كلما ضعفت المؤسسات الوسيطة بين الدولة والمجتمع زاد احتمال أن يتحول الشارع إلى ساحة التعبير المباشر عن المصالح والمظالم، فالمطالب التي لا تجد قنوات تمثيل أو وساطة فاعلة غالبًا ما تتجه إلى الفضاء العام لأنه البديل القادر على إيصال الصوت.
في سوريا التي تعيش مرحلة انتقالية منذ عام ونصف، شهدت مناطق متعددة احتجاجات وتحركات مطلبية ذات طابع خدمي ومعيشي، ورغم تباين أسبابها بين الأجور والخدمات والمحروقات وفرص العمل، إلا أنها تلتقي عند قاسم مشترك يتمثل في لجوء فئات اجتماعية مختلفة إلى الشارع كأداة مباشرة للتعبير عن مطالبها.
تتوازى هذه الاحتجاجات مع محاولات النقابات والجمعيات استعادة دورها في الدفاع عن أعضائها، من خلال تشكيل مجالس مؤقتة تدير شؤونها، وإعادة عدد من المفصولين على خلفية انخراطهم في الثورة، إلى جانب إجراءات فصل أخرى، وسط انتقادات تتعلق بآلية التعيين، في ظل تأكيد النقابات الحاجة إلى بيئة قانونية وتنظيمية أكثر استقرارًا، فضلًا عن اقتراب انطلاق البرلمان السوري الذي ينتظر استكمال الثلث الرئاسي.
يرصد هذا التقرير بعض الاحتجاجات ومطالبها دون النظر إليها كظاهرة استثنائية أو سلبية، باعتبار أن الاحتجاج أحد أشكال التعبير والحرية التي نادت بها الثورة السورية، ويناقش علاقة الاحتجاج بغياب قنوات التمثيل، وإسهام هذه القنوات في تحويل التوتر من مواجهة مباشرة في الشارع إلى مسارات تفاوض ومساءلة داخل مؤسسات وسيطة.
يقوم التمثيل على نقل مصالح ومطالب الفئات المختلفة إلى دوائر صنع القرار والدفاع عنها ضمن أطر منظمة، ويأخذ أشكالًا ومستويات متعددة، من البرلمان والحكومة إلى النقابات والمجالس المحلية، ويمتد ليشمل فئات اجتماعية مثل الشباب والنساء والفئات المتضررة أو الأكثر هشاشة، بما يضمن حضورها في النقاشات العامة.
احتجاجات متعددة القطاعات والمناطق
ما تزال أحدث حالات الاحتجاج متواصلة منذ أسبوع في ريف دمشق، إذ ينفّذ عمال شركتي “زنوبيا” للسيراميك و”مدار” للمنظفات إضرابًا عن العمل مطالبين بزيادة الرواتب وتحسين ظروف العمل، وتوفير مستلزمات الأمن الصناعي (الخوذة، القفازات، اللباس الخاص، والحذاء الآمن) إضافة إلى التأمين الصحي، مع تلويح عمال شركات ومعامل أخرى باتباع المسار نفسه.
خلال الإضراب، تدخّلت نقابة العمال عبر ممثل عنها لمعالجة الإشكال، موضحًا وقوف النقابة مع المطالب العمالية، واقتراب التوصل إلى تفاهمات مع إدارة شركة “زنوبيا” تتعلق بالطبابة والمواصلات، مع الإشارة إلى إمكانية زيادة تدريجية في الرواتب.
من جهته، قال ممثل عن مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل إنهم حضروا بعد الإضراب بهدف معالجة الإشكال، والسعي إلى حل ودي يجمع بين العمال وأصحاب العمل ضمن نقاط مشتركة، لكن هذه التحركات لم توقف حالة الإضراب.
أما في منطقة الهول شرقي الحسكة، فتكررت حوادث قطع الأهالي لطريق صهاريج النفط المارّة من العراق إلى سوريا، مطالبين بتحسين الخدمات والأوضاع المعيشية، في مسار احتجاج متصاعد هدأ قليلًا بعد وعود بالتحسين التدريجي.
