شكلت الحدود السورية التركية طوال سنوات الحرب تحدياً أمنياً معقداً بالنسبة لتركيا، فبينما كانت الحدود الممتدة على أكثر من 911 كيلومتراً شرياناً حيوياً لعبور المساعدات والتجارة وحركة السوريين الناجين من الحرب، تحولت إلى مصدر قلق أمني لأنقرة مع نشاط تنظيم داعش، ثم مع توسع سيطرة قسد على أجزاء واسعة من شمال وشرق سوريا، وما ترتب على ذلك من مخاوف تركية من تنامي نفوذ حزب العمال الكردستاني، الأمر الذي دفع تركيا إلى تنفيذ ثلاث عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية للحد من تنامي هذا النفوذ.
لكن التطورات التي شهدتها سوريا بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقة بين تركيا وسوريا، انعكست مباشرة على النشاط الاقتصادي الذي يسعى الطرفان إلى بنائه في السنوات المقبلة.
اقتصاد يعبر الحدود بعد سنوات الحرب
كانت العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد بدأت مع وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002 ورغبته في الانفتاح على العالم العربي والإسلامي واستعادة الروابط القديمة، إذ شهدت العلاقات الاقتصادية السورية–التركية نمواً متسارعاً، فوقّع البلدان اتفاقية التجارة الحرة في كانون الثاني/يناير 2007، التي أدت إلى خفض وإلغاء الرسوم الجمركية على عدد كبير من السلع المتبادلة بينهما.
ثم في عام 2009 ألغى البلدان تأشيرات الدخول، ما ساهم في زيادة حركة الأفراد والبضائع، خصوصاً بين المحافظات الحدودية مثل حلب وغازي عنتاب. وارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بشكل متسارع ليبلغ نحو 2.3 مليار دولار عام 2010، قبل أن تتوقف فعلياً مع تدهور العلاقات بعد عام 2011.
ومع التغيرات الجوهرية التي شهدتها سوريا، عاد الحديث مجدداً عن مستقبل العلاقة الاقتصادية بين البلدين، ضمن سياق مختلف تماماً هذه المرة. إذ شهدت المدن الحدودية خلال الأشهر القليلة الماضية سلسلة من اللقاءات بين المسؤولين ورجال الأعمال وغرف التجارة والصناعة، ترافقت مع بحث مشاريع في مجالات الاستثمار والصناعة والنقل والخدمات اللوجستية، وسط تصورات جديدة تقوم على الإنتاج المشترك، والشراكات طويلة الأمد، وإعادة ربط الأسواق وسلاسل الإمداد في المنطقة.
وتُوّج هذا الحراك بعقد قمة اقتصاديات المدن “غازي عنتاب–حلب”، التي نظمتها وكالة الأناضول في مدينة غازي عنتاب في 9 حزيران/يونيو 2026، بحضور مسؤولين سوريين وأتراك وممثلين عن القطاع الخاص وغرف التجارة والصناعة، في حدث عكس حجم الرهان الذي يضعه الطرفان على إعادة بناء العلاقة الاقتصادية بين شمال سوريا وجنوب تركيا.
وحملت القمة رسائل تتجاوز الإطار المحلي لكل من حلب وغازي عنتاب، إذ جرى الحديث عن موقع سوريا بوصفها معبراً نحو الخليج والشرق الأوسط، وعن دور تركيا كبوابة للأسواق الأوروبية والعالمية، وعن إمكانية بناء منظومة اقتصادية تستفيد من الموقع الجغرافي والخبرة الصناعية ورأس المال والبنية اللوجستية لدى الطرفين.
كما ترافقت هذه الطروحات مع تأكيدات متكررة على أهمية الاستقرار الاقتصادي في ترسيخ الأمن وعلى ضرورة توفير بيئة قانونية ومؤسساتية قادرة على جذب الاستثمارات وتحويل إعادة إعمار سوريا إلى مشروع اقتصادي طويل الأمد.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على الرسائل والتوجهات التي عكستها قمة اقتصاديات المدن “غازي عنتاب–حلب”، خاصة أنها كانت تستهدف القطاع الخاص في كلا البلدين ولم تكن مجرد إطار للتعاون بين مؤسسات الدولتين.
