“لقد سرقوا بيوتنا وأرزاقنا، كان لدينا منزل وجيران وبستان نجتمع فيه كل يوم نحتسي الشاي مع الأقارب والجيران، الآن كل ما نريده هو سقف بيت يأوينا نهاية كل يوم”.
يسرد محمد النبكي، أحد المتضررين من المرسوم 66، ذكرياته في بيته وبستانه لـ”نون بوست”، حيث كان يقضي رفقة جيرانه وعائلته أوقاتًا باتت الآن ذكريات مؤلمة تعود به كلما زار بيته المهدوم، وبستانه المسروق.
وككثيرين غيره، بات محمد اليوم زبونًا دائمًا لدى المكاتب العقارية، يبحث عن منزل يستأجره لعائلته، بعدما كان يملك بيتًا وبستانًا ومحالّ تجارية شكّلت مصدر رزقه ورزق عائلته لسنين طويلة.
“خسرنا زرعنا الذي كنا نأكل منه، وخسرنا الروابط الاجتماعية التي كانت بيننا وبين جيراننا وأقاربنا، كنا نعيش كعائلة واحدة، والآن بعد التهجير باتت كل عائلة بمنطقة مختلفة، بعيدةً عن الأرض التي تربيّنا فيها وآبائنا وأجدادنا”، يقول محمد لـ”نون بوست” متألمًا.
ويتابع محمد: “هدموا بيتنا ومحالّنا، حتى الأنقاض تاجروا بها، ولا نعلم من سرقها واستفاد منها. خرجنا من هناك دون أن يكون لدينا أي مأوى أو سكن بديل نذهب إليه”.
البداية من 2012.. الأسد يهجر الأهالي
تذرّع الأسد المخلوع، عند إصدار المرسوم 66 في أيلول/سبتمبر 2012، بأن منطقة المزة الشرقية منطقة عشوائيات يجب تنظيمها، إلا أن النظر إلى سياسة حكم الأسدين، الأب والابن، يُظهر أنهما عملا على إنشاء العشوائيات في أطراف ومناطق مختلفة من مدينة دمشق.
فقد أنشأ الأسد عشوائيات سكنها نحو 250 ألف نسمة على سفوح جبل كان يسمى “أبو غنيم” في المزة، وصار اسمها لاحقًا المزة 86، نسبة إلى اللواء الذي أنشأه رفعت الأسد على الجبل. كما أنشأ النظام السابق عشوائيات في منطقة مرتفعة تدعى إبراهيم الخليل، أصبحت تعرف لاحقًا بـ”عش الورور”.
وفي الحي الشرقي لمعضمية الشام، أنشأ الأسد الأب عشوائيات منذ نحو 40 عامًا، تضخمت بشكل كبير لاحقًا. ويمثل الحي الشرقي فاصلًا يحمي الجهة الشرقية لمطار المزة العسكري، في حين تحمي واجهته الغربية مساكن عشوائية مشابهة تسمى “السومرية”.
إلا أن الفارق بين العشوائيات التي ادّعى النظام الحاجة إلى إزالتها والعشوائيات التي لا تزال قائمة حتى اليوم، أن منطقة المرسوم 66 ثارت ضد النظام السابق، وأعلنت رفضها للممارسات القمعية التي انتهجها منذ بداية الثورة السورية عام 2011. فقد ثار أهالي حي المزة مبكرًا ضد النظام السابق، وسجل الحي في فبراير/شباط 2012 واحدة من أكبر المظاهرات التي خرجت داخل العاصمة دمشق، شارك فيها نحو 50 ألف متظاهر.
وقال محمد النبكي، أحد سكان المزة بساتين سابقًا، لـ”نون بوست” إن الحي شهد مظاهرات منذ بدايات الثورة، خصوصًا في حيّي المصطفى والفاروق.
وبعد المظاهرات والاحتجاجات التي بدأها الأهالي، أغلق النظام السابق المنطقة بشكل شبه كامل، إذ أُقيمت الحواجز على جميع المداخل والمخارج، ولم يكن يُسمح بالدخول إلا لسكانها أو لمن يملك عقد إيجار، حيث كان يتم تدقيق الهويات بشكل صارم، إلى درجة أن أي شخص لا يثبت أن عنوانه في المزة بساتين يُمنع من الدخول، بحسب النبكي.