وشهد أيار/ مايو الماضي، وقفات احتجاجية لعشرات العاملين في مؤسسات تعليمية وصحية في القنيطرة ودرعا وريف دمشق وإدلب والحسكة ودير الزور، للمطالبة بتحسين الأجور وفق معايير أكثر عدالة، ولا سيما للفئات التي لم تشملها زيادة الرواتب الأخيرة بنسبة 50%، مع اعتراضهم على الفوارق الكبيرة في الأجور بين العاملين ضمن المؤسسة الواحدة.
كما نفّذت كوادر تعليمية في مدينتي إدلب وحلب إضرابًا مفتوحًا أواخر عام 2025 استمر حوالي ثلاثة أشهر، وشمل قرابة 20 ألف معلم في 1360 مدرسة، للمطالبة بزيادة الرواتب وتحسين الأوضاع المعيشية. وأعلنت نقابة المعلمين تبنيها الكامل لمطالب المضربين، فيما تعهد محافظ حلب بنقل مطالبهم إلى وزارة التربية ورئاسة الجمهورية.
وعاش قطاع الدواجن اضطرابات واحتجاجات متكررة مرتبطة بقرارات وقف وفتح الاستيراد (الدجاج المجمّد والحي)، واعتراضات على التسعيرة الحكومية، ومطالب بالدعم الحكومي وتطوير البنية التحتية، وشكاوى من ارتفاع تكاليف الطاقة.
وشهدت مناطق عدة تحركات مطلبية متفرقة، بينها إضراب أصحاب محال الفروج في ريف دمشق وإدلب احتجاجًا على الغلاء، وإضراب عمال مطاحن في دير الزور اعتراضًا على فصل موظفين وتخفيض الأجور، وعمال بلدية بزاعة بريف حلب للمطالبة برواتب متأخرة.
من يشارك في صناعة القرار؟
كشفت بعض الحوادث عن غياب وضعف التشاركية في القرار مع المعنيين به أو الفئات المستهدفة منه، أو حتى مع النقابات والجمعيات والمؤسسات التي يفترض أن تمثلهم. ومن الأمثلة أزمة تسعير القمح، التي خلقت موجة غضب بين أوساط الفلاحين ودفعت المئات إلى الاحتجاج، إذ رأوا في تحديد سعر الطن بـ46 ألف ليرة سورية جديدة خسارة لهم.
ولاحقًا، صدر مرسوم يمنح مكافأة إضافية قدرها 9000 ليرة جديدة عن كل طن يتم تسليمه، ما رفع السعر الإجمالي إلى 55 ألف ليرة للطن، إلا أن الجدل الذي أعقب القرار أعاد طرح أسئلة حول مدى إشراك الفلاحين وممثليهم في تحديد التسعيرة والاطلاع على تكاليف الإنتاج الفعلية قبل إقرارها.
يرى الباحث الاقتصادي ملهم الجزماتي أن جوهر المشكلة يكمن في عدم إشراك أصحاب المصلحة والفاعلين في القطاع الزراعي واستشارة اتحادات الفلاحين والمزارعين أنفسهم، معتبرًا أن اعتراض اتحادات الفلاحين في درعا ودير الزور على التسعيرة يعكس عدم التشاركية في صناعة القرار. ويضيف أن توسيع التشاور مع الفئات المعنية لا يقتصر أثره على القطاع الزراعي، إنما يسهم في إنتاج قرارات أكثر قبولًا وفاعلية لمصلحة الحكومة والمجتمع معًا.
المثال الثاني لغياب التشاركية يتجلى في قرار تصدير اللحوم الحمراء المذبوحة (الضأن) من سوريا إلى الأردن، بعد تعاقد عمّان على استيراد 400 طن منها، والتي بدأت بدخول الأسواق الأردنية في آذار/مارس 2026، وفق ما أعلنه وزير الزراعة الأردني صائب خريسات، وهو ما انعكس على ارتفاع أسعارها في السوق السورية.
