• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

اتفاق ترامب مع إيران.. إعادة تدوير لاتفاق أوباما أم اعتراف بفشل الحرب؟

عماد عنان١٨ يونيو ٢٠٢٦

بعد أكثر من 60 يومًا من مفاوضات شاقة ومتعرجة، تخللتها تهديدات أمريكية غير مسبوقة بمحو ما تبقى من مقومات الدولة الإيرانية وإعادتها إلى عصور التخلف، فضلًا عن تصريحات متكررة حول إسقاط النظام وتقويض القدرات العسكرية لطهران وأذرعها، وجدت واشنطن وطهران نفسيهما في نهاية المطاف أمام خيار التوقيع على مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب.

حيث وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا نسخة من الاتفاق خلال عشاء جمعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر فرساي، قبل أن تُرسل صورة النسخة الموقعة إلى الجانب الإيراني والدول الوسيطة، وفي المقابل، وقّع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان نسخة موازية من الاتفاق، جرى نقلها بدورها إلى الوسطاء.

لحظة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب مع إيران في قصر فرساي بفرنسا، بحضور الرئيس إيمانويل ماكرون وعدد من المسؤولين الأميركيين. pic.twitter.com/q5SWIU4wGj

— نون بوست (@NoonPost) June 18, 2026

غير أن الاتفاق، وفق البنود المسربة، سرعان ما أثار موجة واسعة من الجدل، ليس فقط بسبب الغموض الذي يحيط بتفاصيله، بل أيضًا بسبب تجاهله أو ترحيله لعدد من القضايا الخلافية الجوهرية، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، منظومة الصواريخ، العقوبات، وترتيبات النفوذ الإقليمي، ما دفع الكثير لاستدعاء الاتفاق النووي المبرم عام 2015 في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، ذلك الاتفاق الذي انسحب منه ترامب لاحقًا، وشنّ عليه هجومًا متكررًا باعتباره واحدًا من أسوأ الاتفاقات التي وقعتها الولايات المتحدة.

وبعيدًا عن تباين القراءات بشأن تقييم الاتفاق وفق ما تسرّب من بنوده، فإن اللافت أن طرفي المواجهة يسعيان إلى إنتاج سردية النصر الخاصة بهما؛ غير أن ما يجمع الطرفين، خلف هذا الضجيج، هو إدراك متبادل بأن كلفة الاستمرار في التصعيد باتت أعلى بكثير من كلفة القبول بتهدئة نسبية، حتى وإن ظلت منقوصة أو محاطة بالغموض، وهنا لم يصبح السؤال عن هوية المنتصر في تلك المواجهة بل عن قدرة مثل هذا الاتفاق في إنهاء التصعيد بشكل كامل أم أنه ليس سوى هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، بينما تبقى نار التصعيد مشتعلة تحت الركام، بانتظار أول اختبار جدي للنيات والالتزامات.

اتفاق تحت وطأة الكلفة

تكشف القراءة الأولى لمشهدية التوقيع، حيث وقّع كل رئيس منفردًا وبصورة إلكترونية على بنود عامة وفضفاضة تفتقر إلى التفصيل، خصوصًا في الملفات الأكثر خلافية بين واشنطن وطهران، أن الطرفين لم يذهبا إلى الاتفاق من موقع الثقة أو الاقتناع الكامل، بل تحت ضغط الكلفة المتصاعدة للحرب، فقد وصلت المواجهة إلى نقطة بات معها استمرار التصعيد عبئًا لا يستطيع أي طرف تحمّله طويلًا، سواء من حيث الكلفة العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية، ما جعل التهدئة خيارًا اضطراريًا أكثر منه إنجازًا دبلوماسيًا مكتمل الأركان.

وبعيدًا عما يعكسه التوقيع الإلكتروني من فقدان عميق للثقة بين الجانبين، فإن استعجال تمرير الاتفاق في صورته الأولية يشير إلى رغبة مشتركة في وقف النزيف أولًا، وتأجيل الاشتباك حول التفاصيل إلى مرحلة لاحقة، فالبنود العامة التي جرى التوقيع عليها تبدو وكأنها تعمّدت تجاوز جوهر الخلافات التي كانت أصلًا سببًا في اندلاع الحرب، وفي مقدمتها الملف النووي والبرنامج الصاروخي وترتيبات النفوذ الإقليمي، وبهذا المعنى، نحن أمام اتفاق ضرورة لا اتفاق تفاهم؛ بعدما وجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة قاسية، إما الاستمرار في مواجهة مفتوحة يخسر فيها الجميع، أو القبول بتهدئة أولية يمكن لكل طرف توظيفها سياسيًا إلى حين فتح الملفات الصعبة لاحقًا.

