نادرًا ما عرفت الحرب التقليدية -في عصر ما بعد الثورة الصناعية- قياسًا يُرجح كافة طرف على آخر، سوى العدد والعتاد، ولم تُعرف نهاية أخرى لتحديد المنتصر في الحرب سوى أن يدمر جيشًا، جيش العدو ويفكك البنية التي تُبقي الدولة حية والمجتمع قادر على الاستمرار.
من جملة التحولات التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، كان تحولًا في مفهوم قياس القوة في الحرب، ومفهوم معنى النصر، وقد كشفت لنا الحرب الإيرانية -التي ما زالت بلا نهاية حتى الآن- برهانًا على هذه الفرضية التي نحاول تفكيكها عبر هذا التقرير، حيث نرى كيف بات ضرب سلاسل التوريد، والتكنولوجيا الحيوية، ومصادر الطاقة والمعادن والمياه والغذاء، يشكل نقلًا لآليات الحرب من قوة النيران التقليدية إلى القدرة على إحداث شلل هيكلي، ومن جهة أخرى، كيف تحاول دول أخرى خلق امتداد للحرب دون جولات معارك، من خلال الإبادة البيئية.
المثير للدهشة في هذا التحول، أنه قد نبع من داخل الفكرة الليبرالية التبشيرية بفوائد العولمة والتكنولوجيا، حيث رُوجت العولمة على أساس كونها لغة حوار عالمية قائمة على التبادل الاقتصادي بإمكانها أن تقلل من أهمية الحرب كامتداد للسياسة بوسائل أخرى -على حد مقولة كلاوزفيتز- فمن خلال الاعتماد الاقتصادي المتبادل والعولمة ستصبح للحرب كُلفة كبيرة بحيث تتراجع الدول عن خيارها الحربي، فتنشأ تجارة وشبكات تجمع الخصوم، بدلًا من أن تفرقهم، وقد نشأت تلك الشبكات بالفعل وتضخمت الأهمية الحيوية لأمن سلاسل التوريد تبعًا لذلك، فهي لم تعد فقط مسؤولة عن النفط والغذاء والعلاج، بل باتت مسؤولة عن أمن التكنولوجيا والمصادر الهامة التي تدخل في صناعات الذكاء الاصطناعي، ولكن ما لم يحدث، أنها لم تجمع الخصوم، بل اقترحت وسائل جديدة للحرب.
كيف مهدت العولمة لعصر جديد من الحروب؟
في ورقة بحثية نقدية للعولمة منشورة عام 2019 يرى الباحثان هنري فاريل وأبراهام نيومان أن الخلل في الطرح الخاص بالعولمة، في افتراض أن الاعتماد المتبادل بين الدول سيرفع كلفة الحروب، يكمن في الاستنتاج بأن الدول ستتصرف بالتالي بسلمية مستمرة، على الرغم من أن الشبكات الاقتصادية العالمية ليست متماثلة البنية، بل تتمركز حول عُقد محدودة، مالية أو معلوماتية أو لوجستية، وتلك العُقد تمنح الدول التي تسيطر عليها قدرة على تسليح فكرة “الاعتماد المتبادل ذاته” سواء عبر تجميع المعلومات الحساسة أو عبر حجب الوصول إلى الشبكة عن خصم بعينه مثلًا، وهنا يتجلى الدور الذي لعبته العولمة في إضفاء صبغة جديدة على الحروب، وليس الحد منها.
هذا التأصيل النظري الذي يطرحه فاريل ونيومان يفسر سلوكًا بات مألوفًا في العلاقات الدولية في الوقت المعاصر حيث نرى: عقوبات مالية، ضوابط تصدير الرقائق، حجب المعادن الحرجة، حصار الممرات البحرية، وكل ذلك بات أدوات حرب لا تقل فعالية عن الصواريخ، بل أحيانًا تتفوق عليها لأنها تضرب القدرة على الاستمرار، ليس فقط القتال.
وقد أكد الباحثان الفكرة مرة أخرى في أعقاب الحرب في الشرق الأوسط من خلال مقالة منشورة في مجلة “فورين أفيرز” في أغسطس/آب 2025، حين وصفا الحالة الاقتصادية الحالية، أنها “اقتصاد عالمي مُسلح” في عالم تُعاد فيه صياغة نقاط التحكم الكثيرة المغروسة في بنية الاقتصاد المترابط، لتتحول إلى أسلحة عقوبات واختناقات سلاسل التوريد.
من خلال ورقتنا، ننشد أن نرسم خريطة لهذا التحول عبر عدة محاور تتسلسل بشكل منطقي، من خلال مسارٍ يتشابك فيه التاريخ مع الجغرافيا السياسية والمشهد السياسي العالمي. فنرى الجغرافيا السياسية للرقائق الإلكترونية والممرات البحرية وأمن الطاقة، ونعبر على الإبادة البيئية كسلاح إخضاع بات فعالًا عيّانًا بيّانًا، ثم الصراع على المعادن الحرجة، ومن خلال تلك المساعي نحاول تحليل نقاط الضعف البنيوية لدى القوى العظمى نفسها كالولايات المتحدة والصين، والتي تستغلها القوى الإقليمية التي تقاوم إرادات تلك القوى، لإعادة خلط موازين القوى.
من كورونا إلى غزو أوكرانيا فحرب إيران.. جرس إنذار متكرر
أثناء جائحة كوفيد-19، أدرك الكثير من الدول في العالم أن سلسلة التوريد هي خط الدفاع الأول لأمن الدول، فلقد كشفت الجائحة اعتماد دول كبرى على رأسها الولايات المتحدة وأوروبا على الصين والهند في إنتاج المكونات الصيدلانية الأساسية ومعدات الحماية الشخصية، إلى درجة دفعت معهد “راند” الأمريكي إلى التحذير من أن الثغرات الجدية في سلاسل التوريد تمثل تهديدًا للأمن القومي، يستوجب فهمًا أعمق، بينما وجد استطلاع أجراه “المجلس الأطلسي” أن نحو 45% من خبراء الأعمال لم يكونوا يضعون في حسابهم احتمال اختلال سلاسل التوريد قبل الجائحة.
