بعد نجاتهم من طاحونة الحرب طيلة سنوات الثورة، تضرب موجة موت مفاجئ ضباطًا سوريين، بمن فيهم ضباط منشقون. فخلال الأشهر القليلة الماضية، أعلنت وفاة قادة بارزين في الجيش السوري خلال فترة زمنية متقاربة، لأسباب صحية مثل “النوبات القلبية” و”الاحتشاء المفاجئ”.
هذا التتابع الزمني والتشابه في أسباب الوفاة، فتح باب الشكوك واسعًا حول احتمالية تعرضهم لعمليات تصفية هادئة تستهدف إفراغ المؤسسة العسكرية من كفاءاتها، ورغم الجدل، التزمت الجهات الرسمية الصمت ولم تجد -كما سنرى- داعيًا لإصدار توضيح، ما يعمق الارتياب لدى المشككين، ومن يعتبرها نتيجة طبيعية لتقدم السن وتراكمات القهر.
ولعلّ ما زاد من حميّة الجدل، أن بعض الضباط المتوفين كانوا ضباطًا منشقين عن نظام الأسد، بعضهم عاد إلى المؤسسة العسكرية في ظل مساعي وزارة الدفاع لاستقبالهم في هيكليتها الجديدة، بعد انتقادات وجهت في وقت مبكر للوزارة تتعلق بتهميش الضباط وعدم الاستفادة من خبراتهم.
وفيات متتابعة.. أطراف مشككة
ورصدت نون بوست أسماء عدد من الضباط البارزين الذين توفوا مؤخرًا، وتسببت وفاتهم مجتمعين في جدل على شبكات التواصل الاجتماعي بسبب تشابه أسباب الوفاة وتتابعها الزمني.
- العميد حسين عبد الله العبيد: قائد الفرقة 54 في الجيش السوري ومشارك في معركة “ردع العدوان”، توفي يوم 3 مارس/آذار إثر احتشاء في عضلة القلب، ونعته وزارة الدفاع رسميًا.
- العميد عبد المجيد دبيس: من أوائل الضباط المنشقين ومعاون رئيس هيئة التدريب لشؤون المنشآت التعليمية، توفي يوم 22 مارس/آذار (شُيع في ريف حماة الغربي)، نعته وزارة الدفاع كذلك.
- العميد الركن زهير حميدي: ضابط منشق، توفي يوم 22 مارس/آذار إثر نوبة قلبية مفاجئة.
- العميد علي الراضي: عضو في “الهيئة الوطنية السورية”، توفي يوم 4 مارس/آذار نتيجة عارض قلبي مفاجئ.
- القيادي نادر مطلق (أبو حاتم العيس): قيادي في الفرقة 52 ضمن وزارة الدفاع، توفي يوم 7 مارس/آذار إثر نوبة قلبية (دُفن في كفرزيتا).
- العقيد عبد الرحمن حاج بكور: ضابط منشق عن وزارة الداخلية، توفي يوم 14 أبريل/نيسان إثر نوبة قلبية في بلدة الأتارب.
- القيادي مالك الجرادي: قيادي في الفرقة 62 ضمن وزارة الدفاع وقيادي سابق في “جيش النصر”، توفي يوم 15 أبريل/نيسان إثر نوبة قلبية مفاجئة.
- القيادي محمد الشون: قيادي في وزارة الدفاع وقيادي سابق في “الجيش الحر”، توفي يوم 17 أبريل/نيسان إثر نوبة قلبية مفاجئة في مدينة الأتارب.
- العميد أيمن ياسين شرارة: ضابط منشق ورئيس فرع التدريب والتحقيق بهيئة الإمداد العسكري وناطق سابق باسم “الجيش الوطني السوري”، توفي يوم 5 يونيو/حزيران.
- العميد جلال غازي رشيد: ضابط منشق ونائب المدير لشؤون الحواجز والمعابر في المجلس العسكري الاستشاري، توفي يوم 26 يوليو/تموز 2025 (دُفن في قلعة المضيق).
- العميد الركن المهندس محمد أنور سعد الدين: ضابط منشق، توفي يوم 23 سبتمبر/أيلول 2025.
وزارة الدفاع.. لا حاجة لتوضيح
رغم حالة الجدل التي خلقها تتابع وفيات الضباط والمسؤولين العسكريين، لم تصدر وزارة الدفاع أو الداخلية أو الصحة أي بيانات تحدد بدقة طبيعة هذه الوفيات، والحالة الصحية للضباط المتوفين، كل على حدة، للتمييز بين الوفيات الطبيعية والوفيات الناجمة عن عوارض صحية مفاجئة.