ويستذكر النبكي حادثة يعتبرها مفصلية، حين وصلت آليات الهدم الثقيلة “التركسات” لهدم أول منزل، وهو منزل المرحوم أبو محمود عودة، الذي توفي نتيجة صدمة هدم بيته. حينها خرج أهالي المنطقة جميعًا ونجحوا في منع التنفيذ، إلا أن الرد جاء سريعًا عبر تدخل الجيش وقوى الأمن و”الشبيحة”، الذين حاصروا المنطقة بالكامل، وأُغلق محيطها بشكل مشدد، فيما نزل عقيد مع عناصره إلى موقع الهدم وهدد الأهالي بالاعتقال، فارضًا حصارًا خانقًا لكسر إرادتهم.
وبعد تلك المواجهة، كما يروي النبكي، استُؤنفت عمليات الهدم بشكل متواصل وبحماية دوريات الأمن والشبيحة، لمنع أي اعتراض من الأهالي. وترافقت عمليات الإزالة مع إجراءات قاسية شملت قطع المياه والكهرباء والهاتف والإنترنت، إضافة إلى ردم الآبار التي تعود إلى عشرات السنين، في محاولة، وفق وصفه، لزيادة الضغط وإجبار السكان على مغادرة المنطقة بأسرع وقت ممكن.
ما تفاصيل المرسوم؟
لم ينتظر الأسد طويلًا قبل أن يعاقب أبناء المزة على ثورتهم، بعدما أدرك الخطر القادم من الحي الواقع بالقرب من السفارة الإيرانية والوزارات والمؤسسات الحكومية والقصر الرئاسي. فأصدر في 18 أيلول/سبتمبر 2012 المرسوم التشريعي رقم 66، القاضي بتنظيم مناطق السكن العشوائي داخل مدينة دمشق، وتحديدًا منطقتي جنوب شرق المزة، وتشمل بساتين الرازي وخلف مشفى الرازي وما حولها، وجنوب المتحلق الجنوبي، وتشمل أجزاء واسعة من المناطق العقارية: المزة، كفرسوسة، قنوات بساتين، القدم، العسالي، نهر عيشة، اللوان، إضافة إلى أجزاء من داريا الشرقية والجنوبية.
ونص المرسوم على إعادة تشكيل هذه المناطق عمرانيًا عبر إحداث مناطق تنظيمية جديدة، تُنقل فيها الملكيات العقارية من شكلها الفردي إلى “ملكية شائعة” بين أصحاب الحقوق، بحيث تُستبدل الأراضي والمباني القديمة بأسهم تنظيمية تعكس قيمة العقار التقديرية قبل التنظيم.
وبموجب هذا الإطار القانوني، جرى وقف جميع التصرفات العقارية داخل المناطق المشمولة فور صدور المرسوم، بما في ذلك البيع والشراء والرهن والإفراز، إضافة إلى منع أي تراخيص بناء جديدة أو تغييرات في معالم العقارات، ما أدى عمليًا إلى تجميد الوضع القانوني للعقارات تمهيدًا لإعادة تخطيطها بالكامل.
ومنح المرسوم حينها محافظة دمشق صلاحيات واسعة لإدارة العملية التنظيمية، تبدأ بحصر الملكيات وإعداد جداول دقيقة بأسماء المالكين، ثم تشكيل لجان مختصة لتقدير قيمة العقارات وفق وضعها الراهن، مع الأخذ بعين الاعتبار الأبنية والأشجار والحقوق العينية، على أن يتم التقدير استنادًا إلى قيمة العقار قبل صدور المرسوم مباشرة، مع استبعاد أي ارتفاعات سعرية ناتجة عن الإعلان عنه أو المضاربات.
وبعد التقييم، تُحوّل الأملاك إلى حصص سهمية موحدة، ليتم لاحقًا توزيع المقاسم التنظيمية الجديدة على المالكين وفق تلك الأسهم، بما يجعلهم شركاء على الشيوع في كامل المنطقة بدل الملكية الفردية السابقة.
