ترجمة وتحرير نون بوست
مع التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الأعمال العدائية على جميع الجبهات، في فرنسا يوم الأربعاء، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة هذا الاتفاق على الصمود.
لا يعالج الاتفاق جميع القضايا الجوهرية المطروحة، بل يضع إطارًا لمفاوضات مستقبلية حول البرنامج النووي الإيراني، وهو ملف قد يعرقل العملية الدبلوماسية.
كما يبقى السؤال مفتوحًا عن قدرة الاتفاق على الصمود أمام محاولات إسرائيل لتقويض فرص السلام عبر مواصلة حربها في لبنان.
رغم هذه التحديات، فإن التوقيع على مذكرة التفاهم مثّل خطوة كبرى في الاتجاه الصحيح نحو التوصل إلى تسوية تفاوضية وإنهاء أخطر أزمة عالمية في القرن الحادي والعشرين.
بعيدا عن العناوين الإخبارية، يُعد اتفاق هذا الأسبوع ثمرة أشهر من الجهود الدبلوماسية الدؤوبة والمتراكمة التي شاركت فيها عدة دول ومنظمات.
يُنسب فضل كبير لباكستان على قيادتها الثابتة والواضحة لعملية الوساطة متعددة الأطراف، حيث حافظت على استمرار مسار تفاوضي بين طرفين متنازعين قويين ومتقلبين، في مواجهة ضغوط هائلة من الرأي العالم العالمي. كما نجحت في تشكيل جبهة دبلوماسية تضم تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر.
بدا خلال هذه المفاوضات أن باكستان استلهمت من تجربة قطر، مستفيدة من شبكة علاقاتها وقنوات اتصالها الفريدة لتلعب دور الوسيط الفعّال.
نهج براغماتي
لعبت قطر دورًا محوريًا إلى جانب باكستان في التوصل إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني. فقد حطّت وفود قطرية مرتين في طهران خلال الأسبوع الماضي لإجراء محادثات مع مسؤولين إيرانيين، بما في ذلك 17 ساعة من المفاوضات المكثفة يوم الأحد تُوّجت بالتوصل إلى الاتفاق.
ومن المقرر أن تُستكمل المحادثات في الدوحة على مدار هذا الأسبوع. ورغم أن قطر برزت كوسيط مهم في النزاعات العالمية خلال السنوات الأخيرة، حيث أثبتت الدولة الخليجية براعتها في توظيف نفوذها الاستراتيجي ونهجها البراغماتي لصنع السلام، إلا أن مشاركتها في التوصل إلى الاتفاق الحالي فاجأت بعض المراقبين.
في الفترة التي سبقت الحرب، توسطت عُمان وقطر في سلسلة من المفاوضات بين الوفدين الأمريكي والإيراني. قامت عُمان بدور المنسق، بينما لعبت قطر دور الوسيط الذي ينقل الرسائل بين الطرفين.
ورأى مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول أن التوصل إلى اتفاق كان ممكنًا في تلك المرحلة. غير أن هذه الجهود انهارت بشكل دراماتيكي عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران في 28 فبراير/ شباط.
أدى اندلاع الأعمال العدائية إلى جرّ دول الخليج إلى هذه المواجهة التي اختارتها واشنطن وتل أبيب. تعرضت قطر لضربة قاسية جراء استهداف منشآت الطاقة، ما أدى إلى تدمير 17 بالمئة من قدرة البلاد على تصدير الغاز الطبيعي المسال لمدة تصل إلى خمس سنوات.
تحت وطأة الهجمات الإيرانية اليومية، تعرضت بنية الوساطة التي شيدتها قطر وعمان على مدى سنوات لهجوم مباشر. تساءل بعض المراقبين عن مدى جدوى وعقلانية موقفهما الدبلوماسي، بالنظر إلى الخطر الجسيم الذي شكّلته الحرب على دول الخليج.
خيار عقلاني
في هذا السياق، بدا الدور المتنامي لقطر في المفاوضات الأمريكية الإيرانية أكثر إثارة للدهشة. ففي 24 مارس/ أذار، أعلنت قطر رسميًا النأي بنفسها عن جهود الوساطة، مؤكدة تركيزها على حماية البلاد في مواجهة الهجمات الإيرانية.
ومع بدء انهيار وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه في 8 أبريل/ نيسان، عادت قطر إلى طاولة الوساطة بين واشنطن وطهران، حيث زار وفد إيراني الدوحة في أواخر مايو/ أيار. استأنفت قطر دورها التقليدي في الدبلوماسية المكوكية، بينما قادت باكستان جهود تسهيل للمفاوضات.
كانت عودة قطر إلى طاولة المفاوضات، بعد أن تعرضت للقصف، وبعد انسحابها العلني قبل أسابيع فقط، تشير إلى أمرٍ أساء منتقدوها فهمه باستمرار.
قاومت قطر ضغوطا من أطراف دعتها إلى قطع علاقاتها مع إيران واللجوء إلى خيارات عسكرية. لكن بعد أكثر من شهر من القتال، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد فشلتا في توجيه ضربة قاضية للدولة الإيرانية. ولم يكن من المنطق توقّع أن يؤدي أي تصعيد عسكري إضافي من دول خليجية صغيرة إلى قلب موازين المعركة.
على العكس، ظلت الوساطة والدبلوماسية أقوى أوراق قطر. فتكلفة الجهود الدبلوماسية تبقى ضئيلة مقارنة بالنفقات الهائلة والخسائر البشرية الفادحة التي تخلفها الحرب.
أرادت بعض الأطراف من قطر أن تذهب أبعد من ذلك: أن تقطع قنوات الاتصال مع طهران وتدفع باتجاه تحرك دولي لحماية عملية الوساطة. لكن الوسيط الذي ينحاز علنًا ضد أحد الأطراف يفقد صفتك كوسيط. لو قطعت قطر قنوات التواصل مع إيران، لكانت قد خسرت الميزة الأساسية التي مكّنتها من التوصل إلى اتفاق بعد أسابيع قليلة، أي التواصل المفتوح مع الطرفين.
بالنسبة لهذه الدولة الصغيرة، لا تعد الدبلوماسية استراتيجية نابعة من العجز، بل هي الخيار العقلاني لدولة فاعلة تدرك تمامًا ما الذي تستطيع تغييره، وما الذي لا يمكن تغييره.
المصدر: ميدل إيست آي