بمجيء الحرب الروسية الأوكرانية في مطلع عام 2022 دق جرس الإنذار ثانيًة، حين واجهت أوروبا أزمة في صادرات الطاقة التي كان جُلها يأتي من روسيا، ما جعل روسيا عند صدام الدول الأوروبية معها، تمتلك ساحة تنافس استراتيجي تعطيها القدرة على الترصد والإكراه وإنزال العقاب أيضًا،لكن جرس الإنذار الأكبر، لم يكن قد أتى بعد.
في الوقت الحالي، حينما نتحدث عن القدرة على إحداث شلل هيكلي وخنق الاقتصاد العالمي قاطبة، تذهب الأنظار تجاه مضيق هرمز، وكأن البشر غفلوا فاستيقظوا وعرفوا أن حياتهم تستمر رهينة بسلاسة العبور داخل هذا المضيق بشكل يومي. لكن هرمز لطالما كان موجودًا، فكما يقول الرئيس هاري ترومان: “لا جديد في هذا العالم، إلا بقدر ما تجهله من التاريخ”. وهو يعطينا الدرس التاريخي في المساعي للسيطرة على حرب سلاسل الإمداد، التي وجدت تجليها في حرب العام 2026.
السنتكوم أم السيلكوورم.. لمن السيطرة؟
لو عاد التاريخ بالولايات المتحدة، لربما تختار أن تحتل إيران بدلًا من أن تدعم قيامها كدولة في مفاوضات السلام ونهاية الحرب العالمية الأولى في باريس، ومرة أخرى، في أعقاب الحرب العالمية الثانية بتدمير الطموحات السوفيتية في إيران، لتصبح إيران بمثابة منطقة عازلة بين النفوذ الأمريكي والسوفيتي في الشرق الأوسط. في تيّنك المحطتين التاريخيتين.
ففي المرة الأولى لم يكن الدور العظيم الذي يلعبه النفط في التاريخ البشري قد اُكتشف بعد، وفي الثانية، لم تكن الولايات المتحدة قد ورثت مناطق النفوذ الإمبريالي الغربي بشكل كامل. لكن الولايات المتحدة مع ذلك، حافظت على أن يكون النظام في طهران صديقًا طيلة العقود الثمانية الأولى من القرن العشرين، قبل أن ينفرط العنقود في العام 1979.
في العام 1979 باتت إيران جمهورية إسلامية، وغزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان. الحادثة الأولى أنتجت عدو أيديولوجي للولايات المتحدة، والثانية اعتبرتها الولايات المتحدة تقدمًا سوفياتيًا نحو مياه الخليج.
في أثناء أزمة الرهائن كان للجيش الأمريكي خطة يذكرها الكاتب ديفيد كريست في كتابه “حرب الشفق: ثلاثين عامًا من الخفايا الصراع الأمريكي-الإيراني” حيث وضع الجيش خطة لفرض حصار بحري على إيران وخطة تستخدم فيها قوات بحرية تدعمها طائرات تنطلق من الحاملات للاستيلاء على جزيرة “خرج” الإيرانية التي يتدفق 95% من إجمالي النفط الإيراني إلى الناقلات المنتظرة.
ففي تلك الجزيرة آنذاك لم تكن هناك حراسة كبيرة ومن السهل نسبيًا الوصول إليها. لكن مخاطر تلك الخطة التي استعلم عنها الرئيس كارتر قبل أن يعتمدها تمثلت في أن اليابان التي تستورد من إيران 10% من مجمل النفط الذي تستهلكه قد تتأثر بشدة، بالإضافة لنقص النفط في السوق العالمية ما من شأنه أن يرفع أسعار النفط بنسبة تتراوح من 15 إلى 30%، كم أن تلك الخطوة يمكنها أن تؤدي إلى مقتل الرهائن كرد فعل إيراني، ولذلك، آثر كارتر خطة مخالب النسر لتحرير الرهائن والتي فشلت أيضًا.
لكن كارتر كان يمتلك خطة أخرى، واضعًا في اعتباره الغزو السوفييتي وأزمات الثورة، في خطاب حالة الاتحاد عام 1980 سك كارتر ما بات يُعرف باسم “عقيدة كارتر“، التي نصت على أن أي محاولة قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي، ستعتبرها الولايات المتحدة عدوانًا على مصالحها، وستقابلها بالقوة العسكرية إذا لزم الأمر، نظرًا لأن تلك المنطقة مصدرًا لأكثر من ثلثي النفط القابل للتصدير في العالم.
في كتابه يرى كريست أن عقيدة كارتر تلك استحالت لتكون أسسًا لبنية عسكرية كاملة هي قوة الانتشار السريع المشترك والتي تطورت لاحقًا إلى ما بات يُعرف باسم “سنتكوم” وهي القيادة المكلفة تحديدًا بمنطقة الخليج وآسيا الوسطى وشرق إفريقيا، وأتت الحرب العراقية الإيرانية، لتختبر السنتكوم.
مع اشتداد ما عُرف باسم “حرب الناقلات” بين عامي 1984 – 1988 في خضم الحرب العراقية الإيرانية، بدأت السفن التجارية المتجهة من وإلى الكويت تتعرض لهجمات متكررة في مياه الخليج، لتطلق الولايات المتحدة ما عُرف باسم “عملية العزم الثابت” لتصبح أول تجسيد عملياتي مباشر لعقيدة كارتر على الأرض، حيث بات على عاتق السنتكوم أن تؤمن الناقلات ذهابًا وعودة عبر مضيق هرمز من تلك اللحظة وخلال كل أزمة إقليمية في الشرق الأوسط.
تلك الخطوة، كانت مجرد مسكن لصداع نصفي مزمن ما دامت إيران تُسيّطر على مضيق هرمز، وهنا تتكشف أدوار أخرى للولايات المتحدة وحلفائها خلال سنيّ الحرب.