القراءة الثانية تشير إلى أن توقيع ترامب على الاتفاق إلكترونيًا من فرنسا، وعلى هامش حضوره مع قادة مجموعة السبع، ربما حمل بعدًا سياسيًا إضافيًا، حيث قطع الطريق على ضغوط إسرائيل واللوبيات المؤيدة لها داخل واشنطن، عبر وضع الجميع أمام أمر واقع دولي معلن، وبحضور قوى كبرى يصعب تجاهلها أو التراجع أمامها بسهولة، بعدما بات الاتفاق مطروحًا أمام العالم لا داخل الغرف الأمريكية المغلقة فقط.

إيران تربح 

في العلوم السياسية والعسكرية، لا تُقاس الاتفاقيات الموقعة بين الأطراف المتصارعة بمجرد وقف إطلاق النار أو إنهاء العمليات العسكرية، وإنما بمدى اقتراب بنودها من الأهداف التي أعلنها كل طرف عند اندلاع الصراع، فكلما عكست بنود الاتفاق تحقيقًا واضحًا لأهداف طرف بعينه، عُدّ ذلك انتصارًا سياسيًا أو عسكريًا له على حساب خصمه، وكلما ابتعدت تلك البنود عن الأهداف المعلنة، أو تجاهلتها، أو رحّلتها إلى مراحل لاحقة، بدا الاتفاق أقرب إلى تسوية اضطرارية أو تراجع عن سقف الطموحات الأولى، وهو ما يصب بطبيعة الحال في مصلحة الطرف الأخر.

وبالنظر إلى البنود الأربعة عشر المسرّبة بشأن الاتفاق، قياسًا بالأهداف المعلنة سابقًا من الجهات التي شنت الحرب ابتداء، الولايات المتحدة وإسرائيل،  يبدو أن معظمها يميل بوضوح لصالح إيران، رغم الثمن السياسي والاقتصادي والعسكري الفادح الذي دفعته،  وبدرجة أقل لصالح أمريكا، بينما يغيب عنها إلى حد كبير المقاربة الإسرائيلية، ومن هنا يمكن تفهم حالة الغضب داخل الأوساط الإسرائيلية؛ إذ إن الاتفاق، وفق صيغته المسربة، لا يمنح تل أبيب ما كانت تطالب به من نتائج حاسمة، لا على مستوى إسقاط النظام، ولا تفكيك البرنامج النووي، ولا تحجيم القدرات الصاروخية، ولا كسر شبكة الحلفاء الإقليميين المرتبطة بطهران.

فما لا يقل عن ثمانية بنود من أصل أربعة عشر تبدو أقرب إلى المكاسب الإيرانية المباشرة أو غير المباشرة؛ بدءًا من إنهاء الحرب بما يشمل الساحات المتصلة، وعلى رأسها لبنان، بما يعكس إقرارًا ضمنيًا بمنطق وحدة الجبهات، مرورًا بالتأكيد على احترام السيادة المتبادلة، ورفع الحصار البحري الأمريكي، وفتح الباب أمام إعادة تأهيل إيران اقتصاديًا وتمويل عملية إعادة الإعمار، وصولًا إلى إنهاء العقوبات الأمريكية، والإفراج عن جانب من الأصول المجمدة، وترحيل مناقشة الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، إلى مرحلة لاحقة، مع الإبقاء على الوضع القائم مؤقتًا، ويضاف إلى ذلك البند المتعلق بتدويل الاتفاق عبر اعتماده في مجلس الأمن، بما يمنحه غطاءً قانونيًا وسياسيًا أوسع، ويجعل الانسحاب الأمريكي الأحادي منه أكثر كلفة وتعقيدًا مقارنة بتجربة اتفاق 2015.

