في التاسع من حزيران/يونيو الجاري، أعلنت الحكومة المصرية بيع محطة رياح جبل الزيت، التي تُعد أكبر محطة لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح في إفريقيا، لصالح شركة “ألكازار” الإماراتية، مقابل 420 مليون دولار، قالت الحكومة إنها ستُوجَّه للمساهمة في خفض الدين الخارجي، الذي بلغ 163.9 مليار دولار بنهاية العام الماضي، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.
ويأتي هذا البيع ضمن برنامج الدولة لتوسيع دور القطاع الخاص وتوفير موارد مالية عاجلة، غير أن اللافت في الصفقة أن المحطة، الواقعة على بعد نحو 280 كيلومترًا جنوب العاصمة الإدارية، بلغت تكلفة إنشائها نحو 567.4 مليون دولار، أي أنها بيعت بأقل من تكلفة إنشائها بنحو 147.4 مليون دولار، بما يقترب من ربع قيمتها الإنشائية.
هذا الفارق الكبير بين تكلفة إنشاء المحطة وقيمة بيعها دفع النائب فريدي البياضي إلى التقدم بطلب إحاطة للحكومة، مطالبًا بالكشف عن معايير التقييم التي استندت إليها الصفقة، وأثرها على الأصول الاستراتيجية المملوكة للدولة. فمحطة جبل الزيت ليست أصلًا عاديًا يمكن التعامل معه كصفقة مالية عابرة، بل تمثل واحدة من أبرز أصول مصر في قطاع الطاقة المتجددة، ورافدًا استراتيجيًا في مجال بات حاضرًا بقوة في مستقبل الاقتصاد العالمي والتحول نحو الطاقة النظيفة.
ولا تبدو محطة جبل الزيت، في هذا السياق، حالة منفصلة عن مسار أوسع يثير تساؤلات متكررة بشأن آليات تقييم أصول الدولة قبل طرحها للبيع أو التخارج منها، خاصة حين يتعلق الأمر بأصول إنتاجية أو استراتيجية جرى إنشاؤها باستثمارات ضخمة، ثم يُعاد بيعها بقيم تقل عن تكلفتها أو عن قيمتها الاقتصادية المستقبلية.
ومن هنا تتجاوز القضية حدود الصفقة ذاتها، لتفتح بابًا أوسع حول مسؤولية الجهات القائمة على التقييم، ودور الأجهزة الرقابية في مراجعة مثل هذه الصفقات، ومدى كفاية معايير الشفافية والمنافسة قبل التفريط في أصول عامة تمثل جزءًا من القوة الاقتصادية للدولة. ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام إدارة رشيدة للأصول بهدف تخفيف أعباء الدين، أم أمام بيع اضطراري يبدد أصولًا استراتيجية بثمن أقل مما تستحق؟
من الإنشاء للبيع.. تاريخ المحطة
تعود البدايات الأولى لإنشاء محطة رياح جبل الزيت إلى أوائل الألفية الحالية، قبل أن يجري افتتاحها رسميًا عام 2018، وتقع المحطة عند الكيلو 181 بمنطقة جبل الزيت، جنوب مدينة رأس غارب في محافظة البحر الأحمر، على مساحة تقارب 100 كيلومتر مربع، وتضم نحو 290 توربينة، بإجمالي قدرة إنتاجية تصل إلى 580 ميجاوات، وتتوزع هذه القدرة على ثلاث مراحل: جبل الزيت “1” بقدرة 240 ميجاوات، وجبل الزيت “2” بقدرة 220 ميجاوات، وجبل الزيت “3” بقدرة 120 ميجاوات، وفق البيانات المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة الكهرباء.
وقد تولت شركة “جاميسا” الإسبانية تنفيذ المحطة في مراحلها الأولى، قبل أن تنضم إليها لاحقًا مجموعة “سيمنز” الألمانية، فيما اعتمد تمويل المشروع على حزمة من القروض والمنح الخارجية، فقد حصلت الحكومة المصرية عام 2010 على قرض من الوكالة اليابانية للتعاون الدولي “جايكا” بقيمة 38 مليار ين ياباني، إلى جانب قرض من بنك الاستثمار الأوروبي بقيمة 50 مليون يورو، وقرض آخر من البنك الألماني للتعمير بقيمة 5.2 مليون يورو، فضلًا عن منحة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 30 مليون يورو، وتمويل إسباني لمصر بقيمة 120 مليون يورو.