عند النظر في حرب طاحنة لمدة ثمانيّة سنوات، شهدت عدد الضحايا الأكبر في التاريخ البشري في القرن العشرين -خلا الحربين العالميتين- يبرز تساؤل، كيف ولماذا نجت منشآت النفط الإيرانية الحيوية من هجمات صواريخ الإكزوست العراقية، وطائرات السوبر اتندار التي كانت فخر السلاح الجوي العراقي؟
لقد دعمت القوى العظمى -الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي- والإقليمية -دول الخليج ومصر واليمن والأردن- العراق في حربه ضد إيران، ورغم ذلك، ورغم الاحتلال الإيراني مناطق عراقية، لم يقم العراق بضربة حاسمة ضد منشآت النفط في جزيرة “خرج”، ووفقًا للمؤرخين ماريون فاروق سلوغليت وبيتر سلوغليت في كتابهما “من الثورة إلى الديكتاتورية: العراق منذ 1958″، لم يرغب العراق بالقيام في مثل هذه الضربات، لأن القوى الداعمة أخذت على محمل الجد تهديد الخميني بأنه إذا تم التعرض لصادرات النفط الإيرانية، فلن تعبر أية نقطة نفط عبر مضيق هرمز، فضغطوا على العراق كي لا يهاجم جزيرة خرج.
هكذا كانت إيران، والعالم، مدركان لقواعد الاشتباك التي تحطمت في حرب العام 2026.
إيران في الخفاء كانت تُجهز شيئًا آخر، وجديد، للرد على دور السنتكوم في تأمين ناقلات النفط، ولتُحكم به سيطرتها الكاملة على المضيق وابتزاز اقتصاد العالم أجمع إن أرادت، وكان هذا في العام 1986 بالتحديد.
يذكر كريست أن إيران حين علمت بدور السنتكوم في تأمين الناقلات قال الرئيس الإيراني آنذاك على خامنئي أن طلب الكويت الحماية من الولايات المتحدة يُعد إهانة للمنطقة، وحذر من أن مدينة الكويت ومنشآتها النفطية تقع في مرمى القوات الإيرانية، وأضاف إن إيران لم تستخدم بعد كامل قدراتها للضغط على الكويت.
ماذا كان يقصد؟ في شهر أغسطس 1986 سافر العميد البحري كنوش حكيمي إلى الصين لعقد صفقة سرية تهدف إلى شراء صواريخ كروز القوية المضادة للسفن من طراز “سيلكوورم” القادرة على إغراق أي سفينة حربية أمريكية وقد وافقت الصين على بيع اثنتي عشرة قاذفة وما يصل إلى مئة صاروخ، وقد علمت الاستخبارات الأمريكية على الفور بالصفقة وواجه وزير الدفاع الأمريكي واينبرغر نظيره الصيني بهذا الأمر في اجتماع لهما في البنتاغون، حيث نفى الصين أن تكون صفقة من هذا النوع قد تمت، لكن واينبرغر أعلمه: “لقد حصلنا عبر الأقمار الصناعية والتصوير الفوتوغرافي على صور لأول شحنة غادرت الصين وتم تفريغها في بندر عباس”.
هكذا، بحلول يناير 1987 كانت لدى إيران بطارية سيلكوورم واحدة عاملة، وقد أعلنت عن هذا الواقع عبر إطلاقها صاروخًا باتجاه ميناء الكويت قبل اجتماع منظمة التعاون الإسلامي. وبدأت ببناء سلسلة من عشر منصات إطلاق إسمنتية للصواريخ، طوقت بها مضيق هرمز، وأعلنت وكالة الاستخبارات المركزية ذلك تهديدًا كبيرًا جديدًا لسفن الشحن الخليجية والسفن الأمريكية، فقد باتت إيران تمتلك الوسائل لعرقلة صادرات النفط بصورة جدية، وبوسع صاروخ “سيلك وورم” مداه خمسون ميلاً بحريًا أن يحول ناقلة نفط عملاقة وزنها أربعمئة ألف طن إلى كومة من الخردة، كما أصبح بإمكان إيران السيطرة على مضيق هرمز ومهاجمة أي سفينة تدخل إليه أو تخرج منه.
هكذا، بدأت مرحلة تاريخية جديدة من السيطرة على سلاسل التوريد، ستُعبر فيها إيران عن سيادتها على المضيق والاقتصاد العالمي، بالصواريخ والألغام والفتح والغلق، وقد نقلت تلك الخبرة كذلك، لأذرعها العسكرية.
حرية ومجانية الملاحة البحرية قد تصبح من الماضي
ثمّة دول أخرى تهيمن على مضائق، لكنها لا تمتلك السيطرة الكاملة عليها. في أبريل/نيسان الماضي صرح وزير المالية الإندونيسي قائلًا: “إذا قمنا بتقسيم عائدات رسوم المرور بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الإيرادات”. كان يُشير إلى عائدات مضيق ملقا، الذي يعبر منه ما يقرب من ربع التجارة البحرية العالمية وأكثر من 80% من واردات النفط الصينية.
يٌشكل مضيق ملقا أحد نقاط الضعف الرئيسية التي تُهدد الاقتصاد الصيني والتي بإمكانها أن تخنقه، ولقد كان واعيًّا لهذا الأمر الرئيس الصيني جين تاو بتلفظه بعبارة “معضلة ملقا” في العام 2003، ومنذ ذاك الوقت، بات الخطاب الصيني الاستراتيجي يرتكز على عدم ترك مضيق ملقا لأي قوى مُعادية.
لذلك، بنت الصين استراتيجية جديدة تعتمد على تنويع الاعتمادية، من خلال بناء موانئ بحرية في جيبوتي وسريلانكا وباكستان وميانمار، وهي الاستراتيجية التي عُرفت باسم “عُقد اللآلئ” التي تهدف إلى عدم اعتماد الصين على نقطة اختناق بحرية واحدة، لكن تلك الاستراتيجية ما زالت حتى اللحظة محدودة الأثر، في حالة نشوب صراع تسبب في إغلاق مضيق هُرمز كما حدث، أو يُهدد مضيق ملقا.