كما يضع المرسوم آلية معقدة ومتدرجة لمعالجة الاعتراضات والحقوق، من خلال لجان إدارية قضائية مختصة بحل الخلافات وتقدير الاستحقاقات، مع منحها صلاحيات واسعة تصل إلى الفصل في النزاعات العقارية وإصدار قرارات قطعية في بعض الحالات، مع إمكانية الطعن أمام القضاء الإداري في نطاق محدود.
وأتاح المرسوم للمستحقين خيارات متعددة بعد إعادة التوزيع، تشمل التخصص بالمقاسم الجديدة، أو الدخول في شركات تطوير واستثمار عقاري، أو بيع الحصص عبر المزاد العلني، في إطار منظومة تهدف إلى إعادة إنتاج المنطقة عمرانيًا واقتصاديًا وفق مخطط حديث.
ورغم أن المرسوم ينص نظريًا على تحقيق “تعويض عادل” للمالكين والشاغلين، سواء عبر الأسهم التنظيمية أو التعويضات النقدية أو السكن البديل، إلا أن آلياته التنفيذية وما رافقها من إجراءات الإخلاء والتجميد القانوني للملكية أثارت جدلًا واسعًا حول أثره الاجتماعي والحقوقي، خصوصًا في ظل تحويل الملكيات إلى أسهم طويلة الأمد، وصعوبة حصول العديد من المتضررين على سكن بديل فعلي في المهل المحددة.
وبذلك، أعاد المرسوم صياغة العلاقة بين السكان وأرضهم داخل مناطق كاملة من دمشق، عبر إعادة تعريف الملكية من حق فردي ثابت إلى حصة تنظيمية خاضعة لمعادلات التقييم وإعادة التوزيع.
ماذا خسر المتضررون من المرسوم 66؟
اقتلع النظام السابق أهالي المناطق المشمولة بالمرسوم 66 من منازلهم وأحيائهم، فما لم يدمره بالقذائف والبراميل، دمره بالجرّافات والتهديد بالتغييب والاعتقال، وتحول المرسوم وفق الأهالي والأعيان الذين تحدثوا لـ”نون بوست” إلى سردية اقتلاع واسعة طالت المكان والناس والذاكرة معًا، وأعادت تشكيل حياة آلاف العائلات خارج سياقها الطبيعي.
يقول ياسر عباس أبو وسيم، أحد سكان منطقة المزة بساتين والمتضررين المباشرين من المشروع، والناطق الرسمي باسم “رابطة إسقاط المرسوم 66 واسترداد الحقوق”، إن الخسارة “ليست بيتًا ولا أرضًا فقط”، بل هي خسارة كاملة لـ”الوطن والبيت والبيئة والحياة التي كنا نعيشها”.
ويشير إلى أنهم كانوا يقيمون سابقًا في قلب دمشق، ووجدوا أنفسهم لاحقًا في أطرافها وأريافها، في حالة تهجير اقتصادي واجتماعي قسري، وصفها بأنها “تغريب عن المكان والناس والمستقبل معًا”، مؤكدًا أن ما قُدم من تعويضات لا يتجاوز، بحسب تعبيره، محاولة “لإسكات المطالبة بالحق، لا لجبر الضرر”.
وقال أحد أبناء منطقة المزة بساتين، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، إن المنطقة التي كانت تشكل نسيجًا اجتماعيًا متماسكًا “تشتت أهلها كما لو أنهم فقدوا موطئهم النهائي، وأصبح السكان موزعين من قطنا إلى الهامة وقدسيا وما بينها”، في تشبيه يعكس انهيار الجغرافيا الاجتماعية التي كانت تجمعهم.
ويضيف أن ما جرى أدى إلى ضياع الهوية والتراث الثقافي للمنطقة، بحيث لم يعد الجيل الجديد قادرًا على استعادة الصورة الأصلية للمكان كما كانت قبل الهدم وإعادة التخطيط.
أما المحامي الدكتور محمد جمعة حلاق، من سكان المزة بساتين والناشط في متابعة ملف المرسوم منذ بدايته، فيقدم قراءة أكثر ارتباطًا بالبنية الاقتصادية للمشروع، إذ يرى أن الخسارة بدأت من لحظة “خفض قيمة العقار عمدًا قبل التنظيم”، ما دفع كثيرين إلى التخلي عن أملاكهم بأسعار متدنية.