من جانبه، قدّم موقع “نون بوست” مجموعة تساؤلات لمكتب العلاقات الصحفية في وزارة الدفاع للتعليق على المسألة، لكن المكتب قال إنه لا يعتقد أن أمورًا كهذه تحتاج إلى توضيح رسمي، ولم يقدم أي توضيحات أو تعليق إضافي حول الموضوع، أو رد على الأسئلة، كما اعتذر مجموعة من الضباط المنشقين، وبعضهم عاد للعمل في الوزارة، عن التعليق أيضًا، لكونهم غير مخولين بالتصريح لوسائل الإعلام.
وفيات طبيعية
الرائد المنشق عن نظام الأسد، طارق حاج بكري اعتبر في حديث مع “نون بوست”، أن الحديث عن تورط أي جهات في وفيات الضباط طرح غير واقعي، لافتًا إلى أنه تعرضه هو نفسه لنوبة قلبية، وخضع لعملية قلب مفتوح، بعد سقوط النظام، مؤكدًا أنها كانت حالة صحية طبيعية.
وبيّن حاج بكري أن ما عاناه الضباط المنشقون قبل التحرير، إلى جانب ما وصفه بالتهميش بعد التحرير، عوامل من شأنها إلحاق ضرر نفسي، لكنها بنفس الوقت ليست سببًا مباشرًا للوفيات، حيث كانت تحصل قبل التحرير وفيات بين الضباط لا تخرج عن النسبة العادية، مستبعدًا واقعية أي طرح يتحدث عن تورط أي طرف.
كما لفت حاج بكري إلى أن معظم الوفيات بين كوادر الضباط هي لأشخاص متقدمين في السن على اعتبار أن أصغر ضابط بين المنشقين يفترض أن يحمل اليوم رتبة عقيد، مشددًا في الوقت نفسه على أن وزارة الدفاع تعمل على إعادة الضباط المنشقين للعمل، للاستفادة منهم كخبراء على الأقل، وخصوصًا من كانوا عاملين على الأرض رغم أن الكثيرين منهم أصبحوا في سن التقاعد، وبعضهم لا يرغب بالعمل، إذ أشار حاج بكري لرغبته في التقاعد وعدم العودة للعمل
من جانبه، أوضح العميد عبد الهادي ساري، وهو ضابط طيار منشق منذ عام 2012، أن ما يشاع حول تورط أطراف بوفيات الضباط مسألة غير واقعية، مشيرًا إلى شهادته على وفاة بعض الضباط ومشاركته في تشييعهم مع مواكبة أيامهم الأخيرة، مثل العميد زهير حميدي الذي توفي في بيته وكان يعاني من المرض منذ إقامته في الأردن قبل عودته إلى سوريا.
العميد عبد الهادي ساري بيّن لـ”نون بوست” أن معظم هذه الوفيات تطال ضباطًا كبارًا في السن أصلًا، ومنهم عبد المجيد دبيس وأيمن شرارة، حيث تخطى كل منهما سن الخامسة والستين عند الوفاة، مستبعدًا وجود أي حوادث أمنية أو أي اختراق للمؤسسة العسكرية خلف هذه الوفيات، لافتًا إلى وجود أطراف تتربص بالمؤسسة العسكرية والقوات المسلحة لأن قوة الدولة من قوة جيشها، وكل ما يشاع حول هذه القضية لا يرقى لمستوى المعلومة.
وبحسب ساري، تعمل الوزارة الجديدة بشكل متواصل على الاستفادة من خبرات الضباط المنشقين وضمهم إلى صفوفها في سبيل النهوض بالقدرات العسكرية السورية وتشكيل جيش قوي يشكل الضباط المنشقون نواته وقاعدته الصلبة، وهي مسألة تضعها الوزارة في صدارة اهتماماتها، وفق رأيه.
أما الخبير الأمني والاستراتيجي العميد منير الحريري، فقد قال لـ”نون بوست” إنه يمكن قراءة وفيات الضباط من زاويتين، تتمثل الأولى بوجود ضباط كبار في السن مرشحين للإصابة بجلطات، أما الثانية فتتعلق بوفيات بظروف غامضة ربما تتم بهدف طمس جريمة بأخرى، أو طي وثائق معينة تتعلق بانتهاكات، أو لأعمال انتقامية حاضرة في المشهد السوري، يمكن أن ينفذها أو يستفيد منها أكثر من طرف، كالخلايا النائمة من فلول النظام أو تنظيم الدولة أو مجهولين.
واستبعد الحريري وجود دور إسرائيلي خلف هذه الوفيات، مبينًا أن الدور الإسرائيلي غير مؤثر حاليًا على الساحة السورية رغم الدعم الإسرائيلي لميليشيا “الحرس الوطني” في السويداء.
كما بيّن أن سوريا حاليًا بصدد تشكيل جيش قوي يستند لخبرات تراكمية هائلة، والوزارة بحاجة لكل الخبرات، خصوصًا مع وجود آلاف الضباط المنشقين، ممن لا بد من استيعابهم ووضعهم في دائرة صنع القرار، خصوصًا مع بناء الجيش على عقيدة جديدة والحاجة لتدريب وتأهيل طويل للقوى العسكرية.