أما المكاسب الأمريكية، وفق القراءة الأولية للبنود المسربة، فتبدو محدودة نسبيًا، وتتمحور أساسًا حول بندين، الأول يتعلق بضمان حرية الملاحة وفتح مضيق هرمز، رغم أنه كان مفتوحًا فعليًا قبل اندلاع الحرب، والثاني يتمثل في تجديد التعهد الإيراني بعدم إنتاج سلاح نووي، وهو موقف طالما كررته طهران في خطابها الرسمي قبل الحرب وبعدها. وبخلاف ذلك، تبدو بقية البنود إما محايدة، أو قابلة للتأويل، أو مؤجلة التنفيذ، بما يجعلها أقرب إلى ترتيبات تهدئة منها إلى انتصار أمريكي استراتيجي واضح.

واللافت أن الاتفاق، بصيغته المسربة، لا يلامس بصورة جدية الأهداف الكبرى التي أعلنتها واشنطن وتل أبيب لتبرير الحرب، فلا النظام الإيراني سقط، ولا المشروع النووي جرى تفكيكه، ولا البرنامج الصاروخي وُضع تحت قيود صارمة، ولا شبكة النفوذ الإقليمي لطهران تعرضت للتفكيك، ولا تم فصل إيران عن حلفائها في ساحات المنطقة.

من هنا يمكن القول إن الاتفاق الحالي يبدو، حتى الآن ووفق ما هو مُسرب، أقرب إلى انتصار سياسي لإيران منه إلى إنجاز أمريكي أو إسرائيلي، ما لم تظهر بنود غير معلنة أو تطورات لاحقة تعيد صياغة المشهد وتمنح واشنطن وتل أبيب أوراقًا تعويضية لم تظهر في النص المسرّب.

إعادة تدوير لاتفاق 2015

ظل اتفاق عام 2015، الموقع بين إيران وإدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، كابوسًا سياسيًا يلاحق  ترامب منذ أن جعله أحد أبرز أهداف هجومه، ووصمه مرارًا بأنه أسوأ اتفاق في تاريخ الولايات المتحدة، ومنذ ذلك الحين، تحولت تلك النسخة إلى عقدة مركزية في أي محاولة لاحقة للتفاهم مع طهران؛ إذ كان ترامب يخشى أن ينتهي به المسار التفاوضي إلى إعادة إنتاج الاتفاق ذاته الذي بنى جزءًا من خطابه السياسي على تقويضه والانسحاب منه.

لكن تحت ضغط الحرب، وعجزها عن تحقيق الأهداف التي رُفعت في بدايتها، ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، بدا أن الرئيس الأمريكي اضطر إلى القبول باتفاق لا يمكن وصفه، في أفضل الأحوال، إلا باعتباره إعادة تدوير لاتفاق أوباما، إن لم يكن أقل منه من حيث المكاسب السياسية والاستراتيجية التي تحققها واشنطن، فبدلًا من أن ينجح ترامب في تجاوز اتفاق 2015 بصيغة أكثر صرامة، وجد نفسه يعود إلى المنطق نفسه: احتواء البرنامج النووي الإيراني لا تفكيكه، ومقايضة القيود والرقابة بتخفيف العقوبات.

في اتفاق 2015، أو ما عُرف باتفاق مجموعة 5+1، كانت اليد العليا لواشنطن إلى حد بعيد، فقد نجحت، من دون حرب مباشرة، في انتزاع تنازلات نووية قاسية من طهران، شملت خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات محدودة، وتقليص عدد أجهزة الطرد المركزي من نحو 19 ألف جهاز إلى ما يقارب 5 آلاف، وحصر التشغيل في أجهزة الجيل الأول المتأخرة من طراز IR-1، فضلًا عن إلزام إيران بقبول رقابة واسعة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية على منشآتها النووية.

ولم يتوقف الاتفاق عند الجانب النووي فحسب، بل فرض كذلك قيودًا على تصدير واستيراد الأسلحة والتقنيات المرتبطة بالصواريخ لفترات محددة، مقابل رفع تدريجي ومشروط للعقوبات الاقتصادية، ومن هذه الزاوية، بدا الاتفاق حينها، في نظر كثيرين داخل إيران، صفقة مؤلمة كبّلت طهران اقتصاديًا وسياسيًا، وفرضت عليها تنازلات قاسية مقابل تخفيف العقوبات وإعادة دمج جزئي في الاقتصاد الدولي.

أما عند المقارنة بالاتفاق الحالي، وفق ما تسرّب من بنوده، فيبدو أنه يعيد إنتاج الفلسفة ذاتها التي حكمت اتفاق 2015، تقييد البرنامج النووي مقابل رفع تدريجي للعقوبات، مع اعتراف ضمني بحق إيران في برنامج نووي سلمي، ومنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية دورًا رقابيًا في عمليات التفتيش والمتابعة.