من توأمة المدن إلى إعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط
إذا كانت اتفاقية التوأمة الموقعة بين حلب وغازي عنتاب قبل عام في أيار/مايو 2025 قد بدت للوهلة الأولى خطوة رمزية لإحياء العلاقات بين مدينتين فرقتهما الحدود، فإن ما ظهر في قمة اقتصاديات المدن بعد عام واحد فقط يكشف أن الأمر يتجاوز حدود التعاون المحلي، إذ عبرت القمة عن تصور جديد يعيد تعريف دور المدن الحدودية ويضعها في قلب مشروع اقتصادي عابر للحدود.
انطلقت القمة من سردية تاريخية تعتبر أن غازي عنتاب وحلب عقدتان رئيسيتان على طريق الحرير، حيث امتزجت التجارة والثقافة عبر قرون، أي أن هذه الشراكة تستند إلى إرث اقتصادي مشترك يمكن إحياؤه وتطويره. ثم جرى الحديث عن عودة طرق التجارة التاريخية إلى الحياة، وعن عالم أصبحت فيه المدن تتنافس وتتكامل كما كانت الدول تفعل في السابق، وعن الرغبة في تقديم حلب وغازي عنتاب كمركزين إقليميين قادرين على إعادة تشكيل حركة التجارة والإنتاج في المنطقة بأكملها.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة إذا ما نظرنا إلى الموقع الذي تشغله كل من المدينتين في الاقتصاد الإقليمي، فحلب تمتلك إرثاً طويلاً بوصفها مركزاً للتجارة والصناعة في المشرق، بينما نجحت غازي عنتاب خلال العقود الأخيرة في بناء قاعدة صناعية متقدمة جعلتها من أبرز مراكز الإنتاج والتصدير في تركيا. واليوم، يسعى الطرفان إلى الجمع بين هذا الإرث التاريخي والخبرة الصناعية الحديثة، ضمن نموذج جديد يقوم على شبكات لوجستية متطورة واستثمارات عابرة للحدود ومناطق إنتاج مشتركة.
ومن هنا جاء حديث السفير التركي في دمشق نوح يلماز عن أن هذا الحدث “يمثل جسراً متيناً يربط ليس فقط بين المدينتين، بل أيضاً بين مستقبل البلدين المشترك”. فالجسر هنا وصف لمشروع يربط بين اقتصادين ومجتمعين وسوقين عمل ويحول الحدود إلى منطقة وصل.
ويزداد هذا المعنى وضوحاً عندما يصف يلماز تركيا بأنها “بوابة سوريا إلى أوروبا والأسواق العالمية” فيما تمثل سوريا “ممراً لوجستياً استراتيجياً لتركيا نحو الشرق الأوسط والخليج” فالقمة، بهذا المعنى، تطرح تصوراً جديداً يقوم على جعل المدن الحدودية نقاط ارتكاز لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة.
كيف تريد تركيا وسوريا بناء محور إنتاج إقليمي؟
يقوم جوهر الرؤية الاقتصادية التي طرحتها القمة على الإنتاج، إذ تجاوزت الحديث عن زيادة الصادرات والواردات أو تسهيل عبور البضائع، إلى إعادة تعريف المنطقة الحدودية باعتبارها فضاءً إنتاجياً واحداً يمتد بين جنوب تركيا وشمال سوريا. واعتبر المشاركون أن إعادة إعمار سوريا تعني إعادة دمج الاقتصاد السوري في شبكات الإنتاج والتجارة الإقليمية.
كما تكرر مفهوم “محور الإنتاج الإقليمي” في كلمات المسؤولين الأتراك والسوريين. فالمطلوب بحسب هذا التصور هو دمج الخبرة الصناعية لغازي عنتاب مع اليد العاملة والخبرة العريقة في حلب، ضمن منظومة واحدة تتوزع فيها مراحل الإنتاج والتجميع والتصدير على جانبي الحدود. وظهرت هذه الرؤية بوضوح في حديث نوح يلماز عندما دعا المستثمرين الأتراك إلى عدم الاكتفاء بالتجارة قصيرة الأجل، قائلاً: “لا تنظروا إلى سوريا كسوق للسلع فقط بل كمنطقة للإنتاج المشترك وتطوير الشراكات فهذا سيكون المكسب الأكبر لكلا البلدين”.