عمومًا، تراجع وزير الخارجية الإندونيسي عن تصريحات وزير ماليته فيما بعد بأن قال إن بلاده “تحترم حرية الملاحة ولن تفرض رسوم عبور على مرور السفن عبر مضيق ملقا بالطبع”، ولكن، نموذج إيران وهرمز، سيظل شاخصًا في الأفق، إذا ارتأت تلك الدول رؤية أخرى، كما يطرح تقرير رويترز.
لكن وإن كانت بعض الدول التي تُسيّطر على شرايين رئيسية حيوية لسلاسل الإمداد لا يمكنها أن تفرض سطوتها عليها في الوقت الحالي، فهناك من الميليشيات التي تكمن قوتها الرئيسية فقط، في السيطرة على شرايين مماثلة.
ليس بعيدًا عن مضيق ملقا، تمر حوالي 15% من التجارة البحرية العالمية عبر قناة السويس، والتي تحتاج إلى مضيق باب المندب لإكمال رحلة العبور. وبالنسبة للصين، يمر سنويًا عبر المضيق نحو 160 مليار دولار من صادراتها بما فيها 60% من تلك المتوجهة إلى أوروبا.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 واندلاع حرب الإبادة على غزة، حولت جماعة “أنصار الله” الحوثية موقعها الجغرافي المتاخم لمضيق باب المندب الذي كان يمر منه 9 ملايين برميل نفط يوميًا، إلى سلاح فعلي، فقد استهدفوا أكثر من مئة سفينة تجارية، ودفعوا كبرى شركات الشحن العالمية إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، بكلفة إضافية تجاوزت مليون دولار للرحلة الواحدة، وعشرة إلى أربعة عشر يومًا إضافيًا.
لم تكن الصين وأوروبا والاقتصادات الكبرى فقط التي تضررت، فلقد تسببت تلك الأزمة في انخفاض حركة سفن الحاويات عبر قناة السويس بنسبة 90% في عام 2024، ما جعل إيرادات القناة تنخفض لأدنى مستوى منذ عقدين، بينما ارتفعت أسعار الشحن إلى 80% لمسافة بين روتردام الهولندية وشنغهاي الصينية بين عامي 2023 و2025.
أثبت الحوثي قدرته على خنق الاقتصاد العالمي، إلى درجة دفعت الباحث جيم كرين في ورقته البحثية في معهد بيكر أن يصف تلك الهجمات بأنها فرضت “عقوبات اقتصادية” على داعمي “إسرائيل”، حيث تضررت الكثير من الدول على رأسها دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول الخليج العربي مما ترك أثرًا على علاقتهم مع “إسرائيل”. وقد أثبت السلوك الحوثي، أن العقوبات الاقتصادية لا تفرضها الدول فقط، بل يمكن لجماعات ميليشياوية أن تفرض ذات العقوبات وبشكل غير مباشر خارج نطاق الأمم المتحدة، وتكون لها نتائج على سلوكيات الدول أكثر فعالية من العقوبات النظامية. وهذا ما يؤكده الباحث سكوت رومانيوك قائلًا: “أصبح الفاعلون من غير الدول يمكنهم اليوم التأثير في التجارة والسياسة الإقليمية بما يتجاوز حدودهم الجغرافية بكثير، بسبب حملات متكررة تلعب على قابلية السيطرة على أماكن حساسة للاختناقات البحرية الكبرى من هرمز إلى ملقا”.
وكل هذا بفضل العولمة، حيث يرى الباحثون في مجلة الدبلوماسي المتخصصة في الشأن الأسيوي في مقالة تحت عنوان “الصين ونقاط الاختناق البحرية: هرمز، ملقا، ونقطة الضعف في المحيط الهادئ”، أن الأهمية المتزايدة للممرات المائية الحيوية تبرز بسبب أن: “العولمة لا تزال تعتمد بشكل أساسي على الأمن البحري، ومع اشتداد المنافسة بين القوى العظمى، من المرجح أن يظل التنازع على الممرات المائية الحيوية سمة استراتيجية بارزة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تمتد من قناة السويس والبحر الأحمر إلى مضيق ملقا وما وراءه. وبدلًا، من أن تكون هذه الممرات قنوات محايدة للعولمة، فقد أصبحت مواقع هيكلية للتنافس الجيوسياسي، تُشكل، بدلًا من أن تُسهل، توزيع القوى العالمية”.
درع السيليكون.. أم حزام ناسف؟
للاقتصاد الرقمي المعاصر سمة رئيسية تتمثل في أن القدرة على تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، باتت معيارًا للسيادة يوازي أهمية القوة العسكرية التقليدية. لذلك، ينتظر الجميع أن تندلع الحرب العالمية الثالثة، إذا اندلعت، من جزيرة تايوان.
عبر شركتها العملاقة TSMC تُنتج تايوان أكثر من 90% من أكثر الرقائق تقدمًا في العالم (تقنيات دون 7 نانومتر) وهي الرقائق التي تشغل كل شيء من الهواتف الذكية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي وأنظمة التسليح المتقدمة.
هكذا أصبحت تايوان شريان حيوي للتكنولوجيا العالمية بالكامل، ولامتلاكها ذلك السبق التكنولوجي، باتت تمتلك سلاحًا ليس عسكريًا بالمعنى التقليدي، لكنه يلزم لتصنيع كل سلاح عسكري متطور، ما جعل اقتصادها يستحق لقبه، أنه “درعًا من السيليكون” يطوق الجزيرة ويحميها ضد التدخلات العسكرية. حتى الآن.
يشكل اعتماد العالم كله على الرقائق التايوانية رادعًا يمنع الصين من غزو الجزيرة، ويجعلها في حالة تُشبه حالة الحياد السويسري، ولكن في شرق آسيا. من جهة أخرى، يمكننا أن نشرح حالة درع السيليكون كالآتي: تبدو تايوان كضفدع ملون صغير، والصين هي الأفعى العملاقة، لكن الضفدع الملون يمتلك بعضًا من السموم العصبية فائقة القوة التي تجعل الأفعى لا يمكنها أن تلمسه دون أن تودي بحياتها، ليصبح المفترس هو الفريسة.