غير أن الفارق اللافت هنا أن النص الحالي، بخلاف الاتفاق السابق،  لا يتضمن تفاصيل تقنية واضحة بشأن مستقبل البرنامج النووي، ولا يضع قيودًا محددة على نسب التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي أو طبيعة المواقع التي ستخضع للرقابة، فكل ما نص عليه الاتفاق، وفق التسريبات، هو إبقاء البرنامج النووي على وضعه الراهن خلال فترة تفاوض تمتد ستين يومًا، قد تكون قابلة للتمديد، مع بدء محادثات لاحقة حول هذا الملف.

وهذا يعني أن النقطة الأكثر حساسية جرى ترحيلها بدل حسمها، بما يفتح الباب أمام إطالة أمد النقاشات الفنية والسياسية، والأرجح أن طهران، التي لم تقدم تحت ضغط الحرب تنازلات جوهرية في هذا الملف، لن تكون أكثر استعدادًا لتقديمها على طاولة المفاوضات، خصوصًا بعدما تأكدت من القيمة الاستراتيجية للملف النووي إلى جانب أوراق أخرى مثل مضيق هرمز والبرنامج الصاروخي وشبكة الحلفاء الإقليميين.

ومن هنا يبدو أن ترامب فضّل تأجيل حسم العقدة النووية إلى مرحلة لاحقة، ربما أملًا في أن تسقط الحرب تدريجيًا من دائرة الاهتمام العام، أو تغرق في التفاصيل الفنية التي تسمح لكل طرف بإنتاج سرديته الخاصة، فالاتفاق لا يحسم جوهر الخلاف، بل يعلّقه مؤقتًا، ويمنح الطرفين فرصة لالتقاط الأنفاس وتوظيف التهدئة سياسيًا، من دون أن يقدّم إجابة واضحة حول مستقبل البرنامج النووي أو الصاروخي الإيراني.

ومن النقاط المثيرة للجدل كذلك، والتي تجعل الاتفاق الحالي أقل مراعاة للمصلحة الأمريكية مقارنة باتفاق 2015، ما يتعلق بالتعويضات المقترحة لإيران أو تمويل إعادة الإعمار، بصرف النظر عن الجهة التي ستتحمل هذه الكلفة، فمجرد النص على تعويضات أو ترتيبات مالية لصالح طهران يحمل دلالة سياسية ثقيلة، إذ يبدو أقرب إلى اعتراف ضمني بأن إيران خرجت من المواجهة لا باعتبارها طرفًا مهزومًا، بل طرفًا قادرًا على فرض كلفة الحرب على خصومه، فالمنتصر عادة لا يدفع تعويضات للمهزوم، ولا يمنحه مسارًا لإعادة التأهيل الاقتصادي بعد حرب قال إنه خاضها لكسر قوته.

من هنا يمكن القول إن الاتفاق الحالي، وإن لم يكن نسخة طبق الأصل من اتفاق أوباما، فإنه يعيد إنتاج فلسفته الأساسية ويدور في المسارات ذاتها، لا تفكيك كاملًا للبرنامج النووي الإيراني، بل احتواء مشروط مقابل رفع العقوبات؛ ولا تقليمًا حقيقيًا لأظافر طهران الصاروخية، ولا تفكيكًا لوحدة الساحات وشبكة النفوذ الإقليمي.

بل إن الاتفاق، بصيغته المسربة، يضيف إلى ذلك منح إيران تعويضات وفتح باب إعادة إدماجها ضمن المنظومة الدولية، بعدما كانت واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى عزلها ومحاصرتها وتقويض مصادر قوتها، وبذلك، يبدو ترامب وكأنه عاد، بعد الحرب والتهديدات والكلفة الباهظة، إلى جوهر المعادلة التي طالما هاجمها، لكن بشروط أقل وضوحًا وربما أقل فائدة لواشنطن من اتفاق 2015 نفسه.

