رست الفرقاطة التركية “قنالي أدا” في ميناء بنغازي، يوم أغسطس/آب 2025، فبدت الصورة القادمة من شرق ليبيا أقرب إلى إعلان سياسي مكثف منها إلى زيارة بحرية عابرة؛ سفينة من البحرية التركية، ووفد عسكري، واستقبال يتقدمه صدام حفتر، نجل خليفة حفتر وأحد أبرز وجوه الصعود داخل معسكر الشرق، في مدينة ارتبط اسمها لسنوات بمعسكر واجه أنقرة مباشرة على أبواب طرابلس.
بعد ساعات، اكتمل معنى المشهد بلقاء رئيس جهاز الاستخبارات التركية إبراهيم قالن مع خليفة حفتر في بنغازي، في أول اتصال بهذا المستوى بين أنقرة وقيادة الشرق الليبي منذ سنوات طويلة. كانت تركيا، قبل 5 أعوام فقط، قد تدخلت عسكريا إلى جانب حكومة الوفاق الوطني، وساهمت طائراتها المسيرة وخبراتها العسكرية ودعمها البحري في وقف هجوم قوات حفتر على طرابلس. أما بنغازي، التي كانت يومها في قلب المعسكر المناهض لأنقرة، فقد تحولت في 2025 إلى محطة اتصال سياسي وأمني وعسكري واقتصادي متدرج.
تكثف هذه الصورة ملامح التحول التركي الجديد في ليبيا. فأنقرة التي بنت حضورها الليبي الحديث على دعم حكومة طرابلس ومذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية الموقعتين في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بدأت تعيد صياغة مقاربتها على قاعدة أوسع من الرهان على الغرب الليبي وحده. انتقلت تركيا من الارتكاز على شريك واحد إلى إدارة نفوذ موزع بين طرابلس وبنغازي، ومن حماية مكاسبها عبر حكومة الغرب إلى تثبيتها داخل معادلة ليبية أكثر تعقيدا، تتداخل فيها الجغرافيا العسكرية والموارد الاقتصادية والشرعية السياسية والقدرة على التعطيل.
تحتل مذكرة التفاهم البحرية موقعا مركزيا في هذا التحول. فقد منحت تلك الوثيقة أنقرة منفذا قانونيا وسياسيا واسعا في شرق المتوسط، وكسرت محاولات عزلها عن خرائط الغاز والطاقة التي دفعت بها اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل خلال العقد الماضي. ومع استمرار الانقسام الليبي بين مؤسسات الغرب والشرق، أدركت تركيا أن حماية هذا المكسب لا تستقر عبر طرابلس وحدها، ما دامت بنغازي وطبرق تمسكان بجزء مهم من الأرض والساحل والقرار العسكري والسياسي.
وتبدو ليبيا بالنسبة إلى تركيا ساحة لإعادة هندسة النفوذ أكثر من كونها ملفا للمصالحة الثنائية مع معسكر سابق الخصومة، فأنقرة تسعى إلى تثبيت ما ربحته في طرابلس عبر فتح أبواب بنغازي، وإلى تحويل حضورها الليبي من تحالف اضطراري فرضته الحرب إلى شبكة مصالح عابرة للانقسام الليبي. وبين الضفتين، تتحرك السياسة التركية اليوم بمنطق أكثر براغماتية، يربط الأمن بالبحر، والطاقة بالشرعية، والعلاقات مع الفاعلين المحليين بحسابات المنافسة الإقليمية والدولية.
تحول محسوب
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، بقيت ليبيا ساحة مفتوحة لتنافس داخلي وخارجي متشابك، ومع انقسام البلاد بين سلطتين في الشرق والغرب منذ 2014، وجدت تركيا موقعها الأقرب إلى طرابلس، بينما تحرك خليفة حفتر ضمن شبكة دعم إقليمية ودولية ضمت مصر والإمارات وروسيا بدرجات متفاوتة. وحين أطلقت قواته هجومها على العاصمة في أبريل/نيسان 2019، تعاملت أنقرة مع المعركة بوصفها لحظة فاصلة تهدد حليفها الليبي ومصالحها الناشئة في شرق المتوسط وشمال أفريقيا.