وفي عام 2024، بدأت الحكومة المصرية دراسة طرح المحطة للبيع، في سياق أوسع يرتبط ببرنامج التخارج الحكومي من بعض الأنشطة الاقتصادية، وتوسيع دور القطاع الخاص، ضمن تفاهمات الدولة مع صندوق النقد الدولي، وبالفعل جرى طرح المحطة بصورة تنافسية أمام المستثمرين، عبر منح حق انتفاع بأرض المشروع والمحطة لمدة 25 عامًا، على أن تعود الأرض إلى الدولة بعد انتهاء مدة الانتفاع.
وبحسب ما جرى تداوله، تقدمت نحو 38 شركة للحصول على المحطة، بينها شركات خليجية وأوروبية، غير أن العروض المقدمة لم ترقَ إلى المستوى الذي كانت تستهدفه الحكومة، خاصة بعد الهزة التي تعرض لها الجنيه المصري أمام الدولار في آذار/مارس 2024، وما تبعها من تغيرات في حسابات التسعير والتقييم.
وبعد دراسة العروض، جرى تضييق المنافسة إلى خمس شركات رئيسية، شملت شركة “ألكازار” الإماراتية، و”أكوا باور” السعودية، و”أكتيس” البريطانية، إلى جانب شركة ماليزية وأخرى أوروبية، حيث خضعت هذه الشركات في تشرين الأول/أكتوبر الماضي لدراسات فنية ومالية وإدارية لتقييم قدرتها على إدارة الأصل وتشغيله.
ومع بداية العام الحالي، تقدمت شركة “ألكازار” الإماراتية بعرض أولي لشراء المحطة بقيمة 350 مليون دولار، غير أن هذا العرض لم يحظَ بقبول الحكومة المصرية، ما دفع الشركة إلى رفع قيمته إلى 420 مليون دولار، عقب مفاوضات قادها صندوق مصر السيادي.
وانتهى المسار بحصول الشركة الإماراتية على محطة جبل الزيت، أكبر محطة رياح في إفريقيا، بهذه القيمة، في وقت تقدر فيه المديونية القائمة على المحطة بنحو 300 مليون دولار، أي بما يتجاوز 70% تقريبًا من قيمة الصفقة المعلنة، وهي المفارقة التي فتحت بابًا واسعًا للجدل حول جدوى البيع، ومعايير التقييم، وما إذا كانت الدولة قد حصلت على مقابل عادل لأصل استراتيجي ممول بقروض ومنح خارجية، وله قيمة إنتاجية ومستقبلية في قطاع الطاقة المتجددة.
الكازار الإماراتية.. علامة استفهام
لم يقتصر الجدل المثار حول صفقة محطة رياح جبل الزيت على الفارق بين قيمة البيع وكلفة الإنشاء، بل امتد أيضًا إلى هوية الشركة التي آلت إليها ملكية هذا الأصل الاستراتيجي، وهي شركة “ألكازار” الإماراتية، التي تحيط بخلفيتها وهيكلها وعدد من ارتباطاتها تساؤلات لا تزال بحاجة إلى إجابات واضحة من الجهات المعنية.
وتجدر الإشارة، بداية، إلى أن حضور “ألكازار” في السوق المصرية لا يبدأ بمحطة جبل الزيت وحدها، إذ سبق للشركة أن شاركت في مشروع محطة بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، كما ارتبط اسمها بمشروع الزعفرانة لإنتاج طاقة الرياح بقدرة 500 ميجاوات، والذي وُقعت بشأنه مذكرة تفاهم مع الحكومة المصرية عام 2024. ومن ثم، فإن الصفقة الأخيرة لا تبدو مجرد دخول عابر إلى قطاع الطاقة المصري، بل تأتي ضمن مسار متدرج يعزز حضور الشركة في واحد من أكثر القطاعات حيوية واستراتيجية.
وتزداد التساؤلات عند النظر إلى البنية القانونية والملكية المرتبطة بالشركة، فوفقًا لما ورد في قاعدة بيانات منظمة OCCRP، تأسست شركة باسم “ألكازار للطاقة المتجددة المحدودة” في جزر العذراء البريطانية عام 2014، وظهر ضمن ملكيتها اسما مارون سمعان وزوجته تانيا عيسى، وكلاهما من الجنسية اللبنانية، ورغم أن تسجيل الشركات في هذه الجزر لا يمثل، في حد ذاته، دليلاً على مخالفة قانونية، فإنه يثير بطبيعته أسئلة مشروعة حول الشفافية، والإفصاح، والملكية النهائية، خاصة حين يتعلق الأمر بأصول عامة ذات طابع استراتيجي.