وتكشف هذه العبارة عن تحول مهم في التفكير الاقتصادي التركي تجاه سوريا، إذ كانت العلاقة التقليدية تقوم على بيع المنتجات التركية للسوق السورية، بينما يجري الحديث اليوم عن شراكات طويلة الأمد، وعن توزيع مراحل التصنيع بين المدينتين، وعن بناء اقتصاد مشترك يمكنه المنافسة إقليمياً وعالمياً.
ويعكس الخطاب أيضاً رغبة واضحة في أن تكون الشركات التركية في مقدمة الفاعلين الاقتصاديين خلال مرحلة إعادة الإعمار، وهو ما ظهر في تصريحات رئيسة بلدية غازي عنتاب الكبرى فاطمة شاهين التي شددت على أهمية أن يكون لرجال الأعمال الأتراك والسوريين دور ريادي في المشاريع الاستثمارية التي ستنشأ في حلب وشمال سوريا.
قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال لقائه الجالية السورية في غازي عنتاب، إن تركيا وقفت إلى جانب السوريين في أصعب الظروف، مشيدًا بموقفها الداعم للشعب السوري خلال السنوات الماضية. pic.twitter.com/KsYt7H2x2J
— نون سوريا (@NoonPostSY) June 14, 2026
كما تحدث يلماز عن واحد من أهم الملفات المطروحة حالياً، وهو إنشاء مناطق صناعية منظمة ذات طابع خاص على طول الحدود السورية التركية، إضافة إلى مشاريع للإنتاج والتجميع الصناعي، كما أشار وزير التجارة التركي عمر بولات عن خطوات عملية تدعم هذه الرؤية، من بينها العمل على إنشاء مناطق صناعية مشتركة وتطوير المناطق الصناعية المنظمة وفتح معابر جديدة واستكمال خطوط النقل والسكك الحديدية إضافة إلى تخفيف القيود على التجارة والعبور.
أما وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، فقد أكد أن بلاده لا تريد أن تبقى العلاقة الاقتصادية مع تركيا محصورة في الاستيراد والتصدير، بل تسعى إلى “تحويلها إلى مشروع إنتاج مشترك”، مع وعود بمراجعة القوانين التجارية والاستثمارية لتوفير بيئة أكثر جذباً للشراكات الجديدة.
لم يقتصر النقاش في القمة على العناوين الكبرى للتكامل الاقتصادي، بل انتقل إلى تفاصيل أكثر عملية تتعلق بكيفية بناء شراكة إنتاجية حقيقية بين حلب وغازي عنتاب. ففي جلسة “الفرص والإمكانيات الجديدة” شدد رؤساء غرف الصناعة والتجارة في المدينتين على أن التعاون المطلوب هو علاقة طويلة الأمد تقوم على الإنتاج المشترك وتبادل الخبرات وتوزيع الأدوار بين الصناعة والتمويل والخدمات اللوجستية. وقد بدا واضحاً أن غرف التجارة والصناعة هي رافعة أساسية لإدارة المرحلة خصوصاً في ظل الحديث عن إنشاء منصة صناعية مشتركة، وتعزيز التعاون في مجال الآلات والتجهيزات، وتطوير المصانع القائمة.
وعند النظر للمشهد ككل تبدو هناك اعتبارات إقليمية أوسع، فالأزمات التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية خلال الأشهر الأخيرة والتوترات الجيوسياسية في المنطقة، دفعت الدول إلى البحث عن مراكز إنتاج أقرب وأكثر استقراراً. ومن هنا، يبدو أن أنقرة ترى في شمال سوريا فرصة لبناء سلسلة توريد إقليمية جديدة، تمتد من غازي عنتاب إلى حلب ومنها إلى دمشق والعراق والخليج.