جاء التدخل التركي مطلع 2020 ليقلب ميزان المعركة، إذ قدمت أنقرة لحكومة الوفاق دعمًا عسكريًا وتدريبيًا وتقنيًا، وأسهمت الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والخبراء العسكريون في وقف تقدم قوات حفتر نحو طرابلس. انتهى الهجوم إلى خطوط تماس جديدة، ثم إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2020. ومنذ تلك اللحظة، ثبتت تركيا حضورها في الغرب الليبي عبر التدريب والاستشارات والتعاون الأمني والحضور البحري والعسكري، مستندة إلى اتفاق أمني وعسكري ومذكرة بحرية استراتيجية وقعتها مع حكومة الوفاق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
غير أن التوازن الذي حمى طرابلس لم يُمكّن ليبيا من الوحدة، إذ بقيت البلاد مقسومة بين حكومتين ومؤسستين عسكريتين ونفوذين خارجيين متقابلين. ومع مرور الوقت، تحولت هذه القسمة إلى معادلة ضاغطة على أنقرة. فحكومة طرابلس، رغم اعتراف المجتمع الدولي بها، ظلت محكومة بتحالفات محلية متغيرة وصراعات داخلية متكررة. أما الشرق الليبي، فقد احتفظ بكتلة عسكرية وسياسية متماسكة نسبيًا، وبنفوذ واسع في بنغازي وطبرق والجنوب ومحيط الهلال النفطي، وبقدرة عملية على تعطيل أي تسوية أو اتفاق جامع.
تيكا التركية تعزّز حضورها التنموي في ليبيا بتنفيذ 137 مشروعًا منذ 2011، بينها أول مركز متخصص للعلاج الكيماوي للأطفال ومبادرات لدعم الصحة والتعليم وذوي الاحتياجات الخاصة. pic.twitter.com/aZRXp7xHdd
— نون بوست (@NoonPost) June 6, 2026
هنا بدأت تركيا تتعامل مع الواقع الليبي ببراغماتية أوسع؛ فالشرعية تمنح طرابلس الغطاء القانوني، لكن السيطرة على الأرض والموارد ومفاصل القرار في الشرق تمنح معسكر حفتر وزنًا لا يمكن تجاوزه. ومن ثم، بدت مكاسب تركيا في الغرب الليبي ناقصة ما دام الشرق خارج حساباتها. فمجلس النواب في طبرق لم يصادق على مذكرة 2019 البحرية، وقوات حفتر تسيطر على مساحات واسعة من الجغرافيا الليبية، وأي ترتيبات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية طويلة الأمد تحتاج إلى قناة مفتوحة مع بنغازي وطبرق.
من هذا المدخل يمكن فهم التحرك التركي خلال 2025 و2026، فقد انتقلت أنقرة من إدارة خصومة صلبة مع الشرق إلى احتواء هذه الخصومة وفتح مسارات اتصال متدرجة معه. أرادت تركيا الحفاظ على طرابلس داخل دائرة نفوذها، وفي الوقت نفسه منع بنغازي من التحول إلى منصة دائمة لمعاداة مصالحها في شرق المتوسط. كما سعت إلى توسيع أدواتها من الدعم العسكري المباشر إلى شبكة أوسع تشمل الأمن والدفاع والطاقة وإعادة الإعمار والملاحة والتدريب، والاتصالات السياسية.
بدأت مقدمات هذا التحول قبل 2025. ففي فبراير/شباط 2024، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده ستعيد فتح قنصليتها في بنغازي، مؤكدًا رغبة أنقرة في العمل مع شرق ليبيا وغربها من أجل الاستقرار. وفي يناير/كانون الثاني 2025، استأنفت الخطوط الجوية التركية رحلاتها إلى بنغازي للمرة الأولى منذ 10 أعوام، بواقع 3 رحلات أسبوعيًا، في خطوة حملت بعدًا اقتصاديًا ورمزيًا يتجاوز حركة الطيران ذاتها. فالرحلات المنتظمة تعني إعادة وصل المدينة بالفضاء التركي، وفتح الباب أمام رجال الأعمال والوفود الفنية وشركات الإعمار.
في موازاة ذلك، ظل ملف الطاقة حاضرًا في خلفية التحرك التركي. فقد وقعت أنقرة مع طرابلس في أكتوبر/تشرين الأول 2022 مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الهيدروكربونات، بعد مذكرة ترسيم الحدود البحرية لعام 2019. رفض البرلمان الشرقي هذه التفاهمات واعتبرها غير ملزمة، غير أن أنقرة تعاملت مع الرفض بوصفه دافعًا إضافيًا لفتح قناة مع طبرق وبنغازي، لا سببًا للاكتفاء بالغرب. فحماية الاتفاقات البحرية والطاقة تحتاج إلى تهدئة الجبهة الشرقية، أو على الأقل تقليص قدرتها على إسقاط المكاسب التركية سياسيًا وقانونيًا.