من حقل "ظهر" لـ "جبل الزيت".. كيف أحكمت الشركات الإماراتية قبضتها على كامل سلسلة إمدادات الطاقة في مصر؟
اقرأ المقال بالكامل من هنا:https://t.co/rFE06GgPaL pic.twitter.com/Wzy0QaQdkX
— نون بوست (@NoonPost) June 15, 2026
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية بالنظر إلى السمعة المرتبطة بجزر العذراء البريطانية كإحدى الوجهات الشائعة لتأسيس شركات الأوفشور، التي تُستخدم في كثير من الحالات لأغراض التخطيط الضريبي، أو إخفاء الملكية الحقيقية، أو إدارة الاستثمارات عبر هياكل قانونية منخفضة الإفصاح، ومن هنا تبرز تساؤلات جوهرية: هل خضعت الشركة وهيكل ملكيتها لفحص كامل قبل ترسية الصفقة؟ وهل اطلعت الجهات المصرية على المستفيدين النهائيين من الشركة؟ وما المعايير التي رجحت كفة “ألكازار” في الحصول على أكثر من مشروع كبير في قطاع الطاقة، رغم تعدد العروض والشركات المتنافسة؟
جانب أخر من المعضلة يتعلق بالمحطة ذاتها، والتي لا يمكن التعاطي معها كمشروع تجاري عادي، إنما هي أصل لوجستي ممول من الخارج بقروض ترهق أعباء الدولة المصرية، وبقطاع حساس يرتبط بمستقبل الطاقة في مصر، وعليه فإن الحد الأدنى المطلوب في مثل هذه الصفقات هو الإفصاح الكامل عن آليات التقييم، ومعايير الاختيار، وفحص الملاءة المالية، وهيكل الملكية، وضمانات التشغيل، حتى لا تتحول الخصخصة من أداة لجذب الاستثمار إلى باب جديد للتفريط في أصول استراتيجية دون رقابة كافية.
ليست الحالة الوحيدة
لم تكن “محطة رياح جبل الزيت” الحالة الوحيدة التي أثارت جدلًا واسعًا حول بيع أصول عامة بأقل من قيمتها، أو عبر تقييمات شابتها تساؤلات بشأن العدالة والشفافية، فمنذ اتساع مسار الخصخصة في مصر، برزت نماذج عديدة كشفت عن نمط متكرر، تبدو فيه الدولة وكأنها تفقد أصولًا ذات قيمة اقتصادية واستراتيجية كبيرة، نتيجة تقييمات محل نزاع، تارة تُنسب إلى سوء التقدير، وتارة أخرى تفتح باب الشكوك حول تضارب المصالح أو شبهة الفساد.
ومن أبرز هذه النماذج شركة “عمر أفندي”، التي بيعت عام 2006 لشركة “أنوال” السعودية مقابل 504 ملايين جنيه، في حين قُدرت قيمتها رسميًا بنحو 1.3 مليار جنيه، أي بما يقترب من ثلاثة أضعاف قيمة البيع، وقد مثّلت هذه الفجوة الكبيرة بين سعر الصفقة والتقييم الرسمي أحد الأسباب الرئيسية التي فجّرت الجدل حولها، قبل أن تصدر محكمة القضاء الإداري حكمًا ببطلان عقد البيع، باعتبارها واحدة من أكثر قضايا الخصخصة إثارة في الذاكرة الاقتصادية المصرية الحديثة.
وتكرر الجدل ذاته في حالة شركة “طنطا للكتان والزيوت”، حيث صدر حكم ببطلان عقد بيع أسهم الشركة، وسط اتهامات بتقييم غير عادل لأصولها وأراضيها وقدرتها الإنتاجية، وبيعها بسعر اعتبره معارضو الصفقة أقل من قيمتها الحقيقية، كما امتدت الإشكالية إلى شركات أخرى، من بينها “النصر للمراجل البخارية”، و”مصر شبين الكوم للغزل والنسيج”، و”النيل لحليج الأقطان”، وهي حالات رسخت الانطباع بأن الأزمة لا تتعلق بصفقة منفردة، بل بمنهج كامل في إدارة وبيع أصول الدولة.