هكذا، لا يمكن للصين أن تهاجم تايوان دون أن تتعرض لأضرار فادحة عبر شل صناعاتها الالكترونية والعسكرية كما يرى تقرير نشره الباحث فيكتور سيموف تحت عنوان “تآكل درع السيليكون: تحصين تايوان ضد الصدمات الجيوسياسية”. لكن تآكل نجاعة تلك السموم في وجه الأفعى الصينية، يتمثل في أن الصين كانت تستورد 61% من أشباه الموصلات من تايوان عام 2020 قبل أن تنخرط في مشروع توطين تلك الصناعة في الصين، لتتقلص تلك النسبة إلى 54% عام 2023.
أرقام تدعو للتفاؤل من وجهة نظر صينية، لكنها ما زالت تواجه تحديات غير بسيطة، فمشاريع توطين صناعة الرقائق في الصين، ما زالت تواجه بعض العقبات التي تجعلها تصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي قريبًا رغم ضخها ما يقارب 150 مليار دولارًا في هذا المسار بسبب تخلف ما تصنعه مقارنًة بتايوان، وبسبب العوائق التي تفرضها الإدارات الأمريكية المتتابعة، ولكن يبقى السؤال، إذا نجحت الصين في توطين تلك الصناعة، هل يمكنها ابتلاع تايوان؟
الأرجح؛ لا. تدخل أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية في صلب عقيدة الأمن القومي الأمريكي، حيث تعتمد جميع أنظمة ومنصات الدفاع الأمريكية الرئيسية على أشباه الموصلات في أدائها، ونتيجًة لذلك، يُشكل تراجع القدرات الأمريكية في مجال الالكترونيات الدقيقة تهديدًا مباشرًا لقدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن نفسها وحلفائها، بالإضافة إلى أن الاقتصاد المدني الأمريكي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على المنصات القائمة على أشباه الموصلات في عملياته اليومية.
وتُعد العلاقة الوثيقة بين أشباه الموصلات والأمن القومي في صلب العقيدة الأمريكية منذ عقود، فمنذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أكد الرئيس ريغان على ضرورة الحفاظ على الريادة العالمية للولايات المتحدة في مجال الرقائق الإلكترونية لمواجهة التفوق العدد للقوات العسكرية السوفيتية، وذلك من خلال أنظمة ذكية تعمل بأشباه الموصلات كالأقمار الصناعية والطائرات الشبحية وصواريخ كروز. تحت ظلال تلك المكانة التي تمتلكها أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية.
بما أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تمتلك التقنية والكفاءة حتى الآن في تصنيع ما تحتاجه من الرقائق وأشباه الموصلات محليًّا، يبدو وكأنها تعتمد بالكامل على تايّوان في هذا الصدد، وتستمر في تعميق علاقتها وشراكتها التجارية، مع الجزيرة الصغيرة، وهي الشراكة التي تُغذي سباق الصراع على الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين.
تشكك تايوان في نوايا الأمريكيين في حمايتها، بسبب مساعي ترامب إلى توطين 40% من صناعة الرقائق وأشباه الموصلات في الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته، ما زالت تنخرط مع الولايات المتحدة، فلقد كانت الولايات المتحدة مع تايوان قد قادا مشروع “باكس سيليكا” الذي انطلق في بدايات العام 2026، حيث تعهدت تايوان باستثمار ما يبلغ 250 مليار دولار في صناعة أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة وهو ما يؤكد على تعهد أمريكي بالمشاركة في حمائية تايوان على المدى الطويل، من خلال الاشتراك سويًّا في قيادة مستقبل أمن سلاسل التوريد الخاصة بمجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات التكنولوجية.
لكن مشروع باكس سيليكا بدوره، ما زال يواجه تهديدًا من نوع آخر يتعلق بالسيطرة الصينية على سلاسل توريد مصدر حيوي، حيث تحتاج صناعات أشباه الموصلات وغيرها من الصناعات التقنية المتقدمة في تايوان إلى معادن حيوية مثل معادن الغاليوم والجرمانيوم شبه الموصلة، والتي تُورد بشكل شبه حصري من قِبل شركات صينية، وقد اختبرت الصين فعالية تلك المعادن كورقة ضغط في الحرب التجارية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة بالفعل، إلى درجة توقف صادرات الجرمانيوم الصينية إلى تايوان تمامًا بين عامي 2022-2024.
كما أن خبرًا هامشيًا على أحداث الحرب في الشرق الأوسط 2026، يكشف نقطة ضعف في المشروع، حيث تعرضت إمدادات الهيليوم الضروري لتوفير البيئة الخاملة المطلوبة في غرف التعقيم في مصانع أشباه الموصلات لتقلص حاد بسبب الحرب في إيران، حين اضطرت قطر، التي تنتج 34% من إمدادات الهيليوم العالمية، إلى وقف الإنتاج. وهو ما يعكس هشاشة متطلبات تلك الصناعة أمام الظرف العالمي الأوسع.
لذلك يُواجه شعار “درع السيليكون” بالشك أحيانًا، هل هو درعًا أم حزام ناسف، فكل سماته بإمكانها أن تؤشر إلى مؤشرين، مثل عقارب الساعة المعطلة، التي تُعطي الوقت بشكل دقيق مرتيّن في اليوم. فبينما تقوم صناعة درع السيليكون على التفرد التايواني التقني، تستمد مكونات رئيسية من أجل البنية التحتية لتلك الصناعة من الصين، ومن مصادر أخرى تعتمد على سلاسل توريد هشة وعرضة للحرب في أي وقت كالشرق الأوسط، كما أن ارتباطها بالولايات المتحدة الذي يُعطيها حمائية قوية في وجه الصين، قد يبدو هو ذاته نقطة ضعف في الإفراط على تلك الاعتمادية في ظل إدارات متعاقبة ترفع شعار “أمريكا أولًا”.
