السكان إلى شرائها من الصيدليات، فضلًا عن فقدان كثير من الخدمات الأساسية الأخرى، في ظل أوضاع قاسية من الفقر والحرمان.
مخاوف النزوح
وفي موازاة التضييق الشديد في المناطق الواقعة في الخط البرتقالي، تتصاعد المخاوف في مناطق شرق شارع صلاح الدين من صدور أوامر إخلاء جديدة، في ظل ما ينشره ويشيعه عناصر الميليشيات الموالية للاحتلال، عن نية إخلاء تلك المناطق ونقل سكانها إلى الغرب، ما أيقظ مخاوف السكان من موجة نزوح جديدة وتكرار مشاهد التهجير الجماعي التي شهدها القطاع خلال الحرب.
وقال غنام سعيد إن ما تشهده المناطق الشرقية وأجزاء من المناطق الوسطى في مخيمي المغازي والبريج وقرية المصدر وشرق دير البلح يمثل سياسة تهجير واضحة، وتوسعًا في نطاق السيطرة على الأرض، مشيرًا إلى أن الواقع في هذه المناطق بات مختلفًا بشكل ملحوظ عن المناطق الواقعة غرب شارع صلاح الدين.
وأضاف في حديثه لـ”نون بوست”: “هناك تصاعد ملحوظ في وتيرة الاستهداف داخل المنطقة البرتقالية، بعد أن كانت عمليات الاستهداف تتركز سابقًا في محيط الخط الأصفر والمناطق القريبة منه. وقد بات الواقع مختلفًا تمامًا بعد اتساع نطاق هذه المناطق، إذ إن الخطين الأصفر والبرتقالي يشملان الآن أكثر من 70% من مساحات مخيمي المغازي والبريج، ما أدى إلى تغييرات كبيرة في الأوضاع شرق شارع صلاح الدين ودفع مزيد من السكان إلى النزوح من تلك المناطق”.
فلسطينيون في غزة يروون معاناتهم مع النزوح المتكرر وضيق المساحات المتبقية للعيش، محذرين من أن توسع سيطرة الاحتلال يدفع السكان نحو مزيد من التشريد والمعاناة اليومية. pic.twitter.com/QwB0rn4HVL
— نون بوست (@NoonPost) June 3, 2026
ويشير هذا التصريح إلى تغير كبير في نمط الحركة السكانية، حيث بات النزوح الداخلي داخل القطاع أحد أبرز النتائج المباشرة لتوسع نطاق الخطوط العسكرية.
وكشف أن مناطق الخط البرتقالي تشهد انقطاعًا كاملًا لمياه الآبار الزراعية التي كانت تستخدم للزراعة وللاحتياجات اليومية، إلى جانب تراجع حاد في كميات المياه التي توفرها البلدية، إضافة إلى استهدافات متواصلة للمزارعين والقصف المدفعي والهجمات المتكررة.
وأشار إلى أن هذه الظروف جعلت المناطق الواقعة ضمن الخط البرتقالي تفتقر إلى الخدمات الأساسية ومقومات الحياة، معتبرًا أن ما يجري قد يشكل جزءًا من مخطط متكامل يهدف إلى دفع السكان نحو النزوح باتجاه المناطق الغربية.
علما أنه، بناء على التغيرات الجديدة، أصبح الخط البرتقالي يمتد بمحاذاة طريق صلاح الدين، أحد أهم الشرايين الحيوية في قطاع غزة، إلى جانب تحريك الاحتلال المربعات الصفراء مباشرة على الطريق في شمال المنطقة الوسطى، ما يهدد بإغلاقه بشكل كامل.