ويشير الحلاق إلى أن المفارقة الأساسية تكمن في أن المشروع، الذي كان يُفترض أن يرفع قيمة المنطقة عقاريًا ومعماريًا، تحول إلى أداة أضعفت قدرة السكان على التمسك بحقوقهم، لتصبح الخسارة ليست في السكن فقط، بل في القيمة المستقبلية التي كان يمكن أن تولدها تلك الأملاك لو تُركت لمسار مختلف.
أما الحقوقي والمحامي المعتصم الكيلاني، فيرى أن الضرر لا يتعلق فقط بالملكية المادية، بل أيضًا بحرمان فئات واسعة، خصوصًا المهجرين واللاجئين، من القدرة على إثبات حقوقهم ضمن المهل والإجراءات المعقدة التي وضعها لهم المرسوم، ما أدى إلى خسارة “الحق نفسه في الاعتراف القانوني بالملكية”.
ويؤكد الكيلاني أن استمرار آثار هذه السياسات دون معالجة أو جبر ضرر يعني، من منظور العدالة الانتقالية، استمرارًا للانتهاك بشكل غير مباشر، حتى لو تغيرت الظروف السياسية.
كما ضاعت حقوق سكان الحي الذين لم يكونوا موجودين في المنطقة خلال عملية الكشف على العقارات، ولم يُمنحوا أي فرصة لتسجيل عقاراتهم للحصول على بدلات الإيجار والسكن البديل، بحسب الأهالي.
ما التعويضات التي وعد بها المرسوم؟
يقدّم المرسوم التشريعي رقم 66 نموذجًا معقدًا للتعويض، لا يقوم على التعويض النقدي المباشر بقدر ما يعيد صياغة ملكية السكان داخل منظومة استثمارية وتنظيمية جديدة، حيث تتحول العقارات القائمة إلى ما يشبه “محفظة أسهم” داخل المنطقة التنظيمية.
فبدلًا من أن يحتفظ المواطن ببيته أو أرضه كما هي، يتم أولًا تقدير قيمة العقار وفق وضعه الراهن قبل صدور المرسوم مباشرة، ثم تُحوّل هذه القيمة إلى حصص سهمية داخل مشروع إعادة التنظيم، ليصبح المالك شريكًا شائعًا في كامل المنطقة، لا في عقاره القديم تحديدًا.
فمثلًا، إذا كان شخص يملك منزلًا في منطقة جنوب المزة القديمة، فإن هذا المنزل يُقيّم ماليًا كما هو، ثم يُمنح صاحبه أسهمًا تعادل تلك القيمة، ليتم لاحقًا استبدالها إما بمقسم جديد، أي عقار، ضمن المخطط التنظيمي، أو بحقوق استثمارية في المشروع.
كما يتضمن المرسوم تعويضات محدودة مرتبطة بالخسائر الزراعية أو الأشجار والمزروعات التي يتم اقتلاعها، حيث تُدفع قيمتها من صندوق خاص بالمنطقة التنظيمية.
وبحسب السكان الذين تحدثوا لـ”نون بوست”، يتضح أن التعويضات الواردة في مشروع التنظيم كانت بمثابة تحويل قسري للخسارة إلى صيغة مالية وإدارية معقدة، يختلط فيها التعويض بالاقتطاع وبإعادة توزيع الملكية، أكثر مما تجسّد فكرة “الإنصاف” كما يصفها المتضررون.
يقول المحامي الدكتور محمد جمعة حلاق، أحد سكان المزة بساتين، إن المشكلة تكمن في طريقة تقدير القيمة وآلية تحويل العقارات إلى أسهم، وإن “خفض قيمة السهم” في مراحل سابقة دفع كثيرين إلى بيع أملاكهم أو التنازل عنها بأسعار متدنية، ما حوّل التعويض إلى خسارة مضاعفة لا تظهر في النص القانوني، بل في التطبيق.
ويضيف الحلاق أن غياب السكن البديل الفوري أجبر بعض الأهالي على بيع أسهمهم أو حقوقهم بأبخس الأثمان، وهو ما جعل التعويض، في صورته النهائية بالنسبة لهم، أقرب إلى إعادة تدوير للخسارة منه إلى تعويض فعلي عنها.