ولكن رغم ذلك، ما هو مُثبت حتى الآن، أن “درع السيليكون” كان كافيًا لحماية تايوان من الابتلاع الصيني، التي تمتلك جيشًا من النمل عددًا، وعتادًا متقدمًا من حيث الكمية والكيفية إذا قورن بالعتاد التايواني العسكري.
السيطرة على المعادن.. حرب صينية معلنة
ينٌظر للهيدروجين كوسيلة لتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن الاعتماد الكلي على الكهرباء أو الغاز المسال. هذا الأمر ذاته، يمنح بعض الدول أدوات مساومة جديدة، حيث أن صناعة هذه الطاقة البديلة قد أصبحت رهينة لمعادن حرجة، متركزة جغرافيًا في أماكن بعينها.
المعادن الحرجة، كالليثيوم والكوبالت والنيكل والأتربة النادرة، هي السلعة الاستراتيجية للقرن الحادي والعشرين، نظرًا لدورها المحوري في صناعة البطاريات وأشباه الموصلات والمغناطيسات الدائمة المستخدمة في الصواريخ الدقيقة، والطائرات المقاتلة وأنظمة الرادار، فضلًا عن التحول الأخضر في قطاعي السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.
لا تمتلك الصين أضخم احتياطات هذه المعادن، لكنها تسيطر بشكل شبه كامل على مرحلة التصنيع المعالج، فهي تتحكم بنحو 90% من معالجة الأتربة النادرة عالميًا، وما يقارب 80% من إنتاج تكرير الكوبالت، وحصة مهيمنة في تكرير الليثيوم تتجاوز 70%، ووفقًا لأحد التقارير، تُعد السيارة الكهربائية الصديقة للبيئة، قوة سياسية للصين.
تستثمر الصين في تلك القوة بالفعل، واستعراضها، حيث تستخدمها كأداة ضغط، فقد أعلنت وزارة التجارة الصينية، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ضوابط تصدير جديدة وغير مسبوقة على الأتربة النادرة الثقيلة والمغناطيسات الدائمة، تستهدف للمرة الأولى المستخدمين العسكريين من خارج الصين، على وجه التحديد.
ذلك القرار يُشكل بوجه من الوجوه تهديدًا للأمن القومي الأمريكي، ففي تقريرها في معهد CSIS المرموق للدراسات الأمنية والاستراتيجية، ترى الباحثة جرسلين باسكران، أن ذلك القرار يؤثر على التقنيات الدفاعية الأمريكية، حيث تُعد العناصر الأرضية النادرة بالغة الأهمية في تكوينها، بما في ذلك طائرات إف-35 وغواصات فرجينيا وكولومبيا وصواريخ توماهوك وأنظمة الرادار وطائرات بريداتور المسيّرة، وسلسلة القنابل الذكية. وتواجه الولايات المتحدة صعوبة في مواكبة وتيرة إنتاج هذه الأنظمة، في المقابل، تُسرع الصين من وتيرة زيادة قدرتها على تصنيع الذخائر، وتستحوذ على منصات ومعدات أسلحة متطورة بمعدل يُقدر بخمس إلى ست مرات أسرع من الولايات المتحدة.
في العموم، يخلق ذلك القرار حالة عوز على نطاق عالمي، حيث لا تغطي قدرة العالم خارج الصين على معالجة هذه المعادن حاليًا أكثر من 20% من الطلب العالمي، وهذا التشديد المفاجئ كان كافيًا لخلق اختناقات تمتد من صناعات السيارات الكهربائية إلى مكونات أشباه الموصلات والدفاع، بما يهدد تفوق واشنطن العسكري.
كانت تلك الخطوة مقلقة إلى الحد الذي دفع حلف الناتو إلى الاعتراف رسميًا بالأتربة النادرة بصفتها متغيرًا حرجًا في الأمن الدفاعي، وأطلقت اثنتا عشر دولة حليفة من خلال منتدى الصناعات الدفاعية لقمة الناتو مشروعًا طموحًا يهدف إلى التنسيق الجماعي في شراء وإدارة الموارد الحرجة اللازمة للصناعات العسكرية، بعد أن تضاعفت تكاليف مغناطيسات الأتربة النادرة المستخدمة في الذخائر الموجهة بدقة وأنظمة الرادارات بنسبة 500%.
من ناحية أخرى، تسيطر جمهورية الكونغو الديمقراطية على نحو 70-75% من الإنتاج الخام العالمي لمعدن الكوبالت، وفي إطار مبادرة الحزام والطريق واستراتيجية الخروج إلى الخارج، تمول الشركات الصينية نحو 15 من أصل 17 منجم كوبالت في الكونغو، فيما تحتفظ الصين بحصة مهيمنة في التكرير الكيميائي للمادة الخام وتحويلها إلى مكونات بطارية قابلة للاستخدام الصناعي.
هذا يقودنا إلى ما تراه الوكالة الدولية للطاقة المتجددة IRENA حين تقول أن التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة، يغير مفهوم أمن الطاقة نفسه، فهو لن يُلغي المنافسة الجيوسياسية بل سيعيد تشكيلها حول محاور جديد. من يمتلك الهيدروجين، ومن يمتلك مقومات التحول الأخضر، ومن يمتلك المعادن؟ هذا هو السؤال.
الحروب البيئية.. في عالم صداقة البيئة
الحروب البيئية بدعة جديدة، فلقد سبق وأن استخدمت الدول ذاك الأسلوب في الإخضاع وكسر عزيمة الشعوب المقاومة منذ أن أطلقت القوات الأمريكية والجنوب فيتنامية حملة “رانش هاند” بين عامي 1962 و 1971، والتي رشت عبرها نحو 80 مليون لتر من المبيدات الكيمائية على الأراضي الزراعية الفيتنامية في الشمال، أبرزها ما يُطلق عليه “العميل البرتقالي” الذي يحتوي على مادة الديوكسين المسرطنة، بغرض تجريد قوات الفيتكونغ من الغطاء النباتي وتدمير المحاصيل الزراعية، وهو ما أثر في نحو 2.9 مليون هكتار من الأراضي الزراعية والغابات، وعرض ملايين المدنيين لمواد سامة لا تزال آثارها حيّة حتى يومنا هذا.