في أبريل/نيسان 2025، دخل المسار مرحلة أكثر وضوحًا مع زيارة صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائب قائد قواته، إلى أنقرة. التقى صدام وزير الدفاع التركي يشار غولر وقائد القوات البرية الجنرال سلجوق بايراقدار أوغلو، وجرى الحديث في تقارير دفاعية عن تعاون عسكري محتمل يشمل الطائرات المسيّرة والتدريب والتجهيز. وفي الفترة نفسها، زار وفد من مجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح تركيا، في مؤشر على أن التواصل لم يعد مقتصرًا على القنوات الأمنية، إنما بدأ يمتد إلى الواجهة السياسية التي تملك مفتاحًا أساسيًا في ملف المصادقة على الاتفاقات.
بالتوازي، فتحت إعادة الإعمار بابا اقتصاديا واسعا أمام الشركات التركية في الشرق. ففي أبريل/نيسان 2025، أعلن صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي، الذي يديره بيلقاسم حفتر، توقيع عقود مع شركتين تركيتين لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، تشمل تطوير البنية التحتية وإنشاء مستشفيات. ووقع الصندوق لاحقًا عقودًا مع شركة تركية أخرى لتركيب أنظمة ملاحة واتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. منحت هذه العقود تركيا منفذًا اقتصاديًا داخل مناطق كانت حتى وقت قريب محسوبة على خصومها المباشرين.
وتظهر هذه المحطات أن السياسة التركية في ليبيا دخلت طورًا أكثر تعقيدا ومرونة، فأنقرة تحتفظ بقاعدتها الأساسية في طرابلس ومصراتة، وتواصل الاستفادة من اتفاقات 2019، لكنها توسع في الوقت ذاته هامش الحركة باتجاه بنغازي وطبرق. وتدرك أن تثبيت مصالحها في البحر والطاقة والإعمار والتدريب العسكري يحتاج إلى شبكة علاقات عابرة للانقسام الليبي، لا إلى تموضع أحادي داخل غرب البلاد.
ويمثل الانفتاح على معسكر حفتر تحولًا محسوبًا في أدوات السياسة التركية لا انقلابًا على مرتكزاتها. فتركيا تسعى إلى تحويل حضورها من اصطفاف فرضته معركة طرابلس إلى نفوذ موزع على الضفتين، ومن علاقة محكومة بمنطق الحرب إلى شبكة مصالح قادرة على الصمود وسط الانقسام الليبي. وبين طرابلس وبنغازي، تعمل أنقرة على حماية ما ربحته في الغرب عبر فتح أبواب الشرق، وعلى منع خصوم الأمس من امتلاك حق النقض الكامل على مستقبل مصالحها في ليبيا وشرق المتوسط.
دوافع التحول التركي
تتحرك تركيا في شرق ليبيا اليوم من موقع الدولة التي تريد حماية مكاسبها القديمة وفتح أبواب جديدة في الوقت نفسه، فقد دخلت أنقرة المعادلة الليبية الحديثة عبر طرابلس، وبنت حضورها على اتفاقات 2019 الأمنية والبحرية، ثم اكتشفت مع امتداد الانقسام أن الغرب الليبي يمنحها الشرعية والغطاء القانوني، بينما يمتلك الشرق قدرة واسعة على التعطيل والمساومة، ومن هنا جاءت المقاربة الجديدة التي تربط البحر بالطاقة والإعمار بالأمن والتوازنات الإقليمية بحسابات خلافة النفوذ داخل معسكر حفتر.
عقدة البحر
تقع مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 في قلب هذا التحول. فقد رسمت المذكرة إطارا لترسيم مناطق الصلاحية البحرية بين السواحل التركية والليبية، وفتحت الباب أمام تعاون في استكشاف الطاقة شرق المتوسط. ومن وجهة النظر التركية، منحت الوثيقة أنقرة سندا قانونيا وسياسيا في مواجهة خرائط بحرية دفعت بها اليونان وقبرص ومصر، ومنحت الجزر اليونانية أثرا واسعا يحاصر المجال البحري التركي، خصوصا في محيط كريت.