وبموجب المادة 45 من المرسوم 66، كانت المدة المحددة لمنح السكن البديل بعد أربع سنوات من تاريخ صدور المرسوم عام 2012، أي إن السكن البديل كان يفترض أن يكون جاهزًا عام 2016، لكن عندما فشلت محافظة دمشق في تأمين السكن البديل خلال هذه المدة، جاء القانون رقم 10 لعام 2018، وجعل في المادة 25 مدة تسليم السكن البديل بعد أربع سنوات من تاريخ إخلاء المنزل، بدلًا من أربع سنوات من تاريخ صدور المرسوم 66.
إلا أن التعويضات التي وعدت بها المحافظة جرى التحايل والمماطلة في تنفيذها، إذ تلاعبت اللجنة المتخصصة بتقييم عقارات الأهالي بطبيعة وتفاصيل هذه العقارات، كما منح المرسوم بدل إيجار سنويًا ضعيفًا جدًا مقارنة بتكاليف الإيجار في ذلك الوقت، بحسب الأهالي.
وقال أحد سكان منطقة خلف الرازي لـ”نون بوست” إن منظومة السكن البديل نفسها حملت شروطًا قاسية، إذ فُرضت دفعات شهرية على ما يُعرف بدفتر السكن البديل، بنحو 33 ألف ليرة شهريًا، مع تهديد بإلغاء الدفتر في حال التأخر عن الدفع لثلاثة أشهر، إضافة إلى دفعة أولية وصلت إلى 10% من قيمة السكن، بلغت حينها نحو 6.5 ملايين ليرة، مع وعد بدفعة لاحقة أكبر عند التخصيص، ما اعتبره شروطًا “تعجيزية” دفعت كثيرين، وفق وصفه، إلى التخلي عن حقوقهم وبيعها قسرًا واضطرارًا.
كما أن الأهالي اضطروا إلى دفع ثمن السكن البديل، في حين كانوا سابقًا يعيشون في منازل يملكونها. فبأي حق باتوا اليوم بحاجة إلى دفع أقساط على مدى 10 أعوام كي يحصلوا على شقق أصغر من بيوتهم السابقة، وفي مناطق بعيدة ومختلفة تمامًا عن منطقتهم الأصلية؟
بعد سقوط الأسد… لماذا ما يزال الملف مفتوحًا؟
أحيا سقوط نظام الأسد المخلوع الأمل لدى أهالي منطقتي المزة وكفرسوسة الذين صودرت أملاكهم بموجب المرسوم التشريعي رقم “66”، وعمد الأهالي المتضررون منذ صدور المرسوم “66” إلى تجميع أنفسهم وتقدير أضرارهم وتنظيم مطالبهم، ضمن مجموعات على منصات التواصل الاجتماعي، لعدم وجود قسم كبير منهم داخل سوريا لأسباب مختلفة.
إلا أن الأهالي تفاجؤوا في 24 تموز/يوليو 2025، بأن محافظة دمشق عرضت مشروع المنطقتين التنظيميتين ماروتا سيتي وباسيليا سيتي ضمن خارطة استثمارات متنوعة بمليارات الدولارات خلال المنتدى الاستثماري السعودي – السوري.
وعلى إثر الاحتجاجات المتواصلة التي نظمها أهالي المنطقة المتضررون من المرسوم، والمحتجون على قرار محافظة دمشق مواصلة أعمال البناء في المنطقة، أعلن محافظ دمشق، ماهر مروان إدلبي، في 20 تشرين الأول/أكتوبر، تجميد تنفيذ المرسوم “66” في مناطق باسيليا سيتي وغيرها، لحين مناقشة التشريعات والقوانين عبر مجلس الشعب، والوصول إلى رؤية صحيحة تراعي حقوق المواطنين.
وقال إدلبي إن المحافظة مضت بخطوات في منطقة “ماروتا”، من خلال لجان فنية من وزارة الإدارة المحلية والمحافظة، وبمشاركة منتدبين وممثلين من حي المزة، عبر معروض موقع من الأهالي لدراسة المشكلات العالقة وحلها.