تلك الفظاعة الأمريكية، دفعت مجموعة من العلماء الأمريكيين إلى صياغة مصطلح بات يٌعرف باسم “إيكوسايد” أي الإبادة البيئية، الذي دفع الأمم المتحدة لتبني قرار يقضي بحظر استخدام تقنيات التعديل البيئي لأغراض عسكرية أو عدائية أخرى في عام 1976، والذي يبدو أن كثير من الدول تضرب به عرض الحائط، خاصًة، في الوقت الحاضر.
لقد أظهرت التقارير كيف وظف جيش الاحتلال الإسرائيلي تلك الآلية القذرة في حربه على قطاع غزة، فقد تعرض برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقريره المنشور عام 2024 لحقيقة أن الحرب على غزة أنتجت أضرارًا بيئية غير مسبوقة، تتمثل في الآتي:
- توقفت أنظمة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية العمل تمامًا، وأُغلقت محطات معالجة مياه الصرف الصحي الخمس في غزة، مما أدى إلى تلوث الشواطئ والمياه الساحلية والتربة والمياه العذبة بمياه الصرف الصحي، حاملةً معها مجموعة من مسببات الأمراض والمغذيات والجسيمات البلاستيكية الدقيقة والمواد الكيميائية الخطرة. وهذا بدوره يشكل تهديدات فورية وطويلة الأمد لصحة سكان غزة والحياة البحرية والأراضي الزراعية.
- نظام إدارة النفايات الصلبة مُتضرر بشدة، حيث تضررت خمسة من أصل ستة مرافق لإدارة النفايات الصلبة في غزة. وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني 2023، تراكم 1200 طن من القمامة يوميًا حول المخيمات والملاجئ. وقد أجبر نقص غاز الطهي العائلات على حرق الأخشاب والبلاستيك والنفايات، مما يُعرض النساء والأطفال للخطر بشكل خاص. ومن المرجح أن يكون هذا، إلى جانب الحرائق واستخدام الوقود المحترق، قد أدى إلى انخفاض حاد في جودة الهواء في غزة.
- جرى نشر ذخائر تحتوي على معادن ثقيلة ومواد كيميائية متفجرة في المناطق المكتظة بالسكان في غزة، مما أدى إلى تلوث التربة ومصادر المياه، ويُشكل خطرًا على صحة الإنسان سيستمر لفترة طويلة بعد انتهاء الأعمال العدائية، حيث تشكل الذخائر غير المنفجرة مخاطر جسيمة، لا سيما على الأطفال.
- من المتوقع أيضًا أن يؤدي تدمير الألواح الشمسية إلى تسرب الرصاص والمعادن الثقيلة الأخرى، مما يُشكل خطراً جديداً على تربة ومياه غزة.
في غزة أيضًا بحلول يناير/كانون الثاني 2025، كانت نسبة 80% من الغطاء الشجري في الغطاء قد دُمرت، ونحو نصف الأراضي الزراعية قد أصابها البوار، وقد تسللت مياه البحر إلى المياه الجوفية، لتجعل ما نسبته 97% من المياه، كانت صالحة للشرب، ولم تعد كذلك.
وإن يجادل البعض بأن تلك كانت آثار جانبية طبيعية للحرب لم تستهدف البيئة بشكل خاص، أثبت تقرير نُشر في أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، بالتعاون بين منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي يُنفذ منذ عام 2014، رشًا جويًا للمبيدات الكيمائية على طول الحدود الشرقية لغزة، وكانت الرياح تحمل تلك المبيدات إلى مسافات تصل إلى 1200 متر داخل القطاع، فتدمر محاصيل المزارعين الفلسطينيين، وتجبر كثيرين منهم على هجر أراضيهم، وقد اعترفت وزارة الدفاع الإسرائيلية نفسها بتنفيذ نحو ثلاثين عملية رش.
أثبت تقرير آخر أن تلك العمليات ومثيلاتها، كانت تستهدف إحداث تغيير اقتصادي وديموغرافي في المنطقة إلى جوار السياج، عبر إفقار سكان المناطق الزراعية الحدودية وكسر استمراريتهم في أراضيهم. ولم يردع أي اعتراف أو إدانة الجيش الإسرائيلي عن تكرار النمط ذاته في الجنوب اللبناني بعد غزوه في مطلع العام 2026، حيث استخدمت “إسرائيل” مبيد الأعشاب “غليفوسات” بنسب تركيز تراوحت بين 20 و 30 ضعفًا مقارنة بالمعدلات المعتادة.
كذلك، في مارس/آذار 2026، اتهمت إيران “إسرائيل” والولايات المتحدة بتعمد الهجوم على منشآت تخزين النفط في طهران، واعتبرته مظهرًا واضحًا للإبادة البيئية، وقد رصدت تقارير أخرى أكثر من 300 حادثة ذات صلة بالبيئة في إيران نتيجة للحرب.
وفي جنوب لبنان وجنوب سوريا، ليس الأمر أقل سوءًا، وفق العديد من التقارير والتحقيقات الصحفية، فقد شهد جنوب لبنان، ولاحقًا مناطق من جنوب سوريا المحاذية للجولان، تصاعدًا في استخدام وسائل قتال ذات آثار بيئية طويلة الأمد، شملت القصف بالفوسفور الأبيض ورش مبيدات عشبية من الجو عبر الطائرات. وترى الحكومة اللبنانية ومنظمات حقوقية وبيئية أن هذه الممارسات لا تقتصر على إحداث أضرار عسكرية آنية، بل تمتد إلى تدمير النظم البيئية والأراضي الزراعية والغابات ومصادر المياه والتنوع الحيوي، وتهديد الأمن الغذائي وإعاقة عودة السكان إلى مناطقهم.