أثارت المذكرة منذ لحظتها الأولى اعتراضات حادة من أثينا والقاهرة ونيقوسيا والاتحاد الأوروبي. رأت تلك الأطراف أن الاتفاق يتجاوز حقوق الجزر والمناطق الاقتصادية الخالصة، بينما تعاملت تركيا معه بوصفه جزءا من رؤيتها الأوسع للإنصاف في ترسيم الحدود البحرية، وامتدادا لعقيدة “الوطن الأزرق” التي تسعى إلى توسيع هامش الحركة التركية في البحار المحيطة. صادق البرلمان التركي على المذكرة في ديسمبر/كانون الأول 2019، فتحولت إلى ركيزة استراتيجية في سياسة أنقرة المتوسطية.
غير أن قوة المذكرة بقيت مرتبطة بعقدة ليبية داخلية. فقد وقعتها حكومة طرابلس المعترف بها دوليا، بينما رفضها مجلس النواب في طبرق ومعسكر حفتر، واستخدم خصوم تركيا هذا الرفض للطعن في شرعيتها الليبية. ومع استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، أدركت أنقرة أن حماية مكسبها البحري تحتاج إلى تخفيف قدرة بنغازي وطبرق على تعطيله في أي تسوية سياسية أو حكومة موحدة مقبلة.
من هنا حظي قرار مجلس النواب الليبي في يونيو/حزيران 2025 تشكيل لجنة فنية لدراسة الاتفاق التركي الليبي بمتابعة دقيقة في أنقرة وأثينا والقاهرة. القرار لم يمنح المذكرة تصديقا نهائيا، لكنه نقل العلاقة من خانة الرفض المغلق إلى خانة النقاش الفني والسياسي. وبالنسبة إلى تركيا، يكفي فتح هذا الباب لتوسيع هامش المساومة مع الشرق، وتحويل الاتفاق من وثيقة مرتبطة بطرابلس وحدها إلى ورقة قابلة للتفاوض داخل المعادلة الليبية الأوسع.
– تقود الولايات المتحدة عبر مبعوثها “مسعد بولس” خطةً لإعادة صياغة المشهد الليبي حول عائلتي “الدبيبة” و”حفتر”، وذلك سعيًا لإنهاء الانقسام وتأمين تدفقات الطاقة التي تعطلت بفعل الحرب الإقليمية على إيران.
– يسعى المقترح الأمريكي لتنصيب “إبراهيم الدبيبة” رئيسًا للوزراء خلفًا لابن… pic.twitter.com/xN6oow9U8k
— نون بوست (@NoonPost) May 7, 2026
تعزز هذا الاتجاه مع توقيع المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مذكرة تفاهم مع شركة البترول التركية في يونيو/حزيران 2025، لإجراء دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية في 4 مناطق بحرية. هنا خرج اتفاق 2019 من مستوى الخرائط والبيانات السياسية إلى مستوى المسوح البحرية والبيانات الزلزالية واحتمالات التنقيب. صار البحر مدخلا إلى مصالح اقتصادية وطاقوية ملموسة، وصار تثبيت المذكرة مرتبطا بفرص تنقيب وعقود مستقبلية في منطقة شديدة الحساسية.
هذا المسار يفسر القلق اليوناني والمصري. فأي قبول أوسع داخل ليبيا بالاتفاق مع تركيا سيضعف قدرة أثينا على عزل أنقرة في شرق المتوسط، وسيضع القاهرة أمام توازن دقيق بين شراكتها البحرية مع اليونان وتحسن علاقاتها مع تركيا وحساسيتها تجاه شرق ليبيا بوصفه مجالا مباشرا لأمنها القومي.
الإعمار والطاقة
يفتح الاقتصاد بابا آخر لفهم التحول التركي. فمدن الشرق الليبي، وفي مقدمتها بنغازي والبيضاء ودرنة وطبرق، تحتاج إلى مشاريع واسعة في الطرق والمطارات والمستشفيات والبنية التحتية بعد أكثر من عقد من الحرب والانقسام. وفي هذا المجال تمتلك الشركات التركية خبرة طويلة في السوق الليبية، تعود إلى عقود القذافي وتمتد إلى مشاريع متعثرة بعد 2011، ما يجعل عودتها إلى الشرق جزءا من ذاكرة اقتصادية قديمة لا مغامرة طارئة.