وأوضح أن هناك دراسة لتشكيل لجان فنية متخصصة من الجهات صاحبة الاختصاص والنقابات المعنية، لتعزيز مشاركة ممثلين من أهالي منطقتي المرسوم “66”، للنظر والتحقق من جميع الثغرات والأضرار التي انعكست على المواطنين جراء تطبيق المرسوم في منطقة “ماروتا”، وإيجاد الحلول والمقترحات وتقديم التوصيات لرد المظالم.
إلا أن الاجتماعات والنقاشات التي دارت بين المحافظة وممثلي الأهالي لم تفضِ إلى حل يرضي الطرف المظلوم، إذ أصدرت المحافظة في 5 أيار/مايو 2026 بيانًا أوضحت فيه تعديلات المرسوم. وتضمن البيان رفع بدل الإيجار لمستحقي السكن البديل 35 ضعفًا عن السابق، إلا أن الأهالي اعتبروا هذه النسبة نكوصًا عن الاتفاق الذي تم بينهم وبين المحافظة، إذ جرى الاتفاق خلال جلسات النقاش على نسبة 50 ضعفًا، بحسب ما تحدث ممثلون ممن حضروا الاجتماعات مع المحافظة لـ”نون بوست”.
قال مصدر من لجان المجتمع المحلي، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، لـ”نون بوست” إنهم قدموا للمحافظة اقتراحات بديلة من شأنها أن تخفف عن الأهالي وتعوضهم جزئيًا عن حقوقهم التي سُلبت، مثل الاقتطاع من المساحات الخضراء، التي تبلغ نسبتها نحو 34%، مقابل بناء أبراج للسكن البديل، أو إنشاء فيلات على الخط الشريطي الموازي لمنطقة الفيلات الشرقية، عند شارع الفارابي.
وجاء ذلك بعد اعتراض المحافظة على مقترح آخر يقوم على إنشاء نحو 60 “فيلا”، مع اعتبار كل “فيلا” معادلة في تقييمها لبرج سكني، إلا أن المحافظة رفضت هذه المقترحات.
ويرى الحقوقي والمحامي المعتصم الكيلاني أن الجدل الدائر حول المرسوم يتعلق بكونه امتدادًا لسياسات أنتجت ظلمًا واسعًا لم يُعالج حتى اليوم. ويوضح أن تقييم المرسوم من منظور العدالة الانتقالية يجب أن يشمل السياق السياسي الذي أُقر فيه، والنتائج التي ترتبت عليه لاحقًا.
ويؤكد الكيلاني أن استمرار تطبيق المرسوم بآثاره القديمة، من دون مراجعة شاملة أو إنصاف للمتضررين، قد يُنظر إليه باعتباره استمرارًا عمليًا لنتائج سياسات النظام البائد، حتى وإن تبدلت السلطة السياسية.
ويضيف أن جوهر المشكلة لا يكمن في بقاء المرسوم بحد ذاته، بل في بقاء المظالم التي خلّفها من دون معالجة حقيقية، إذ إن حرمان المتضررين من تعويض عادل أو من استعادة حقوقهم يتعارض بصورة مباشرة مع مبادئ العدالة الانتقالية القائمة على جبر الضرر والإنصاف ومنع تكرار الانتهاكات.
ويرى الدكتور في القانون العام أحمد قربي أن الإبقاء على المرسوم 66 وآثاره كما هي يعني عمليًا استمرار حالة الظلم التي رافقت تطبيقه خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن أي مقاربة للملف بعد سقوط النظام يجب أن تنطلق من مبدأ تخفيف الضرر الواقع على المتضررين، لا تكريسه.
ويوضح قربي أن العودة إلى نقطة الصفر، أو إعادة الأراضي إلى أصحابها بالشكل الذي كانت عليه سابقًا، لم تعد خيارًا واقعيًا في ظل التحولات العمرانية والاستثمارات التي أُنجزت على الأرض، إلا أن ذلك لا يبرر تجاهل الحقوق التي فُقدت أو الخسائر التي تكبدها الأهالي.
وبحسب قربي، فإن العدالة الممكنة في هذه المرحلة لا تعني بالضرورة استعادة كل حق ضائع بصورة كاملة، وإنما تقليص الفجوة التي خلّفتها السياسات السابقة، وتخفيف آثار الظلم الذي نتج عنها، بما يمنع استمرار النهج ذاته الذي حرم آلاف المالكين من الشعور بالإنصاف والعدالة.