فوجئت جمعية حماية المستهلك وسلامة الغذاء السورية بالقرار، وقالت إنها علمت بقرارات التصدير والاستيراد للسلع والمنتجات من وسائل الإعلام فقط، دون أي تنسيق مسبق مع الجهات العامة المعنية، سواء اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير أو الهيئة العامة للمنافذ والجمارك أو وزارة الزراعة، رغم ارتباط هذه القرارات المباشر بمصالح المستهلكين والأسواق المحلية.
تمثيل ضعيف ومحدود
يعتقد الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي والإدارة المحلية أيمن الدسوقي أن تصاعد الاحتجاجات المطلبية مؤشر مهم لقياس عدة مسائل متراكبة، كمستوى الثقة بين الحكومة والمجتمع، ومدى فعالية قنوات التواصل بين الطرفين وشرعيتها، إضافة إلى أسلوب الإدارة المتبع لمعالجة الاحتجاجات، ومدى توافر الموارد اللازمة للتدخل ومعالجة جذورها.
ويقول الدسوقي لـ”نون بوست” إن للتمثيل أهمية خاصة خلال المرحلة الانتقالية، لأسباب مرتبطة بإرث احتكار التمثيل من قبل نظام الأسد لخيارات قوى المجتمع السوري عبر هياكل صورية، فضلًا عن ارتباطه بمدى شرعية الحلول المطروحة لمعالجة هذه الاحتجاجات وتمثيلها الفعلي لمطالبها، مشيرًا إلى أن مطالب المحتجين غالبًا ما قوبلت بالتهميش، مقابل طرح حلول تعكس وجهة نظر السلطة وخياراتها.
من جانبه، يؤكد الباحث أحمد أبازيد أن الاحتجاجات المطلبية تشهد تصاعدًا مستمرًا، تغذّيه معدلات التضخم المرتفعة وغلاء السلع والخدمات، في ظل غياب تحسن ملموس في فرص العمل أو الخدمات الأساسية، لا سيما في المناطق الطرفية حيث الشعور بالتهميش والمظلومية وغياب التمثيل.
ويضيف أن هذه الاحتجاجات تعبر عن أزمة ثقة بالوعود الحكومية وغياب أدوات التواصل والتمثيل، ما يدفع المواطنين إلى اللجوء مباشرة إلى الشارع، معتبرًا أن وجود نقابات ومجالس تمثيلية منتخبة، من المستوى المحلي وصولًا إلى البرلمان، يشكل ضرورة لحماية السلطة نفسها من مواجهة الشارع الذي لا يجد وسيلة أخرى لتمثيله.
أما الباحث السياسي أنس شواخ، فيرى أن أول ما يجب أن تقوم به الحكومة للتعامل مع احتجاجات الحسكة هو فتح قنوات تواصل مباشرة مع السكان عبر المسؤولين المحليين وممثلي المنطقة، بمن فيهم أعضاء مجلس الشعب، والاستماع إلى مطالبهم ودراستها ووضع خطة للتعامل معها.
محاولات للتواصل
في سوريا ما بعد الأسد، تواصل النقابات والاتحادات تنظيم عملها في مرحلة انتقالية تقرّ خلالها بأنها ورثت واقعًا “غير عادل” وبيئة لا تزال غير مهيأة لإجراء انتخابات مكتملة الأركان، في ظل إرث طويل من تقييد استقلاليتها ومصادرة قرارها.
وعلى صعيد آخر، برزت لقاءات الرئيس السوري أحمد الشرع مع شرائح ومكونات اجتماعية من مختلف المحافظات، سواء عبر الاستقبال أو الزيارات، بدأت منذ توليه إدارة البلاد عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد، كأحد أشكال التواصل المباشر مع الأهالي، حيث جرت نقاشات حول عدد من الرؤى والمشاريع والتحديات.