قاد صندوق التنمية وإعادة الإعمار الليبي المرتبط ببلقاسم حفتر هذا المسار عبر توقيع عقود مع شركات تركية لتنفيذ مشاريع في بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق، شملت بنى تحتية ومرافق عامة ومستشفيات. كما وقع الصندوق عقودا مع شركة تركية لتطوير أنظمة الملاحة والاتصالات في 7 مطارات خاضعة لسيطرة الشرق. وتمنح هذه المشاريع تركيا حضورا يوميا داخل مناطق كانت محسوبة لسنوات على خصومها المباشرين، وتخلق شبكة مصالح تربط المقاولين والمسؤولين المحليين والمؤسسات الاقتصادية بأنقرة.
– أكد وزير الطاقة والموارد الطبيعية “ألب أرسلان بيرقدار” أن عام 2026 سيكون “عام الطاقة” بين تركيا وليبيا، حيث ستتحول التفاهمات الطويلة إلى نتائج ملموسة ومشاريع على أرض الواقع.
– تستهدف الدولتان رفع حجم التبادل التجاري من 4.4 مليار دولار في 2025 إلى أكثر من 5 مليارات دولار في… pic.twitter.com/p0vmdVOUJ8
— نون بوست (@NoonPost) January 26, 2026
يحمل ملف الطاقة وزنا إضافيا في هذه المقاربة. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن وزير النفط والغاز الليبي خليفة عبد الصادق، خلال مؤتمر طرابلس للطاقة، أن تركيا مؤهلة للعب دور مهم في مناقصات النفط والغاز الأولى منذ 17 عاما، مشيرا إلى تعاون مع شركة البترول التركية لتنفيذ مذكرة تفاهم وقعت في يونيو/حزيران 2025 بشأن المسوحات السيزمية والحفر في مناطق واعدة. وفي فبراير/شباط 2026، كشف وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن بلاده حصلت على حقوق استكشاف في حقلي نفط وغاز ليبيين بنسبة 40%، بالشراكة مع شركة ريبسول الإسبانية، ضمن استراتيجية تركية للتوسع الخارجي في قطاع الطاقة.
بهذا المعنى، لا تنفصل المصالح الاقتصادية عن الحسابات السياسية. فتركيا تعرض على الشرق الليبي حزمة تتجاوز الاتفاق البحري، تشمل شركات البناء وخطوط الطيران والحضور القنصلي والتعاون الأمني وفرص التدريب والتسليح والطاقة. أما معسكر حفتر، فيرى في هذه الحزمة فرصة لجذب استثمارات، وتنويع علاقاته، وتقديم نفسه كسلطة قادرة على إدارة مشاريع كبيرة، لا كقوة عسكرية فقط.
لكن هذا الباب يحمل مخاطر واضحة. فاقتصاد الإعمار في الشرق الليبي يتحرك داخل بيئة محدودة الشفافية، تتداخل فيها شبكات السلطة العائلية والعسكرية مع المال العام، وتضعف فيها الرقابة المؤسسية الموحدة. وإذا ارتبطت المشاريع التركية بمراكز نفوذ عائلية أكثر من ارتباطها بمؤسسات ليبية جامعة، فقد تتحول لاحقا إلى عبء سياسي على صورة تركيا لدى قطاعات ليبية واسعة.
الجيش والسياسة
تدرك تركيا أن ليبيا لا تدار بالدبلوماسية وحدها. فمنذ تدخلها العسكري عام 2020 إلى جانب حكومة الوفاق، بنت أنقرة حضورها عبر التدريب والتسليح والاستشارات والوجود العسكري القانوني المرتبط باتفاقات 2019. واليوم تستخدم الأدوات نفسها للانتقال من دعم طرف واحد إلى محاولة التأثير في بنية عسكرية ليبية أوسع.
حافظت أنقرة على قاعدة تموضعها في الغرب. ففي يوليو/تموز 2025، وقعت وزارة الدفاع التركية مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس اتفاقية تعاون عسكري تشمل التدريب وتبادل الخبرات والدعم اللوجستي بهدف تطوير قدرات الجيش. وفي يناير/كانون الأول 2025، وافق البرلمان التركي على تمديد تفويض وجود القوات التركية في ليبيا لعامين إضافيين ابتداء من يناير/كانون الثاني 2026. وتؤكد هذه الخطوة أن أنقرة لا تستبدل طرابلس ببنغازي، وإنما توسع هامشها الليبي مع تثبيت نقطة ارتكازها القديمة.