ليس نهاية المطاف

رغم تعدد القراءات الخاصة ببنود الاتفاق، فإنها تبقى في النهاية قراءات اجتهادية، بحكم ما يحيط بالنص المسرّب من غموض وغياب للتفاصيل، فضلًا عن ترحيل أو تجاهل عدد من النقاط الخلافية الجوهرية، وهنا تحديدًا قد تتحول عناصر القوة الظاهرة في الاتفاق إلى مكامن ضعف مستقبلية؛ فمرونته التي سمحت بتمريره سريعًا قد تصبح لاحقًا مدخلًا للتأويل المتناقض، خصوصًا في ظل الاعتراضات المتوقعة من الكيان الإسرائيلي واللوبيات الداعمة له داخل أمريكا.

فترامب الذي وجد نفسه مضطرًا إلى إبرام الاتفاق تحت ضغط قائمة طويلة من الأعباء العسكرية والسياسية والانتخابية، هو نفسه القادر على الانقلاب عليه إذا ما واجه ضغوطًا مقابلة بالقوة ذاتها أو أشد، ومن ثم، لا يبدو الاتفاق نهاية للمواجهة بقدر ما يمثل مرحلة اختبار وتقييم والتقاط أنفاس؛ قد يتطور إلى تسوية أكثر استقرارًا إذا توفرت الضمانات، وقد ينهار في أي لحظة إذا تغير ميزان الضغوط أو تصاعدت الاعتراضات الداخلية والخارجية على مضمونه.

بين النووي ومضيق هرمز والعقوبات ولبنان.. تدخل مفاوضات واشنطن وطهران مهلة الـ60 يومًا وسط ملفات شائكة قد تعرقل الاتفاق النهائي. pic.twitter.com/jMZNrsFBuX

— نون بوست (@NoonPost) June 18, 2026

وبطبيعة الحال، لا يملك الإيرانيون ترف الثقة في واشنطن، وبالأخص في ترامب، الذي يصعب التعويل على ثبات مواقفه أو الالتزام بما يبرمه من اتفاقيات، في ظل ما يعاني منه من إسهال شديد في التصريحات الشعبوية والمواقف المتقلبة، ولذلك ستتعامل طهران مع الاتفاق باعتباره تفاهمًا هشًا قابلًا للنقض في أي وقت، سواء عبر ضغط إسرائيلي مباشر أو عبر تراجع أمريكي أحادي، فالبنود الفضفاضة، التي ساعدت على توقيع الاتفاق، قد تتحول لاحقًا إلى سبب لانفجاره، لأنها تتيح لكل طرف قراءته بمنطق مختلف، وتجعل الانقلاب عليه أسهل من تثبيت الالتزام به.

وإذن، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، مرشحة لتحولات جذرية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات الجيوسياسية لسنوات قادمة، وسواء مُرر الاتفاق بصيغته الحالية، أو أُعيدت صياغته لاحقًا، أو جرى الانقلاب عليه تحت ضغط الحسابات الداخلية والخارجية، فإن المؤكد أن ما بعد هذه الحرب لن يكون أبدًا كما قبلها.

وما أفرزته الحرب من نتائج يضع جميع أطراف المنطقة أمام تحديات كبرى، لا تحتمل الاكتفاء بردود الفعل أو انتظار ما ستقرره واشنطن وطهران، فالتسوية، إن صمدت رغم الشكوك، ستنتج واقعًا جديدًا، والانهيار، إن وقع، سيعيد المنطقة إلى مسار أكثر خطورة وفوضوية.

وفي الحالتين، ستكون القوى الإقليمية مطالبة بإعادة تقييم سياساتها وتحالفاتها وأدوات نفوذها، إدراكًا بأن المنطقة تدخل طورًا جديدًا من إعادة توزيع القوة، وهنا سيكون السؤال الأهم ليس نجاح الاتفاق من عدمه، بل ما إذا كانت دول المنطقة ستعي الدرس قبل فوات الأوان، فالبقاء في موقع المتفرج –كما الرهان على حماية الخارج- لم يعد خيارًا آمنًا ولا مضمونًا.

علاماتالاتفاق النووي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، ترامب رئيسًا للمرة الثانية
مواضيعالاتفاق النووي الإيراني ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، ترامب رئيسًا

قد يعجبك ايضا

سياسة

من طرابلس إلى بنغازي.. كيف تعيد تركيا هندسة نفوذها في ليبيا؟

زيد اسليم١٨ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

نهاية التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل

جوشوا ليفر١٧ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

طريق الـ61 مقعدًا.. كيف تتوزع خريطة التحالفات بانتخابات “إسرائيل” المقبلة؟

نون إنسايت١٦ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