ويتمثل الخيط المشترك بين هذه النماذج في أن عمليات البيع جرت، وفقًا لانتقادات واسعة وأحكام قضائية في بعض الحالات، بأسعار لا تعكس القيمة الحقيقية للأصول، مع تجاهل عناصر جوهرية في التقييم، مثل القيمة السوقية للأراضي، والأصول العقارية، والقدرة الإنتاجية، والعائد المستقبلي، والاكتفاء أحيانًا بالقيمة الدفترية بدلًا من القيمة السوقية العادلة، كما أن تركّز بعض الصفقات في أيدي مستثمرين أو كيانات بعينها زاد من الشكوك، وفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير المنافسة، ودور الأجهزة الرقابية، ومدى حماية المال العام من التفريط أو سوء الإدارة.
الأزمة الاقتصادية.. حين تُباع الأصول بسعر بخس
لا يمكن قراءة الخلل المتكرر في تسعير بعض أصول الدولة وبيعها بأقل من قيمتها السوقية أو الاستراتيجية بمعزل عن الأزمة الاقتصادية العميقة التي تمر بها مصر، والتي دفعتها إلى تسريع وتيرة التخارج من أصول ذات قيمة إنتاجية ولوجستية، بحثًا عن موارد دولارية عاجلة تساعدها على الوفاء بالتزاماتها الخارجية وسداد أعباء الدين المتزايدة عامًا بعد آخر.
ففي ظل ضغوط مالية خانقة، وغياب رؤية اقتصادية قادرة على تعظيم الإيرادات المستدامة بدلًا من اللجوء إلى بيع الأصول، وأعباء استدانة تفوق قدرة الدولة، بدت الحكومة وكأنها تتحرك تحت ضغط الحاجة لا وفق حسابات استثمارية طويلة المدى، ومن هنا تبرز خطورة البيع في لحظة الاضطرار، إذ تصبح الدولة أقل قدرة على التفاوض، وأكثر استعدادًا لقبول عروض لا تعكس بالضرورة القيمة الحقيقية للأصول، بما يهدر فرصًا كان يمكن أن تمنح الخزانة العامة عوائد أكبر لو جرى الطرح في ظروف أفضل وبمعايير أكثر شفافية وتنافسية.
غير أن الأزمة لا تتوقف عند حدود التسعير وحده، بل تمتد إلى قدرة أطراف خارجية على توظيف هشاشة الاقتصاد المصري واحتياجه الماس للعملة الصعبة، لاقتناص أصول استراتيجية بأسعار تثير الجدل، وفي هذا السياق، يثير التوسع الإماراتي اللافت في قطاعات لوجستية وحيوية داخل مصر، من الطاقة إلى الزراعة والغذاء والدواء، تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأفضلية الممنوحة لأبوظبي، وما إذا كانت بعض الصفقات تعكس أعلى قيمة ممكنة للدولة المصرية، أم أنها تأتي في إطار تفاهمات سياسية ومالية أوسع، تسمح بتمرير أصول مهمة بعوائد أقل مما تستحق.
في الأخير، تعكس صفقة محطة رياح جبل الزيت حالة قلق متصاعدة بشأن مستقبل أصول الدولة المصرية، في ظل اتجاه متكرر للتخارج من أصول إنتاجية واستراتيجية، واحدة تلو الأخرى، وبقيم تثير تساؤلات حول مدى اقترابها من السعر السوقي العادل أو من قيمتها الاقتصادية المستقبلية، فخطورة المسألة لا تتعلق بصفقة منفردة، ولا بمجرد فارق بين تكلفة الإنشاء وسعر البيع، بل بما تكشفه من منهج أوسع قد يؤدي، مع الوقت، إلى تجريد البلاد من جانب مهم من ثرواتها القومية، وإهدار فرص مالية كان يمكن أن تضخ مئات المليارات في الخزانة العامة، لو جرى تقييم هذه الأصول وفق معايير شفافة وواقعية، تراعي قيمتها الإنتاجية، وموقعها الاستراتيجي، وعائدها المستقبلي، لا فقط حاجة الدولة العاجلة إلى السيولة.
في ضوء ما سبق يبقى السؤال الذي تحول إلى كابوس يؤرق مضاجع المصريين دون إجابة واضحة حتى اليوم: من الجهة التي تتولى تقييم أصول الدولة؟ وعلى أي أسس تُبنى هذه التقييمات؟ وهل تخضع الصفقات لمراجعة مستقلة قبل إتمامها؟ وأين دور الأجهزة الرقابية وأدوات المتابعة البرلمانية والمؤسسية؟ والأهم من ذلك: من يضمن ألا تتحول أزمة الدين والعملة الصعبة إلى مبرر دائم لبيع أصول المصريين بأقل مما تستحق؟