في الوقت نفسه، فتحت تركيا قنوات عسكرية مع الشرق. زار وفد عسكري من معسكر حفتر معرض الصناعات الدفاعية في إسطنبول، والتقى مسؤولين في قطاع الدفاع التركي، وتحدثت تقارير عن ترتيبات محتملة تشمل تدريب 1500 عنصر من قوات حفتر وتوفير معدات متطورة. كما أشارت تقارير أخرى إلى تسليم طائرات مسيرة تركية لقوات الشرق في صيف 2025، ضمن تحرك دبلوماسي أوسع يستهدف كسب تأييد أو حياد بنغازي في ملف الاتفاق البحري.
– وافق البرلمان التركي على تمديد مهمة الجيش التركي في ليبيا 24 شهرًا إضافيًا، بعدما ناقش مذكرة رئاسية قُدمت في 19 ديسمبر الجاري.
– حدّد القرار بدء سريان التمديد اعتبارًا من 2 يناير 2026، في حين جرى إقراره عبر تصويت برلماني رسمي. pic.twitter.com/j1G7TuJxrL
— نون بوست (@NoonPost) December 23, 2025
بلغ هذا المسار ذروته الرمزية في مناورات EFES 2026 على ساحل إيجة. شاركت قوات ليبية من الشرق والغرب في التدريبات تحت علم واحد، بواقع 331 جنديا من الشرق و171 من الغرب، ضمن مشاركة ليبية بلغت 502 عنصر. قدمت وزارة الدفاع التركية المناورات بوصفها تعبيرا عن رؤية “ليبيا واحدة وجيش واحد”، وهي صيغة تمنح أنقرة غطاء سياسيا للتعامل العسكري مع الطرفين من دون الظهور كقوة تدعم انقساما جديدا.
تكتسب هذه المحطة أهمية خاصة لأن فكرة جمع الشرق والغرب عسكريا بدأت تظهر أيضا في تدريبات أخرى مثل “فلينتلوك” بقيادة القيادة الأميركية في أفريقيا داخل ليبيا. لكن تركيا تمتلك ميزة مختلفة، فهي قوة لها وجود فعلي في ليبيا، وخبرة تدريب وتسليح، وعلاقات عملياتية مع الغرب، وبدأت في الوقت نفسه بناء قنوات مع الشرق. وإذا تطور هذا المسار، فقد تصبح أنقرة طرفا مؤثرا في أي ترتيبات مستقبلية لتوحيد المؤسسة العسكرية أو ضبط توازناتها.
يبقى الشق العسكري أكثر الملفات حساسية. فالطائرات المسيرة التركية ساهمت سابقا في وقف تقدم حفتر نحو طرابلس، وأي تعاون دفاعي مع معسكره سيحمل دلالة رمزية كبيرة لدى القوى الغربية الليبية. لذلك تحتاج أنقرة إلى توازن دقيق بين تطمين طرابلس، وإقناع بنغازي بجدية الانفتاح، وطمأنة مصر تجاه حدودها الغربية، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قادرة على تقليص النفوذ الروسي والمساهمة في الاستقرار، لا تعميق الانقسام.
حسابات حفتر
من زاوية بنغازي، يحمل الانفتاح على تركيا قدرا كبيرا من البراغماتية. فخليفة حفتر، الذي تجاوز الثمانين، يدير مرحلة حساسة من ترتيب النفوذ داخل معسكره. صعود أبنائه صدام وخالد وبلقاسم إلى مواقع عسكرية واقتصادية يعكس اتجاها نحو توريث النفوذ داخل بنية شديدة القوة في الشرق الليبي، تجمع بين السلاح والمال والإدارة المحلية والعلاقات الخارجية.
يمثل صدام حفتر عنصرا مركزيا في هذا التحول. فهو أحد أبرز وجوه الجيل الصاعد داخل معسكر الشرق، وتحركاته الخارجية ولقاءاته في تركيا تعكس محاولة لتسويق قيادة جديدة قادرة على مخاطبة العواصم المؤثرة والتفاوض باسم القوة القائمة في بنغازي. بالنسبة إلى أنقرة، يتيح التعامل معه قناة مباشرة مع مركز قرار صاعد، وفرصة لاختبار حدود التعاون الدفاعي، ومدخلا مبكرا إلى ترتيبات ما بعد حفتر الأب.
تحمل هذه القناة إشكالاتها أيضا. فقد ارتبط اسم صدام حفتر بتشكيلات عسكرية متهمة بانتهاكات واسعة، كما يثير صعود أبناء حفتر مخاوف من تحويل شرق ليبيا إلى نظام عائلي مسلح. غير أن السياسة الخارجية في الساحات المنقسمة كثيرا ما تتحرك بين معيار الشرعية وموازين القوة. ومن هذا الباب تتعامل تركيا مع معسكر حفتر بوصفه واقعا لا يمكن تجاوزه في أي هندسة ليبية مقبلة.
يمنح الانفتاح على تركيا معسكر حفتر أوراقا متعددة. فهو يرسل رسالة إلى مصر والإمارات وروسيا بأنه قادر على تنويع خياراته، ويقول للعواصم الغربية إن بنغازي منفتحة على شريك من حلف الناتو، ويضغط على طرابلس عبر إظهار أن الحليف التركي التاريخي لم يعد محصورا في الغرب. كما يمنحه فرصة لتحسين موقعه في أي تسوية سياسية أو أمنية قادمة، خصوصا مع عودة الاهتمام الأميركي والأوروبي بترتيبات تقاسم السلطة وتوحيد المؤسسات.
روسيا والفراغ
يرتبط التحول التركي أيضا بتغير موقع روسيا في ليبيا. فقد ظلت موسكو لسنوات الداعم الخارجي الأبرز لمعسكر حفتر عبر مجموعة فاغنر ثم “الفيلق الأفريقي”، وعبر حضور عسكري ولوجستي جعل شرق ليبيا قاعدة مهمة لنفوذها في المتوسط والساحل الأفريقي. غير أن الحرب في أوكرانيا منذ 2022 استنزفت جزءا كبيرا من الموارد الروسية، ودفعت موسكو إلى إعادة ترتيب أولوياتها وانتشارها الخارجي.
تضيف التحولات في سوريا بعد سقوط النظام السابق هناك بعدا آخر لأهمية ليبيا في الحسابات الروسية. فموسكو باتت تنظر إلى الشرق الليبي بوصفه منصة عبور نحو أفريقيا والساحل، وورقة ضغط في المتوسط، ومجالا لتعويض ضغوط أو خسائر في ساحات أخرى. لذلك ما زال الحضور الروسي قائما ومؤثرا، حتى مع اتساع حالة عدم اليقين حول قدرته على احتكار نفوذ حفتر كما في السابق.
تفتح هذه الحالة مساحة أمام تركيا. فأنقرة لا تدخل شرق ليبيا لإزاحة روسيا مباشرة، وإنما لتقاسم المساحة معها أو موازنتها أو منعها من احتكار القرار في بنغازي. وهذا النمط مألوف في العلاقة التركية الروسية، حيث يتنافس الطرفان ويتفاهمان في الوقت ذاته، من سوريا إلى القوقاز والبحر الأسود وليبيا. وكلما امتلكت تركيا موطئ قدم داخل مناطق نفوذ روسية تقليدية، ازداد وزنها التفاوضي مع موسكو.
أما معسكر حفتر، فيستفيد من هذا التنافس لتعظيم هامش المناورة. فالعلاقة مع روسيا وفرت له دعما عسكريا مهما، لكنها لا تمنحه وحدها شرعية دولية أو مشاريع إعادة إعمار أو علاقات مريحة مع الغرب. أما تركيا فتقدم له شريكا من الناتو، وصناعة دفاعية صاعدة، واقتصادا مقاولاتيا واسع الخبرة، وعلاقة قائمة مع طرابلس يمكن توظيفها في المساومات الليبية الداخلية.
معادلة المتوسط
لا ينفصل الانفتاح التركي على بنغازي عن تحسن العلاقات بين أنقرة والقاهرة. فقد كانت مصر خلال سنوات الحرب أبرز داعم إقليمي لمعسكر حفتر، ونظرت إلى الوجود العسكري التركي في غرب ليبيا بوصفه تهديدا لأمنها القومي وحدودها الغربية. لكن مسار المصالحة التركية المصرية خفف حدة العداء، وفتح المجال أمام مقاربات أقل تصادمية في ليبيا.
تدرك تركيا أن أي تقارب جدي مع حفتر يحتاج إلى حد أدنى من عدم الاعتراض المصري. وتدرك مصر أن التواصل التركي مع بنغازي قد يكون وسيلة لضبط اندفاعة أنقرة بدل تركها خارج الحسابات، بشرط ألا يتحول إلى وجود عسكري يغير ميزان القوة قرب حدودها. ومن ثم تحاول أنقرة تقديم نفسها كفاعل قابل للتفاهم، لا كقوة اقتحامية كما ظهرت خلال ذروة معركة طرابلس.
أما اليونان، فهي الطرف الأكثر قلقا من أي تغير في موقف الشرق الليبي من مذكرة 2019. إذ بنت أثينا جزءا مهما من اعتراضها على أن الاتفاق التركي الليبي لا يحظى بموافقة مجلس النواب في طبرق. وإذا بدأ هذا المجلس بمراجعة موقفه أو بفتح نقاش فني حول المذكرة، فإن الحجة السياسية اليونانية ستتراجع، حتى مع استمرار الخلاف القانوني. لذلك تحاول اليونان بدورها تنشيط قنواتها مع الشرق والغرب الليبيين، وتستخدم ملفات الهجرة وخفر السواحل والطاقة لترميم موقعها.
حدود الاندفاع
تبدو الاندفاعة التركية نحو شرق ليبيا واسعة في أدواتها، لكنها تتحرك داخل حدود معقدة. فالانقسام الليبي ما زال قائما، وأي تفاهم مع بنغازي يبقى عرضة للاهتزاز إذا تغيرت موازين القوى داخل الشرق، أو انفجر التنافس بين أبناء حفتر وحلفائه، أو تبدلت حسابات القوى الخارجية الداعمة له. كما أن حكومة طرابلس، رغم ضعفها وصراعاتها الداخلية، تظل الحكومة المعترف بها دوليا، وتستند إليها الاتفاقات التي منحت تركيا حضورها القانوني والسياسي والعسكري في ليبيا. لذلك يصعب على أنقرة توسيع علاقتها بالشرق بطريقة تضعف الأساس الذي بنت عليه نفوذها في الغرب.
تفرض البيئة الإقليمية بدورها قيودا واضحة على الحركة التركية. فمصر تنظر إلى شرق ليبيا بوصفه امتدادا مباشرا لأمنها القومي وحدودها الغربية، وستتعامل بحذر مع أي حضور تركي واسع في بنغازي إذا بدا قادرا على تغيير توازن القوة قرب مجالها الحيوي. أما اليونان، فسترى في أي تقارب بين أنقرة وطبرق تهديدا مباشرا لموقفها في شرق المتوسط، خصوصا إذا اقترب مجلس النواب الليبي من مراجعة موقفه من مذكرة 2019 البحرية.
كما يصطدم شعار “ليبيا واحدة وجيش واحد” بواقع عسكري شديد التشظي. فالمؤسسة العسكرية الليبية ليست جسما موحدا ينتظر التدريب، وإنما شبكة واسعة من القوى المحلية والجهوية والقبلية والاقتصادية، تتداخل فيها مراكز التمويل والسلاح والولاءات الخارجية. ومن ثم، فإن جمع عناصر من الشرق والغرب في مناورات داخل تركيا يفتح قناة اتصال عملياتية مهمة، لكنه لا يكفي لصناعة جيش وطني جامع. يحتاج هذا المسار إلى إرادة ليبية أوسع، وتفاهمات دولية أكثر صلابة، وبيئة سياسية تسمح بتحويل التدريب المشترك إلى بناء مؤسسي مستدام.
تتحرك أنقرة فوق هذا الحقل الحساس بمنطق الموازنة. فهي تريد طمأنة طرابلس إلى أن حضورها في الغرب قائم، وإقناع بنغازي بأن الانفتاح عليها جدي، وتهدئة مخاوف القاهرة، والحد من اعتراض أثينا، وتقديم نفسها للغرب بوصفها قوة قادرة على موازنة النفوذ الروسي والمساهمة في ضبط المشهد الليبي. غير أن تعدد الرسائل يزيد صعوبة المهمة، لأن كل خطوة تركية تجاه طرف قد تقرأها الأطراف الأخرى باعتبارها خصما من رصيدها أو تهديدا لموقعها.