ومن التجارب المحلية التي سعت إلى فتح قنوات تواصل مباشرة مع المواطنين، ما أطلقته محافظة حمص حين خصصت، منذ آذار/مارس 2025، يوم الأربعاء من كل أسبوع لاستقبال الأهالي والاستماع إلى مطالبهم في مبنى المحافظة، حيث استمرت هذه اللقاءات بصورة دورية خلال الأشهر التالية، باستثناء بعض الحالات بسبب ارتباطات رسمية طارئة.
وأتاحت الاجتماعات للأهالي طرح قضايا ومشكلات خدمية ومعيشية وإدارية بشكل مباشر أمام المحافظة، قبل أن تتوقف في أيار/ مايو 2026 مع تعيين المحافظ عبد الرحمن الأعمى أمينًا عامًا لشؤون رئاسة الجمهورية، وتولي مرهف النعسان منصب محافظ حمص.
تواصل “نون بوست” مع مديرية الإعلام في حمص للحصول على توضيحات بشأن النتائج الملموسة منذ إطلاق هذه اللقاءات، وإمكانية أن تشكل قناة بديلة أو مكملة لعمل المجالس المحلية والهيئات التمثيلية في نقل ومعالجة مشكلات المواطنين، لكن لم يتلقّ إجابات حتى نشر هذا التقرير.
وتوجد آليات ومنصات لتقديم الشكاوى في معظم الوزارات، ومنها وزارة الصحة التي خصصت يوم الأربعاء في مديريات الصحة كافة لاستقبال المواطنين والاستماع إلى قضاياهم بين الساعة 12:00 و14:00، فيما يلتزم وزير الصحة مصعب العلي باستقبال المواطنين كل يوم ثلاثاء من الساعة 14:00 إلى 16:00 في مبنى الوزارة دون موعد مسبق، للاستماع إلى قضاياهم بشكل مباشر.
صمام أمان للمجتمع والدولة
رغم أن الاحتجاجات تعبّر بشكل مباشر عن حالة غضب أو تململ اجتماعي، إلا أنها قد تمثل في الوقت نفسه فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، من خلال إيصال المطالب عبر قنوات أكثر استقرارًا في الاستجابة لها، بما يحدّ من الطابع التصادمي ويعزز فرص المعالجة المؤسسية
يقول الباحث أيمن الدسوقي لـ”نون بوست” إن التمثيل الحقيقي يشكل صمام أمان للمجتمع والدولة على حد سواء، إذ يتيح التوصل إلى رؤية مشتركة لمعالجة الاحتجاجات بطريقة متوازنة تعكس وجهة نظر المحتجين والحكومة، ويسهم في احتواء الحركات الاحتجاجية.
حتى في حال عدم القدرة على حل المشكلات، فإن التمثيل الحقيقي يعطي لصاحبه شرعية ومصداقية في التعاطي مع الحكومة، ويتيح للأخيرة معرفة مطالب وتطلعات السكان والعمل وفقًا لها بما يعزز من شرعيتها ومصداقيتها وقدرتها على تمثيل مصالحهم، وفق الباحث.
وفي مقال للكاتب والصحفي فراس علاوي، اعتبر أن تحول الشارع إلى مرجع للتعبير عن المطالب يؤدي إلى استنزاف جميع الأطراف، إذ يصبح اللجوء إليه اعتياديًا ويفقد زخمه مع الوقت، خاصة عندما تكون المطالب غير جامعة أو تستهدف فئات محددة.
ودعا علاوي إلى توسيع المجال السياسي عبر قانون أحزاب عصري، وتفعيل قنوات التواصل مع الحكومة من خلال النقابات والمنظمات المنتخبة، وتعزيز الشفافية والإعلام الواضح، بما يحد من الاحتقان ويمنع تحول الشارع إلى وسيلة دائمة لمعالجة القضايا اليومية.