ماذا يطلب المتضررون اليوم؟
لا يطالب الأهالي اليوم، وفق الشهادات التي حصل عليها “نون بوست”، بتحسينات جزئية أو زيادات محدودة على بدلات الإيجار، بل يطالبون بما يصفونه بـ”جبر الضرر الكامل” عن سنوات طويلة من الخسائر التي لحقت بهم منذ صدور المرسوم.
ويقول متضررون إن ما قُدم لهم تحت مسمى التعويض لا يرقى إلى حجم ما فقدوه من منازل وأراضٍ ومصادر رزق واستقرار اجتماعي، معتبرين أن الزيادات الأخيرة على بدلات الإيجار لا تمثل تعويضًا حقيقيًا بقدر ما تشكل محاولة لاحتواء غضب الأهالي من دون معالجة جوهر القضية.
ويؤكد الأهالي أن مطالبهم تبدأ من الاعتراف بحجم الضرر الذي تعرضوا له نتيجة التهجير وفقدان المساكن وتحمل أعباء الإيجارات لسنوات طويلة، ولا تنتهي عند استعادة حقوق الذين اضطروا إلى بيع أسهمهم أو حقوقهم في السكن البديل تحت ضغط الحاجة والظروف الاقتصادية والأمنية التي رافقت سنوات الحرب.
كما يطالبون بإعادة النظر في أوضاع الأسر التي خسرت حقها في السكن البديل، وإيجاد آليات تضمن حصولها على مساكن ضمن المنطقة نفسها التي كانت تقطنها.
وتتجاوز مطالب الأهالي ملف المساكن إلى قضايا أخرى يرون أنها ظلت مهمشة طوال السنوات الماضية، وفي مقدمتها تعويض أصحاب المحال التجارية التي أُزيلت أو فقدت قيمتها الاقتصادية، وتعويض أصحاب الأراضي الزراعية التي لم تؤخذ قيمتها الحقيقية بعين الاعتبار أثناء عمليات التخمين والتقييم، إضافة إلى معالجة الاعتراضات المتعلقة بآليات احتساب الأسهم التنظيمية، التي يقول متضررون إنها تجاهلت أجزاء من ممتلكاتهم وحدائق منازلهم ومساحات أخرى كانت تشكل جزءًا أساسيًا من ملكياتهم.
كما يطالب كثيرون بإعادة التدقيق في العقود والبيوع التي جرت خلال سنوات النزاع، ولا سيما تلك التي تمت في ظروف استثنائية دفعت أصحاب الحقوق إلى البيع بأسعار متدنية، معتبرين أن العدالة تقتضي إعادة النظر في هذه الحالات ضمن إطار قانوني يراعي الظروف القسرية التي أحاطت بها.
وتستند هذه المطالب، بحسب رابطة إسقاط المرسوم 66 واسترداد الحقوق، إلى أحكام الإعلان الدستوري الجديد، ولا سيما المواد المتعلقة بإزالة آثار التشريعات والإجراءات الاستثنائية، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، واسترداد الحقوق.
وترى الرابطة أن معالجة المظالم الناتجة عن المرسوم 66 لا يمكن فصلها عن مسار العدالة الانتقالية في سوريا، لأن القضية تمس بصورة مباشرة حقوق الملكية والسكن والاستقرار الاجتماعي لآلاف العائلات التي فقدت ارتباطها بأحيائها الأصلية.
كما يعوّل أصحاب الحقوق على مجلس الشعب، حين انعقاد أولى جلساته، لإنصافهم عبر مراجعة وإلغاء التشريعات الاستثنائية المخالفة لمبادئ العدالة والدستور، وفي مقدمتها المرسوم 66.
ومن هذا المنطلق، يطالب الأهالي بإلغاء الآثار القانونية والإدارية والتنظيمية المترتبة على المرسوم، ورد الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، وإدراج ملف المتضررين ضمن ملفات العدالة الانتقالية التي تنظر فيها الجهات المختصة، باعتبار أن إنصافهم خطوة أساسية في مسار معالجة إرث طويل من المظالم، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة.