تحت جنح الظلام، وفي مشهد لم تألفه العاصمة بغداد منذ عام 2003، تحركت فجر الأحد 28 يونيو/حزيران الجاري أرتال عسكرية تابعة لجهاز مكافحة الإرهاب الذي يعرف بـ”العمليات الخاصة” لتغلق منافذ “المنطقة الخضراء” الدولية الحصينة، ولتبدأ عملية أمنية قضائية تعد الأولى من حيث السرية والأهداف.
وفوجئ العراقيون، فجر الأحد، بأن هذه التحركات لم تكن هذه المرة لفض نزاع عشائري أو اشتباك مسلح بين الفصائل أو لتأمين قمة دولية، بل كانت تدشينًا لما وُصف إعلاميًا وسياسيًا بـ”أكبر حملة قضائية” ضد شبكات الفساد البلاد.
ومع ساعات الصباح الأولى، استطاعت هذه القوات اعتقال نحو 47 مسؤولًا حكوميًا رفيعًا، بينهم أعضاء في مجلس النواب ومستشارون حكوميون وقيادات كتل سياسية، لتفتح الحملة بذلك الباب على مصراعيه أمام تساؤلات عديدة ومعقدة ومتشابكة لعل من أهمها:
- لماذا جاءت هذه الحملة في هذا التوقيت بالذات؟
- هل تشير هذه الحملة لبدء حملة فعلية لمكافحة الفساد؟
- ما دلالات هذه الحملة وأهدافها؟
- لماذا استهدفت الحملة سياسيين ومسؤولين معينين دون آخرين تشير بيانات دولية إلى أنهم منخرطون في تهم فساد وغسيل الأموال وتهريبها؟
- هل تستطيع الحكومة الإطاحة بشبكات فساد أكبر مدعومة بالسلاح وتحظى بدعم إقليمي؟
سابقة قضائية
يعد العراق من البلدان التي تعاني من فساد مالي وإداري مستشر منذ عقود، إذ تحتل البلاد التسلسل 140 من أصل 180 دولة في تقرير مؤشر مدركات الفساد للشفافية الدولية لعام 2024، بحصوله على درجة 26 من مئة، إلى جانب تصنيف متدنٍّ في مؤشرات الحوكمة ومكافحة الفساد الصادرة عن البنك الدولي.
وجاءت الحملة الأخيرة وسط تكتم إعلامي وسياسي مفاجئ لجميع المسؤولين، إذ استغلت حكومة علي الزيدي ومجلس القضاء الأعلى فقرة قانونية وردت في الدستور العراقي أتاحت للسلطات التنفيذية والقضائية رفع الحصانة عن العديد من النواب خلال العطلة التشريعية لمجلس النواب.
وفي هذا الصدد، يقول الباحث القانوني مصطفى أحمد في حديثه لـ”نون بوست” إن القضاء استغل المادة الدستورية 63/ثانيا/ج التي تنص على جواز رفع الحصانة عن النائب البرلماني خلال العطلة التشريعية بموافقة رئيس مجلس النواب فقط، بما أتاح فرصة رفع الحصانة عن النواب المعتقلين (12 نائبًا) بسرعة ودون الحاجة للجوء إلى تقديم طلب قضائي لمجلس النواب والتصويت عليه برلمانيًا وفق ما ينص عليه الدستور في حال عمل المجلس النيابي.
وبيّن أحمد أن هذه الحملة لم يكن بالإمكان القيام بها خلال الفصل التشريعي، إذ أن الإجراءات كانت ستتطلب وقتًا طويلًا وإجراءات معقدة قد تتيح للمتهمين الهروب خارج البلاد، وفق قوله.
ويرى أحمد أنه من غير المستبعد أن تكون الإجراءات القضائية قد شملت أوامر اعتقال لنواب ومسؤولين آخرين يتمتعون الآن بعطلة تشريعية خارج البلاد، مبينًا أن التكتم القضائي وعدم تسريب أوامر الاعتقال وتفاصيل العملية الأمنية أتاحت للحكومة التحرك بسرعة لافتة لم تشهدها البلاد من قبل.
كرة الثلج
بدأت الحكومة العراقية الجديدة التي يرأسها علي الزيدي أعمالها قبل أقل من شهرين بمديونية مالية هائلة داخليًا وخارجيًا، وفي ظل توقف صادرات النفط العراقي لأكثر من 3 أشهر بسبب الحرب الأميركية- الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، فضلًا عن ضغوط أميركية تعد الأكبر التي تواجهها أي حكومة عراقية منذ الغزو عام 2003، إذ أن واشنطن أوقفت تدفقات الدولار النقدي إلى البلاد منذ أشهر مشترطة مكافحة تهريب العملة والفساد ونزع سلاح الفصائل والخروج من عباءة النفوذ الإيراني.
كل هذه العوامل مجتمعة أدت بحكومة الزيدي إلى أن تجد نفسها محاصرة ماليًا وسياسيًا ودوليًا، لا سيما أن خزينة البلاد خاوية مع عدم وجود موازنة عامة للبلاد لهذا العام، وهو ما أدى بالحكومة إلى الضغط على الكتل السياسية لأجل التحرك ضد شبكة فساد عميقة كانت التحقيقات قد كشفت عنها ويرأسها وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية التي يقودها الوكيل “عدنان الجميلي”.
وفي حديثه لـ”نون بوست” يشير الباحث السياسي رياض العلي إلى أن اعتقال الجميلي لم يكن ليتم لولا الحرج الكبير الذي تعاني منه البلاد ولولا الضغوط الأميركية الاقتصادية التي تصاعدت بعد الحرب الأخيرة على إيران، حيث أن التحقيقات مع الجميلي والتي لم تكشف تفاصيلها كاملة للرأي العام حتى الآن أدت إلى الحملة الأمنية الأخيرة التي شهدت اعتقال 47 متهمًا بالفساد.
ويقول العلي إن كرة الثلج الصغيرة التي بدأت باعتقال الجميلي تضخمت خلال التحقيقات لتؤدي إلى الكشف عن شبكات فساد كبيرة تتعلق بتمويل حملات انتخابية لنواب سابقين وحاليين، فضلًا عن اكتشاف السلطات لمناجم مالية كبيرة كانت مدفونة في المزارع والبيوت وتجاوزت المليارات مع سبائك ذهبية وعشرات العقارات في مناطق فارهة في العاصمة بغداد وغيرها من المدن.
وعما إذا كانت الحملة ستستمر وتتوسع أم لا، يرى العلي أنه لا يمكن الجزم بإمكانية ذلك، إذ أن حملة الزيدي ورغم أنها تعد الأوسع والأكبر في العقدين الماضيين، إلا أن العراقيين يخشون أن تكون مشابهة لما سبق أن شهدته البلاد في بدايات الحكومات السابقة التي كشفت أيضًا عن شبكات فساد كبيرة، كان آخرها ما يعرف محليًا بـ”صفقة القرن” التي تضمنت سرقة 2.8 مليار دولار من أموال الأمانات الضريبية والتي أعقبها إطلاق سراح المتهم الأول بها “نور زهير”.
انتقائية الحملة
ورغم هذه التكهنات إلا أن العلي يرى في حديثه لـ “نون بوست” أن هناك إمكانية واقعية لاتساع هذه الحملة تماشيًا مع الضغوط الأميركية والدولية التي أعقبت الحرب على إيران، “يبقى السؤال الأهم الآن: إلى أي مدى يمكن أن تتسع الحملة، فعمليات الاعتقال التي جرت ورغم أنها نوعية وغير مسبوقة، إلا أنها لم تصل لحيتان الفساد الكبيرة التي توجه إليها أصابع الاتهام شعبيًا خاصة من عرابي العملية السياسية وعمليات غسيل وتهريب الأموال وممن يمتلكون أجنحة مسلحة ومدعومين من جهات متنفذة”.. يضيف العلي.
وشهدت الحملة اعتقال العديد من الشخصيات البارزة سياسيًا، لعل من أهمهم عضو مجلس النواب عن تحالف الإعمار والتنمية النائب عالية نصيف، إضافة إلى رئيس لجنة النزاهة النيابية زياد الجنابي، فضلًا عن زعيم تحالف العزم مثنى السامرائي وغيره من الشخصيات البارزة.
وتشير بيانات الحكومة العراقية التي يرأسها الزيدي إلى أن حملة مكافحة الفساد مستمرة، حيث أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي أن الإجراءات المتخذة في إطار مكافحة الفساد تسير ضمن مسار قانوني وقضائي، مشيرًا إلى أن عددًا من المتورطين لا يزالون فارين وتواصل الأجهزة المختصة تعقبهم، في وقت تتواصل فيه التحقيقات بعد اعترافات قادت إلى كشف أسماء وشخصيات سياسية ونيابية.
وقال العبودي خلال مؤتمر صحفي عقد الاثنين إن الاعترافات التي أدلى بها أحد المتورطين في الملف – في إشارة للجميلي- كانت الشرارة التي بدأت من خلالها العملية، وأنها كشفت عن تفاصيل جديدة وتورط شخصيات آخرى.
ورغم ثقل الوزن السياسي للمعتقلين، تطرح العديد من التساؤلات عن إمكانية الإطاحة بمسؤولين آخرين متهمين بالفساد، سيما من رؤساء الكتل السياسية المحسوبة على الإطار التنسيقي وغيرها من الكتل السياسية التي تملك أذرعًا ومكاتب اقتصادية وفصائل مسلحة، حيث لم يعتقل أي مسؤول حتى الآن يحظى بدعم جهة مسلحة أو فصيل مسلح أو محسوب على مكتب اقتصادي من بين عشرات المكاتب الاقتصادية التي تتهم بعميات الفساد المنظمة في البلاد.
ويرى الباحث الأمني حسن العبيدي في حديثه لـ “نون بوست” أن الشارع العراقي يطرح العديد من التساؤلات الأمنية والسياسية حول الاعتقالات الأخيرة؛ “ماذا لو كانت المعتقلة النائب عالية نصيف لا تزال ضمن ائتلاف دولة القانون، هل كان بالإمكان اعتقالها، لماذا شهدت العملية اعتقال زعيم كتلة سياسية واحد رغم وجود اتهامات يحق العديد من رؤساء الكتل السياسية الآخرين؟.. كل هذه الأسئلة لا يمكن البت بها الآن، فالحكومة تؤكد مضيها في العملية والوقت كفيل بالإجابة عن هذه التساؤلات الجوهرية التي يمكن من خلالها الحكم فيما إذا كانت هذه الحملة محدودة أم ستمضي نحو ما هو أبعد وأخطر” وفق تعبيره.
في سياق ذلك، وحول المخاطر المتعلقة بتبعات الحملة الأمنية ضد الفساد، يحذر أستاذ العلوم السياسية عصام الفيلي من احتمالية رد فعل عنيف من الكتل السياسية المتضررة، لا سيما تلك التي تمتلك أذرعًا مسلحة ومؤسسات إعلامية ضخمة والتي قد ترى في الحملة تهديدًا كبيرًا لها في حال استمرت الحملة واتسعت.
كما يؤكد أستاذ العلوم السياسية إياد العنبر أن مصداقية الحكومة في حملتها الأخيرة تتمثل في إمكانية تفكيك منظومة الفساد في البلاد والتي لا تتوقف عند العناوين السياسية التي جرى اعتقالها، والتي يجب أن تتضمن استهداف الحلقات المرتبطة بالفساد المعروفة بـ”المكاتب الاقتصادية للأحزاب والقوى السياسية”.
وحذر العنبر في معرض حديثه حول الموضوع من إمكانية إجهاض هذه الحملة الأمنية والقضائية لاحقًا من خلال الالتفاف القانوني والصفقات السياسية التي قد تفضي إلى إصدار “قانون العفو العام”، معتبرًا ذلك -في حال حدوثة- انتكاسة لكل خطوات القضاء ومسار الإصلاح المنشود في العراق.
خيارات صعبة
وبالذهاب إلى ما وراء الحملة الأمنية القضائية ضد شبكات الفساد في البلاد، يبدو أن حكومة الزيدي تواجه خيارات صعبة للغاية، فالشبكة التي تم الكشف عنها والتي يقودها وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي قد تعد من الشبكات الصغيرة مقارنة بحجم الفساد في البلاد والذي يقدر بما لا يقل عن 300 مليار دولار وفق بيانات حكومية سابقة، في الوقت الذي قد تكون فيه هذه الأرقام قد تضاعفت بعد سنوات من نهب المال العام وما أكدته بيانات ديوان الرقابة المالية والمنظمات الدولية المختصة بشؤون الحوكمة والشفافية.
وتعليقًا على ذلك، يشير الخبير الاقتصادي أنمار العبيدي في حديثه لـ”نون بوست” إلى أن مشكلة الفساد في العراق تتجاوز الحدود، وهي ذات بعد أمني، إذ إن مشكلة تهريب النفط العراقي والمنافذ الحدودية والجمارك والمصانع كلها ملفات ترتبط بفواعل إقليمية تتجاوز المشكلة العراقية، وتتعلق بإيران، وهو ما قد يضع رئيس الحكومة أمام خيارات صعبة للغاية في مواجهة “حيتان الفساد” الذين بات بعضهم يشكلون دولة عميقة تتحكم بالتعيينات في المناصب العليا عبر المال الفاسد، وفق قوله.
ويتابع العبيدي أن ما قد يكون بادرة أمل للعراقيين، أن القضاء العراقي والسلطة التنفيذية استطاعت تنفيذ حملة فجر الأحد بسرية تامة ودون أن تتسرب أي معلومات مسبقة عنها في وسائل التواصل، وهو ما كان يحصل في غالبية التحركات السابقة، في إشارة قد تعيد للعراقيين الأمل بإنقاذ البلاد مما هي فيه، لا سيما مع إصرار القضاء العراقي ورئيس مجلسه فائق زيدان على المضي في إجراءات مكافحة الفساد.
رسائل الزيدي لواشنطن
وفي ظل الأوضاع التي تشهدها الساحة العراقية، يستعد رئيس الوزراء علي الزيدي لزيارة العاصمة الأميركية واشنطن منتصف شهر يوليو/ تموز القادم، وذلك تلبية لدعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الوقت الذي تطالب فيه واشنطن بجملة من التحركات الميدانية التي تتعلق بنزع سلاح الفصائل المسلحة والميليشيات وإيقاف تهريب الدولار وتمويل إيران، وفك ارتباط الاقتصاد العراقي بالإيراني، حيث جاءت حملة فجر الأحد ضد الفساد كبادرة تحرك حكومية فعلية وصل صداها لواشنطن بانتظار التقييم الأميركي، وذلك وفق ما يراه العديد من المراقبين.
وفي هذا الشأن، يرى الباحث السياسي رياض العلي أن سيناريوهات تعامل واشنطن مع العراق قد لا تخرج عن 3 سيناريوهات، لا سيما أن الحكومة بدأت العمل على ملف نزع سلاح الفصائل:
- مباركة واشنطن للعملية الأمنية القضائية التي جرت مؤخرًا مع مطالبة الزيدي بمزيد من الحملات لاعتقال شخصيات بارزة متهمة بالفساد وتمويل ما تعتبره واشنطن “دعمًا” للإرهاب والميليشيات.
- إعطاء واشنطن مهلة للحكومة العراقية لإنجاز تعهداتها بنزع سلاح الفصائل المسلحة وفق التوقيت الذي أعلنته الحكومة العراقية والذي ينتهي وفق المتحدث باسمها “حيدر العبودي” نهاية شهر سبتمبر/ أيلول القادم في ظل رفض العديد من الفصائل تسليم سلاحها، ومن أبرزها كتائب “حزب الله” والنجباء وغيرها.
- فيما يبدو السيناريو الثالث المحتمل أكثر تشددًا والذي قد يتضمن عدم اقتناع واشنطن بالخطوات العراقية، مع الإبقاء على سيف الضغوط الاقتصادية على بغداد ريثما تنجز الحكومة تعهداتها.
يتابع العراقيون مجريات الأحداث الأخيرة في البلاد، في ظل تسريبات تشير لاعتراف العديد من المعتقلين بمعلومات هامة جديدة قد تطيح برؤوس كبيرة أخرى في قابل الأيام.