استقرار سوريا يبدأ من المصانع
ربما كان أكثر ما لفت الانتباه في كلمة نوح يلماز خلال القمة أنه تحدث عن الاقتصاد والأمن، وكشف أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلفه عند تعيينه سفيراً في دمشق بملفين أساسيين هما الأمن والاقتصاد.
وقال يلماز في رسالته لرجال الأعمال إن سوريا استطاعت إلى حد كبير تجاوز المرحلة الأمنية الأصعب، وإن الوضع في دمشق اليوم أفضل بكثير مما كان عليه قبل أشهر، وإن الدولة بدأت تستعيد سيطرتها وتوسّع حضورها المؤسساتي. ولكن الأهم أنه اعتبر الاستقرار الاقتصادي أيضاً هو بوابة الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة:
“كل مصنع تفتتحونه، وكل استثمار تقومون به، وكل شحنة بضائع تنقلونها إلى سوريا، لن تزيد فقط من حجم التجارة بين البلدين، بل ستوفر أيضاً الغذاء وفرص العمل والأمل في مستقبل أفضل لشعوب المنطقة”.
كما حملت القمة رسائل مهمة بشأن البيئة القانونية والمالية التي يفترض أن ترافق هذه الشراكة لأن النجاح الاقتصادي لن يتحقق من دون تبسيط الإجراءات الجمركية، وتطوير أنظمة الدفع والتحويلات المصرفية، وتوسيع الضمانات القانونية للمستثمرين، وإيجاد أطر أكثر مرونة لتأسيس الشركات والعمل المشترك.
وفي هذا السياق، ظهرت دعوات واضحة إلى تقليص البيروقراطية وتسريع المعاملات، لأن أي تأخير في هذا المستوى قد يحد من قدرة القطاع الخاص على تحويل الفرص السياسية إلى استثمارات فعلية. وهنا تحديدًا برز دور غرف التجارة والسفارة والملحقيات الاقتصادية كأدوات مرافقة للاستثمار.
ويفترض أن ينعكس هذا التعاون الاقتصادي على بناء بيئة مؤسساتية مستقرة تسمح للاقتصاد السوري بالعودة إلى النمو، وفي الوقت نفسه تمنح الاقتصاد التركي فرصاً جديدة في مجالات التصدير والخدمات اللوجستية والطاقة والبناء.
ومن المنتظر أن تسهم هذه الرؤية الاقتصادية في تعافي المنطقة من آثار 10 سنوات من الحروب واللجوء، لأنها تعني خلق فرص عمل منتظمة ودخلاً مستقراً للعائلات، وتنشيط قطاعات أخرى مثل النقل والخدمات والتجارة. ومع توسع النشاط الاقتصادي، تتراجع دوافع الهجرة والانخراط في النشاطات الإجرامية والجماعات المسلحة والعصابات، وتزداد قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات وتقديم الخدمات. وهكذا تصبح التنمية الاقتصادية عاملاً مهماً في ترسيخ الاستقرار في المنطقة الحدودية التي عانت لسنوات طويلة من غيابه.
قال إبراهيم كالن في وقت سابق إن تركيا لا تسعى إلى استعادة الخلافة العثمانية، بل تتصرف بوصفها امتداداً لتلك الحضارة. وربما يمكن قراءة هذه الكلمات اليوم في ضوء الحماس التركي المتزايد لإعادة وصل ما قطعته الحروب والحدود والصراعات عبر الاقتصاد والبنية التحتية وشبكات التجارة.
وإذا كان العمل على إحياء خطوط النقل والممرات التجارية القديمة يعكس جزءاً من هذه الرؤية، فإن الشراكة بين حلب وغازي عنتاب يمكن أن تعيد تشكيل حركة الإنتاج والتجارة في المنطقة. ومن هنا، فإن الفكرة اليوم تكمن في تحويل الحدود السورية التركية، وبمعنى أوسع الحدود التركية مع العالم العربي والشرق الأوسط، من حاجز فرضته ظروف تاريخية معينة إلى منصة للإنتاج والاستثمار والتكامل الإقليمي.