وفي 10 من حزيران، وفي كلمته خلال زيارة تفقدية للكلية الحربية في حمص، أكد وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، العمل على بناء جيش سيكون من أقوى جيوش المنطقة.
تحركات تجاه الضباط المنشقين
يحظى ملف الضباط المنشقين بأهمية كبرى على المستويات العسكرية والسياسية والمؤسسية فيما يتعلق ببناء الجيش السوري الناشئ، على اعتبار أن الكثير من هؤلاء الضباط ذوو خبرات قيادية وميدانية تراكمت على مدار سنوات طويلة، سواء قبل الانشقاق، أو بعده حين تبلورت خبرات ميدانية على الأرض.
كما يمكن للضباط المنشقين لعب دور في سد النقص ضمن الكوادر المتخصصة، مثل مجالات الطيران والدفاع الجوي والهندسة العسكرية واللوجستيات، مع إدراكهم الأكاديمي لبنية الجيش وآليات عمله وثقافته التنظيمية، ما يجعلهم الأجدر في تولي مهام بناء مؤسسة عسكرية محترفة ومستقرة ومتماسكة، بالإضافة إلى تدريب الضباط ووضع ضوابط قيادة وإدارة فاعلة.
وبعد سنوات طويلة من العمل العسكري ضد النظام المخلوع تحت رايات مختلفة، يشكل دمج الضباط المنشقين امتدادًا لعملية حل الفصائل والقوى العسكرية كاملة لتذويبها في وزارة الدفاع بغية توحيد العمل العسكري وتوحيد قراره، دون إغفال الصورة الرمزية التي شكلوها كمثال على البطولة والتضحية، وتحديدًا الضباط الأوائل، مثل العميد رياض الأسعد، الذي أسس “الجيش الحر” في 29 يوليو/تموز 2011.
وفي 11 يوليو/تموز 2025، أعلنت شعبة التنظيم والإدارة عن بدء استقبال طلبات عودة صف الضباط المتطوعين المنشقين إلى صفوف الوزارة، في خطوة تمثل إيمانًا بمكانة الضباط المنشقين خلال سنوات الثورة، وبدورهم الأصيل ضمن المؤسسة العسكرية، وحرصًا على إعادتهم إلى مكانهم الطبيعي، وفق ما ذكره حينها، وزير الدفاع مرهف أبو قصرة.
كما أكد البدء بإعادة الضباط المنشقين ودمجهم في تشكيلات الجيش ليكونوا ركيزة أساسية في الجيش الجديد ومساهمين فاعلين في عملية البناء، بحسب تعبيره
إيمانًا منّا بمكانة صفّ الضباط المنشقين خلال سنوات الثورة، وبدورهم الأصيل ضمن المؤسسة العسكرية، وحرصًا على إعادتهم إلى مكانهم الطبيعي، بدأنا في وزارة الدفاع بإعادة المتطوعين المنشقين منهم، ودمجهم في تشكيلات الجيش العربي السوري، ليكونوا ركيزةً أساسية في الجيش الجديد ومساهمين فاعلين في عملية البناء.
وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة – 11 يوليو/تموز 2025
وكان وزير الدفاع السوري أعلن في 17 ديسمبر/كانون الأول 2025، استقطاب ثلاثة آلاف ضابط من المنشقين عن النظام المخلوع وعودتهم للعمل ضمن مرتبات وزارة الدفاع.
وفي 4 من يناير/كانون الثاني الماضي، أكدت إدارة شؤون الضباط في الوزارة استمرارها في استقبال طلبات الضباط المنشقين عن جيش النظام المخلوع، والراغبين بالعودة إلى صفوف وزارة الدفاع، مشيرة لإمكانية استقبال الطلبات في مبنى الإدارة في العاصمة، يوم الثلاثاء من كل أسبوع، في خطوة قد يسهم نجاحها في بناء الثقة بين المكونات العسكرية وضمان انضباط مهني والاستفادة من تجارب مختلفة في سلسلة قيادة واحدة.
وأعلنت وزارة الدفاع هيئة استشارية في 29 من مارس/آذار الماضي، لتعزيز التخطيط الاستراتيجي ودعم عملية إعادة بناء الجيش، ضمت في أعضائها مجموعة من الضباط المنشقين ذوي الرتب العسكرية الرفيعة، وهم العميد رياض الأسعد، والعميد فضل الله الحجي، واللواء سليم إدريس، واللواء محمد نور خلوف، واللواء محمد الحاج علي، واللواء عبد العزيز الشلال، والعميد عبد الرحمن الشيخ، على أن تضم في صفوفها لاحقا ضباطًا آخرين، وفق ما ذكرته وزارة الدفاع.