فقد أدت الممارسات الإسرائيلية إلى احتراق مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، بما في ذلك الأشجار المعمرة التي يعود وجودها إلى مئات السنين، الأمر الذي انعكس على التنوع البيولوجي وعلى قدرة التربة على مقاومة الانجراف والتصحر. وتشير تقارير علمية إلى أن بقايا الفوسفور الأبيض والمعادن الثقيلة الناتجة عن الذخائر قد تبقى في التربة لفترات طويلة، بما يؤثر في خصوبتها وإنتاجيتها الزراعية، ويزيد من تكلفة إعادة تأهيلها.
ولا تخوض “إسرائيل” هذا المضمار وحيدة، حيث تواجه روسيا اتهامات باتباع نفس النمط في أوكرانيا، بدءًا من تعمد هدم سد كاخوفكا الذي كان يُزود حوالي 700 ألف نسمة، وتسبب تدميره في فيضانات هائلة وتلوث مصادر المياه، كما يواجه 600 ألف هكتار من الأراضي الزراعية خطر التحول إلى صحاري، بسبب نقصان مورد المياه. كما أن روسيا، جعلت من الأراضي الأوكرانية أكثر أماكن العالم تلوثًا بالألغام، ووفقًا لتقرير “قتل المستقبل: الآثار المرتدة للإبادة البيئية الروسية في أوكرانيا” بسبب تلوث 500 ألف هكتار من الأراضي الزراعية بالزئبق والزرنيخ والألغام، أصبح مستقبل سلة غذاء أوروبا مهددًا، حيث كانت أوكرانيا موردًا هامًا للغذاء الأوروبي. بالإضافة لدول مثل موزمبيق وجيبوتي وسوريا كانت تعتمد على الزراعة الأوكرانية، وستُكلف إزالة تلك الألغام ما يقارب 37.5 مليار دولار أمريكي، وهذا كان رقمًا مقدرًا منذ تاريخ نشر التقرير في فبراير/شباط 2025.
وفي بعض الأحيان، قد تستخدم الأنظمة تلك الوسائل ضد شعوبها، وهو ما حدث عندما شن نظام الأسد حربه ضد الشعب السوري. فلقد أثبت تقرير نشر في ديسمبر/كانون الأول 2025، أنه في الشمال الشرقي من سوريا أدى نقص الوقود واليأس الاقتصادي إلى ازدهار تجارة قطع الأشجار غير المشروعة، واستفاد التجار المنظمون ومنتجو الفحم والجماعات المسلحة ورجال الأعمال المرتبطة بالنخب من حرائق الغابات، التي كانت متعمدة أحيانًا من نخب تجارية مرتبطة بالنظام، سعيًا لتطهير الأراضي لأغراض البناء أو الاستخدام الصناعي أو إنتاج الفحم المربح، وقد أدت تلك الحرائق إلى تدمير سبل العيش وتغيير النظم البيئية الهشة بشكل دائم.
بسبب الثغرات القانونية في تعريف الإبادة البيئية ومن ثم تجريمها، توفر الضبابية القانونية لوضعية الإبادة البيئية كجريمة حرب أو أداة حرب، وسيلة للدول المُهيمنة في استدامة تلك الآلية في حروبها مع جاراتها حيث يصبح إحداث خلال ديموغرافي وإيقاع ضرر على المدى الطويل حتى في أوقات السلم، هدفًا للدولة المعتدية.
الهيدرا
من سوء حظ الدول في عالم اليوم أن امتلاك أدوات الردع أصبح ضرورة لا ترفًا؛ فلم يعد الأمر خيارًا سياسيًا أو عسكريًا فحسب، وإنما غدا خيارًا وجوديًا. غير أن من حسن الحظ أن الردع لم يعد حكرًا على امتلاك السلاح النووي أو التفوق العسكري الخارق؛ إذ باتت الموارد الاقتصادية العادية، التي طالما عُدّت خارج المعادلة العسكرية، قابلة للتوظيف بوصفها أدوات ضغط وردع في أي صراع.
في الميثولوجيا الإغريقية، تحضر الهيدرا بوصفها وحشًا أسطوريًا متعدد الرؤوس؛ كلما قُطع رأسٌ منه نبت مكانه رأسان،. هكذا تبدو الحرب اليوم، وهذا ما حاولت هذه الورقة قوله: ففي عالم لم تعد فيه الهيمنة تُقاس بحجم الترسانة العسكرية وحدها، تغيّر مفهوم الحرب ليصبح أقرب إلى القدرة على إحداث الشلل الهيكلي، والصمود في وجهه، عبر السيطرة على نقاط محدودة لكنها حاسمة داخل شبكة معقدة من سلاسل التوريد، والممرات البحرية، والمعادن الحرجة، بل والبيئة نفسها.
لم تختفِ الحرب التقليدية بالنيران، بالطبع، لكنها تراجعت لتصبح الخيار الأخير، أو الخيار المصاحب لخيار أول يتمثل في الخنق البنيوي: إغلاق ممر، أو حجب رقاقة، أو تقييد تصدير معدن، أو تسميم تربة وماء.
وما يجمع هذه المحاور، من عقيدة كارتر إلى أزمة هرمز، ومن درع السيليكون إلى معضلة ملقا، ومن العميل البرتقالي في فيتنام إلى المبيدات في غزة وجنوب لبنان، وصولًا إلى الكوبالت الكونغولي ومغناطيسات الأتربة النادرة الصينية، هو أنها جميعًا تشير إلى حقيقة معاصرة واحدة: أن مصدر القوة في القرن الحادي والعشرين لم يعد كامنًا فقط في القدرة على إطلاق النار، بل في القدرة على التحكم بالعُقَد الحرجة التي تربط العالم بعضه ببعض، وفي القدرة الموازية، وربما الأهم، للدول والمجتمعات الأضعف نسبيًا على الصمود حين يُستخدم هذا التحكم ضدها.